العلوم عند المسلمين

مقدمة المؤلف

يأتي هذا الكتاب ليكون خطوة في طريق طويل من الجهود والأبحاث في مجال التراث العلمي الإسلامي.. والحضارة الإسلامية..


لقد عشت ردحاً طويلا بين كتب التراث وآثار التراث.. وزرت معظم بلاد العالم الإسلامي والغربي.. وزرت المتاحف والمكتبات الكبرى بحثاً  عن الحضارة الإسلامية.. وكنت دائما أحمل معي آلات التصوير أسجل وأصور ما أشاهده من تلك النفائس والكنوز..

وقبل أن أبدأ بوضع اللمسات الأولى لهذا الكتاب.. فقد عمدت إلى قراءة  معظم ما كتب في هذا المجال من دراسات معاصرة بشتى اللغات.. ثم كانت لي لقاءات مع عدد من العلماء والكتاب المتخصصين كل في مجال علمه وتخصصه.. فقد كنت أريد أن يكون هذا الكتاب جديدا في ميدانه.. ومادته.. وأسلوب معالجته..

وكانت النتيجة التي خرجنا بها هي حاجتنا الى التركيز على الأهداف الستة التالية:

أولا: الصور العلمية والوثائق التاريخية
فهـذا أول كتاب في المكتبة العربية يحتوي على هذا القدر من الصور المأخوذة من المخطوطات العلمية الإسلامية ومن الآثار والتحف. وكما تقول الحكمة ، فإن الصورة الواحدة قد تغني عن ألف كلمه في الشرح والإقناع.

 ثانيا. إبراز فضل الإسلام كدين وتعاليم في تقدم هذه العلوم
وهو جانب هام جدا في دراسة التراث العلمي الإسلامي.. ولكنه لم يحظ بالاهتمام الكافي من الدراسات السابقة وخاصة ما يكتبه المستشرقون الغربيون عن حضارة الإسلام وقد يكون السبب عدم إلمامهم بهذه التعاليم الدينية  ".

ثالثا: تحديد هوية الاكتشافات والاختراعات الإسلامية الرائدة
 فالكثير من هذه الانجازات والاختراعات العلمية الإسلامية قد سلب منا ونسب الفضل فيه إلى علماء في الغرب حتي كادت الحقيقة أن تضيع في غفلة منا. وفي آخر هذا الكتاب باب بعنوان (اثنا عشر إنجازا إسلاميا غيرت مجري التاريخ ) أخذتها كنماذج وأمثلة لهذه الحقيقة. وأوردت الأدلة العلمية عليها. وكذلك سوف يلاحظ القاريء أنني قد توسعت في بعض المواقف والموضوعات أكثر من غيرها وذلك لأن هذه الموضوعات بالذات رغم أهميتها قد أهملت في المراجع الأخرى ولم تأخذ حقها من العناية والإهتمام. مثال ذلك فضل المسلمين في تقدم الجراحة وفضلهم في اكتشاف أمريكا وطريق الهند.. الخ..

رابعا. الرد على الفرق المغرضه من المستشرقين
فكثيرا ما نشاهد في بعض كتب الاستشراق نغمة تتردد بأن فضل المسلمين على الحضارة الإنسانية هو حفظهم للعلوم الإغريقية وترجمتها في فترة  الظلام في أوربا ثم تسليمها إلى أصحابها الأوربيين في بداية نهضتهم.. وبذلك لا يكون للحضارة الإسلامية دور سوى الحفظ والتخزين.. وليس الابتكار والتطوير..

خامسا: القصص العلمية الإسلامية
سوف يلاحظ القاريء في بداية كل فرع من فروع العلم مقدمة بعنوان (قصة لها دلالتها) والمقصود بمثل هذه القصص التاريخية الواقعية المحققة أن تكون دليلا ماديا على مدى تقدم هذا العلم في العالم الاسلامي ودور علماء المسلمين في تقدمه هذا علاوة على قيمة القصة العلمية من حيث الطرافة والتشويق..

سادسا: الدعوة إلى إعادة كتابة تاريخ الحضارة الإسلامية
فقد ظلمت هذه الحضارة ولم تأخذ حقها من التقدبر والعرفان من الشرق  والغرب معا.. فابناؤها الذين بهرتم الحضارة الغربية المعاصرة  قد أهملوا ماضيهم وتراثهم ولم يعطوه حقه من الدراسة في مؤلفاتهم ، وأبحاثهم وإذا كان هذا هو موقف أصحاب الشأن وحملة هذا التراث فبديهي أن يكون موقف أصحاب الحضارة المنافسة نحو حضارتنا هو التجاهل على أقل تقدير.. 

وللأسف الشديد أن هذا التجاهل لا يقتصر على المؤلفات العلمية العادية في أوربا.. ولكنه يتعدى ذلك إلي دوائر المعارف التي تصدر في الغرب بشتى اللغات والتي يعتبرها العلماء مراجع دقيقة وصادقة لهم.

ولولا مجهودات بعض المستشرقين المنصفين والمتخصصين جدا في العلوم الإسلامية والحضارة الإسلامية لضاعت حقائق هذا التاريخ في الشرق والغرب معا.

كانت هذه هي بعض الأهداف الرئيسية والطموحة التي شعرنا بالحاجة إليها.. والتي أرجو أن يكون هذا الكتاب قد حققها.

وفي الختام فإني أتقدم بخالص الشكر والتقدير الى كل من ساهم برأيه وجهد5 في إبراز هذا الكتاب بهذه الصورة العلمية الدقيقة المتقنة.

أشكر الدكتور صالح عبدالله جاسم مشرف إدارة الثقافة العلمية في مؤسسه الكويت للتقدم العلمي.. والذي أشرف على هذا الكتاب منذ أن كان فكرة لم تر النور.. وزودوني بالخطابات الرسمية باسم المؤسسة إلى المسئولين في مختلف المتاحف ودور المخطوطات في انحاء العالم مما سهل مهمتي في  الاطلاع والتصوير والبحث..

كما أشكر السادة العلماء أعضاء لجنة مراجعة الكتاب على ما بذلوه من جهد كل في مجال تخصصه وعلمه وهم حسب ترتيب الأبواب التي راجعوها: 

1 - الأستاذ الدكتور عبد الحافظ حلمي: باب تاريخ العلوم الإسلامية.
 2- الأ ستاذ الدكتور حسان حتحوت: باب الطب الإسلامي
3- الاستاذ الدكتور موسى عجام. باب الكيمياء
4- الدكتور صالح العجيري: باب علم الفلك
5- اللواء الدكتور كمال عبد الحميد. العسكرية الإسلامية وعلومها.
 6- الاستاذ الدكتور فاروق بدرخان: علم الحيل الميكانيكية.
7- مهندس بديع العابد: العمارة الإسلامية
8- الأستاذ الدكتور عبدالله الغنيم: علم الجغرافيا
9- باب الاختراعات الإسلامية: راجعته اللجنة مشتركة.

وأخيرا أشكر الحكيم محمد سعيد خان نائب رئيس جمهورية الباكستان لشئون الطب الإسلامي ومدير مؤسسة همدرد على التسهيلات التي أتاحها لي في المتاحف ودور المخطوطات في كل من الهند والباكستان... والله ولي التوفيق.
دكتور
احمد شوقي الفنجري
المحتويات
الباب الأول

تاريخ العلوم الاسلامية
. نشأة العلم وتطوره عند المسلمين 16 .
فضل المسلمين في تطويرالبحث العلمي 22 .
 أوروبا تستفيد من العلوم الاسلامية 24 .
 المستشرقون والحضارة الاسلامية 2 .
 واجبنا نحو تراثنا العلمي 25.
 الجامعات  في العالم إلاسلامي 37 
الباب الثاني:
الطب الاسلامي

. ماهو الطب الإسلامي.. 3 .
 المستشفيات الاسلامية 36 .
 آداب مهنة الطب في الإسلام 66 .
 آفاق جديدة في الطب والعلاج 73  .
 الصيدلة وطب الأعشاب 76 .
الجراحة عند المسلمين80 .
 علم جبر العظام101  .
 علم الكي 103 .
 علم التشريح 105 .
 الحمام  108 .
 الطب، البيطري110

تاريخ العلوم الإسلامية
من الصفر حتي قمة الحضارة

قصة لها دلالتهـا.
ولد ياقوت الحموي سنذ 178ا م في اليونان من أب وأم إغريقيين وفي شبابة ا التحق كجندي في الأسطول البيزنطي في البحر الأبيض وفي إحدي المعارك البحرية  بين  المسلمين  والرومان سقط أسيراً في قبضة المسلمين وكان أسرى الحرب أثناء الحروب الصليبية في العالم الاسلامي يؤخذون كعبيد ويباعون الي الاسر المسلمه لترعاهم وتعلمهم 

وكان ياقوت الحموي من نصيب أسرة مسلمة من الشام وكان من عادة المسلمين أن يطلقوا على العبيد أجمل الأسماء وأكرمها مثل ياقوت وزمردة ومصباح.. فأطلق عليه سيده اسم ياقوت ونسبه الي أسرته الحموية.. فسمي ياقوت الحموي.. وابتدأت الأسرة تعلم ياقوت اللغة والدين.. وعندما لمحوا فيه ذكاء اعتمدوا عليه في شئون التجارة.. واعتنق ياقوت الإسلام طائعاً مختاراً.. فحرره سيده من العبودية وأشركه معه في التجارة وأصبح ياقوت وكيلاً وشريكاً يسافر إلى أنحاء العالم الإسلامي. ومع كثرة الأسفار وحب الثقافة والاطلاع تحول ياقوت إلي الكتابة والتأليف بالعربية الفصحى حول مشاهداته في البلاد الإسلامية فكتب في الجغرافيا موسوعة ضخمة هي (معجم البلدان). بل تبحر في الأدب العربي فألف كتاب "ارشاد الأريب الى معرفة الأديب " عن تاريخ الأدب والأدباء في العالم  الإسلامي ويقول سارتون عن ياقوت الحموي إنه أصبح واحداً من أعظم الجغرافيين لا في العالم  الإسلامي وحده بل في التاريخ الإنساني كله.

 فهذه القصة تدلنا علي حقيقة هامة وخطيرة.. وهي أن الإسلام بتعاليمه ونظامه قد خلق من الجندي الأغريقي الجاهل واحداً  من أعظم علماء التاريخ وأن الإسلام كدين وتعاليم كان دائما صانع الحضارات.. ومنشىء العلم والعلماء. ولوكان الأمر بالعكس وسقط ياقوت في أسر الرومان لجعلوه طعاماً للوحوش.
 

نشأة العلم وتطوره عند المسلمين

الإسلام والعلم
لقد حث الإسلام اتباعه على طلب العلم: فقال صلي الله عليه وسلم . "طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة" واعتبر أن طلب العلم يعادل الجهاد في سبيل الله "من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " ويعتبر الإسلام أن مكانة الإنسان في الدنيا والآخرة بعلمه الى جانب إيمانه فيقول تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم منكم درجات " المجادلة. 

وليس القصد بطلب العلم هنا هو علوم الدين وحدها.. بل أن علوم الدنيا لا تقل أهمية عن علوم الآخرة.. وقد جاء في الحديث: "العلم علمان علم الأديان وعلم الأبدان "فجعل علم الأبدان الذي هو أحد علوم الدنيا موازياً في المكانة مثل علوم الدين ويقول الرسول أيضاً: "اطلبوا العلم ولو في الصين " فالعلم الذي يطلبه المسلم في الصين هوقطعاً علم دنيوي.

وللعلم بالنسبة للإنسان المسلم غايتان: الأولى: تعبدية والثانية: منفعة دنيوية..
1) أما العبادة فلأن العلم يزيده إيماناً بالله من خلال معرفته بإعجازه في خلقه.. مثل معرفة تركيب جسم الإنسان ووظائف الأعضاء.. ومثل معرفة الكون والفلك والنجوم.. ومعرفة تركيب الأرض ودورانها.. وقد أمر الله تعالى المسلم في مواضع عديدة من القرآن النظر في هذه الأمور ومعرفتها كنوع من العبادة واعتبرأهل العلم أكثر خلق الله خشية لله. فقال تعالى" إنما يخشي الله من عباده العلماء " فاطر 28 .

(2) الهدف الثاني. هو خدمة الرعية المسلمه وخدمه الإنسانيه عن طريق  العلوم النافعة مثل الطب والفلك  والهندسة وغيرها ورفع المستوي المعيشى بينهم.

المسلمون  وعصر الترجمة.
لم تكن لدي العرب قبل الإسلام  حضارة.... ولم  يكن لديهم أى علم تطبيقي ولكنهم بهذه النظرة الإسلاميه المتفتحة على طلب العلم.. ابتدأو في نهم شديد يبحثون عن العلوم لدي  الشعوب الأخرى.. فما أن استقرت مرحلة الفتوح في مصر والشام وفارس.. حتى ابتدأ عصر الترجمة من كل اللغات وخاصة الفارسية والإغريفية والهندية. ابتدأ المسلمون أولاً بترجمة العلوم الحيوية التي اشتدت حاجتهم إليها كالطب والصيدلة.. ثم تلا ذلك كتب الفلك وعلم الميكانيك الذي سموه علم الحيل النافعة ثم توالت الترجمات في العمارة والملاحة والموسيقى والبصريات والصناعات اليدولة.

 وفي تلك الفترة ظهر الكثير من المترجمين.. منهم أهل، الذمة الذين وجدوا في سماحة الإسلام والمسلمين.. وفي سخاء الخلفاء وكرمهم ما شجعهم على نقل علومهم إلي اللغة العربية. ومنهم من اعتنق الإسلام وأراد خدمة الدين الجديد وإثراء اللغة العربية بالترجمة إليها.

ومن أوائل المترجمين حنين ابن اسحق واسحق بن حنين وابن ماسويه وابن البطريق وعيسى بن يحي، وتعتبر مرحلة الترجمة احدى مفاخر الحضارة الإسلامية لعدة أسباب:

أولاً: لأن الشعوب الأخرى كانت لا تحترم الحضارات السابقة لها ولا تستفيد منها.. بل كان الغالب يدمر حضارة المغلوب ويحرق الكتب ويقتل العلماء. من ذلك ما فعله التتار في بغداد وما فعله الأسبان المسيحيون في قرطبة وغرناطة مع المسلمين وهذا بعكس ما فعله المسلمون مع غيرهم.

 ثانياً: لأن معظم العلوم السابقة وخاصة علوم الإغريق كانت قد اندثرت وضاعت معالمها فكانت بعض كتب العلم الإغريقية مدفونة مع العلماء في مقابرهم.. وذلك لأن الدولة الرومانية لم يكن لديها اهتمام بالعلم.. ومن هنا كان فضل المسلمين في إحياء تلك العلوم الميتة. 

وتذكر مراجع التاريخ الأجنبية بكثير من الدهشة شغف قادة الفتوح الإسلامية بالكتب.. الى حد مبادلة أسرى الرومان بالكتب الإغريقية.. أو رفع الجزية مقابل هدية من الكتب. وكان الرومان سعداء بهذه المبادلات ويعتبرون أنفسهم الرابحين لأن تلك الكتب لم تكن في نظرهم ذات قيمة وكثيراً ما كانوا يحرقونها علناً بحجة أنها تدعو الى الهرطقة والكفر. وكثيراً ما كان الخليفة يضع بين بنود الصلح مع إمبراطور الرومان شرطاً بالسماح للمسلمين بالتنقيب عن الكتب الإغريقية. وكانوا يطلبون من البيزنطيين البحث عن كتاب معين جاء ذكره  في المخطوطات ويسألونهم البحث عنه في مقبرة صاحبه.. ومع هذا الفيض من الكتب أنشأ المأمون داراً خاصة بالترجمة.. وكان المترجمون يؤجرون بسخاء.. وقد يعطى المترجم مثقال وزن الكتاب المترجم ذهباً .

ومن هنا كان الرومان يطلقون على المسلمين "المتوحشون العلماء" وذلك لأن شغفهم بالعلم لم يكن أقل شدة من بأسهم في القتال وصدق رسوله الله صلي الله عليه وسلم  إذ وصفهم بأنهم: "فرسان بالنهار ورهبان بالليل ".

مرحلة الإنتاج والإبداع العلمي
وبعد. مرحلة الترجمة عكف المسلمون على تلك المخطوطات الثمينة يدرسونها ويغربلونها.. ولم تكن تلك العلوم خالية من الشوائب والخرافات.. فهذه الشعوب كانت تعبد البشر وتعبد الحجر.. ولديهم الكثير  من العقائد الخرافية والسحر والشطط والكفر.. ثم ظهر جيل من علماء المسلمين الذي يستطيع أن يناقش القضايا العلمية.. فيثبت ما هو حق بالتجربة ويدحض ما هو خطأ أو باطل.. وظهر في العالم الإسلامي لأول مرة ما يسمى بالعلم التجريبي وشعاره "التجربة خير برهان" و "المشاهدة أقوى الدلائل ".

وبعد مرحلة الدراسة ابتدأت تظهر مجموعة من علماء المسلمين في كل علم وفن.. فظهر الرازي وابن سينا في الطب وظهر جابر بن حيان في الكيمياء وأولاد موسى بن شاكر في علم الحيل (الميكانيك) وابن يونس والبتاني والبيروني في الفلك والجغرافيا والفارابي في الموسيقى وابن الهيثم في الهندسة والبصريات وغيرهم كثيرون. وابتدأ هؤلاء العلماء بدورهم يكتشفون ويخترعون يطورون ويؤلفون الكتب والموسوعات العلمية. وزاد في تشجيعهم اهتمام الخلفاء والحكام المسلمين بهم.. وتسابقهم علي احتضان أكبر عدد من العلماء في بلاطهم، "وبذل المال بلا حدود. وقد بلغ هذا الاهتمام أن الخليفة الفاطمي  الحاكم بأمر الله عندما استدعى عالم الهندسة الحسن بن الهيثم إلى مصر خرج الخليفة بنفسه في موكب رسمي لاستقبال العالم عند أسوار القاهرة تقدبراً منه للعلم والعلماء..

كما أن السلطان بن مسعود أهدى الى البيروني حمل فيل ضخم من العملات الفضية تقديراً له على أحد كتبه غير أن العالم الكبير رد الهدية زهداً  في المال.. وكان حكام المسلمين يتشرفون بمجالسة العلماء وتقريبهم إليهم بل كانو ا يولونهم أخطر مناصب الدولة. فكان ابن سينا وابن رشد وابن زهر وزراء للحكام.

ولأول مرة في تاريخ العلم ابتدع المسلمون مبدأ تفرغ العلماء.. أي إجراء الرزق الدائم عليهم حتى يتفرغوا للعلم.. وهو مبدأ جاءت به تعاليم الإسلام في قوله تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين " التوبة 122.

وإلي جانب ذلك كان الحكام يتولون الإنفاق على أبحاث العلماء وكتبهم ويتشرفون بأن تطلق أسماؤهم على هذه الكتب ومن هنا ظهرت كتب أمثال: المنصوري: في الطب ألفه الرازي للأمير منصور حاكم خراسان.
 الحاكمي: في الفلك ألفه ابن يونس للحاكم بأمر الله.
المسعودي: في الجغرافيا والفلك ألفه البيروني للسلطان بن مسعود وغيرهم كثيرون.

ماذا انتج علماء المسلمين
يتساءل بعض الناس: إن الحضارة الغربية قد أنتجت للإنسانية الكثير من الاختراعات والأفكار العلمية التي تجعل حياة الإنسان أفضل وأيسر فقدموا لنا السيارة والقطار والطائرة وصاروخ الفضاء.. فماذا قدمت لنا الحضإ رة الإسلامية في عهود ازدهارها..

ونقول رداً على ذلك.. أن جميع هذه الاختراعات المعاصرة لم تخلق بين يوم وليلة وليست بفضل دولة واحدة ولا حضارة واحدة.. بل هي وليدة جهود ألوف من العلماء من شتى الأجناس على مر العصور.. كل منهم يضيف ويطور. وعندما كانت  أوربا في عصور الظلام.. وكان البحث العلمي يعتبر كفراً والاختراع ممارسة للسحر والشعوذة والعلماء يحرقون أحياء.. كانت العلوم الإسلامية تتطور بسرعة مذهلة.. ففي الطب اخترع المسلمون التخدير لأول مرة وسموه (المرقد) واكتشفوا الدورة الدموية واخترعوا خيوط الجراحة من أمعاء الحيوانات.. واكتشفوا الكثير من الأمراض كمرض الحساسية ومرض الحصبة والأمراض النفسية والعصبية. وفي علم طب الأعشاب اكتشفوا ألوف النباتات التي لم تكن معروفة وبينوا فوائدها وقد قفز المسلمون بالجراحة قفزة هائلة ونقلوها من مرحلة (نزع السهام ) عند الإغريق إلي مرحة الجراحة الدقيقة والجراحة التجميلية.

وفي علم الفلك كانوا سباقين إلي إثبات كروية الأرض  واكتشاف دورانها واكتشاف الكثير من الحقائق حول طبيعة الشمس والقمر مما ساعد في هبوط الإنسان على سطح القمر.. واكتشفوا الكثير من النجوم والمجرات السماوية وسموها بأسمائها العربية التي مازالت تسمي بها .

وقد ابتكر المسلمون علوماً جديدة لم تكن معروفة قبلهم وسموها بأسمائها العربية مثل علم (الكيمياء) وعلم الجبر وعلم المثلثات Al-chemy& Al- gebra   .

ولكي نخرح من باب العموميات الى التحديد القاطع فقد جعلنا في ختام هذا الكتاب باباً يحتوي على 12 اكتشافاً أو اختراعاً اسلامياً كان لها فضل على تطور الحضارة..

فضل المسلمين في تطوير أساليب البحث العلمي
يقوله علي بن عباس طبيب السلطان عضد الدولة عن كتب الإغريق المترجمة الى العربية: "إني لم أجد بين مخطوطات قدامى الأطباء ومحدثيهم كتاباً واحداً كاملاً يحوي كل ما هو ضروري لتعلم فن الطب. فأبو قراط يكتب باختصار وأكثرتعابيره غامضة كما وضع جالينوس عندة كتب لا يحوي كل منها إلا قسماً من فن الشفاء ولكن في مؤلفاته الكثير من الترديد. ولم أجد كتاباً واحداً له يصلح كل الصلاح للدراسة".

ويقول في مكان آخر عن هذه المراجع أنه "يشق علي، التلميذ أن يدرس فيها".

فإذا رجعنا إلي أي مخطوط علمي إغريقي قديم وقارناه بأي مخطوط اسلامي فسوف نجد قفزة كبيرة في كل شيء سواء كان في الأسلوب العلمي للكتابة والشرح أو في المضمون العلمي أو في ترتيب  المادة العلمية.

 فقد ابتدع المسلمون المنهج العلمي في البحث والكتابة الذي  يعتمد علي التجربة والمشاهدة فالاستنتاج. وهم أول من أدخل الرسوم التوضيحية في الكتب العلمية وأول من  رسم الآلات الجراحية والعملية وأول من رسم الخرائط الجغرافية والفلكية المفصلة.

وبحكم تعاليم الدين الإسلامي فقد ابتعد علماء المسلمين عن الخرافات في بحثهم فلا تجد كلاماً عن الكهانة والسحر والجن والشعوذة والتمائم وغير ذلك مما تذخر به كتب الإغريق والهندوس والبيزنطيين .

وكان العالم المسلم لا يبدأ الكتابة إلا وهو طاهر وعلي وضوء.
أما الخطاطون والنساخ فكانوا يهتمون بمظهر الكتاب، ويزينونه بالزخرف الإسلامي كما تزين المصاحف تماماً.. وتحلى المخطوطات بالآيات القرآنية والأحاديث المناسبة ويكتب بماء الذهب .

وقد ابتدع المسلمون الموسوعات العلمية لأول مرة.

كما ألفوا القواميس العلمية حسب الحروف الأبجدية ومن ذلك موسوعة علم النبات لابن البيصار.

وكان علماء المسلمين يصدرون كتاباً سنوياً يسمى (المناخ) وهو موسوعة تبين أحوال الجو في العام القادم ومواسم الطقس والمطر من التوقعات الفلكية مما يساعد الزراع والمسافرين. وقد نقلت أوربا هذه الفكرة وتصدر اليوم موسوعة سنوية تسمى Al- Manac (المناخ ( بجميع اللغارت الأوروبية تقوم على نفس الفكرة العربية.

أوروبا تستفيد من العلوم الإسلامية 
يؤكد كثيرمن المؤرخين أن عصر النهضة في أوربا لم يبدأ إلا بفضل الترجمة عن العلوم العربية. ويقسم سارتون الترجمة الي ثلاث مراحل.

 المرحلة الأولى: بدأها قسطنطين الافريقي في القرن 11 الميلادي.
 المرحلة الثانية: بدأها جون الأشبيلي في النصف الأول من القرن 2 ام.
المرحلة الثالثة. بدأها جيرار الكريموني في  النصف الثاني من القرن 2 ام. ومنذ ذلك الوقت ظلت الكتب العربية المرجع الرئيسي في الجامعات الأوربية حتى القرن السابع عثر الميلادي ومن أهم الكتب التي ظلت المرجع الوحيد في مجالها لمدة 6 قرون :

- كتاب الحاوي في الطب للرازي.
- كتاب القانون في الطب لابن سينا.
ـ كتاب التصريف في الجراحة للزهراوي.
- كتاب (الجامع الكبير) في طب الأعشاب لابن البيطار- كتب الجغرافيا للادريسي وابن حوقل.
- كتاب الجبر للخوارزمي.
- كتاب الحيل النافعة لأولاد موسى بن شاكر والحيل الهندسية للجزري.
- كتاب البيروني في الفلك- كتاب المناظر لابن الهيثم.

فطبع من القانون وحده 16 طبعة في القرن 15 ثم طبع منه 20 طبعة في القرن 6 ام ثم 39 طبعة في النصف الأول من القرن 7 ام بينما لم يطبع من كتب جالينويس غير طبعة واحدة ثم لم يتكرر طبعه بعدها..

ولكن أوربا في عصور الظلام والتعصب الصليبي لم تكن لتعترف بفضل علماء المسلمين عليها.. وبعض أوائل المترجمين عن العربية مثل قسطنطين الإفريقي الذي ترجم من العربية إلى اللاتينية قد نسب ما ترجمه من كتب إلى نفسه ولم يكتشف أمره في أوربا إلا بعد 40 سنة من وفاته بعد ان ظن الناس هناك- أنه عبقرية علمية لا مثيل لها. وفي نفس الوقت فمن العلماءا الأولين في أوربا من أخذ الاختراع العربي ونسبه الى نفسه.. ومن أهم هذه الاختراعات  التي نسبت إلى علماء غربيين اختراع البندول والكاميرا والبوصلة والبارود والمدفع والنظارة والساعة واكتشاف الدورة الدموية والتخدير وغيرها كثير مما سنناقشه في باب مستقل.

المستشرقون والحضارة الإسلامية

بعد أن انتهى عصر الظلام والتعصب الصليبي في أوربا ابتدأت مرحلة النهضة وعصر التفتح. فابتدأ علماء الغرب يعترفون لأصحاب الفضل بفضلهم  وسبقهم في العلم.. وظهرت مجموعة من العلماء الذين تخصصوا في (تاريخ العلم) وفي كشف الزيف التاريخي بتحقيق كتب التراث.. ومن هؤلاء العالم الأمريكي الكبير جورج سارتون صاحب موسوعة ( تاريخ العلم) وأستاذ مادة تاريخ العلم في جامعة واشنطن.. والعالم الألماني مايرهوف المتوفي سنة 1945 والذي كان أستاذاً  لطب العيون في ألمانيا ثم استهواه الاستشراق فانتقل إلي مصر ودرس اللغة العربية ثم قضى حياته في استكشاف وترجمة المخطوطات العلمية الإسلامية.. وهناك شاخت صاحب موسوعة تراث الإسلام.. ونلينو وسخاو وبارتولد وكرامر وهونكه ومنورسكى وفلوديان وسيديو .

وسوف يلاحظ القارىء أنني أحرص على الاستشهاد بسارتون أكثر من غيره كمرجع في العلوم الإسلامية.. لا لأنه من أكثرهم إنصافاً لها.، ولكن لأن سارتون لا يمثل عالما  واحداً.. أو كتاباً واحداً.. بل هو فريق ضخم من العلماء والباحثين وموسوعته الضخمة (تاريخ العلم) أصبحت المرجع الرئيسي والمنهل الأكثر اعتماداً.. لدى جميع المستشرقين والكتاب ومراكز البحث العلمي. بل أيضاً لمؤلفي الموسوعات العامة في الغرب.. ففي هذه الموسوعة يحدثنا سارتون عن العلم في التاريح الإنساني وفي العلم كله في أوربا وآسيا وافريقيا ولا يترك شعباً واحداً ساهم في الحضارة الإنسانية ولو بالقليل إلا ويذكر فضله. ودوره بالحق.. ويسير بنا سارتون بالتطور العلمي ابتداء من عصور الفراعنة ثم الإغريق ثم الدولة البيزنطية حتى يصل إلى ظهور الحضارة الإسلامية.

ويقول سارتون إنه عندما وصل في تأريخه الي القرن السابع والثامن الميلادي حيث ابتدأت الحضارة الإسلامية تصعد بسرعة مذهلة ويطغى نورها على كل ما سواها في شتى أنحاء المعمورة لم يستطع أن يكتفى بمعلومات مساعديه رغم أنهم فريق كبير من علماء التاريخ الإسلامي فاضطر أن يدرس (2 )اللغة العربية في هذا السن الكبيرحتى يستطيع بنفسه أن يلاحق هذا الفيض المتفجر من العلم والإنتاج.. ويقسم سارتون عصور التاريخ بأسماء أبرز العلماء وأصحاب الفضل على الحضارة الإنسانية في عصرهم. فالنصف الثاني من القرن الثامن الميلادي يسمى عصر جابر بن حيان. 
والنصف الأول من القرن التاسع الميلادي يسمى عصر الخوارزمي.
 والنصف الثاني من القرن التاسع الميلادي يسمى عصر الرازي.
 والنصف الأول من الاقرن العاشر الميلادي يسمى عصر المسعودي.
 والنصف الثاني من القرن العاشر الميلادي يسمى عصر أبو الوفا البوزجاني.
 والنصف الأول من القرن الحادي عشر يسمى عصر البيروني.
 والنصف الثاني من القرن الحادي عشر يسمى عصر الخيام.
والنصف الأول من القرن الثاني عشر يسمى عصر ابن زهر الأندلسي. 
والنصف الثاني من القرن الثاني عشر الميلادي يسمى عصر ابن رشد.
 والنصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادي هو عصر الترجمة من العربية الى أوروبا.

ولهذا التقسيم وهذه الأسماء مغزى كبير يجب أن لا يفوتنا. فمعناه أن الحضارة الإسلامية كانت في تلك العصور سيدة الدنيا بغير منافس ولا منازع مما حدا بسارتون أن يسميها بعصور العلم الإسلامي. وفي ذلك (3) يقول في صفحة 965 بعد أن يستعرض كل الحضارات المعاصرة من اليابان والصين حتى إنجلترا وإسكندنافيا:

"ولننتقل الآن إلى الإسلام. فكأنما انتقلنا فجأة من الظل الى الشمس الساطعة.. ومن العالم النائم إلى عالم يعج بالحركة والطاقة والحيوية والإنتاج " ويستطرد سارتون بأن العالم الإسلامي نفسه كان في سباق مع نفسه نحو قمة الحضارة.. فكانت هناك منافسة حضارية علمية بين مسلمي الغرب الإسلامي وبين مسلمي الشرق الإسلامي.. بل كان هناك سباق بين أبناء الدين الواحد والدولة الواحدة الذين ينتمون إلى عناصر مختلفة من عرب وفرس وأتراك وبربر وغيرهم. فقد دفع الإسلام في هؤلاء جميعاً طاقة لا تعرف الكلل.

ويرد سارتون على بعض المؤرخين الذين طغت لديهم الروح العنصرية والصليبية على روح العلم والتفتح فيقول.

"إن (4) بعض المؤرخين يحاول أن يبخس ما قدمه العرب للعالم. ويصرحون بأن العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ولم يضيفوا إليها شيئا" ويرد عليهم قائلاً: "إن هذا الرأي خطأ جسيم.. فقد كان العرب أعظم معلمين في العالم وأنهم زادوا على العلوم التي أخذوها ولم يكتفوا بذلك بل أوصلوها إلى درجة جديرة بالاعتبار من حيث النمو والارتقاء".

و يحدثنا سارتون في كتابه "حياة العلم " عن المعجزة الحضارية العربية.. وعن "الكبرياء العقلي العربي " فيقول: "إن قليلاً من الإغريق قد وصل الى مراتب (5) غير عادية بطريقة تكاد تكون فجائية وهذا ما نطلق عليه "المعجزة الاغريقية" ولكن للمرء أن يتحدث كذلك عن "معجزة حضارية عربية  وإن اختلف الأسلوب. إن عملية خلق حضارة جديدة ذات صفة دولية وقدر موسوعي خلال أقل من قرنين من الزمان.. لهي من الأمور التي يتعذر شرحها شرحاً كاملاً.. "

ثم يقول في مكان آخر: "إن تفوق الثقافة الإسلامية كان كاسحاً إلي حد يفسر لنا كبرياء العقلية العربية في تلك العصور"
أما ماكس مايرهوف فيقول في كتابه "تراث الإسلام "
"إن العلم الإسلامي قد عكس ضوء الشمس (6) الغاربة في اليونان.
 وتلألأ كالقمر في سماء العصور المظلمة.. وثمة كواكب سطعت من تلقاء نفسها وأضاء سناها ظلمة هذه السماء".

واعترافاً بفضل العلوم الإسلامية على الإنسانية فقد تكونت في كل الدولة المتقدمة مراكز لدراسة التراث الإسلامي وإعادة تقييمه.. وقررت  هيئة اليونسكو إحياء ذكرى هؤلاء العلماء على مستوى العالم كله.. فقامت في كل من روسيا وأمريكا وفرنسا وأسبانيا احتفالات بمناسبة العيد الألفي لابن سينا وأخرى للعيد الألفي للرازي وذكرى ابن رشد والبيروني وأنشئت في  روسيا لجنة دائمة لتكريم ابن سينا رصدت الجوائز السنوية لأفضل بحث عن أعماله.. كما ألفوا عن هؤلاء العلماء التمثيليات والمسرحيات.

وفي أمريكا أصدرت هيئة تسمية تضاريس القمر التابعة لأبحاث الفضاء نشرة بإطلاق أسماء18 عالما  اسلامياً علي تضاريس القمر وعلي محطات الهبوط علي سطحه.. تقديراًلفضلهم في التوصل الى هبوط الإنسان علي سطح القمر.

كما تكونت جماعات من الخبراء عملهم التنقيب عن قبور هولاء العلماء.. "واستخراج الجمجمة وتصويرها بالأشعة ثم تقدير ملامح العالم من الجمجمة وعمل صور وتماثيل له لوضعها في المتاحف العلمية وقد توصلوا إلى شكل ابن سينا والرازي وغيرهم . وبعض هذه الصور منشور في هذا الكتاب بل إن أبحاث علماء الغرب شملت التنقيب عن بيوت هؤلاء العلماء ومعاملهم الخاصة ... ويذكر ( هولمياد ) أنه عثر فى الحفريات على معمل جابر بن حيان فى الكوفة وهو أشبه بالقبو تحت بيت قديم ووجد فيه  أجهزة التقطير والقوارير والمواقد وعدد كبير من الكيماويات والأجهزة .

واجبنا نحو تراثنا العلمي

من الأمور المؤسفة حقاً أن أغلب المتعلمين المسلمين لايعرفون شيئاً ذا بال عن التراث العلمي الإسلامي ... وذلك لأن التعليم فى مدارسنا لم يهتم بهذا الجانب الاهتمام الكافي . وقد يدرس التلميذ التراث الأدبي من شعر وأدب وحكمة وقد يدرس أخبار الشعراء والأدباءوالفلاسفة المسلمين .... أما العلوم التطبيقية وروادها فلايعلم عنهم شيئاً وبذلك يتصور أن العرب والمسلمين كانوا أمة خطابة وشعر ولم يكونوا أهل علم وعمل . وقد يقول قائل إن أغلب هذه العلوم القديمة قد عفا عليه الزمن ... وحلت مكانه علوم حديثة متطورة وليس من المعقول أن يدرس أولادنا علوم القرن العاشر الميلادي ويتركوا علوم وتكنولوجيا القرن العشرين . وطبعاً نحن لانطلب ذلك ... ولكننا نقول أن دراسة التراث العلمي الإسلامي تهدف الى تحقيق الأهداف التالية : 

أولا العزة القومية : ـ 
وهو أمر لايمكن إغفاله أو الاستهانة به …فكل الشعوب الناهضة تعتز بماضيها وتراثها وتحاول أن تثبت أنها لم  تكن نكرة فى التاريخ بل لها فضل على الإنسانية بما قدمته من حضارة وتطور ....

ثانيا : أن تكون أمجاد الماضي حافزاً على النهضة فى المستقبل وأن تكون سيرة الأجداد وانجازاتهم العلمية حافزاً للأحفاد على الاقتداء بهم ... وعلي حب العلم .

ثالثا: الاستفادة من تجارب السابقين فى العلم الحديث : 
مثال ذلك ما فعلته الصين بعد تدارس نظام الوخز بالإبر فى ضوء التكنولوجيا العصرية وقدمته إلى العالم كعلم جديد نافع اهتزت له الاوساط العلمية فى أوربا . ونحن لدينا الكثير من العلوم الاسلامية مثل طب الأعشاب ـ علم جبر العظام ـ علم الكي ويمكن بعد إعادة دراسة هذه العلوم أن نجد فيها الكثير مما تقدمه إلى الإنسانية فى قالب عصري جديد .

واجب علمائنا المعاصرين نحو أجدادهم : ـ 
من المعروف أن أي كتاب أوربي يصدر فى عصرنا الحالي ويتناول أي علم من العلوم أو فروع دقيق من فروع هذا العلم …. فإنه يبدأ بلمحه من التاريخ …تتناول تطور هذا العلم وإنجازات السابقين فيه . ولكنهم غالباً ما يبدأون هذا الجانب التاريخي من عصر النهضة فى أوربا ويغفلون بذلك فترة الحضارة الإسلامية وانجازاتها … بل أن منهم من يبدأ بدور الفراعنة والإغريق ثم ينتقلون مباشرة إلى أوروبا … والواقع أننا لانستطيع أن نتهمهم بالتعمد أو التحيز لأن أغلب كتبنا  التى يؤلفها علماؤنا العرب والمسلمون والتى تدرس فى جامعاتنا اليوم تسير على هذا المنوال من تجاهل دور العلماء المسلمين الأولين .
 
و السبب في ذلك واضح وجلي.. وهو أن تاريخ العلوم الإسلامية لم يخدم حتى اليوم خدمة جيدة ولم يبرز إلي حيز الوجود في قالب علمي مقنع يمكن أن يرجع إليه كل عالم متخصص.. لكي يستقي منه ويعتمد عليه.. ومعظم الدراسات التي قدمت في هذا الميدان قامت على أكتاف اللغويين والمؤرخين والمتخصصين في كتب التراث.. ولا شك أن لهؤلاء فضلاً" عظيماً لا ينكر في التوعية بتراثنا العلمي.. ولكن المطلوب اليوم أن يتقدم العلماء المتخصصون لدراسة هذه المخطوطات القديمة كل في فرع تخصصه.. وأن يستخرجوا منها ما أنجزه أجدادهم من اختراعات واكتشافات علمية سبقوا بها العالم.. فكلمة واحدة أو إشارة علمية من عالم متخصص مؤيده بالوثائق العلمية سوف يكون لها من التأثير العالمي أضعاف ما للعالم اللغوي. وأبسط مثل على ذلك ما حدث مع أربعة من العلماء المسلمين المعاصرين:

1- الدكتور محي الدين التطاوي: المتوفي سنة 1945 وكان أخصائياً في أمراض القلب اكتشف أن ابن النفيس هو المكتشف الحقيقي للدورة الدموية.. وقدم رسالة دكتوراه في ذلك إلي جامعة برلين كان لها دوي كبير في الأوساط العلمية العالمية عندما تأكدوا من الحقيقة.. وكانت نتيجتها أن أصبحت جميع الكتب العلمية التي تصدر في أوربا بعد هذا التاريخ تعترف بفضل ابن النفيس وسبقه على أوروبا (راجع الباب الأخير).

2- الدكتور محمد خليل عبد الخالق. أستاذ علم الطفيليات في جامعة القاهرة قام بدراسة ما جاء في كتاب القانون لابن سينا عن الديدان المعوية وتبين له أن الدودة المستديرة التي وصفها ابن سينا هي ما نسميه الآن (الانكلستوما) وقدم بحثاً  بذلك إلى قسم الطفيليات في مؤسسة روكفلر بمناسبة العيد الألفي لابن سينا كان من نتيجته اعترافها بأن ابن سينا هو المكتشف الحقيقي للإنكلسنوما قبل العالم الإيطالي دويبني بثمانية قرون وقد عممت هذه الحقيقة على جميع الهيئات العلمية وسجلت في الطبعات الجديدة من المراجع والموسوعات العلمية.

3- عالم الفضاء الدكتور فاروق الباز: قدم إلي  هيئة أبحاث الفضاء في أمريكا  بحثاً  عن فضل وإنجازات ثمانية عشرمن علماء المسلمين في الفلك كان من نتيجته أن قررت تلك الهيئة اطلاق  اسم كل واحد منهم علي واحد من تضاريس القمر ومراكز الهبوط عليه.

4- الأستاذ الدكتور جلال شوقي: أستاذ علم الميكانيكا في جامعة القاهرة توفر علي دراسة ماكتبة علماء الفيزياء المسلمون عن الميكانيكا. فاكتشف أن المسلمين قد وصلوا الى معرفة قوانين الحركة وذكر وها بنصها قبل نيوتن بعدة قرون (وسوف نأتي إلى تفصيل أكثر في الأبواب القادمة لهذه الإنجازات).

ومما لا شك فيه أن هناك الكثير الكثير مما يمكن أن نكتشفه في ثنايا المخطوطات الإسلامية العلمية.. فهناك آلاف من الكتب في متاحف أوروبا والعالم الإسلامي والعربي لم يتم تحقيقها. وبعضها قابع منذ قرون في المخازن لا يعرف شيء عما حواه من أسرار.
وفي ذلك يقول البروفسور نيدهام في موسوعة (العلم والحضارة في  الصين إذا كانت هذه الاكتشافات في العلوم الاسلامية قد ظهرت بالصدفة وبجهود فردية.. فماذا ينتظر العالم من مفاجآت لو توفر على دراسة هذا القدر الهائل من المخطوطات الذي لم يقرأ بعد؟، نقول تعقيباً على ذلك: كيف يكون الحال لو قامت الكليات العلمية في العالم العربي والإسلامي والمؤسسات العلمية العربية بعمل منظم في هذا الميدان ؟ 

واجب الجامعات في العالم الإسلامي نحو علوم التراث:
من الملاحظ أن جميع هذه الدراسات الإسلامية قد قدمت، إلى جامعات أو هيئات أوروبية ولاقت منهم استجابة وتفهماً وتشجيعاً. وعلي سبيل المثال فإن الدكتور التطاوي عندما عرض على أساتذته في جامعة برلين ما اكتشفه بالصدفة حول ابن النفيسن.. نصحوه في الحال أن يجعل رسالة الدكتوراة في ابن النفيس ووضعوا المراجع كلها تحت أمره وأعطوه منحة مالية. ثم منحوه عن بحثه هذا الدكتوراة مع مرتبة الشرف. فلنقارن هذا بما يحدث حتى اليوم في الكليات العلمية في عالمنا العربي.. فجميع هذه الكليات لا تقبل منح الدكتوراة عن البحث العلمي في التراث لأنها لا تعتبر هذا النوع من الأبحاث نافعاً لها: وهذا أحد الأسباب التي تجعل الكثيرين من الباحثين العرب يحجمون عن إضاعة عمرهم ووقتهم في هذا الميدان لذلك يجب  أن ننشىء في  كل كلية علمية في العالم الإسلامي مادة جديدة باسم (تاريخ العلم) بحيث تدرس كل كلية ما يخصها من فروع العلم مع التركيز طبعاً على دور الحضارة الإسلامية.

وقد ارتفعت عدة نداءات في الآونة الأخيرة في أنحاء العالم الإسلامي تطالب بتدريس تاريخ العلوم الإسلامية. من ذلك قرارات صدرت بمناسبة احتفال العالم الإسلامي بإطلالة القرن الخامس عشر الهجري .

كما أن مؤتمر الطب الإسلامي  الذي عقد في تركيا سنة 1984 قد نادى بادخال مادة الطب الإسلامي في  جميع كليات الطب بالعالم الإسلامي. 

وقد قرأت دراسة وافية في هذا الموضوع للصديق الدكتور عبد الحافظ حلمي عميد كلية العلوم بجامعة عين شمس ألقاها في مؤتمر (تاريخ العلم)  في أدنبرة بانجلترا يطالب فيها بإدخال منهج دراسي للعلوم الإسلامية. كما أنشأت سوريا معهد التراث العلمي العربي في  حلب.

كل هذه الجهود لا بد أن تؤتي ثمارها ولكنها تحتاج إلى قرار جماعي سياسي على مستوى الوزراء المختصين إلى جانب القرار العلمي حتى تخرج إلى حيز التنفيذ.

الواجب الثاني الذي يجب أن تقوم به المؤسسات العلمية في العالم العربي والإسلامي هو إيجاد قنوات الاتصال بالجامعات وأصحاب الموسوعات العلمية في الغرب. وإمدادهم بالمعلومات الموثقة عن الحضارة الإسلامية في كل فرع من فروع العلم. وإصلاح الأخطاء والتجاهل أو الجهل. 

ولسنا نقول إن الجميع سوف يستجيبون في الحال. ولكن استجابة البعض سوف يكسر الحلقة ويفتح الأبواب لظهور الحقيقة أمام أعينهم. 

ولا ننسى أن هذه الموسوعات العلمية هي الأسس والمصدر الرئيسي الذي يستقى منه جميع الكتاب والعلماء والباحثين معلوماتهم. وإذا ما وصلنا الى بعضها.. فقد نجحنا بإذن الله في خدمة تراثنا وحضارتنا.

الجامعات في العالم الإسلامي
المسلمون أول من أنشأ الجامعات العلمية وكانت أول جامعة هي (دارالحكمة) التي أنشئت في بغداد سنة 830 م وذلك قبل أوربا بقرنين كاملين.. ثم تلاها جامعة القرويين سنة 859 م في فاس ثم جامعة الأزهر سنة 970 م في القاهرة ثم انتشرت الجامعات في كل مكان وأول جامعة في أوربا أنشئت في سالرنو بصقلية سنة 090ام على عهد ملك صقلية روجر الثاني ثم تلاها جامعة بادوا بايطاليا سنة 1222 م وكان يشرف علي جامعة سالرنو عالم مسلم من الأندلس وآخر يهودي أندلسي تعلم في الجامعات العربية.. وكانت الكتب مترجمة من  العربية.

مواد الدراسة.
كانت الجامعات العربية تدرس علوم الدين الى جانب علوم الدنيا، فكانت المواد التي تدرس في الازهر إلى جانب علوم الدين واللغة احدى عشرة (11) مادة هي الحساب والميقات والجبر وأسباب الأمراض  وعلاماتها وعلاجاتها والهندسة والهيئة ( أي الفلك) وعلم  المواليد الثلاثة: الحيوان والنبات والمعادن (وهو ما يسمى في عصرنا بالتاريخ الطبيعي) والجغرافيا والتاريخ .

ويذكر  ابن رضوان في كتابه "النافع في كيفية تعليم صناعة الطب " إن دراسة الطب كانت تستغرق (2 ا) ثلاث سنوات فيدرس الطالب في البداية ما نسمية، اليوم بالمرحلة  الإعدادية أو العلوم ا الأساسية كالحساب والهندسة والمنطق" ثم يواصل في دراسته الطب النظري فيقرأ اثني عشر كتاباً لإ بقراط وتسعة، لجالينوس وكتاب الحشائش لديوسقوريدس ثم ظهرت المؤلفات الإسلامية العلمية فحلت كتب الرإزي وابن سينا وابن البيطار وابن الهيثم مكان الكتب الاغريقية المترجمه وجميع المواد العلميه والتطبيقية كان الطالب يمارسها تحت اشراف أساتذته من ذلك فحص المرضى "والتجارب المعملية.

 الزي الجامعي.
كان للجامعات الإسلامية تقاليدوتنظيم دقيق سبقت به أحدث الجامعات العصرية.. فكان للطلاب زي موحد خاص بهم وللأساتذة زي خاص وربما اختلف الزي من بلد إلي  بلد ومن عصر إلي  عصر ولكنه كان في الأزهر عمامة وجبة وطيلسان وقد أخذ الأوربيون عن المسلمين الروب الجامعي المعمول به الآن في جامعاتهم.

وكان الخلفاء والوزراء إذا أرادوا زيارة الجامعة يخلعون زي الإمارة والوزراة ويلبسون زي الجامعة قبل دخولها..

الطلاب ونظام التعليم:
وكانت اعتمادات الجامعات من ايرادات الأوقاف فكان يصرف للمستجد زي جديد وجراية لطعامه.. وأغلبهم يتلقى معونة مالية بشكل راتب دائم إذا أثبت احتياجه وهو ما يسمى في  عصرنا "  scholar ship فكان التعليم للجميع بالمجان يستوي فيه العربي والأعجمي والأبيض والأسود. وبالجامعات مساكن للطلبة ويسمون (بالمجاورين) لسكنهم بجوارها.. وكان بالجامعة الواحدة أجناس عديدة من الأمم والشعوب الإسلامية يعيشون في اخاء ومساواة تحت مظلة الإسلام والعلم.. فهناك المغاربة والشوام والأكراد والأتراك وأهل الصين وبخارى وسمرقند وحتى من مجاهل افريقيا وآسيا وأوروبا.

كذلك كان هناك طلاب من أصحاب الديانات الأخرى من اليهود والمسيحيين من أهل الذمة ومن الذين درسوا وتخرجوا من الجامعات الإسلامية قسطنطين الافريقي الذي درس الطب في جامعة القرويين في  فاس بالغرب ثم عاد الى بلاده وتفرغ لترجمة كتب الطب الإسلامي الى اللاتينية.. ومنهم البابا سلفستر الثاني الذي قضى في اشبيلية ثلاث سنوات يدرس العلم.

وكان لكل جنس من هذه الأجناس العديدة والشعوب المختلفة رواق خاحص بهم لتسهيل أمورهم وقضاء حاجاتهم وطعامهم.

وكان نظام التدريس في حلقات بعضها يعقد داخل الفصول وأكثرها في الخلاء في الساحة أو بجوار النافورة. ولكل حلقة أستاذها يسجل الطلاب والحضور والغياب وقد جاء في وصف حلقات شيخ الأطباء الرازي وهو.

يدرس علوم الطب .
"كان يجلس في مجلسه (13 )ودونه التلاميذ. ودونهم تلاميذهم ودونهم تلاميذ أخر فكان يجيء الرجل فيصف ما يجد لأول من يلقاه فإن كان عندهم علم وإلا تعداهم إلى غيرهم. فإن أصابوا وإلا تكلم الرازي " وكان بعض الخلفاء والحكام يحضر بعض هذه الحلقات ومن هؤلاء الخليفة المأمون والخليفة الحاكم بأمر الله .

 وقد أحصى المؤرخ المقدسي عدد الحلقات التي شاهدها في الجامع الأزهر بأنها مائة وعشرة
 مجلساً من مجالس العلم المتنوعة في وقت واحد. 
مبنى الجامعة:

كان الخلفاء يتبارون في مباني الجامعات  من حيث الأناقة والفخامة والسعة.. وقد قيل أن أحد أسباب تسمية الأزهر بهذا الاسم أنة كان محاطاً بالبساتين المليئة بالأزهار التابعة له. ويصف المقريزي جامعة (دار الحكمة) التي أنشأها الحاكم بأمر الله في القاهرة سنة395 هـ بأنها "لم تفتح للدراسة إلا بعد أن فرشت وزينت وزخرفت وعلقت علي جميع أبوابها وممراتها الستور وعين لها القوام والخدم وكان البناء عظيماً جداً به أربعون قاعدة تتسع القاعة الواحدة لنحو ثمانية عشر ألف كتاب ".

ا لأساتذة.
وأيضاً كان الحكام المسلمون يتبارون في استجلاب العلماء المشهو رين من أنحاء  العالم الإسلامي ويغرونهم بالرواتب والمناصب ويقدمون لهم أقصى التسهيلات لأبحاثهم.. وكان هذا يساعد على سرعة انتشار العلم وانتقال الحضارة الإسلامية من وطن إلي  وطن في ديار الإسلام.. فالطبيب ابن النفيس كان في الشام وانتقل إلي  تدريس الطب في القاهرة وابن الهيثم كان في البصرة بالعراق واستدعاه الخليفة الحاكم بأمر الله إلي  مصر.. وكان الرازي وابن سينا يتنقلان بين بخارى وسمرقند وإيران والعراق للتدريس والتطبيب.

المكتبات والكتب.
كان لاكتشاف صناعة الورق وانتشار حرفة (الوراقة) في العالم الإسلامي فضل في انتشار تأليف المخطوطات لايدانيه إلا فضل اختراع الطباعة في أوربا. وقد تنوعت المخطوطات العربية بين مترجم ومؤلف.. أما المترجم فكان منها الهندي والفارسي والإغريقي والمصري  (من مكتبات الاسكندرية). ولم تكن المكتبات الإسلامية كما هي في عصرنا مجرد أماكن  لحفظ الكتب بل كان في المكتبة الرئيسية جهاز خاص بالترجمة وآخر خاص بالنسخ والنقل وجهاز بالحفظ والتوزيع.. كان المترجمون من جميع الأجناس الذين يعرفون العربية مع لغة بلادهم.. ثم يراجع عليهم علماء العرب لإصلاح الأخطاء اللغوية.. أما النقلة والنساخون فكانت مهمتهم إصدار نسخ جديدة من كل كتاب علمي عربي حديث أو قديم. وكانت أضخم المكتبات هي الملحقة بالجامعات ففي بيت الحكمة في  بغداد وفي دار الحكمة في القاهرة وفي جامعة القيروان وقرطبة كانت المخطوطات في كل منها بالألوف في كل علم وفرع من فروع العلم. ويذكر المقريزي أن مكتبة القاهرة في عهد الخليفة العزيز بالله المتوفي  في سنة 996 م قد أصدرت فهرساً بأسماء الكتب التي تحويها فبلغ الفهرس وحده أربعة وأربعين كتاباً.. وكانت كلها. ميسرة للاطلاع أو الاستعارة بدون رهن فكان يحق للقارىء أن يستعير كتباً تبلغ قيمتها في  حدود  المائتي دينار بدون رهن ، ففي ذلك الوقت كانت نسبة الأمية بين فتيان المسلمين تكاد تكون معدومة وكان تعلم القرآن كتابة وقراءة إلزامياً.

ومن باب المقارنة بأوروبا في ذلك العصر كانت نسبة الأمية في أوربا في القرن 9، 10،11، 12 أكثر من 95% فكان أكثر الملوك والحكام وأيضاً الرهبان لا يكادون "يفكون الخط ".. بل كان أكثرهم لا يعرف أن يوقع باسمه.. ويذكر المستشرق آدم متز في كتابه "الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري " أن أوروبا كلها في ذلك العصر لم يكن بها أكثر(16) من عدد محدود من المكتبات التابعة للأديرة. فكان في مكتبة دير البندكتين سنة 032ام مائة كتاب فقط.. وفي خزانة مدينة بامبرج سنة 1130 ستة وتسعون كتاباً. ولا يعرف التاريخ أمة اهتمت باقتناء الكتب والاعتزاز بها كما فعل المسلمون في عصور نهضتهم وازدهارهم.. فقد كان في  كل بيت مكتبة.. وكانت الأسر الثرية لا تتباهى بما لديها من قصور وضياع وأثاث في بيوتها.. ولكن بما لديها من مخطوطات نادرة وثمينة.. وكان بعض التجار يسافر إلى أقصى بقاع الأرض لكي يحصل على نسخة من مخطوط نادر أو حديث..

وكان الخلفاء والأثرياء يدفعون بسخاء من أجل أي مخطوط جديد.. فالسلطان مسعود قد دفع للبيروني حمل ثلاثة أفيال من الفضة عن كتابه "القانون المسعودي " وابن الهيثم كان يخط بيده كل عام نسخة واحدة من كتاب "المجسطى  ويبيعها بمبلغ يكفيه مؤنة عيشه طوال عام كامل... 

ويذكر المستشرق الاسباني كونده Conde  أن الاسبان عندما استولوا على قرطبة أحرقوا في يوم واحد نحو سبعين خزانة (أي قاعة) للكتب فيها اكثر من مليون وخمسين ألف مجلد وعندما استولي  التتار على بغداد ألقوا بالكتب في نهر دجلة وتحولت مياه النهر الى السواد من الحبر ثلاثة أيام متتالية..

ورغم كل هذه الظروف المؤسفة التي تعرضت لها المخطوطات الإسلامية فما يزال في أنحاء العالم اليوم فيض منها في متاحف أوربا ومتاحف العالم الإسلامي والكثير منها لم يخرج الى النور ولم يتم تحقيقه أو تدارس ما فيه من كنوز المعرفة. وقد أعلن الفاتيكان أن لديه في مكتبته بضعة آلاف مخطوط اسلامي نادر. ومثلها في مكتبة الاسكوريال في مدريد منذ رحيل الاسلام عن الأندلس .

الهوامش

(1) شمس الله تسطع على الغرب (سيجربد هونكة)
(2) مقدمة في تاريخ العلم (سارتون) حـ ا ص 45
(3) المرجع  السابق حـ  ا ص 695.
(4) science from homer to omar khayam.
The life of science ( Essays in the history of civilization)
(5) New York. Henry Schumann 1940 - P150 -151 

 (6) كتاب "تراث الإسلام " ماكس مايرهوف ".
(7) كتاب "العلم في حياة الإنسان " د. عبد الحليم منتصرص 26.
(8) نيدهاما موسوعة العلم والحضارة في الصين" حـ 1 5 ص 213- 295 (بالانجليزية) (راجع صفحة المراجع)
(9) مؤتمر الطب الإسلامي في اسطنبول المعقود في سنة 1984 (مذكرة قرارات المؤتمر
10) نشر هذا البحث في مجلة العلم التي تصدرها أكاديمية البحث العلمي في القاهرة عام 1977 عدد 20.
(11) كتاب  تاريخ العلم "د. عبد الحليم منتصرص 279.
(12) مخطوط إسلامي نشره معهد المخطوطات العربية بالقاهرة تحت رقم 261طب.
(13) طيفات الأطباء- ابن أبي اصيبعة. الرازي.
(14)) أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم للمقدسي.
(15) الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الممجرقي آدم متز. ترجمة أبو ريدة.
(16) المصدر السابق.
(17) طبقات الأطباء (إبن الهيثم)
(18) الإسلام في حضارته. أنور الرفاعي.

الطب الإسلامي

قصة لها دلالتها
أستدعى الخليفة في بغداد شيخ الأطباء أبا بكر الرازي وطلب منه أن يعد تصميما لمستشفى كبير(1) في ضواحي بغداد يكون أكبر وأحدث ما انشيء في زمانه.. فاشترى الرازي فخذة لحم كبيرة وقطعها إلى قطع صغيرة.. ووضعها في أماكن مختلفة من ضواحي بغداد.. وأخذ كل يوم يمر على اللحم ليرى تأثير الجو والزمن عليها.. فالقطعة التي تلفت بسرعة إعتبر أن الهواء في هذه المنطقة فاسدا ولا يصلح لإقامة المستشفى.. أما القطعة التي ظلت صالحة اعتبر الهواء في هذه المنطقة صحيا أكثر من غيره.. وبهذه الفكرة الذكية وضع الرازي أول قاعدة لاختبار البيئة الصالحة للاستشفاء والعلاج .

وقصة أخرى :-
بينما كان طبيب القلب ومكتشف الدورة الدموية (2) ابن النفيس مسترخيا في الحمام.. يستمتع ببخار الماء الحار.. والمختص يدلك عضلات جسمه في  رفق.. إذ مد يده يتحسس نبضه.. وكان قد قاسه قبل دخول الحمام.  فلاحظ أن النبض في هذا الجو ا لحالم المريح للأعصاب تقل سرعته.. عن الجو المتوتر المليء بالإنفعال. وتواردت الأفكار على خاطره - بسرعة البرق. فقد "كان عالما حاضر الذاكرة. يؤلف كتبه كلها من البديهه دون أن يحتاج إلى المراجع بجانبه. وفي الحال انطلق ابن النفيس من مكانه وهو شبه عريان .. ودخل إلى مسلخ الحمام.. وامر بدواة وأقلام وورق.. وأخذ يكتب ويكتب الساعات الطوال.. وكأنه السيل إذا انحدر. وكان كلما كل القلم وحفى رمى به وتناول غيره لئلا يقطع أفكاره أو وقته في بري القلم.. وأخيراً انتهى من تأليف بحثه الهام:- "رسالة في النبض " وعند ذلك عاد إلى الحمام وكمل تغسيله .

فهذه القصص مع ما فيها من طرافة علمية ... تبين لنا مدي ما وصل إليه علماء المسلمين من تمكن فى العلم .... ومن قوة الملاحظة ... ومن اعتماد على التجربة والمشاهدة فى كتاباتهم العلمية .

ماهو الطب الإسلامي؟

الطب الإسلامي علم قديم وجديد في آن واحد… أما كونه قديم فلأنه نشأ مع ظهور دولة الاسلام ونهضتها منذ القرن السابع والثامن الميلادي… وأما كونه جديد فبسبب عودة المسلمين إليه في  عصرنا الحاضر واهتماماتهم به ومحاولة إحيائه ودراسته في ضوء التكنولوجيا المعاصرة في القرن العشرين..

وتشمل دراسة الطب الإسلامي ثلاثة أبواب رئيسية:

أولا: تعاليم الإسلام الصحية
حيث، جاءت هذه التعاليم بهدف خلق مجتمع صحي مثالي منيع ضد الأمراض بالأمر بالنظافة والطهارة والوضوء.. والنهي عن الأشياء الضارة بالصحة كالخمر والمخدرات ولحم الخنزير واعتبارها محرمات وقد تناولت هذا الموضوع بتوسع في كتابي "الطب الوقائي في الإسلام " (3).

ثانيا: تاريخ الطب الاسلامي
ويشمل دراسة ممارسة الطب وتقدمه في عصور ازدهار  الاسلام مع دراسة حياة مشاهير أطباء المسلمين وإنجازاتهم واكتشافاتهم العلمية وإبراز فضلهم في  تقدم مهنة الطب كجزء من التراث الإنساني. وهذا ما سوف نتناوله في هذا الكتاب.

ثالثا: وسائل العلاج في الطب الإسلامي
في ضوء التكنولوجيا الحديثة وذلك بقصد إحياء هذه العلوم والأساليب العلاجية وتقديمها في ثوب عصري متطور لخدمة الإنسانية.. ومن ذلك علم طب الأعشاب- علم الكي- علم جبر العظام.

الإسلام والصحة
لقد جاء الإسلام بمفهوم جديد للمرض والعلاج يختلف جذريا عن مفهوم الديانات السابقة له.. فجميع الديانات الأخرى تنظر إلى المرض على أنه عقاب من الله يصيب الإنسان جزاء له على معصية ارتكبها.. وبهذا المفهوم يقتصر العلاج على رجال الدين الذين يقومون بطقوس ودعاء لطرد شيطان المرض- وفي العصور الوسطى في أوروبا كان الناس يمتنعون عن العلاج والدواء ومراجعة الأطباء ويعتبرون ذلك تحديا لارادة الله.. وكان الأطباء والعلماء يحاكمون ويحرقون أحياء بتهمة الهرطقة. وفي ذلك يقول برنارد شو في  كتابه  "حيرة الطبيب "إن المسيحيين المخلصين كانوا يطيعون هذه التعاليم طاعة عمياء ويستغنون عن الأطباء حتى اضطرت إنجلترا إلي  إستصدار قانون في القرن التاسع عشر يقضي بتوجيه تهمة القتل إلى كل أب يموت أحد أبنائه من المرض لعدم عرضه علي  الطبيب.

وعندما جاء الإسلام اعتبر المرض أن قضاء الله وقدره يصيب الناس جميعا المحسن منهم والمسيء.. وامر الناس بالبحث عن الدواء الجيد وبزيارة  الطبيب المختص فقال صلي الله عليه وسلم  "تداووا عباد الله فإن الله تعالى لم ينزل داء إلا جعل له دواء !! وبذلك نفى الاسلام عن رجال الدين سلطة علاج الناس واعترف بالطب والأطباء والأدوية الناجحة.

ولم يكتف الاسلام بهذا.. بل وضع القواعد لخلق مجتمع صحي منيع ضد الأمراض بالحث على النظافة في البدن والطعام والبيوت والشوارع.. وبين المواد الضارة بالصحة وجعلها من المحرمات.. وحث الناس على العناية بأجسامهم وصحتهم واعتبر ذلك من الإيمان فقال صلي الله عليه وسلم  "المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف ".

نهضة الطب في الدولة الإسلامية
وبهذا المفهوم العلمى المتطور ارتفعت مكانة الاطباء.. وأقبل المسلمون على هذا العلم بشغف فترجموا علوم السابقين وتكونت لديهم من الترجمات من علوم الاغريق والهند والصين حصيلة كبيرة. وارتقت مكانة الطبيب في المجتمع الإسلامي وأصبح الطبيب أقرب الناس إلى الخليفة والحاكم.. بل من الأطباء من أصبحوا الوزراء الموثوق بهم والعلماء الذين يقدمون على سائر رجال الدولة.. ثم ظهر جيل العمالقة من أطباء المسلمين.. وأولهم الرازي شيخ الأطباء المسلمين وبعد قرن واحد ظهر ابن سينا أمير الأطباء وقد ألف كل منهم موسوعة خاصة به في الطب بين فيها أخطاء السابقين من إغريق وهنود وغيرهم.. وأصلحوا الكثير من المفاهيم الطبية ووضعوا قواعد جديدة مبنية على أسس علمية في فحص المرضى وعلاجهم.

 وبفضل هذين العالمين العظيمين تقدمت مهنة الطب بسرعة.. وظهرت أجيال أخرى من عباقرة الطب الإسلامي الذين أرسوا قواعد هذه المهنة وابتكروا وطوروا الكثير من الأجهزة العلمية.. واكتشفوا الكثير من الأمراض الجديدة.. ومن الأدوية والأعشاب ووسائل العلاج.. ومن هؤلاء الأطباء العمالقة ابن النفيس والزهراوي وابن الهيثم وابن البيطار.. وغيرهم كثيرون ممن يعتبر الواحد منهم أستاذاً لأجيال من العلماء وهذه لمحة سريعة عن إنجازات بعض منهم وفضله في تطور مهنة الطب.

أبو بكر محمد بن زكريا الرازي 850- 932 م (شيخ الأطباء) 
- ألف أول موسوعة طبية لجميع فروع الطب هي (الحاوي) أشار فيها إلى أخطاء جالينوس وغيره من أساطير الطب الإغريقي.
- اكتشف مرض الحساسية وسماه  المرض الذي يصيب الناس بالزكام مع موسم الربيع وتفتح الورود (Hay Fever).
- اكتشف الحصبة وميز بينها وبين الجدري.
- اكتشف اليرقان الناجم عن تكسر الدم وميز بينه وبين التهاب الكبد المعدي.
- أول من عالج المرضى بالموسيقى في المستشفيات.
- أول من استعمل الفتيلة في الجرح.
ـ استعمل خبرته كعالم كيميائي في إدخال بعض المركبات الكيميائية لأول مرة في العلاج ومن ذلك أملاح الزئبق والرصاص والنحاس بعد أن جربها علي القرود وهو أول من أدخل الرصاص الأبيض في المراهم واستعمل الزئبق كمسهل ويعتبره سارتون مبتكر علم الكيمياء الطبية  latrochemistry. 

- أول من استعمل خيوطا من مصارين الحيوانات في الجراحة وقد استعمل في ذلك (أوتار القيثارة) الجيتار.

ابن سينا 980- 1037 م ( الشيخ الرئيس)
- ألف أعظم موسوعة في الطب وسماها (القانون) وتتألف من مليون كلمة وظلت تدرس في جامعات أوربا والعالم العربي حتي نهاية القرن 17 م.

 - ابتكر أول مخدر قبل الجراحة وسماه المرقد.
- اخترع الحقنة لأعطاء الأدوية تحت الجلد وسماها (الزراقة).

- ابتكر أول جراحة للأعصاب المقطوعة.
- اكتشف مرض شلل الوجه وميز بينه وبين الشلل من الدماغ.
- اكتشف الدودة(6)المستديرة(الانكلستوما)قبل دوبيني الإيطالي الذي توفي سنة 1838م(أي. ثمانية قرون).

ابن النفيس مكتشف الدورة الدموية :
ولد في دمشق سنة 1210 م توفي في القاهرة سنة 1288 م كان يدرس طب العيون في  كلية الطب التابعة لجامعة الأزهر. وسوف يأتي تفصيل لاكتشاف الدورة الدموية. ألف كتاب "شرح تشريح القانون ".

ابن الهيثم ولد في البصرة سنة 965 م
- مكتشف نظرية الابصار حيث أثبت أن العين ترى الشيء بعد أن يسقط عليه شعاع من الضوء فتظهرله في قاع العين صورة مصغرة معكوسة وكان اعتقاد الإغريق أن العين تصدر شعاعا لترى به الأشياء.

- اكتشف مسار الضوء في العين ووظيفة القرنية والعدسة والبؤبؤ والشبكية. أخترع أول كاميرا في التاريخ وسماها الخزانة المظلمة ذات الثقب.

- أول من اخترع  النظارة للقراءة.

شيخ الجراحين أبو القاسم الزهراوي ولد 1013 م في الأندلس - 
ـ ألف أول موسوعة في الجراحة والطب وسماه (التصريف) وتتكون من ثلاثين جزءا.

- أول من ابتدع جراحة الأوعية الدموية مثل خياطة الشرايين في حالة قطعها أو ربطها في حالة النزيف. كما ابتدع عملية قطع الشريان الذي في الاصداغ لمداوة الصداع المتكرر (Migrain) (9).

- ادخل استعمال الحرير في خياطة الجروح وأسلاك الذهب في  تقويم الأسنان والخيطان المأخوذة من أمعاء القطط في خياطة المصارين وهو أول من ابتكر الخياطة التجميلية.

- ابتكر الكثير من الآلات الجراحية التي لم تكن معروفة من قبل ورسم صورها وأحجامها والمادة التي تصنع منها.. ومن ذلك أنواع الصنانير لقطع اللوز والأورام وأنواع المكاوي للكي والكلاليب لخلع الأسنان .

- وابتكر العديد من العمليات الجراحية الرائدة مثل حصوة المثانة واستئصال اللوزتين وتقويم الأسنان وشق الحنجرة للتنفيس.  وهو أول من ابتكر طريقة الولادة بالحوض في حالة ما إذا كان وضع الجنين غيرطبيعي. 

- وطور علم الكي الذي اختص به العرب منذ الجاهلية ووضع له قواعد علمية وحدد الأمراض التي نجح فيها كما ابتكر له عدة مكاو من معادن مختلفة.

وإذا كنا قد ذكرنا أسماء وإنجازات هؤلاء الأطباء الخمسة من عمالقة الطب فإنما ذلك على سبيل المثال لا الحصر.. فهناك عشرات الأطباء غيرهم ممن كانت لهم إكتشافات طبية كان لها تأثير في مسيرة الطب وتقدمه.

البيمارستانات
المستشفيات الأسلامية

من المعروف أن الدولة الإسلامية في عصور ازدهارها كانت تعطي أهمية قصوى لمرافق الخدمات العامة مثل المساجد ودواوين الحكومة والحمامات والمطاعم الشعبية واستراحات المسافرين والحجاج. وبديهي أن تكون أهم هذه المرافق المستشفيات.. فقد كانت تتميز بالاتساع والفخامة والجمال مع البساطة..

وإذا تأملنا قصة اختيار الرازي لمكان المستشفى في  بغداد والتي أوردناها في مقدمة هذا الموضوع ثم اهتمام الخليفة بنفسه بمتابعة البناء.. وكيف تم التحرى العلمى عن أنسب موقع وأصلح بيئة لتبين لنا مدى هذا الاهتمام. 

والذي يتأمل أحد هذه المستشفيات التي بقيت آثارها حتى عصرنا هذا مثل مستشفى ابن طولون في القاهرة.. أو المستشفى السلجوقي في تركيا.. سوف يلاحظ فخامة المبنى وضخامته.. فهو أقرب إلى القصر الفاخر بغرفه وساحاته وحماماته وحدائقه.

لمحة تاريخية
البيمارستان كلمة فارسية أطلقها المسلمون أولا على مستشفياتهم ومعنى الكلمة (مكان تجمع المرضى) ثم تغير الهدف وسموها المستشفيات (أي مكان طلب الشفاء). كانت المستشفيات الأولي في أوربا عبارة عن غرف تلحق بالأديرة والكنائس لإيواء العجزة والعمى والمرضي فلم تكن للتطبب بقدر ما كانت للاحسان ومن هنا جاء الاسم الغربي HOSPITAL ) أي الضيافة والإحسان.

وأول مستشفى بالمعنى الحقيقي في أوربا بنى في أوائل القرن الثاني عشر للميلاد في انجلترا وقد نقلت الفكرة عن العرب أثناء الحروب الصليبيه وأول المستشفيات في الإسلام بناه الوليد بن عبد الملك سنة706 م (88 هـ) في دمشق. وجعل فيه الأطباء ثم أمر بحبس المجذومين كيلا يختلطوا بالناس.ثم كثرت المستشفيات في أنحاء العالم الإسلامي فلم يأت منتصف القرن العاشر الميلادي حتى كانت هناك في قرطبة وحدها خمسون مستشفي وأكثر من ذلك في كل عاصمة إسلامية في دمشق وبغداد والقاهرة والقيروان هذا عدا البيمارستانات المتنقلة وبيمارستانات الميدان لجرحي الحرب.

أقسام المستشفى الإسلامي
المسلمون أول من أنشأ المستشفيات التخصصية في التاريخ. فكان المستشفى يشتمل على أقسام الحميات وفيها يبرد الجو وتلطف الحرارة بنوافير المياه أو بالملاقف الهوائية وكانت هناك أقسام للجراحة يشترط فيها الجو الجاف ليساعد على التئام الجروح.

وهم أول من ابتدع ما يسمى (طب المسنين) وخصصوا أجنحة لكبار السن وأمراض الشيخوخة وكان في كل مستشفى مطبخ كبير لإطعام المرضى فقد كان أطباء المسلمين يعتبرون أن الغذاء المناسب لكل مريض جزء هام من العلاج. ولم يخل كتاب من كتب الطب الاسلامي من باب خاص عن أنواع الأغذية إلى جانب الأدوية.. فكان هناك طعام الحمية الذي يقدم إلى مرضى الحميات ثم الطعام المغذي الذي يعطى لحالات الهزال أو فقر الدم. وهو يعتمد على اللحوم وعسل النحل.، ثم طعام النقاهة بعد خروجه من المستشفى وهو عبارة عن جراية وأغذية مجففة لتعينه هو أهله اثناء انقطاعه عن العمل، أيضا كان يتبع كل مستشفى حقل للأعشاب والنباتات الطبية التي تستورد من أنحاء مختلفة في الخلافة الاسلامية، ويتبع هذا الحقل صيدلية لتحضير الدواء من النباتات يشرف عليها صيدلي يسمى العشاب، ويشتمل المستشفى المركزي على قاعة كبيرة للمحاضرات والدرس وامتحان الأطباء الجدد وبه أيضا مكتبة طبية ضخمة تشمل على المخطوطات الطبية الرئيسية مثل:

كتاب الحاوي للرازي ، وكتاب القانون لابن سينا، وكتاب التصريف في الجراحة ، وتذكرة الكحالين في العيون ، وكتب الدواء والغذاء في الصيدلة ، ويقول ابن أبي أصيبعة في وصفه لنظام فحص المرضى في أحد البيمارستانات وما يفعله شيخ الأطباء كل يوم بنفسه:-

"كان يدور على المرضى. ويتفقد أحوالهم. وبين يديه المشرفون والقوام لخدمة المرضى فكان جميع ما يكتبه لكل مريض من المداواة والتدابير لا تتأخر عنه ولا يتواني في ذلك. وكان بعد فراغه من ذلك وطلوعه إلى القلعة وافتقاده المرضى من أعيان الدولة يأتي ويجلس في الأبواب الكبيرة للبيمارستان وجميعه 

مفروش.. ثم يأتي جماعة من الأطباء والمشتغلين بالطب إليه ويقعدون بين يديه ثم يجري مباحث طبية ويقريء التلاميذ ولا يزال معهم في  اشتغال ومباحثه ونظر في  الكتب مقدار ثلاث ساعات ثم يركب إلي  داره ".

 كان ذالك في القرن العاشر الميلادي.. وهو سبق لأحدث الطرق العلمية في  أوروبا في القرن العشرين.

نظام الكشف السريري
ابتدع المسلمون ما يسمى (بالفحص السريري) لتشخيص المرض ويرجع اليهم الفضل الأول في  نقل هذا النظام إلي  أوربا في  الطب العصري.. وقد وصف الطبيب الإسلامي على بن رضوان رئيس الأطباء في  القيروان طريقة هذا الفحص بقوله.

"يؤمر المريض بالاستلقاء على ظهره ممدود اليدين وقد نصب رجليه وصفهما.. وتعتبر بذلك حالة احشائه.. ونتعرف حال مزاج قلبه بالنبض ومزاج كبده بالبول وحال الأخلاط.. ونعتبر عقله بأن بسأل عن أشياء وفهمه وطاعته بأن يؤمر بأشياء" فهذا الاسلوب العلمي الدقيق في الكشف على المرضى قد أحدث ثورة في مجال تشخيص المرض ومعرفته قبل بداية العلاج.. وقد نقله الغرب عن المسلمين بعد ستة قرون كاملة. وبفضله كان الطبيب يتحسس حرارة المريض بظهر الكف ويقيس النبض بأنامله ويتحسس الكبد والأمعاء والكلى ثم ينظر في قارورة البول ليعرف التشخيص المخبري وهكذا.

المعونة المالية
كان المريض الذي يتقرر دخوله المستشفى تؤخذ عنه ثيابه وحاجاته وتحفظ أمانات بالمستشفى ويسلم ثوبا جديدا.. ثم يسجل اسمه لكي تصرف له معونة مالية ليعول أسرته أثناء وجوده بالمستشفى.. فإذا خرج من المستشفى تزاد هذه المعونة حتى لا يضطر إلى العمل في  فترة النقاهة وقد ذكر الرحالة  الإسلامي بن جبير سنة 580 هـ فى وصفه بيمارستان دمشق "وتبلغ نفقة المريض في اليوم الواحد 15 دينارا تشمل المعونة المالية وجراية لإعالة أسرته والأطباء يمرون كل يوم يتفقدون المرضى ويأمرون باعداد ما يصلحهم من الأدوية والأغذية والمسؤولون يسجلون وراء الطبيب احتياجات المريض وجرايته "و كان العلاج في جميع المستشفيات الاسلامية بالمجان للغنى والفقير والرجال والنساء ولجميع الرعية المسلم والذمى وكان الخلفاء والولاة يرصدون ميزانيات ضخمة للمستشفيات. إلى جانب أموال الأوقاف التي يرصدها 

اثرياء المسلمين ويوقفونها على المستشفيات وقد بلغت ميزانية المستشفى المنصوري وحده ألف ألف دينار أي مليون دينار سنويا وكان أثرياء المسلمين يعتبرون أن خير وجه من أوجه الصدقات هو الأنفاق علي المستشفيات لرفع مستوى الخدمة فيها.. ولم يكن بناء المستشفيات قاصرا علي الحكومة أي. الخلفاء والولاة والوزراء وحدهم.. بل كان الأطباء أيضا وأثرياء المسلمين يؤسسون المستشفيات الخاصة والعامة والمستوصفات الثابتة والمتنقلة وقد أنشأ ابن النفيس شيخ الأطباء المسلمين في مصر والشام مستشفى باسمه في القاهرة كان يعالج المرضى فيها بالمجان وقد أنفق عليها كل ثروته وكتبه لأنه لم يتزوج ولم يكن له ذرية.

الترفيه عن المرضى: القرآن والقصَّاص والموسيقى
ومن الأشياء التي سبق بها المسلمون عصرهم وسبقوا أوربا فيهابعدة قرون اهتمامهم بنفسية المريض وبالترفيه عنه في المستشفى.. فكان الطبيب يسأل عن ظروف المريض النفسية ومشاكله العائلية كجزء من اكتشاف المرض وعلاجه. وكانت هناك فرق للعمل الخيري والاجتماعي من المتطوعات من النساء المسلمات عملهن حل هذه المشاكل العائلية والاسرية والمادية التي تؤثر على نفسية المريض.

أيضا كان المستشفى ينظم وسائل الترفيه عن مرضاه فكان يمر عليهم كل يوم مقرىء يقرأ عليهم القرآن وقصَّاص يقص عليهم قصص السيرة النبوية وفتوحات الإسلام وفي المساء تمر عليهم الفرق الموسيقية أو عازف على آلة ليعزف ويغني لهم.

العزل الصحي
كان المسلمون أول من ابتدع العزل الصحي في تاريخ الطب وأول من أنشأ المستشفيات  والمصحات لعزل الأمراض المعدية لأنهم كانوا يؤمنون بوجود العدوى وقد استوحوا ذلك من أمر الرسول صلي الله عليه وسلم  "لا يورد ممرض على مصح " رواه البخاري ومعنى هذا الحديث أن المريض الذي يمرض بمرض معدي لا يجوز له أن يخالط الأصحاء أو ينقل إليهم العدوى. فكانت هناك مصحات لعزل مرضى الجذام ومستشفيات وأجنحة من المستشفيات لعزل الحميات الوبائية وذلك في وقت كانت أوربا تعتقد أن الوباء شيطان يصيب الملحدين وعلاجه بالتعاويذ والصلاة.. أو بوضع التمائم على بيوتهم مثل حدوة الحصان أو رأس ثعبان لتقيهم من الوباء والعدوى .

الأمراض العقلية
وكان لتعاليم الإسلام الفضل الأعظم في اهتمام المسلمين بالأمراض العقلية واعتبارها مرضا يصيب الإنسالت كغيره من الأمراض التي تحتاج إلى الرعاية والعلاج فأقروا لها أقساما متخصصة وأطباء يرعونهم فكانوا يعالجونهم بالأدوية المسكنة التي اكتشفوها مثل الأفيون والزؤبان والقنب والعربي كذلك كانوا يرجعون بعض أنواع الجنون إلى مشاكل نفسية مثل الوهم أو المشاكل الاجتماعية فكان العلاج يشمل التحليل النفسي والعلاج بالموسيقى.

 وذلك في وقت كانت أوربا تضع السلاسل في أيدي المجانين وأرجلهم وتحبسهم في قبو مظلم ويأتي الكاهن كل يوم يضربهم بالسياط ليطرد عنهم الجن.. وهذه الصورة التاريخية لأول طبيب في أوربا في القرن الثامن عشر يأمر بفك السلاسل والقيود عن المجانين وذلك بعد المسلمين بتسعة قرون. ونرى في الصورة رجلا غليظا في يده السوط الذي كان يضربهم به .

. كما نرى رجلا وامرأة من المجانين في أيديهم السلاسل وعلي ظهورهم آثار الضرب بالسياط.

النظافة في المستشفيات
من تعاليم الرسول صلي الله عليه وسلم  قوله "إن الله جميل يحب الجمال نظيف يحب  النظافة.. فنظفوا دوركم وأفنيتكم ولا تشبهوا باليهود التي تجمع الاكباء في دورها" ولقد كان لهذه الأوامر فضل كبير في  اهتمام المسلمين بالنظافة العامة .سواء في البيوت والشوارع. وبديهي أن تأتي نظافة المستشفيات في المقدمة وإذا كان الرازي اهتم بنظافة المستشفى بالمناخ الصحي فمعناه رعاية نظافة البيئة المحيطة بها وطهارتها.. وكان من شروط إقامة المستشفى قربه من مصادر المياه وتوفرها فيه وكان في كل مستشفى كبير حمام عام للنزلاء ونوافير ماءللوضوء.

تدريس الطب الإسلامي
كما هو الحال في عصرنا كانت علوم الطب مرتبطة بالمستشفيات الجامعية. ويدرس فيها أساتذة الطب.. وكان الرازي (ساعورا) أي مديرا أو عميداً لكلية الطب فى بغداد علاوة على أنه أشرف على بنائها بأمر من الخليفة .
 

وقد أنشأ الخليفة المعتصم أول مشرحة علي شاطىء نهر دجلة وأمر واليه علي النوبه أن يزودها بنوع خاص من القرود الشبيهة في تكوينها بجسم الإنسان وذلك ليتدرب عليها طلبة الطب.. وقد وضع الرازي قاعدة هامة للتدريس تقول (يمتحن الطالب في التشريح أولا فاذا لم يكن له به علم فلا حاجة بك أن تمتحنة على المرضى).

ولم يكن هناك سن محدد للدراسة.. فالرازي ابتدأ دراسة الطب بعد أن جاوز الثلاثين بينما ابن سينا ابتداه في سن السابعة عشرة..
 

 تنظيم مهنة الطب
لقد جاء الاسلام بأول قانون تشريعي ينظم مهنة الطب.. ويعاقب المشعوذين والدخلاء على هذه المهنة وهذا التشريع مستمد من الحديث النبوي "من تطبب ولم يعلم منه طب قبل ذلك فهو ضامن " ومعناه أن الشخص الذي يمارس الطب دون أن يكون له علم مسبق به فهو مسئول أمام القانون عن أخطائه.

وفي سنة 833 م- 8 1 2 هـ (4 1) في عهد الخليفة المأمون صدر أول قانون للرخص الصيدلية وبموجبه يجري امتحان للصيدلاني ثم يعطي بموجبه مرسوم يجيز له العمل.. ثم أدخلت الصيدلة في مراقبة الحسبة (والحسبة وظيفة دينية لمراقبة أصحاب الصناعات لمنع الغش).

وفي سنة 921 م  319 هـ في عهد الخليفة المقتدر حدث أن أخطأ أحد الأطباء فمات المريض فاصدر الخليفة أول قانون في التاريخ للرخص الطبية وبموجبه لا يجوز ممارسة الطب إلا بعد امتحان وشهادة.. وأمر كبير الأطباء في الدولة سنان بن ثابت بامتحان الأطباء فامتحن في بغداد وحدها تسعمائة طبيب.

آداب مهنة الطب
لقد اهتم المسلمون بأخلاق الطبيب وسلوكياته اهتماما بالغا.. فعلاوة على تعاليم الإسلام التي تأمر بالرحمة والرفق والأمانة وغير ذلك من المباديء العامة فقد اهتم المسلمون بتنظيم تلك العلاقة الإنسانية .

 فأحيو قسم ابقراط بعد إزالة بعض العبارات منه مثل القسم بآلهة الطب وغير ذلك من عبارات التكفير ... واعتبر هذا القسم ملزما للرخصة الطبية ... وكلف الخليفة شيخ الأطباء الرازي بتأليف كتاب بعنوان "أخلاق (16) الطبيب " ليدرس للطلبة.. وقد شرح فيه العلاقة الانسانية بين الأطباء والمرضى وبينهم وبين بعضهم.. وبينهم وبين الحكام..

كما ضمنه نصائح للمرضى في تعاملهم مع الطبيب...
وأول هذه النصائح المداومة على القراءة والاطلاع في المراجع الطبية مهما بلغ من العمر والمركز فيقول : -
"فأول ما يجب عليك صيانة النفس عن الأشتغال باللهو والطرب. والمواظبة على تصفح الكتب فعساه أن تسأل عن شىء بغته فتعسر عليك الإجابة فيضرك ذلك عند الناس ".
وينصحة بالرفق وحفظ السر في مهنة الطب فيقول :-

واعلم يا بني أنه ينبغي للطبيب أن يكون رفيقا بالناس حافظا لغيبهم، كتوما لأسرارهم. لا سيما أسرار مخدوميه فإنه ربما يكون ببعض الناس من المرض ما يكتمه. عن أخص الناس منه: مثل أبيه وأمه وولده.. وإنما يكتمونه خواصهم ويفشونه إلى الطبيب ضرورة. "

وعند الكشف على المرأة ينصح بالعفة فيقول:
"وإذا عالجت من النساء إحداهن فيجب أن تحفظ طرفك ولا تجاوز موضع العلة. واقصد الموضع الذي فيه معنى العلاج واترك إجالة العينين إلى سائر البدن وقد رأيت من تجنب ما ذكرت فكبر في أعين الناس. ورأيت من تعاطي النساء فكثرت فيه قالة الناس فتجنبوه ورفضوه وحرم الدخول على الخا صة والعامة".

وينهي شيخ الأطباء تلاميذه عن الكبرياء فيقول : -
"واعلم يا بني أن من المتطبين من يتكبر على الناس.. لا سيما إذا اختصه ملك أو رئيس بصحبته.. فيتكبر على العامة: ويحرمهم العلاج ويغلظ لهم القول.. فذاك المحروم المنقوص".

معنى المحروم المنقوص هنا بلغة العصر هو (قليل الأصل).

وينصح تلاميذه بإشاعة جو الأمل والطمأنينة لدى مرضاهم فيقول: على الطبيب أن يوهم مريضه بالصحة ويرجيه إياها وإن لم يثق بذلك لأن مزاج الجسم تابع لأحوال النفس"

ثم يأمرهم بالرفق بالفقراء وعلاجهم فيقول:-

"وينبغي أن يعالج الفقراء كما يعالج الأغنياء"

ومعروف أن الرازي قد ألف في هذا الميدان كتابا مستقلا باسم "طب الفقراء" يصف لهم الأدوية الرخيصة. ويعينهم على اكتشاف ومداواة الأمراض الخفيفة بالعلاج المنزلي.. وقد ظل تلاميذ الرازي على مر الأجيال يتبعون تعاليمه المستقاة من تعاليم الإسلام في هذا الميدان. وكان أكثرهم يخصص يوما في الأسبوع للعلاج بالمجان كنوع من الزكاة والصدقة ومنهم من يقدم للمرضى المال والدواء ومن أشهر هؤلاء ابن سينا. ثم ابن النفيس طبيب القلب.

وفي التوكل على الله والنهى عن العجب يقول الرازي: 
"ويتكل الطبيب على الله تعالى في  علاجه ويتوقع البرء منه. ولا يحسب قوته وعمله، ويعتمد في كل أموره على الله. فإذا فعل بضد ذلك ونظر إلى نفسه وقوته في الصناعة وحذقه حرمه الله البرء..

وفي تواضع الطبيب يقول
"واعلم أن التواضع في هذه الصناعة زينة وجمال. ولكن دون ضعة النفس وقلتها.. ولكن تواضع بحسن اللفظ وجيد الكلام واترك الفظاظة والغلظة على الناس ".

"ويبين الرازي للتلاميذ فضل الأطباء على سائر الناس فيقول إنه خمسة أفضال
 
أولا اتفاق أهل الملل والأديان المختلفة على تفضيل صناعتهم.

ثانيا اعتراف الملوك والسوقة على السواء بشدة الحاجة إليهم.

ثالثا مجاهدة ما غاب عن أبصارهم ومعناها أن الطبيب يعرف بواطن المرض الغير ظاهرة للعيان "

رابعا اهتمامهم الدائم بإدخال السرور والراحة والطمأنينة على غيرهم.

 خامسا أن الناس تعطيهم من أسرارهم  مالا تعطيه لأزواجهم وأولادهم. 
والرازي حين يذكر هذه الأفضال إنما يقصد بها جسامة المسئولية على الطبيب.

النصائح للمرضى في تعاملهم مع الطبيب والطب:-
لم يغفل الرازي في نصائحه هذا الجانب الهام فمن نصائحة للمرضى.-
(1) (ينبغي على المريض أن يقتصر على واحد من الأطباء يثق به فخطؤه إلى جانب، صوابه سيكون يسيراً ومن تطبب عند كثير من الأطباء يوشك أن يقع في خطأ كل منهم " .

(2) وبنصح المرضي بتجنب أدعياء الطب والكهان فيقول.
"وإياك أن يغلطك الممخرقون على الناس فلهؤلاء " أخزاهم الله " في ترويج حيلهم عند العامة أنواع من الحيل وزرق لطيف جداً وقد شرحنا هذه الأمور في  مقالتنا التي ألفناها في هذا المعنى" (17).

(3) ثم يستطرد في مهاجمة أدعياء الطب فيقول .
"واعلم أن اللصوص وقطاع الطريق خير من أولئك  النفر الذين يدعون  الطب . وليسوا بأطباء.. لأنهم يذهبون بالمال.. وربما أتوا على الأنفس.. "

ويقسم الرازي أدعياء الطب إلي  نوعين:- نوع يفعل ذلك لكسب العيش بسبب جوعه أو حاجته.. ونوع آخر أسوأ من الأول: لأنه مستغن عن المال.. ولكنه "يريد بذلك التشدق والسمعة كي يقال إن فلانا يرجع إليه في علم الطب.

(4) وفي ضرر كتمان السر عن الطبيب يقول:-

ومن أعظم الخطأ أن يكتم المريض سره عن الطبيب. ولو خالف أمر الطبيب وتعاليمه في شيء فعليه أن يخبره بذلك "فمن أخطأ وكتمه فقد جنى جنايتين وارتكب خطيئتين فالطبيب لا يهتدي لعلاجه إذا لم يفش إليه سره .

(5) مكانة الطبيب في  مجالس الملوك والأكابر:
ينصح الرازي المرضى عامة باحترام الطبيب وتوقيره ولكنه يخص في باب مستقل الخطاب إلى الملوك والأكابر فيقول لهم:-

"ينبغي لمن يختص المتطبب لنفسه من الملوك والأكابر أن يبالغ في تطييب قلبه بلطف  الكلام.. وأن يرفعه فوق جميع من في مجلسه. من حاشيته وخدمه . 

فإن هم إلا خدام الجسم... والطبيب خادم الروح "ويضرب الرازي المثل في هذا المجالس بحكمة أبقراط التي تقول "صانع الطبيب قبل أن تحتاج إليه "ومعنى المصانعة المصادقة والملاطفة والاحترام " ويعلل ذلك بقوله. "لا شىء أجدى على العليل من أن يكون الطبيب مائلا إليه بقلبه محبا لها.

آفاق جديدة في الطب والعلاج

لقد أدخل المسلمون أبوابا جديدة في علوم الطب لم تكن معروفة قبلهم لدى الإغريق.. كما أن أوروبا لم تنقلها عنهم إلا بعد قرون طويلة من تطبيقها  ولا يفوتنا هنا أن نذكر أن معظم هذه الأبواب والتطورات كانت بفضل تعاليم الإسلام.. فمن ذلك:-

أولا طب المسنين: وهو علم استحدثه ابن سينا وخصص له باباً مستقلا في كتابه القانون.. فكان المسلمون يخصصون للمسنين أقساماً في  المستشفيات أو مصحات يشرف عليها الأطباء.. وقد كتب على أبوابها "وبالوالدين إحسانا" وقد أصبح هذا أساسا لعلم Geriatrics الحديث..

ثانيا طب المجانين: فالشرع يقول "ليس على المجنون حرج " والشريعة الإسلامية تعتبر الجنون نوعا من المرض الذى يعفى صاحبه من كل مسئولية عن أفعاله. ومن هنا كان اهتمام علماء المسلمين بالأمراض العقلية وأسبابها وعلاجاتها..

ثالثا طب المساجين: وكان أول من أشار إليه الطبيب ثابت بن قره وبين أن هناك فئات خاصة من الناس تمر بظروف وبيئة غيرطبيعية قد تتعرض فيها إلى أمراض معينة.. وقد تحتاج إلى علاجات خاصة وفي ذلك يقول عن هذه الفئات "إنه لا يخلو مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقون عن التصرف في  منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء فيما يعرض لهم.. فينبغي أن نفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم وتحمل إليهم الأدوية والأشربة ويطوفونها في سائر الحبوس ويعالجون فيها المرضى". وقد كان هذا الباب أساساً لما يعرف الآن "بالطب المهني.

رابعا الأمراض المستعصية: أو التي لا يرجى لها شفاء.. فقد تبني الإغريق مبدأ عدم التعرض للحالات المستعصية أو علاجها. وفي ذلك يقول أبقراط صاحب القسم الطبي "على الطبيب  أن ينقذ المرضى من آلامهم ويخفف من وطأة النوبات العنيفة ويبتعد عن معالجة الأشخاص الذين لا أمل في شفائهم إذ أن المرء يعلم أن فن الطب لا نفع له في هذا الميدان " وقد جاء الاسلام بعكس هذه التعاليم واعتبر أنه ليس هناك مرض لا شفاء له ولكن قد يكون علمنا قاصرا عن الدواء المناسب وعلينا الاجتهاد في إيجاده.. وفي ذلك يقول الحديث النبوي "تداووا عباد الله.. فإن الله تعإلي  لم ينزل داء إلا أنزل له الدواء علمه من علم وجهله من جهل فإذا أصاب دواء الداء برأ المرض بإذن الله.. "

ومن هنا تبنى علماء المسلمين مبدأ الإجتهاد في علاج الأمراض المستعصية وعلاج المريض الميئوس من حالته.

خامسا العدوى ودورها في نقل الأمراض: لقد اكتشف المسلمون مبدأ العدوى وذلك قبل اكتشاف الميكروسكوب والميكروب بمئات السنين.. فبينوا أضرارمخالطة المريض بمرض معد أو استعمال آنيته أو ملابسه ودور البصاق والإفرازات في نقل المرض وفي ذلك يقول الطبيب الأندلسي ابن الخطيمة.

"إن نتائج تجاربي الطويلة تشير إلى أن من خالط أحد المصابين بمرض سار أو لبس ثيابه ابتلى مباشرة بالداء ووقع فريسة عوارضه نفسها. إذا ما بصق العليل الأول بصق الثاني أيضا وإذا كان للأول دمل صار للثاني أيضا" وقد اكشف الطبيب الأندلسي (ابن زهر) جرثومة الجرب (داء الحكة) وصنع لها دواء ولذلك يعتبره سارتون أبو علم الطفيليات ، كما اكتشف ابن رشد المناعة التي تتولد لدى المريض بعد إصابته بمرض معد مثل الجدري وبين أنه لايصاب به مرة أخرى. وكان العرب منذ الجاهلية يصنعون نوعا من التطعيم ضد الجدري إذ يأخذون بعض البثور من مريض ناقه ويطعم به الشخص السليم بأن توضع على راحة اليد وتفرك جيدا أو يحدثون خدشا في مكانها وهي نفس فكرة التطعيم التي نسبت فيما بعد إلي  أوروبا..وقد وصف ابن مسكويه الجذام وصفا علميا دون أن يربطه بغضب السماء وعقاب الأرض كما اعتقد الأوربيون. وأول مستشفى للجذام بناه المسلمون في  التاريخ سنة 707 م على عهد الخليفة الأموى الوليد بن عبد الملك في دمشق. في حين أن أوربا كانت تنظر إلى الجذام على إنه غضب من الله يستحق الإنسان عليه العقاب حتى أصدر الملك فيليب أمره سنة 1313 م  بحرق جميع المجذومين في النار..

سادسا الطب النفسي.. لقد اكتشف علماء المسلمين وأطباؤهم العلاقة بين الأحوال النفسية والكثير من الأمراض العضوية التى تنجم عنها وهو ما يسمى في الطب الحديث  Paycho - somatic Diseases وأول من كتب في هذا الميدان الرازي الذي يقول "إن مزاج الجسم تابع لأخلاق النفس ويوصى الطبيب برفع معنويات المريض ولو بوهمه بالصحة ولو كان يائسا من شفائه فيقول "على الطبيب أن يوهم مريضه الصحة وإن لم يثق بذلك فمزاج الجسم تابع لأحوال النفس ". وقد ابتدع الرازي العلاج بالموسيقى وبقراءة القرآن.. وظل هذا النظام متبعا في البيمارستانات الاسلامية حيث اعتبر جزء من العلاج.. وكان ابن سينا أول من أشار إلى أثر الأحوال النفسية للمريض على الجهاز الهضمي وقرحة المعدة.. وعلى الدورة الدموية وسرعة النبض.. فيقول عن أمراض المعدة والقولون إنها تعود إلي  سببين:- الأول نفساني يؤدي إلى اضطرابات معوية والثاني عضوي ومنه قرحة المعدة.. ومن الطرائف التي تروى عنه أنه استدعى لعلاج شاب يئس الأطباء من شفائه وبعد فحصه تأكد لديه أنه ليس به مرض  عضوي وأن "شكواه لا تنطبق على مرض معين معروف .."فامسك بيده وأخذ يعد النبض وهو يحدثه حتى جاءت سيرة فتاة معينة في  بلد معين فارتفع النبض بسرعة فقال لأهل الفتى "إن مرضه هو الحب فزوجوه من فلانه يشفى".

وكان الرازي يطلق على الهبوط النفسي (نقص الحرارة) وكان يعالجه بالصدمة النفسية. وله في  ذلك قصة كانت أحد أسباب شهرته لأنها تجمع بين الطرافة والغرابة وإن كادت أن تودي بحياته.. فقد كان الأمير منصور يشكو من مرض الروماتزم الذي أقعده عن الحركة وقد عجز الرازي عن شفائه فادخله إلى الحمام بعد أن سقاه الدواء وخلع عنه ملابسه ووضعه تحت الماء الساخن ثم فاجأه بأن أخرج له سكينا وأخذ يهدده بالقتل ويوجه له ألفاظا قاسية.. فقام الأمير من مقعده دون أن يدرى من شدة ثورته وأراد أن يمسك بالرازي الذي ركب فرسه وهرب من البلد.. وتقول القصة أن الأمير شفي وتحرك بعد هذه الحادثة وإن الرازي أرسل إليه بعد ذلك رسالة رقيقة يقول فيها.

"لقد أثرتك عامدا متعمداً حتى أزيد من حرارتك الطبعية وبذلك اكتسبت أنت من القوة ما يكفي لإذابة الأخلاط التى كانت قد لانت ".

الصيدلة وطب الأعشاب

طب الأعشاب علم قديم جدا. منذ عهد الفراعنة والصين وسائر شعوب الارض . ولكن علماء المسلمين أول من حوله من العطارة الاجتهادية إلى علم له قواعده  .. ابتدأو بدراسة كتب الأولين أمثال ديوسقوريدس في الأعشاب.. ثم أخذوا يبحثون في أنحاء الخلافة الإسلامية من الصين حتى الأندلس عن أعشاب جديدة ويكتشفون فوائدها. فكان ابن البيطار (شيخ العطارين) يجوب العالم ومعه رسام يرسم له في  كتبه النبات بالألوان في شتى أحواله واطواره ونموه. وقد اكتشف وحده 300 نبات طبي جديد شرحها في  كتبه واستجلبها معه ويقول عنه سارتون إن ابن البيطار يعتبر أعظم عالم نبات وأعشاب لا في  العالم الاسلامي وحده ولكن في  التاريخ كله منذ ديوسقوريدس وجالين حتى القرن 16 الميلادي. ولسوء الحظ أنه ظهر في القرن 13 الميلادي مع ابتداء أفول نجم العلوم الإسلامية وإلا كانت مكانته في تاريخ العلم أعظم بكثير".

وكان في كل مستشفى حقل للأعشاب الطبية.. ويلحق به مخزن وصيدلية. وتوضع الجذور وحدها والساق وحدها والأوراق والزهور كل حسب فائدته.. وتجفف وتسحق وتصنع منها البرشام والسفوف والحبوب والدهون والمرهم.. وكان يعطى الدواء بحساب دقيق يتوقف على عمر المريض ووزنه وجنسه ودرجة المرض.

وكان العلماء المسلمون يتحايلون على الأدوية المرة التى تعافها نفس المريض بطرق مختلفة.. فمن ذلك أن ابن سينا أول من أوصى بتغليف الدواء بأملاح الذهب أو الفضة.. وهو أسلوب عاد العمل به في الوقت الحاضر في بعض الأدوية.. ومن هذه الطرق أيضا أن يذاب الدواء في إلماء الذي تسقى منه أشجار فاكهة معينة كالبرتقال أو العنب فيتركز الدواء في الثمرة ويخرج عصير له فائدة الدواء وطعم الفاكهة. ومن هذه الطرق ايضا تربية عسل النحل على زهور تلك الأعشاب الطبية فيخرج عسلا فيه تركيز ا لدواء.

والمسلمون أول من أدخل الكيمياء ومركباتها كالنشادر والزئبق والرصاص والذهب في العلاج واعترافا بهذا الفضل يقول سارتون  يعتبر الرازي مؤسس علم الكيمياء الطبية وواضع قواعده .

وقد اهتم علماء المسلمين بعسل النحل كدواء لأن القرآن ذكر  أن (فيه شفاء للناس) وهم يفسرون قوله تعالى في وصف العسل بأنه (شراب) (Syrop) أن المقصود بها دواء علاجي وإلا قيل طعام أو غذاء. كما يفسرون قوله بأنه مختلف ألوانه يرجع إلى اختلاف في التركيب الكيميائي حسب نوع الزهرر التي تتغذى عليها النحل.

والمسلمون أول من اكتشف نبات القهوة (البن) وعرفوا خواصه كدواء لتقوية القلب وتنشيط الجهاز العصبي كما استعملوها لمسح اللوزتين في حالة التهابهما ولعلاج الزجار ولوقف النزيف وتطهير الجروح المتقيحة بوضعها عليها .. وعن طريق مسلمي الأندلس عرفت أوروبا لأول مرة شراب القهوة.

 وكانت معظم الأعشاب تجرب على الحيوانات كالقرود أولا وكان الطبيب المعالج هو الصيدلي أو العشاب في آن واحد.. ثم انفصلت التخصصات وأصبح الطبيب يكتب الوصفات وتسممى (الأنعات) ويسلمها المريض إلى العشاب أو العطار الذي يركبها له.

وقد ألف كبار العشابين العديد من الكتب والموسوعات العلمية في هذا العلم ومن أهم هؤلاء البيروني صاحب كتاب (الصيدلة وابن البيطار مؤلف كتاب "مفردات الأدوية" ويظهر فضل المسلمين على هذا العلم في الكلمات العربية الكثيرة التى دخلت إلى اللغات الأوربية وما زالت مستعملة إلى يومنا هذا من ذلك كلمة "syrop  وأصلها شراب وكلمة AI-Cohol وأصلها الكحول وكلمة AI-kali أصلها القلوي- وكلمة Elixir أصلها الإكسير وكلمة   soda,وأصلها الصودا (sucker) أصلها سكر…...
الجراحة عند المسلمين

مقدمة

من الملاحظ دائما أن كتب تاريخ الطب الأوربية والتي تدرس في جامعتنا الآن تخلو من الإشارة إلى إنجازات المسلمين في ميدان الجراحة بالذات.. ونفس الشيء بالنسبة إلى الكتب التى يؤلفها علماء مسلمون يستقون معلوماتهم من المصادر الأوربية وحدها. وكثيرا ما تقرأ فقرة تقول "إن معلومات العرب في  الجراحة كانت بسيطة إذا قورنت بما وصلوا إليه في الطب الباطني " وهذا خطأ كبير.. وتجن على الحقيقة... ولكى تتبين القفزة الكبيرة التي حققها المسلمون في ميدان الجراحة فلننظر أولا إلي  الجراحة عند الشعوب السابقة لهم.. كالفراعنة والإغريق والرومان فلم تكن هناك جراحة بالمعنى الحقيقي..

وقد يقول قائل: إنه قد وجدت في بعض جثث الفراعنة فتحة في الجمجمة عن عملية التربنة.. والواقع أن هذه العملية لا تدل على أي تقدم في الجراحة.. فقد عرفتها القبائل البدائية الأولى وما زالت تجري حتى اليوم في  مجاهل إفريقيا.. وكان الهدف منها هو طرد شيطان المرض من الرأس. فهي مرتبطة بالسحر والشعوذة وخرافات الكهان وليست للعلاج. ونفس الشيء بالنسبة للإغريق والبيزنطيين.. فكانت جراحتهم قاصرة على عمليات البتر وفتح الخراج وإزالة شظايا السلاح في الحرب ومن هنا كان الجراح يسمى عند الإغريق "نازع السهام " .

أما في أوربا في العصور الوسطى فقد كانت الجراحة عملا محتقرا يتجنبه الأطباء والمرضى.. وأكثر من يمارسه الحلاقون. وقد تكونت في إنجلترا سنة 1540 م نقابة تضم الحلاقين والجراحين في رابطة واحدة وفي سنة 1745 م انفصل الجراحون لأول مرة في نقابة خاصة بهم وكانت الجراحة في  العصور الوسطى قاصرة على عمليات البتر وخلع الاضراس والكي بالنار.. فكيف كان الحال في  العالم الإسلامي.

فضل المسلمين على الجراحة
يعتبر أبو القاسم الزهراوي المتوفي في الأندلس سنة 1013 م شيخ الجراحين المسلمين ورائد علم الجراحة الحديثة في العالم وقد ألف أول كتاب مختص في الجراحة سماه "التصريف لمن عجز عن التأليف ". وبفضل الزهراوي تطورت الجراحة في الأندلس والعالم الإسلامي تطورا سريعا فظهرت أجيال من الجراحين المختصين في الجراحة العامة.. فمن هؤلاء ابن زهر الذين يمثلون أربعة أجيال متعاقبة من الأطباء أشهرهم أبو مروان المتوفي سنة 1162م والذي ابتكر عملية شق الحنجرة للتنفس في حالة اختناق المريض وعملية شق المريىء للتغذية الصناعية.. ومنهم ابن اسلم الغافقى الذي عاش في الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي وهو أول من أجرى عملية للماء الأزرق Glucoma بواسطة إبرة مجوفة وغيرهم كثيرون. ولم يكن التخصص الدقيق في الجراحة معروفا في تلك العصور.. فكان الجراح يقوم بعمليات العظام وأمراض المسالك البولية والجهاز الهضمي.. إلى جانب الجراحة الخاصة مثل العيون والحنجرة والأسنان..

وقد ساعد على نهضة الجراحة في الإسلام أربعة أمور هي (1) اكتشاف التخدير قبل الجراحة (2) واكتشاف الخياطة بأمعاء الحيوان (3) ومبدأ الطهارة والنظافة التي جاءت به تعاليم الإسلام (4) وأخيرا كثرة الحروب والفتوحات الإسلامية ، وسوف نتناول هنا بعض العمليات الجراحية التى ابتكرها الجراحون المسلمون في كل فرع من فروع الجراحة مع التركيز على ما جاء في كتاب التصريف للزهراوي  وتعاليمه في هذه الميادين.

أولا: جراحة الأوعية الدموية:
يعتبر الزهراوي أول من ابتكر هذا النوع من الجراحة فابتكر خياطة الشريان إذا تعرض للجرح أو التهتك.. وذلك بخيوط من الابرسم (أو الحرير) أو من أوتار العود. وقد ابتكر الزهراوي عملية قطع الشريان الذي  في  الأصداغ لعلاج الصداع المتكرر ( Migraine) ويدعى الغربيون أن الجراح (جون هنتر) (30) المتوفي سنة 1793 م كان أول من ابتكر جراحة الشرايين وأول من عالج التمدد الشرياني بالجراحة (Aneurism والواقع أن الزهراوي هو أول من قام بهذه العملية في التاريخ.. وسمى الأنورزم (نفخ الشريان) وبين أسبابه في  كتابه التصريف (ج30 فصل 49) فقال "إذا جرح الشريان والتحم الجلد الذي فوقه فكثيرا ما يعرض من ذلك ورم نتيجة لنفخ الشريان أي أ ن أحد الأسباب الرئيسية هي الإصابة (  Trauma) ويشرح العملية قائلا "شق عليه في الجلد شقا بالطول ثم افتح الشق بصنارات ثم اسلخ الشريان وخلصه من الصفاقات حتى يتكشف ثم تدخل تحته إبره وتنفذها إلى الجانب الآخر وتشد الشريان بخيط مثنى في موضعين ثم تنخس بمبضع الموضع الذي بين الرباطين حتى يخرج الدم الذي فيه ويتصل الورم ".

وقبل عصر جراحة الشرايين كان الجراحون يضطرون إلى بتر العضو أو كي الشريان لإيقاف النزيف وإذا كانت أوربا تعتبر (جون هنتر) صاحب أكبر فضل على الجراحة لهذا السبب.. فإن الأولى بهذا الشرف  هو الزهراوي  الذى جاء قبل هنتر بسبعة قرون 

ثانيا: جراحة السرطان

لقد وضع المسلمون القواعد الرئيسية لجراحة السرطان: فلخصها ابن سينا في كتابه القانون بأنها الاكتشاف المبكر- الجراحة المبكرة- الاستئصال التام- وفي كتاب التصريف (جــ 30 الفصل 53) ييتناول الزهراوي علاج السرطان فيقول "متى كان السرطان في موضع يمكن استئصاله كله كالسرطان الذي يكون في الثدي أو في الفخد ونحوهما من الأعضاء المتمكنه لإخراجه بجملته ولا سيما إذا كان مبتدءاً صغيراً فافعل. أما متى قدم فلا ينبغى أن تقربه فاني ما استطعت أن أبرىء منه أحدا ولا رأيت قبلى غيري وصل إلى ذلك " ثم يصف العملية فيقول "ثم تلقى في السرطان الصنانير التى تصلح له ثم تقوره من كل جهة مع الجلد على استقصاء حتى لا يبقى شيء من أصوله واترك الدم يجري ولا تقطعه سريعا بل اعصر المواضع ما أمكنك.

 وما زالت هذه القواعد الرئيسية لجراحة السرطان في العصر الحديث. 

ثالثا: جراحة الغدة الدرقية Thyroid
وقد سماها الزهراوي "فيلة الحلقوم " وهي عملية لم يجرؤ أي جراح في أوربا على إجرائها إلا في القرن التاسع عشر على يد الجراح هالستد Halstead أي بعد الزهراوي بتسعة قرون وقد فصل الزهراوي في ( جـ30 الفصل 44) هذه العملية بعد أن شرح أنواع الورم وما يصلح منها للجراحة وما لا يصلح أو (يحظر فيه استعمال الحديد) وفي هذا يقول "هذا الورم يسمى فيلة الحلقوم ويكون ورما عظيما على لون البدن وهو في النساء كثير.. وهو على نوعين إما يكون طبيعيا وإما يكون عرضيا. فأما الطبيعي فلا حيلة فيه وأما العرضي فيكون على ضربين أحدهما شبيه بالسلع الشحمية والنوع الآخر شبيه بالورم الذي يكون من تعقد الشريان وفي شقة خطر فلا تعرض لها بالحديد البته "

 رابعا: جراحة البطن والأمعاء
لقد فصل الزهراوي أوضاع المريض في جراحة الأمعاء فبين أنه لا بد من وضعه على سرير مائل الزاوية فاذا كانت الجراحة في الجزء السفلي من الأمعاء وجب أن يكون الميل ناحية الرأس.. والعكس صحيح والهدف من ذلك الإقلال من النزيف أثناء العملية والتوسعة ليد الجراح وبذلك يكون الزهراوي أول من ابتكر الوضع الذي ينسب اليوم إلى (وضع ترندلبرج وترندلبرج العكسي) .

وفي الفصل 85 من كتاب "التصريف " يتناول الزهراوي جراحة الامعاء والمصارين وخياطتها بالخيط الرفيع الابرسم (أي الحرير) ، أو بأوتار العود، وقد اخترع آلة لتوسيع فتحة البطن للجراحة تشبه الصولجان الصغيرتكون وجهتها المعوجة محددة (أي حادة) وجهتها الاخرى غير محددة وهو أول من نبه إلي  أهمية تدفئة الامعاء عند خروجها من البطن إذا تعسر ردها بسرعة، وذلك بإلماء الدافىء حتى لا تصاب بالشلل.

وكذلك ابتكر الزهراوي عددا من الغرز الخاصة بالمصارين وأشهرها ما يعرف اليوم purse string وسماها "خياطة الأكيسة التي يشد بها المتاع " وهي المستعملة اليوم في عملية الزائدة الدودية والقرحة والجراحة النافذة في المصارين وفي الفصل 53 يشرح الزهراوي جراحة الفتق Herniotomy وبين الفروق التشريحية بين أنواع الفتق واختلاف العملية تبعا لذلك.

جراحة المسالك البولية
ويتناوله الزهراوي في الفصل 58، 59. وقد أحدث الزهراوي  ثورة في هذا الميدان.. فهو أول من ابتكر (الزراقة) لغسيل المثانة وإدخال الأدوية لعلاجها من الداخل وهي التي تطورت وأصبحت حقنة الغسيل syringe وإذا وضعت في مقدمتها الإبرة أصبحت الحقنة لإعطاء الأدوية تحت الجلد أو في العضل. كما ابتكر الزهراوي عملية (تفتيت حصاة المثانة) قبل إخراجها فيقول في ذلك "فإن كانت الحصاة عظيمة جدا فإنه من الجهل أن تشق عليها شقا عظيما لأنه يعرض للمريض أحد أمرين: إما أن يموت أو يحدث له تقطيرفي البول والأفضل أن يتحايل في كسرها بالكلاليب ثم تخرجها قطعا" وهي أول عملية   في التاريخ في هذا المجال "وما زالت الأسماء العربية التى أطلقها الزهراوي على هذه الآلات مستعملة في الطب الحديث في أوروبا اليوم فمن ذلك كلمة Clamp أصلها العربي كلاب وجمعها كلاليب scalpels  .

جراحة الأنف والحنجرة
عرف المسلمون عملية اللوزتين وفي وصف هذه العملية يقول ابن القف الأندلسي، المتوفي سنة1286 م.
"وأما اللوزتان فيعلقان بسنارة ويجذبان إلى الخارج ما أمكن من غير أن ينجذب معهما الصفاقان فيقطعان باستدارة من فوق الأصل بالآلة القاطعة"وقد ابتكر الجراح الأندلسى ابن زهر عملية شق الحنجرة في حالة اختناق المريض وهي أول عملية إسعاف من نوعها في  التاريخ..

الولادة وأمراض النساء:
بديهي وقد بلغ المسلمون هذا الشأن العظيم في  الجراحة العامة والخاصة.
أن يرتقى على أيديهم علم الولادة وأمراض النساء ، لقد عرف المسلمون عملية الولادة (القيصرية) وصوروا العلماء المسلمين وهم يجرونها في المخطوطات العربية وشرحوا طريقتها وأسبابها.. كذلك برعوا في معالجة الولادات العسرة.

فابتكر الزهراوي أساليب جديدة للولادة في  حالة "تقدم الأرجل من باب الرحم على الرأس " أو الوضع بالمقعدة Breech أو الوضع الوجهي "تقدم الوجه من باب الرحم على غيره من الأعضاء Face وقد ابتكر أنواعا من الآلات لتسهيل الولادة.. منها جفوت لسحب الجنين من الرأس. كما ابتكر مرآة خاصة للمهبل وآلة لتوسيع باب الرحم.

وقد تدارس المسلمون أسباب تعسر الولادة وعلاجاتها:-
ومن أفضل ما كتب في ذلك ما جاء في كتاب "تدبير الحبالى والأطفال والصبيان " لمؤلفه احمد بن محمد البلدي  القرن الثالث عشر الميلادي. وفيه يقسم هذه الأسباب إلي :

(2) أسباب عامة في المرأة. مثل السمنة المفرطة- أو الضعف العام- أو إذا كانت جبانة فزعة (أي سبب نفسي) أو إذا كانت لم تعتد الولادة (البكرية primipera) أو لمرض آخر بها مثل السل والسكر.

(ب) أسباب في ممر الولادة: مثل الأورام بأنواعها أو ضيق الممرات.
 (جـ) أسباب في الجنين: مثل كبر الرأس- أو لأن خلقته عجيبه كالذي له رأسان أو لأنه ميت أو شديد الهزال ، أو وجود ، أكثر من جنين.. أو لأن نزوله غير طبيعي مثل النزول بالوجه أو المقعدة..

فتأمل هذا الوصف العلمي الدقيق الذي  كتب من عدة قرون وكأنه في كتاب عصري في القرن العشرين ويعتبر علي بن عباس المتوفي سنة 982 م أول من اكتشف أن الجنين لايخرج  في الولادة من تلقاء نفسه بل بفضل تقلصات عضلات الرحم وهو أول من أشار بفحص رحم البنت البكر من المقعدة (P .R  ) .

كما يعتبر الزهراوي أول من اخترع الملقط (Forceps) الذى صنعه من الخشب وسماه (ملقط التوليد) واستعمله لسحب رأس الجنين لتسهيل الولادة وذلك قبل (جمبرلين) الإنجليزي بمئات السنين.. وهو أول من اخترع فكرة المنظار لفحص عنق الرحم ورسمه في كتابه التصريف.. واستعمل المرآة تحت المرأة ليرى كل شيء على هيئته.

وأخيرا إان الزهراوي أول من ابتكر الوضع المسمي فى الطب الحديث walcher position   وهو استلقاء المرأة على ظهرها وفخذاها على حافة الكرسي والرجلان متدليتان وهو الوضع الأمثل لتيسير الولادة .

وسائل منع الحمل : ـ 
قضية منع الحمل فى الطب الإسلامي ذات شقين : تشريعي وطبي … وقد  برزت هذه القضية فى عصرنا الحاضر من الناحية التشريعية كإحدي القضايا الحيوية التى يجب أن لا يختلف حولها المسلمون اليوم وخاصة أنها محسومة منذ عهد الرسول صلي الله عليه وسلم عندما أذن بالعزل وهو إحدي وسائل منع الحمل  .

وقد نوقشت هذه القضية بجميع أبعادها التشريعية ومبرراتها العلمية والطبية فى مؤتمرات الطب الإسلامي ... ولكني فى هذه العجالة سأتناول الجانب التاريخي ... وما كان يستعمله أو يوصي به علماء المسلمين لمنع الحمل وفي ذلك يقول علي بن عباس المجوسى في كتابه كامل الصناعة الطبية :-

"أما الأدوية المانعة من الحبل فإنها وإن كانت مما يجب أن لا تذكر لئلا تستعملها من لا خير فيها من النساء فإنه قد يضطرنا الأمر في بعض الأوقات إلى أن نعطيها لمن كانت من النساء صغيرة الرحم. أو بها علة يخاف عليها متى حملت أن تهلك في وقت الولادة وأما غيرهؤلاء من النساء فينبغي أن لا يصفها لهم ".

أما الطرق المتبعة في تلك العصور الإسلامية فكانت بالنسبة لعصرها ورغم أنها غير أكيدة الفعاليه إلا أنها كانت على أسس علمية سليمة متطورة..

فمن ذلك العزل أولا.. وهو الحيلولة دون وصول منى الرجل إلى رحم المرأة.. وهو الذي قال عنه الرسول صلي الله عليه وسلم : لا عليكم ألا تعزلوا..

وقد شرح الرازي في الحاوي وابن سينا في القانون كل ما يتعلق بالعزل، أيضا هناك استعمال التحاميل قبل الجماع أو بعده مباشرة وقد أوصى ابن ماسوية بتحميلة مهبلية يدخل في تركيبها مواد قاتلة للنطفة مثل الفلفل.. وأخيرا إذا كان اللولب هو أحدث الابتكارات المعاصرة لمنع الحمل فقد طبق المسلمون فكرته منذ ألف عام في الطب البيطري. فكانوا يضعون حجارة في أرحام نوقهم حتى يمنعوها من الحمل أثناء السفر الطويل والفكرة مبنية على أن وجود جسم غريب في الرحم يمنع تكوين الجنين.

 جراحة العيون في الطب الإسلامي
كان المسلمون يطلقون على طب العيون اسم الكحالة وقد اشتهر عدد من أطبائهم بلقب الكحال.. لبروزهم في هذا الفن.. ولا تقتصر الكحالة على العلاج بالكحل والقطور فحسب "فدرج الكحل " كان يشمل إلى جانب هذه الادوية على الآلات الجراحية المتخصصة، وقد تطورت جراحة العيون فى البلاد التي تكثر فيها هذه الأمراض مثل مصر والأندلس. وقد أحصى بعض المؤرخين الكتب المتخصصة بطب العيون في كتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة بأنها 32 كتابا . يضاف إليها مئات من الكتب بعد عصره .

ومن مشاهير أ طباء العيون في الأندلس ابن  زهر وعمر بن يونس وابن أسلم الغافقي .... 
وفي المشرق  الإسلامي ظهر ابن الهيثم وحنين ابن إسحق وعلي بن عيسى الكحال . وقد ألف مجيب الدين السمرقندي المتوفي سنة 1222 م  عدة كتب في طب العيون منها كتاب (تشريح العين ) وهو محلي بصور توضيحية فريدة فى هذا المجال .

وقد اكتشف ابن الهيثم وظائف  كل طبقة من العين وبين أخطاء السابقين فى هذا الميدان ... وشرح طبيعة الإبصار ومسار أعصاب العين وتقاطعها قبل الوصول الى المخ فكان ذلك فتحا مبينا لمن جاء بعده . وعن طريق ابن الهيثم دخلت الكلمات العربية فى طب العيون اليوم من ذلك كلمة Cornia أصلها عربي وهو قرنية ووصف الزهراوي عشرين عملية جراحية فى العين وحديثا اكتشف المستشرق " ماكس ما يرهوف " فى مكتبه الاسكوريال بمدريد مخطوطا (34) هاما في  العيون لمؤلفه محمد بن أسلم الغافقي الذي عاش في طليطلة في القرن الثاني عشر الميلادي.. وترجع أهمية ذلك المخطوط إلى أنه يعطينا فكرة واضحة عن جراحة العيون في  العالم الإسلامي في تلك الفترة وكيف بلغت شأوا عظيما في الدقة والتطور . وقد نشر هذا المخطوط باللغة العربية كما ترجم إلي  الألمانية وعدة لغات أخرى.

جراحة انقلاب شعر الجفن.
يصف الغافقي علاج انقلاب الشعرفي الجفن فيقول ( إن علاجه بكي منابت الشعر إذا كان عدد الشعرات قليلا.. فاذا كان كثيرا فعلاجه القطع والتشمير ويتم ذلك "برفع الجفن الأعلى إلى فوق بواسطة 3 خيطان وثلاثة سنانير ويقطع من جلد الجفن ما يكفي" وما زالت الازالة بالكي أو التشمير هي الجراحة المعتمدة في عصرنا  الحاضر.

وفي جراحة الظفرة pteryjium
ينصح بكيها بالأدوية الحادة إذا كانت صغيرة "أما إذا كانت متقدمة فالأفصل معالجتها بخلعها أو بقطعها بالمقراض ، واحذر أن تطال الغشاء أو تترك شيئا منها لأنها في هذه الحالة تعود كما كانت ، وبعد خلعها نقطر في العين ماء الملح وتضع داخلها صفار البيض".

وفي جراحة الماء الأبيض Cataract
وعلاجه بعملية القدح فيقول الغافقي "ولكن ليس جميع أنواع الماء تنجب بالقدح بل ما كان شبيها، بالهواء.. ولم يكن في العين شدة ولا ضيق ولا يكون الماء شديد الجمود ولا رقيقا جدا بل معتدل القوام وقد استحكم ، فأما قبل استحكامه فلا لأنه إذا قدح ولم يستحكم عاد ثانية" وهي نفس القاعدة المعمول بها اليوم في عدم الجراحة إلا بعد استواء الماء الأبيض. ويشرح الغافقى عملية القدح بدقة متناهية لا تقل عن شرح الجراحة المعاصرة فيبين أولا تجهيز المريض قبل الجراحة.. ثم يصف وضع المريض من ناحية ضوء الشمس في الغرفة.. ووضع الجراح (على كرسي قبالة الرأس ليكون أعلى منه علوا معتدلا) وينصح بشد عينه الصحيحة برفادة معتدلة التخن شدا جيدا فذلك يساعد على عدم تحرك العينين أثناء الجراحة (ثم تدفع بالمقدح حتى تخرق الملتحمه وتحس بالمقدح انه وصل إلى فضاء واسع وإذا غمرته على المقدحة فليكن الرأس الحاد مائلا إلى الزاوية الصغرى قليلا لانه كذا أسلم لسائر الطبقات) ثم يستطرد "ثم أدر المهت قليلا حتى تراه فوق الماء فإن النحاس يظهر لصفاء الغشاء القرني وبعد ذلك يستخرج الماء الأبيض من العدسة بحذر".. كانت هذه لمحة عن جراحة العيون في القرن الثاني عشر الميلادي تبين لنا مدى ما توصل إليه المسلمون في  هذا الميدان.

 الجراحة التجميلية
المسلمون أول من أجرى عمليات التجميل في العيون والأنف والأسنان وكان الزهراوي ينصح الجراح بالتعليم بالمداد على الجلد قبل شقه لتحقيق أكبر قدر من الدقة كما وصف أنواعا من الخياطة والإبر والخيوط التي لا تترك أثراً كبيراً في الجلد وابتكر خياطة الجلد من الداخل حتى لا تترك الخياطة أثرا مرئيا.. وهو أحدث فن في الجراحة التجميلية. وابتكر التدريز المثمن  أى الخياطة من ثمانية جهات في جراحات البطن. والخياطة بإبرتين وخيط واحد مثبت بهما.

وقد وصف عمليات تشمير العين وعلاج قصر الجفون (الشترة) وعمليات كثيرة في الأنف، وفي الفصل  من باب جراحة الأسنان يصف الزهراوي أول عملية لتقويم الأسنان في  تاريخ الطب والذي أصبح علما مستقلا.. فيتحدث عن نشر الأضراس الثابته على غير مجراها.. وعن تعديل الأسنان بربطها بخيوط الذهب.. أو الفضة وهي طريقة أصبحت تستعمل اليوم في علاج كسور الفك وعظام الوجه. وقد ابتكر المسلمون أول جراحة في التاريخ لنقل الأعضاء أو تعويضها فيصف الزهراوي تعويض الضروس المخلوعة (فينحت عظم من عظام البقر فيصنع منه كهيئة الضرس ويجعل الموضع الذي ذهب منه الضرس ويشد مع الضروس الأخرى) كذلك كان المسلمون أول من ابتكروا أنفا أو أذنا لمن فقد أنفه أو أذنه معالجة الجروح والغيار:

لكثرة حروب المسلمين فقد طوروا أساليب معالجة الجروح فابتكروا أسلوب الغيار الجاف المغلق وهو اسلوب نقله عنهم الأسبان وطبقوه لأول مرة في الحرب الاهلية الأسبانية ثم عمم في الحرب العالمية الأولى بنتائج ممتازة. وهم أول من استعمل فتيلة الجرح لمنع التقيح الداخلي وأول من استعمل خيوطا من مصارين الحيوان في الجراحة الداخلية.. ومن أهم  وسائل الغيار على الجروح التى أدخلها المسلمون استعمال  عسل النحل الذي ثبت حديثا أن له خصائص واسعة في تطهير الجرح ومنع نمو البكتريا فيه.. 

كانت هذه لمحة سريعة موجزة عن إنجازات المسلمين في ميدان الجراحة.  وقد قصدت الاستشهاد بما كتبه الزهراوي بالذات في هذا المجال مع فقرات من كلامه للرد على أقوال المستشرقين بأن المسلمين لم يكن لهم فضل على الجراحة وانهم كانوا يسمونها (صنعة الحديد) تحقيرا لها.. فإذا علمنا أن كتاب الزهراوي كان يترجم في أوروبا ويدرس بشتى اللغات منذ عام 497 1 م (وهي أول ترجمة) حتى عام 1771 م لعلمنا فضل المسلمين في هذا الميدان.

ترخيص مزاولة الجراحة:
كما كان للأطباء امتحان ورخصة قبل مزاولة المهنة.. وللصيادلة امتحان ورخصة كذلك كان لا بد للجراح من اجتياز امتحان وعند ذلك تعطى هذه الشهادة للجراح العام الممارس وهذا نصها :

"بسم الله الرحمن الرحيم "

بإذن الباري العظيم نسمح له بممارسة فن الجراحة  لما يعلمه حق العلم ويتقنه حق الإتقان حتى يبقى ناجحا وموفقا في عمله وعليه أن يتشاور دوما مع رؤسائه ويأخذ النصح من معلميه الموثوق بهم وبخبراتهم.

غسيل الأيدي قبل الجراحة:
كان للإسلام فضل جذري في تطور الجراحة وذلك بمبدأ غسل الأيدي قبل إجراء العمليات.. فمن المعروف أن أوربا في العصور الوسطى لم تكن تعرف النظافة لاعتقادهم أنها تتنافى مع الورع المسيحي. وحتى القرن الثامن عشر الميلادي كان الأطباء الجراحون يدخلون غرفة العمليات بدون غسيل ايديهم وربما كانت ملوثة من آثار الطعام أو آثار الكشف على مرضى سابقين..

وفي سنة 1847 م أعلن الدكتور (سمى لويس) رئيس الجراحين في جامعة فيينا بالنمسا أن من أهم أسباب الوفيات بعد العمليات أن زملاءه الأطباء لا يغسلون أيديهم وأصدر قرارا بالزامهم بغسل الأيدي كما ترى في هذه الرسمة التذكارية. وقد احدث هذا القرار ثورة بين الجراحين واعتبروه إهانة لهم وقد بلغت هذه الثورة أن الدكتور لويس) اتهم بالجنون وفصل من المستشفى.

كان ذلك يحدث في أوربا حتى 1847 م فماذا كان يحدث في العالم الإسلامي يقول الدكتور (فرانز روزنتيال) في كتاب "مناهج العلماء المسلمين في البحث العلمي " أن العلماء المسلمين كانوا إذا أقدموا على كتابة بحث علمي أو إجراء تجربة علمية أو عملية جراحية يستعدون لذلك بالطهارة والوضوء.. لقد ابتدع الإسلام مبدأ الطهارة أى غسيل الجسم كله. والوضوء أي غسيل الأيدي والرأس والقدمين وجعل هذا الغسيل جزءا من الحياة اليومية للمسلم لا قبل الصلاة فحسب ولكن قبل أي عمل يحتاج إلي  النظافة مثل الأكل أو خدمة المريض وفي ذلك يقول الرسول في آداب عيادة المريض "من توضأ فأحسن الوضوء ثم عاد أخاه المريض فقد بوعد من النار) من هنا كان من الأمور الطبيعية والعادات السارية في العالم  الإسلامي غسيل الايدي قبل الجراحة.

آلات الجراحة:
عندما كنت مكلفا بإقامة أول معرض للطب الإسلامي في  الكويت فكرت في تصنيع نفس آلات الجراحة التى جاء وصفها في كتاب التصريف للزهراوي لعرضها بهذه المناسبة.. وقد أخذت صور الآلات ومقاساتها من الكتاب. وطلبت من الكلية الصناعية عمل مثيل لها.. وهنا ثار سؤال هام.. هل نصنع هذه الآلات بنفس الدقة التى تصنع بها في عصرنا الحاضر.. أم أن هذه الصناعة في عصر الزهراوي الذي  توفي سنة 1013 م أي منذ تسعة قرون كانت بدائية وغير دقيقة الصنع.؟

وقد جاء الرد على. ذلك قاطعا وحاسما.. فمن يتفحص السيوف العربية في ذلك العصر (والكثير من هذه الأسلحة ما زال موجودا في  المتاحف العالمية) فسوف يتبين له في الحال دقة صنعتها وحدة شفرتها وصلابة معدنها... وكيف كانت هذه الآلات التى تصنع باليد أدق من التى تصنع اليوم بالآ لات..

ومع تطور الجراحة عند المسلمين بعد اكتشافهم للتخدير فقد ابتكروا الكثير من آلات الجراحة التى لم تكن معروفة قبلهم.. وقد أورد الزهراوي في كتابه بابا مستقلا- يحتوي جميع الآلات المعروفة علي  عصره في العالم الإسلامي عنها عشرات الآلات من ابتكاره وتصميمة. وقد بلغ مجموع الآلات التى ذكرها (200) آلة جراحية وصفها وصفا دقيقا من ناحية الحجم والطول والمادة المستعملة فيها واستعمالاتها الجراحية..

فمنها آلات من الفضة وأخري من الصلب وثالثة وثالثه من  النحاس وكانت أسماء الآلات تدل علي مدي توسع الجراحة وتتنوعها فهناك المشارط بأنواعها للجراحة الخارجية  والداخلية ومنها ذو الحد وذو الحدين وهناك المناشير الكبيرة للبتر والصغيرة لقص العظام الداخلية.

وهناك المباضع المختلفة الأشكال فمنها المباضع الشوكية والمبضع العريض الريحاني علي اسم مخترعه (أبو الريحان) والمبضع المعقوف لقص اللوزتين. وهناك المجادع والمجادر والمبادر والكلاليب.

وهناك الجفوت ذات الأحجام والأشكال المختلفة فمنها الجفوت الكبيرة المستعملة في أمراض النساء لاستخراج الجنين أو تسهيل ولادته ومنها.

المستعمل في  جراحة العظام لاستخراج بقايا العظم أو السلاح داخل الجسم.

ومنها المستعمل في  جراحة الأذن والأنف والعيون.
ومنها الصنانير التى تدخل بين الأوعية والعروق واأاعصاب وتساعد في جراحة الأوعية الداخلية وخياطتها.

وهناك درج المكاحل وهو صندوق حيه أنواع المكاحل أى أوعية الكحل وهناك دست المباضع والمقصات الخاصة بعمليات العيون.

وهناك أنواع مختلفة من الإبر والخيوط لربط الجروح الداخلية والخارجية منها خيوط الحرير وخيوط من أمعاء الحيوانات وخيوط من الذهب لتقويم الأسنان أما المكاوي فكانت أنواعا عديدة.

علم جبر العظام

رغم التطور الهائل في  علم جراحة العظام في  عصرنا الحاضر.. فما يزال مجبرو العظام ينتشرون في  أنحاء شتى من العالم الغربي.. وقد توارثوا هذه المهنة عن الآباء والأجداد الأولين.، وما زال لهم مكانهم الذى لا غنى عنه.. وفي كثير من الأحيان تسافر العائلات إليهم في الأماكن النائية.. وقد يحصلون على نتائج أفضل حيث يعجز الطب الحديث..

لقد توارثت القبائل العربية القديمة فن جبر العظام وأتقنوه بالسليقة منذ الجاهلية.. فلما جاء الإسلام وتوسعت الفتوحات والحروب الإسلامية ظهرت الحاجة الماسة إلي  هذا العلم فاهتم به علماء المسلمين ووضعوا له القواعد العلمية وطوروه ليلائم حاجة عصرهم.

وقد ابتكر العلماء أنواعا من الجبائر التى تجمع بين خفة الوزن والمتانة والصلابة فكانت تصنع من البوص أو جريد النخل أو من خشب الدفلا أو القنا ويمتد طول الجبيرة فوق الكسر بأربعة أصابع ومثلها تحته.

وكان المجبرون يعالجون خلع المفاصل وكسر العظام بالطرق اليدوية في خبرة ومهارة دون حاجة إلى الشق بالجراحة وفي كثير من الأحيان يستعملون الشد على المفصل لمنع تكرار الخلع، كما أنهم ابتكروا طريقة الرد الفجائي. 

وفي هذه اللوحة نرى صورا من جبر العظام من المخطوطات الإسلامية وهي للعلاج حسب الترتيب الآتي:-

ا- حالة كسر العمود الفقرى   2- الكتف    3- الترقوة
4- الساعد     5- الفخذ    6- الساق
 7 ـ القدم     8 ـ خلع الفك

علم الكي

هو أحد العلوم الرئيسية في الطب الإسلامي.. وقد ورثه العرب عن أجدادهم البدو الأولين قبل الاسلام. ثم طوروه ووضعوا له اسسا علمية ومنهم انتقل إلى أوربا وأصبح اليوم من أهم وسائل الجراحة الحديثة بعد اكتشاف الكي الكهربائي أو شعاع الليزر..

ولم تكن المكاوي المستعملة كما يتصورها الناس آلات ضخمة أو بدائية مما نشاهده في أفلام التعذيب أو مما تستعمله القبائل البدائية ويترك تشوها بالجلد .. ولكن علماء المسلمين قد ابتكروا أنواعا من المكاوي في شكل إبر دقيقة الصنع قد تكون ذات سن واحد أو شعبتين أو ثلاثة. كما حددوا المعادن. المستعملة كالحديد أو النحاس أو الذهب أو الفضة وحددوا درجة الحرارة المناسبة في كل مرض. وبعض المكاوى تغلف داخل أنبوب معدني لئلا يصل حر النار إلى أجزاء أخرى من الجسم ويصف الزهراوي نوعا من المكاوي المجوفة ويسميها (منفوذة الطرفين ليخرج الدخان (38) عند الكي من الطرف الآخر .

وقد استعمل المسلمون الكى في عدة أمور رئيسية:-
أولا) قتل مواطن الألم. وخاصة في الأمراض المزمنة والمستعصية مثل عرق النساء واللمباجو وفي الصداع  المزمن كالشقيقه وقد رسم علماء المسلمين خرائط لجسم الإنسان (شبيهة بخرائط مواضع وخز الإبر في الطب الصيني) لشرح المواضع اللازمة للكي في كل مرض على حدة.. وكما نرى في هذه الصور قد يكون الكي في أكثر من موضع للمرض الواحد.. وقد جاءت النظريات العلمية الحديثة في القرن العشرين لتؤيد علم الكي وفسرها العالم (ملزاك) 973 1 في كتابه The puzzle of pain   (مشكلة الألم) بنظرية "بوابة التحكم في الألم ".

ثانيا) الكي للجراحة:- فقد وصف الزهراوي الكثير من العمليات الجراحية عن طريق الكى مثل "كي جفن العين إذا انقلبت أشفارها إلى الداخل فنخست العين " وتشمل عملية استئصال ناصور الشرج.

ثالثا) الكي لإيقاف النزيف:- في حالة تعذر ربط الشريان المقطوع أو خياطته فكان الكي يستعمل في عمليات البواسير وعمليات اللوزتين وجراحة الحرب.
رابعا) الكي لفتح الخراج:- وقد ابتكر الزهراوي عددا من الآلات لهذا الغرض منها آلة خاصة لفتح خراج الكبد وسحب الصديد منه. 

خامسا):- الكى لتدمير التواليل والنتوءات الجلدية.

الصورة: لوحات مختلفة من عمليات الكي في اجزاء من الجسم لعلاج أمراض معينة مثل الصداع المزمن عرق النساء (sciatica) آلام الذراع والمفاصل. وبأسفل الصورة عمليتان بالكي إحداهما البواسير والثانية اللوزتان 

علم التشريح في الطب الإسلامي

في سنة 836 م أمر الخليفة المعتصم ببناء مشرحة كبيرة على شاطىء نهر دجلة في بغداد وان تزود هذه المشرحة بأنواع من القرود الشبيهة في تركيبها بجسم الإنسان وذلك لكى يتدرب طلبه الطب على تشريحها. وكان أول من أشرف على هذه المشرحة الطبيب يوحنا بن ماسويه.

ولم يخل كتاب من مؤلفات المسلمين في الطب مثل الحاوى للرازي والقانون لابن سينا من باب مستقل عن التشريح توصف فيه الأعضاء المختلفة بالتفصيل وكل عضلة وعرق وعصب باسمه وكان الرازي يقول في كتابه:

"يمتحن المتقدم للإجازة الطبية في التشريح أولا.، فإذا لم يعرفه فلا حاجة بك أن تمتحنه على المرضى".

وكان المسلمون يعتمدون أول أمرهم على ما كتبه الإغريق في تشريح جسم الإنسان وذلك تجنبا للحرج الدينى.. ولكنهم اكتشفوا عن طريق التشريح المقارن (أي تشريح الحيوانات) الكثير من الأخطاء في معلومات الإغريق فابتدأوا الاعتماد على أنفسهم.. وقد ساعدهم على ذلك المرونة في الشريعة الإسلامية التى تقول "إن الضرورات تبيح المحظورات ".

فإذا كان التشريح ضروريا لاكتشاف جريمة قتل كما هو الحال في الطب الشرعي أو لاكتشاف سبب الوفاة من مرض فتاك بقصد إنقاذ الأحياء من نفس المصير كما هو الحال في الأمراض الوبائية فهذا مما يدخل تحت هذه القاعد . ومع ذلك فقد كان أغلب العلماء الباحثين لا يمارسون تشريح الإنسان إلا في السر خوفا من معارضة بعض رجال الدين.

وهذه لمحة عن بعض الاكتشافات الكبيرة لعلماء المسلمين في التشريح. 

ا- اكتشاف الدورة الدموية لابن النفيس "وقد ذكرناه مفصلا" في الباب الأخير من هذا الكتاب.

2- اكتشاف تركيب الكبد:
فقد وصفه الإغريق بأنه يتركب من خمس فصوص تحيط بالمعدة فأثبت المسلمون أنه من فصيين اثنين فقط.

 3 - اكتشاف أن الفك السفلي للإنسان من عظمة واحدة وأن عظمة العجز (sacrun) واحدة. فقد اكتشف الطبيب الإسلامي عبد اللطيف البغدادي المتوفي سنة 1231 م أن الفك السفلي للإنسان يتكون من  عظمة واحدة وليس من عظمتين كما ذكر جالينوس .. وقد توصل الى اكتشافه هذا  كما جاء في كتبه بعد أن فحص (2000) جمجمة بشرية كما اكتشف أيضا أن عظمة العجز (sacrum) تتكون من قطعة واحدة وليس من ست قطع كما ظن الإغريق. وقد سجل البغدادي ملاحظته هذه في كتابه المسمى  الإفادة  والاعتبار فيقول : -

"أما العجز مع العجب ذكر جالينوس  أنه مؤلف من ست عظمات ووجدته أما عظمة
 واحدة"

4- اكتشاف طبقات العين ووظائف كل طبقة؛
كالعدسة والحدقة والشبكية وتر كيب الاعصاب المتصلة من العين إلي  المخ اكتشفها ابن الهيثم المتوفي سنة 1037م كما اكتشف ابن رشد وظائف الشبكية وما زالت الكثيرون الأسماء العربية في تشريح العين مستعملة في علم التشريح الحديث سواء كما هي مثل ، Cornea وأصلها قرنية أو بترجمة المعنى مثل Retina " واصلها الشبكية وكلمات السائل المائي والسائل ا لزجا جي.

5- اكتشاف عدد فقرات الرقبة:-
انها سبعة في الحيوانات والانسان. واصدق تعبير عن اهتمام المسلمين بالتشريح قول الفيلسوف والطبيب الاسلامي ابن رشد "ما من أحد اششغل بعلم التشريح إلا ازداد إيمانا بالله وقدرته ".

الحمام

لا يكتمل بحث في الطب الإسلامي دون كلمة عن الحمام الذي يلعب دورا هاما في الصحة العامة في المجتمع الإسلامي .

لقد كان الحمام معروفا لدى الإغريق والرومان قبل العرب ولكنه كان قاصرا على الطبقة الغنية وللترفيه والتسلية فحسب. ولكن المسلمين طوروا استعمال الحمام من حيث الهدف والتكوين فأدخلوا التدليك كنوع من العلاج الطبيعي.. وصنعوا غرف البخار (السونا) كما أصبحت الحمامات للعامة والخاصة كخدمة من الدولة.

والمسلمون أول من أدخلوا شبكات المياه في مواسير الرصاص أو الزنك إلى البيوت والحمامات والمساجد.. وقد أورد كتاب "صناعات العرب " رسما وخرائط لشبكات المياه في بعض العواصم الإسلامية ومعروف أن الكيميائيين العرب قد اخترعوا الصابون. وصنعوا منه الملون والمعطر. وكان في كل حمام مدلك مختص... وآخر للعناية باليدين.. والقدمين وبه حلاق للشعر كما يلحق به مطعم شعبي. وقد قدر عدد الحمامات في بغداد وحدها في  القرن الثالث الهجري (955 م) حوالي عشرة آلاف حمام وفي مدن الأندلس أضعاف هذا العدد.. ويذكر الدكتور (ستانووذكب)  أنه في عام 1556 م أصدر فيليب الثاني في أسبانيا تشريعا صارما يمنع المسلمين من ممارسة شعائر دينهم والحديث بلغتهم العربية.. وأمر بتدمير الحمامات العامة التي كانت تذخر بها المدن الأسبانية بسبب وفرة موارد المياه المندفعة من الجبال ومنذ ذلك الوقت كان تردد أي شخص على الحمام واهتمامه بالنظافة مدعاة لاتهامه بأنه على دين الإسلام وأنه يخفى حقيقة أمره.. ويقدم إلى محكمة التفتيش.

وهكذا كان لتعاليم الإسلام التى تحث على الطهارة والنظافة الفضل في تطور فكرة الحمام بحيث أصبح أحد واجبات الخدمة العامة في الدولة مثله مثل المسجد والمدرسة والمستشفى والمكتبة.

الطب البيطري وعلم الحيوان:

لقد تطور الطب البيطري في ظل الإسلام ولاقى عناية كبيرة بفضل تعاليم الإسلام التى تأمر بالرفق بالحيوان وبحسن تغذيته والعلاج في حينه. وعدم تحميله فوق طاقته ومنع قتل الحيوان إلا لمنفعة أو لسبب إنساني.

ومن أقوال الرسول صلي الله عليه وسلم "الثالث فوق الدابة ملعون " أي أن الدابة لا تحتمل أكثر من اثنين فوق ظهرها فإذا ركبها ثالث فإن لعنة الله تحل عليه لأنه يعذبها.

ومن قواعد الشريعة (قوانين الدولة الإسلامية) تحريم استعمال المناخس المعدنية الجارحة لدفع الحيوان على الإسراع وتحريم خرم الأنف لشد الحيوان منه لأنه يؤلم. وتحريم الوشم على الوجه لأنه يشوه. وإذا ذبح الحيوان ذبحا غير شرعي أي بما يشترطه الشرع من الرفق والتكبير وسن الشفرة فإن لحمه يصبح حراما.

وقد نهى الإسلام عن اتخاذ أي حي. سواء حيوانا أو طائرا غرضا لمجرد التدريب على الرماية أو جرحه لمجرد التسلية أو اللهو (كما في مصارعة الثيران) فقد كانت محرمة على عهد الدولة الإسلامية في الأندلس لما فيها من تعذيب للحيوان.

وقد كان لهذه التعاليم الفضل في عناية المسلمين بعلم الحيوان والطب البيطري. ومن الذين ألفوا كتبا عن علم الحيوان الجاحظ في كتابه (الحيوان) والإدريسى في كتابه الجامع لصفات (الحيوان والنبات) والقزوينى والدميرى. وأبو بكر البيطار. وكان اهتمام المسلمين الأعظم بالفرس لأنه رفيقهم في الحرب والجهاد. فكتبوا عن أنواع الخيل وخصائص كل نوع وعيوبه ومميزاته. ثم كتبوا عن أمراضه وعلاجاتها. كما أعطوا اهتماما كبيرا للصقور لعلاقتها بالصيد والرياضة. ورغم أن كتاب الحيوان للجاحظ قد غلب عليه الطابع الأدبي إلا أنه يحوي من الحقائق العلمية عن الحيوانات ما يستحق وضعه في أبواب العلم.

ومن ذلك ما فصله عن خصاء الحيوانات ومنافعه ومضاره فمن ذلك قوله. (وخصاء الحيوان يكون في سبيل تسمينه أو توفير قوته للحمل أو الجر أو الجرى في السباق أو لإخفاء صوته كما تخص خيل الغزو كيلا تصهل فتنبه العدو لمكانها) ويتحدث عن أثر التزاوج بين جنسين من الحيوان مثل الذئب والكلبه والحمار والفرس والحمام البرى والأليف وهو أول من بين أن بيضة واحدة تكفي للتناسل. وأن الحيوان منزوع إحدى البيضتين يعيش طبيعيا. 

وقد اهتم المسلمون بعلم تشريح الحيوان وأقيمت أول مشرحة على نهر دجلة في بغداد... وكان الهدف منها : -

أولا: تعليم طلبة الطب جسم الإنسان عن طريق ما يسامى (بالتشريح المقارن) فكان الاهتمام في هذا المجال بالقردة المستوردة من النوبة وهي فصيلة خاصة شبيهة في تركيبها بجسم الإنسان.

ثانيا: تعلم الطب البيطري ورعاية الحيوان.
ويذكر سارتون أن من أهميةعلم البيطرة عند المسلمين ولشدة احترامهم لهذه المهنة تجد الكثير من العائلات تأخذ كنية البيطري ومن ذلك عالم النبات المشهور (ابن البيطار) الذي يدلنا نسبه أن أباه كان متخصصا في علاج الحيوانات وأن هذا العلم قد أصبح فرعا متخصصا من فروع العلاج في ذلك الوقت المبكر في التاريخ الإسلامي.

ولكي نعطي القارىء فكرة عن المدى الذي وصل إليه المسلمون من التطور العلمي في ميدان الطب البيطري.. حسبنا أن نسرد بعض الأبواب من كتاب (الفروسية)  الذي ألفه أحمد بن الحسن بن الأحنف (البيطار) في سنة 1200 م وهو عبارة عن موسوعة علمية في أمراض الخيل ورعايتها (موجودة في المكتبة التيمورية بالقاهرة رقم 108) فالباب الأول يتناول دراسة أسنان اللبن والاسنان الثابته.. والباب الثاني عن المظهر الخارجي والصفات العامة المميزة للفرس والحمار والبغل والباب الثالث وظائف الأعضاء الخارجية والباب الرابع عن الفروسية وطريقة الركوب والباب الخامس عن سباق الخيل والباب السادس عن العيوب الوراثية في الخيل والباب السابع عن الصفات السيئه والعيوب الجسمية والباب الثامن تقسيم البطن والباب التاسع عن أمراض الرأس والعيوب الخلقية بها  أمراض الرقبة والحلق (11) أمراض الكتف والصدر (12) أمراض الظهر (13) الأمراض الد اخلية والباطنية (14) الذيل وعيوبه (15) الفخذ والساق (16) أمراض الأعصاب (17) الكسور والخلع وجبرها (18) حميات الخيل (19) الأمراض الجلدية مثل الجرب والحكة والدمامل والجدري والجذام والحروق (ص 287) (20) الجنون والهيجان (21) العلاقات الجنسية والتناسلية (22) الإجهاد من الحر والبرد (23) الضعف العام والهزال (24) التسمم من النباتات السامة (25) مرض الكلب (26) قرص العقرب والثعبان وعلاجها.

هذه الموضوعات العريضة والدقيقة التي يطرقها المؤلف في القرن الثاني عشر الميلادي تدلنا على مدى اهتمام المسلمين بالبيطرة وعلاج الحيوان.. وعلى تفوقهم في هذا الميدان..

الطب في أوربا في هذه المرحلة
بينما كانت الحضارة الإسلامية في أوجها والعالم الإسلامي يشع بالنور والعلم.. ويزدحم بالمستشفيات المتطورة والأطباء العباقرة والعلماء والباحثين.. كانت أوروبا تمر بعصور الظلمات التي استمرت 10 قرون حتى نهاية القرن الثالث عشر الميلادي ولا بد لنا هنا من لمحة قصيرة عن الطب والمستشفيات والعلاج في أوروبا في هذه الفترة من باب المقارنة والعلم .. وسوف نكتفي في ذلك بفقرات من المراجع الأوربية:
فقد جاء في تلك المراجع عن العلاج:-

"كانت العناية بالصحة والمرض منوطة برجال الكنيسة والأديرة.. فكان الرجال المثخنون بالجروح المدماة يضطرون إلى الانتظار طويلا استعدادا للتقرب من سر الاعتراف وللإقرار بخطاياهم وذنويهم جميعا وتناول الخبز الذي يسمونه (جسد الرب) قبل أن ينالوا إسعافا أوليا.. أو يكتنفهم مأوىأو ملجأ" وفي وصف المستشفى جاء الآتى:

"كان ثمة قش كثير موضوع على الأرض يتزاحم عليه المرضى وإقدام بعضهم إلى جانب رؤوس البعض الآخر.. الأطفال مع الشيوخ والرجال مع النساء وبينهم أناس مريضون بأمراض معدية وحبالى يعانين آلام المخاض .. ومصاب بالتيفوس يهذى من الحمى ومريض بالسل يبصق دما.. والحشرات تزحف بين المرضى وجثث المرضى تترك 24 ساعة أو اكثر من قبل ان تنقل من بين المرضى فتفوح الروائح حتى يضطر كل من يدخل المكان إلى وضع خرقة مبللة بالخل على انفه لقتل الرائحة".

"وكان الكهنة يمرون على المرضى يرشونهم جميعا بالماء المقدس ويصلون عليهم.. ويأمرونهم بتصفية أمورهم الدينية والدنيوية بالاعتراف بآثامهم التى أدت إلى مرضهم فإذا شفى أي من هؤلاء المرضى لأي سبب كان جاء إلى الكاهن الذى يقول له "ها إنك عوفيت فلا تخطىء مرة أخرى لئلا يصيبك ما هو أعظم ".

أما عن الأدوية فإليك هذه الكلمات المشهورة التي جاءت في قصائد (جوته) عن الصيدلة في العصور الوسطى:

"وكان الصيدلي منزوياً في معمله الأسود المظلم حيث كان يجمع الأضداد في مزيج واحد. هناك عاشق جرىء.. وأسد أحمر.. يزف إلى الزنيقه. وحمام فاتر. والاثنان يعذبان بنار حاميه. والملكة الشابة تتراءى وراء الزجاج ". طلاسم لا معنى لها ولا تمت إلى العلم بصلة.. وأخيرا يتساءل.. جوته.

هذا هو الدواء.. ولكن المرضى يموتون دائما.. ولا أحد يتساءل هل شفى أحد من الدواء. واقرأ هذه الوصفة الطبية التى تعود إلي  سنة 1050 م "خذ مسمارا من سفينة حطمتها الأمواج واجعله على شكل سوار وعلق في هذا المسمار عظمة من قلب غزال أخذت منه حيا.. ثم ضع هذا السوار في الذراع اليمنى.. وإنك لتدهش قطعا للنتيجة ؟!

ووصفه أخرى أكثر علما.
"لن تؤذيك ثرثرة المرأة إذا أكلت رأس فجلة في المساء بعد صيام يوم كامل" .