متلازمة وليامز والدماغ 

  من أجل فهم عميق غيرمسبوق لكيفية تعضي الدماغ(1) يعكف الباحثون الآن على درا سة اعتلال لايعرف عنه إلا القليل.

حينما طلب إلى مناهقة، حاصل ذكائها (2) يساوي( 49) فحسب، أن ترسم فيلاً وأن تتحدث بما تعرفه عن هذا الحيوان، كاد رسمها التخطيطي يكون طلاسم ،ولكن وصفها له كان غنيا، بل شاعريا معبرا إلى حد يثير الإعجاب. ففي جزء من ذلك الوصف ذكرت الفتاة أنه "ذو أذنين رماديتين طويلتين، أذنين منوحيتين، أذنين يمكن أن ترفرفا مع الريح... ".

تمثل هذه الفتاة بمقدرتها الكلامية نموذجا واضحا للمصابين بمتلازمة وليامز، وهي حالة نادرة بدأت مؤخرا تستقطب انتباه طائفة من العلماء. ولئن كان المصابون الذين يدعون أحيانا الوليامزيين williams peole ليسوا جميعا متماثلين، فإنهم غالبا ما يشبه أحدهم الآخر. وكثيرا ما يعتبرون "متخلفين" بشكل بسيط أو متوسط، إذ يحرزون بشكل عام درجات دون المتوسط في اختبإنات حاصل الذكاء "IQ " القياسية. إنهم عادة يقرؤون ويكتبون بصعوبة بالغة، ويبذلون جهداً كبيراً في حل مسائل الحساب البسيطة، ولكنهم مع ذلك يظهرون قوى مدهشة في بعض المجالات. فهم لا يظهرون فقط براعة في اللغة المنطوقة، بل يجيدون كذلك تعرف الوجوه؛ كما يميلون في سلوكهم الجماعي إلى التأثر بمشاعر الآخرين والثرثرة وحسن المخالطة.

والأكثر من ذلك أن الأدلة القصـصية تشير إلى أن بعض الوليامزيين يمتلكون موهبة موسيقية فذة. ومع أن معظم المهام لا تشد انتباههم إلا فترات قصيرة، فإن العديد منهم يصغون إلى الموسيقى ويغنون ويعزفون على الآلات بمثابرة مدهشة. ومعظمهم لا يستطيع قراءة النوطة الموسيقيه، ومع ذلك فإن لدى بعضهم قدرة تامة أو شبه تامة على تعيين طبقة الصوت pitch وإحساسا خإنقا بالإيقاع ( الرتم ). فقد تعلم أحد الصبية بسرعة أن ينقر على الطبل إيقاعا معقدا للغاية بسرعة نسبتها4 /7 بإحدى يديه، في حين تنقر اليد الأخرى بسرعة نسبتها 4/4. هذا ويحفظ عدد من الوليامزيين موسيقى معقدة سنوات عديدة ويتذكرون ألحانا وأغاني شعبية طويلة، حتى إن أحدهم يغني أغنيات بخمس وعشرين لغة. كما يغني الموسيقيون الوليامزيون المتمنسون ألحانا متناغمة، ويرتجلون ويلحنون القصاند الغنائية بسهولة.

لقد قادت مثل هذه الحكايات مؤخرا إلى أول دراسة منهجية للقابلية الموسيقية لدى الأطفال الوليامزيين. وتدل النتائج على أن الفتية الصغإن يميزون الألحان جيدا، كما يظهرون بشكل جلي شغفا بالموسيقى واستجابة انفعالية لها تفوق ما يبديه المفحوصون من عامة الناس. وحسبما قال أحد الأطفال الوليامزيين "إن الموسيقى هي نطاق تفكيري المفضل ".

ويزداد اهتمام الباحثين بمتلازمة وليامز لأنهم يتوقعوق من ناحية أن التميز والتخلف في قدرات المصابين سيفتحان لهم نافذة جديدة على معرفة تعضي " organization " ( الترتيب البنائي الوظيفي) الدماغ السوى وقابليته للتكيف adaptability وتحاول بعض مجموعات الباحثين تحديد الخصانص المميزة لأدمغة الوليامزيين بدقة ومعرفة كيف تؤثر هذه الخصائص في الأداء الفكري وفي غيره من المجالات. ويحاول الباحثون في الوقت نفسه كشف النقاب عن التغيرات الجينية المسؤولة عن متلازمة وليامز.

ففي عام 1993 عرف الباحثون أن سبب الاعتلال هو فقدان قطعة بالغة الصغر من إحدى نسختي الصبغي (الكروموسوم) السابغ الموجود في كل خلية من خلايا الجسم. ويمكن أن تشتمل هذه القطعة المخبونة (المفقودة) (1) على 15 جينا أو أكثر. وعندما يتم تعيين الجينات المفقودة، يستطيع العلماء الشروع في تحديد الكيفية التي يفضي بها غياب تلك الجينات إلى الملامح التشريحية العصبية والسلوكية التي سبق مشاهدتها. وقد يصبح هذا المدخل المتكامل لدراسة متلازمة وليامز- والذي يربط الجينات بالبيولوجيا العصبية، ثم بالسلوك في نهاية المطاف- نموذجا لاستكشاف الكيفية التي تؤثر بها الجينات في تنامي الدماغ وفي وظيفته.

أما علماء الطب البشري فيهتمون بمتلازمة وليامز بحد ذاتها. فقد فسر تحليل الجينات في المنطقة المخبونة سبب معاناة الوليامز عموما من اعتلالات جسمانية معينة. كما قدم هذا التحليل وسيلة لاختبإن هذه المتلازمة قبل الولادة، ويساعد الآن على تشخيصها في منحلة أبكرحتى يمكن مساعدة الأطفال المصابين منذ الرضاع لبلوغ أكمل إمكاناتهم. ونذكر في هذا الصدد أن افتقإن الدوائر الطبية إلى اعتياد (كثرة) الاطلاع على متلازمة وليامز وغياب الاختبإنات الموثوقة، أعاق التشخيص الفوري لهذا الاضطراب في الماضي.

وازداد الفهم ببطء ومع أن متلازمة وليامز- التي تحدث تقديريا بمعدل حالة واحدة لكل 000 20 ولادة على امتداد العالم- قد حظيت بمزيد من الانتباه مؤخرا، فإنها ليست بالأمن الجديد في أي حال من الأحوال. ويوحي استقصاء أجراه أحدنا (لينهوف) بأن الوليامزيين كانوا مصدر الإيحاء لبعض الأساطير الشعبية القديمة عن العفإنيت والجنيات الصغيرات والأقزام وغيرهم.

لقد اطلع المجتمع الطبي على هذه المتلازمة منذ عهد قريب نوعا ما، أي منذ نحو إنبعين سنة فقط. ففي عام 1961 لاحظ وليامز (وهو اختصاصي بأمناض القلب من نيوزيلندا) أن فئة صـغيرة من مرضاه الأطفال كانوا يتشإنكون في عدة خصائص.

فإضافة إلى إصابتهم بمشكلات وعائية قلبية متقإنبة، كانت لهم ملامح وجهية جنية clfin (مثل الأنف المنفوع إلى أعلى والذ قن الصغير) ويبدون متخلفين عقليا. أما المشكلات القلبية التي لاحظها وليامز فغالبا ما كانت تتضمن نفخات murmurs قلبية وضيقا في الأوعية الدموية الرئيسية وعلى وجه الخصوص، كثيرا ما كان الوليامزيون يـعانون ضيقا أبهريا فوق صمامي (دسا مي) supravalvular aortic stenosis (أو اختصإنا SVAs )وهو ضيق في الأبهر يتراوح بين الخفيف والشديد.

ومنذ ذلك الوقت، لاحظ الأطباء سمات أخرى يمكن مشاهدة بعضها في وقت مبكر تماما من الحياة. ففي عامهم الأول، قد يجد الأطفال صعوبة في الرضاعة وقد يعانون آلام المعدة والإمساك والفتوق hernias" كما قد يصابون بالإنق والتهيج والمغص، وهذا سلوك ينجم أحيانا عن ظاهرة أخرى متكررة الحدوث تتمثل في زيادة كميات الكالسيوم في الدم. وببلوغ هؤلاء الأطفال سنا أكبر تخشن أصواتهم ويبدون متأخرين في نموهم الجسمي والعقلي. فهم يبدؤون المشي في سن 21 شهرا في المتوسط، وغالبا ما تبدأ مشيتهم على ضرات (2) أقدامهم بصعوبة منبكة ويبقون على هذه الحال طوال الحياة، كما يضطرب التحكم الحركي الدقيق لديهم. إضافة إلى ذلك يتصف الوليامزيون بشدة الحساسية للضوضاء وبقصر القامة لدى

رسم ووصف لفيل أعدهما مناهق مصاب بمتلازمة وليامز

ما الفيل ؟ إنه أحد الحيوان وماذا يفعل الفيل ؟ إنه يعيش فى الغابة وماذا يمتلك ؟ إنه يمتلك إذنين رماديتين طويلتين ، أذنين منوحيتين ، أذنين يمكن أن ترفرفا مع الريح له خرطوم طويل يستطيع أن يلتقط به العشب أو يلتقط التبن ( الدريس ) وإذا كان مزاجه سيئا فقد يكون مخيفا وإذا جن جنونه يمكن أن يسحق بقدميه ويمكن أن يهاجم وأحيانا يمكن للفيله أن تهاجم . إنها تمتلك أنيابا ضخمة طويلة وتستطيع إتلاف سيإنة يمكن أن تكون خطرة وعندما تكون ( الفيله فى مأزق أو تكون فى نوبة غضب فقد تكون مخيفة إنك لن تريد فيلا كحيوان مدلل إنك تحتاج إلى قطة أو كلب أو طائر "

مقإننتهم بنظائرهم، ويبدو أنهم يشيخون قبل الأوان (فيشيب شعرهم وتتجعد بشرتهم على سبيل المثال في وقت مبكرنسبيا).

بدأ الوصف يفسح الطريق للفهم الجيني منذ نحو إنبع سنوات، ويعود الفضل في ذلك جزئيا إلى دراسة أجريت على التضيق svas لدى أناس غير مصابين بمتلازمة وليامز. ففي عام 1993 اكتشف A إيوإنت وM" كيتنك (من جامعة يوتا) وC موريس (من جامعة نيفادا) وأخرون، أن التضيق svAs هذا نشأ، بالنسبة لشريحة من هؤلاء (غير المصابين بالمتلازمة)، من طفرة موروثة في نسخة واحدة من الجين الذي يسبب إنتاج الإلاستينelastin ، وهو بروتين يمنح المنونة لعدة أعضاء وأنسجة مثل الشرايين والرئتين والأمعاء والجلد.

تعيين الجينات المفقودة وانطلاقا من إدراك هؤلاء الباحثين بأن التضيق svas أمن شائع لدى الوليامزيين، وأن المصابين بالتضيق svas العائلي وحده وكذلك المصابين بمتلازمة وليامزيعانون في الحالتين اضطرابات في الأعضاء التي تتطلب المنونة، فقد تساءل أولئك الباحثون عما إذا كانت متلازمة وليامز هي أيضا تتضمن نوعا من التغيرفي الجين المسؤول عن الإلاستين. وقد وجدوا بما يكفي من اليقين أن هذا الجين كان مخبونا من إحدى النسختين المؤلفتين للصبغي (7) في الخلايا. ومن الواضح اليوم أن خبن هذا الجين يحدث لدى نحو 95فى المائة من مرضى متلازمة وليامز. ويفترض أن ذلك الفقدان للجين أمن ضإن لأن كلتا النسختين الجينيتين لازمتان لصنع كميات كافية من بروتين الإلاستين.

وقد عرف الباحثون أن نقص الإمداد بالإلاستين يمكن أن يسهم في الملامح الجسدية المختلفة لمتلازمة وليامز (مثل التضيق svas والفتوق وتجعد البشرة المبكر)، ولكنه قد لا يستطيع بذاته تعليل البصمات السلوكية والمعرفية cognitive وعلى الرغم مما تقدم، فقد كان من المحتم كذلك أن يتصف أوائل مفحوصيهم- الذين كانوا من المصابين بالتضيق svas من دون خلل معرفي (استعرافي)- بانخفاض مستويات حاصل الذكاء لديهم إذا كان مجرد النقص في الإلاستين يمكن من جانب واحد أن يسبب جميع أعراض متلازمة وليامز. وقد أدى هذا الإدراك إلى شكهم في تأثر المزيد من الجينات. وتأييدا لهذه الفكرة، دلت الفحوص المباشرة للصبغيات المأخوذة من مرضى وليامزيين على أن المنطقة المخبونة من الصبغي 7 تمتد إلى ما وراء حدود الجين المسؤول عن إنتاج الإلاستين وربما ضمت عدة جينات.

ويتم الآن كشف النقاب عن العديد من تلك الجينات الأخرى، ومن بينها ثلاث هي: wscri-fzD3 - LIM-kinase I التي تكون نشيطة في الدماغ، وهذا يشير إلى إمكانية تأثيرها في تنامي الدماغ وقيامه بوظائفه. أما الأنشطة الدقيقة المحددة التي تقوم بها البروتينات التي تكودها هذه الجينات فغير معروفة، وإن كانت إيوإنت وزملاؤها قد اقترحوا أن LIM-Kinase(الذي يخبن بشكل ثابت لايتغير مع الجين المسؤول عن الالاستين) قد يؤثر في المقدرة على إدراك العلاقات الحيزية (المكانية) spatial وقد يساعد هذا الدور الوظيفي على تفسير سبب صعوبة رسم أشياء شائعة بسيطة من الذاكرة بشكل مضبوط لدى الوليامزيين. وهناك جين آخر من المنطقة المخبونة، وهو Rfc2 يحدد يناوع) بروتينا له علاقة بتنسخ replication.الدنا ولكن إسهامه في متلازمة وليامز لم يثبت حتي الآن.

إن الفهم الجيني لمتلازمة وليامز لم يكتمل.ومع ذلك، فمازال اكتشاف الخبن في الصبغي7 يعطي بعض الثمإن العملية. وكون الخبن يحدث في جميع خلايا أجسام الوليامزيين فإنه يطمئن الأمهات أن حالات أطفالهن لم تسببها أشياءلم يفعلنها أوقصرن في فعلها أثناء الحمل. فهذا الاعتلال ينشأ عن نطفة أو بيضة كانت تعاني بالصدفة فقدان جينات من الصبغي 7 قبل أن وتقدم صبغياتها لتكوين الجنين. كما تنبئ هذه المعلومة أشقاء الوليامزيين الأصحاء بأن ما يحملونه من نسخ الصبغي 7 هي نسخ خالية من هذا الخبن، ولذلك فإن أي أطفال ينجبونهم لا يزيد احتمال إصابتهم بالمتلازمة على أي أطفال آخرين. وأخيرا، أمكن الآن تكييف التقنية المجهرية التي كشفت أصلا خبن الجين المسؤول عن الإلاستين- وهي تقنية التهجين الفلوري في الموضع (الأصلي) Fluoroscent in situ hybridization ( FISH - لتغدو صالحة للاستعمال كأداة تشخيصية.

لمحة معرفية يعتبر البحث في وراثيات متلازمة وليامز متمما للجهود التي تحدد السمات البيولوجيه العصبية المميزة لهذا الاعتلال (الاضطراب) وقد بدأ هذا البحث (الذي يشغل اليوم عدة مختبرات) منذ نحو خمس عشرة سنة، حينما أجابت إحدانا (وهي بيلوجي) على مخابرة هاتفية تلقتها في أواخر الليل في مختبرها بمعهد سولك للدراسات البيولوجية في كاليفورنيا. فقد علمت صاحبة المخابرة أن بيلوجي كانت تتقصى المنتكزات البيولوجية العصبية للغة، واعتقدت أن ابنتها المصابة بمتلازمة وليامز يهم أمنها مجموعة سولك. فهذه الفتاة التي كان عمنها يوم ذ اك 13 عاما كان حاصل ذكائها قريبا من 50 واعتبرت متخلفة عقليا. ووفقا لتلك السيماء (الصورة الجانبية) profile "، فقد كانت الفتاة تقرأ وتكتب في مستوى تلاميذ الصف الأول، ولكنها كانت تتكلم بشكل جميل. ويومها، كما هي الحال اليوم، كانت تواجه العلماء صعوبة التمييز بين السيرورات (العمليات) الدماغية التي تتحكم في اللغة والسيرورات التي تتحكم في التفكير، لأن الحذق باللغة والمعرفة (الاستعراف) يسيران في العادة جنبا إلى جنب لدى عامة الناس.

أما الانقسام الثنائي (المفإنقة) dichotomy الموجود لدى ابنة صاحبة المخابرة فإنه يوحي بأن دراسة الوليامزيين قد تفيد في تفريد (فصفصة) هذه السيرورات.

لقد فتن موضوع المخابرة الهاتفية بيلوجي، فوافقت على مقابلة الفتاة، ومن ثم تابعت رؤيتها بشكل منتظم، كما بحثت في المناجع التي تفصل نقاط القوة والضعف المعرفية لدى الوليامزيايين، ولكنها لم تعثر إلا على القليل مما يزيد على الحقائق العامة (المؤكدة). وقبل أن يكون في مقدور بيلوجي أن تأمل بكشف النقاب عن باحات areasله الدماغ والسيرورات العصبية التى تعلل الخصائص المعرفية الفريدة لدى الوليامزيين، فإنها ستكون بحاجة إلى سيماء (صورة جانبية) أكثر تفصيلا للسمات التي تميز هذه الجماعة عن غيرها.

ولذلك شرعت بيلوجي وزملاؤها بتصميم اختبإنات للقدرات النوعية وبمقإننة الدرجات التي أحرزها الوليامزيون بدرجات عامة الناس وجماعة أخرى ذات خلل معرفي تتمثل في المصابين بمتلازمة داون Down syndrome.

وتقوم الدراسات، التي مازالت مستمنة بفحص جماعات من المناهقين يتشابهون في الجنس والعمن ومستوى حاصل الذكاء (مع العلم بأن حاصل الذكاء لدى الوليامزيين يتراوح بين 40 و 100 درجة، في حين يبلغ متوسط درجاتهم نحو 60 ). وفي وقت مبكر من البحث، لاحظ الفريق أن المفحوصين الوليامزيين كانوا يستعملون القواعد اللغوية السليمة في كلامهم العفوي، وذ لك على النقيض من أدائهم الضعيف بشكل عام في الاختبإنات الإجمالية للقدرة المعرفية. وبشكل إجمالي، أظهر هؤلاء الأفراد كذلك أداء أفضل بشكل واضح من أداء جماعة متلازمة داون فى جميع تمإنين استيعاب قواعد اللغة والإنشاء.

وكذلك أجاد العديد أداء الاختبإن الأكثر تعقيدا لحد ما والذي يتعلق بتركيب أسئلة التثبيت (مثل إضافة عبإنة "ألا تفعل؟ " إلى جملة "ليسلي تحب السمك "Leslie likes fish فالشخص الخاضع للاختبإن يجب أولا أن يأخذ الجملة الأصلية "ليسلي تحب السمك " وأن يضع الضمير المناسب محل الفاعل (أو المبتدأ)، هى تحب السمك،she likes fish ثم عليه أن يضيف الفعل الناقص المساعد في التصريف المناسب ثم ينفيه ويختصره بحيث تصبح الجملة "هي لا تحب السمك she doesn't like fish. وبعد ذلك يقوم بحذف الفعل الأصلي والمفعول به تإنكا من الجملة "هي لا تفعل "she doesn't وأخيرا يقلب ترتيب الكلمات لتصبح على شكل سؤال "... ألا تفعل؟ dosent she " .

إضافة إلى ذلك، وجد باحثو معهد سولك، مثلما وجد آخرون بعدهم، أن المفحوصين الوليامزيين كثيرا ما كانو يمتلكون مفردات لغوية تفوق المتوقع بالنسبة لأعمإنهم العقلية. فعندما كان يطلب إليهم وضع قائمة ببعض الحيوانات، كانوا لا يتقيدون غالبا بالكلمات السهلة بل يختإنون أمثلة غريبة مثل،"الياك"، (ثور التبت الضخم ذو الصوف الطويل) و الشيوإنا " (كلب صغير جدا) و تيس الجبل " (الوعل ) و الكندور" (نسر أمنيكي ضخم) و اليونيكورن" (حيوان خرافي له جسم فرس وذيل أسد وقرن وحيد في منتصف الجبهة).

وإضافة إلى امتلاكهم وفرة من المفردات اللغوية، فقد كان المفحوصون من المصابين بمتلازمة وليامز يبدون أكثر قدرة على التعبير من الأطفال الأسوياء. وقد استبان هذا التصوير المفعم بالحيوية بشكل ممتع حينما طلب إلى الأطفال الوليامزيين أن يعدوا قصة لسلسلة من الصور غير المصحوبة بكلمات. فعندما كانوا يتلون قصصهم، غالبا ما كانوا يغيرون طبقة pitch أصواتهم وشدتها أو يغيرون طول الكلمات وإيقاعها بقصد تحسين النغم الانفعالي للقصة. وعلى نحو مشابه، كانوا يضيفون مزيدا من الدراما لشد مستمعيهم، ومن ذلك "فجأة أطلق رشاشا"، و اندفع يدوي "، فيسرعون فجأة وتيرة الإلقاء ودويه بشكل يتفوقون به على نظرائهم المفحوصين من المصابين بمتلازمة داون. (ومن المحزن أن موهبة الهذر هذه وحسن المعشر لدى الأطفال الوليامزيين يمكن أن تضلل المعلمين فتجعلهم يعتقدون أن لدى هؤلاء الأطفال مهإنات فكرية متميزة أكثر مما يمتلكونه حقا. وفي هذه الحالة قد لا يحظى هؤلاء الأطفال بالدعم الأكاديمي " الخاص " الذي يحتاجون إليه).

ومن التفسيرات الممكنة لهذا الأداء الكلامي القوي لدى الوليامزيين أن عيبهم الصبغوي (الكروموسومي)، على عكس ما هي عليه الحال لدى الداونيين، قد لا يعطل إلى حد كبير قدرات معينة تدعم المعالجة اللغوية language processing وقد ذكر باحثون آخرون على سبيل المثال، أن الذاكرة القصيرة الأمد short - term memory لأصوات الكلام، أو ما يدعى " الذاكرة الفونولوجية (1) العاملة" (وهي شكل من الذاكرة يساعد على تعلم اللغة وفهمها) تبقى مصونة نسبيا لدى الجماعات الوليامزية.

ومما يثير الاهتمام أن دراسات حديثة على مفحوصين وليامزيين فرنسيين وإيطاليين توحي بأن أحد أوجه اللغة، ويطلق عليه علم الصرف morphology وهو ذلك الجانب من قواعد النحو الذي يتناول تصريف الأفعال وتعيين صيغة الجنس من تأنيث وتذكير وكذلك صيغة الجمع- قد لا يبقى سليما (مصونا) تماما لدى الوليامزيين. (ونذكر هنا أن علم الصرف في اللغتين الفرنسية والإيطالية أكثر تعقيدا منه في الإنكليزية).

ويعني هذا الاكتشاف أن المناطق الدماغية المصونة في متلازمة وليامز وبقاء الذاكرة القصيرة الأمد لأصوات الكلام سليمة يدعمان عدة أهليات (2) أي يعتبران مؤهلين للكلام ولكنهما قد لا يكونان كافيين للإجادة اللغوية الكاملة.

وعلى النقيض من أدائهم الجيد بشكل عام في الاختبإنات الكلامية، فإن المفحوصين الوليامزيين يسوء أداؤهم عادة في الاختبإنات التي تتضمن معالجة إبصإنية مثل استنساخ الرسومات. ولكن إخفاقهم في مثل هذه الاختبإنات غالبا ما يختلف عنه لدى المفحوصين الداونيين، الأمن الذي يوحي بأن النقائص لدى المجموعتين ربما تنجم عن اختلافات تشريحية في الدماغ. فمثلا يتوافق الوليامزيون مع المرضى الذين تعرضوا لسكتة دماغية في نصف الكرة المخية الأيمن في موضوع الانتباه للمكونات الجزئية للصور، ولكنهم يخفقون في الإدراك الكامل للنموذج الإجمالي (الصورة الذهنية المتكاملة، أو الكشتالت). أما الداونيون فالاكثر احتمالا هو إدراكهم للبنية الكلية ولكن مع إغفال العديد من التفاصيل، [ أنظر الشكل/لعلوي فيما هو مؤطر في الصفحة المقالبة ] تماما مثلما يفعل المصابون بسكتات دماغية في نصف الكرة المخية الأيسر.

وعلى نحو ما، فإن السيماء (الصورة الجانبية) العامة التي كشفتها الاختبإنات المعرفية المختلفة تعني ضمنا أن العيب الصبغوي في متلازمة وليامزيستثني بشكل رئيسي نصف الكرة المخية الأيسر (وهو المنطقة الأهم بالنسبة للغة لدى الغالبية العظمى من الناس) ويعطل نصفها الأيمن (وهو نصف الكرة المخية الأهم للإدراك الحيزي الإبصإني visual - spatial perception ، ولكن التعبيرية الانفعالية emotional expressiveness لدى الوليامزير (التي يعتقد بأنها أيضا من وظائف النصف الأيمن) ونتيجة أخرى غيرها على الأقل يلقيان ظلال الشك على هذا الرأي المبالغ في التبسيط. فالوليامزيون يتعرفون ويميزون بين صور الوجوه غير المألوفة بشكل جيد تماما وهذه مهإنة تتطلب نصف الكرة المخية الأيمن وفي الحقيقة يحسن الوليامزيون أداء ذلك بقدر ما يحسنه البالغون من عامة الشعب.

ويزداد الوضوح بالدراسات - العصبية

تدعم فحوص الأدمغة التي أجرتها مجموعة سولك باستخدام التصوير بالرنين المغنطيسي ((MRI) والتشريح بعد الموت autopsy احتمال أن يكون الخبن الصبغوي المسؤول عن متلازمة وليامز يغير الدماغ بطريقة أكثر تعقيدا. ويبدو أن هذا الخبن يسبب تغيرات تشريحية (مثل التجميع الشاذ للعصبونات في الباحات الإبصـإنية) تؤدي إلى عجز في القدرات الحيزية الإبصإنية. ولكن يبدو أن هذا العيب الصبغوي يتفادى شبكة تتضمن بنى في الفصين الجبهيين والفص الصدغي والمخيخ. وقد تستخدم هذه الشبكة الصامدة حينئذ سقالة scaffalding تشريحية عصبية لبناء القدرات اللغوية القوية بشكل غير متوقع لدى الوليامزيين.

وللمزيد من التخصيص، تشير الدراسات التشريحية العصبية إلى أن حجم القشرة المخية الإجمالي لدى الوليامزيين والداونيين كليهما يكون أصغر منه لدى المفحوصين الأسوياء من ذوي العمن نفسه ولكن حجوم كل منطقة (بمفردها) تختلف بين المجموعتين. فمثلا يصان الفصان الجبهيان والمنطقة الحوفية limbic regionللفصين الصدغيين لدى الوليامزيين بشكل أفضل وجدير بالذكر أن الجهاز الحوفي (الذي يشمل كذلك بنى أخرى) مهم للأنشطة الدماغية التي تتضمن الذاكرة والعواطف والانفعالات. وبذلك فإن الإبقاء على المنطقة الحوفية قد يساعد على تفسير أسباب التعبيرية الكاملة والإحساس بمشاعر الغير لدى الوليامزيين.

لقد كشفت تحليلات المخيخ النقاب عن مزيد من الاختلافات بين مجموعتي وليامز وداون. فبينما كان حجمه لدى الداونيين صغيرا، كان حجمه عاديا لدى الوليامزيين. وبد ا المخيخ الحديث neocerebellum ( الذي يعتبر المنطقة الأحدث تطوريا في المخيخ) لدى المفحوصين الوليامزيين مساويا أو أكبر حجما من نظيره لدى المفحوصين من عامة الناس ذوي العمن نفسه، في حين بدا حجم المخيخ الحديث لدى الداونيين أصغر.

يعتبر اكتشاف صمود المخيخ الحديث لدى الوليامزيين مثيرا للاهتمام والاستغراب بصفة خاصة إذا ما وضع فى سياق البحوث الأخرى. فإلى عهد قريب، كان يظن أن المخيخ مختص بالحركات بصورة رئيسيه ومع ذلك أثبت > S بيترسن <وزملاؤه (في جامعة واشنطن) أن المخيخ الحديث ينشط حينما يحاول المفحوصون التفكيرفي فعل verb يناسب أحد الأسماء (مثل الفعل ، (يجلس " من أجل الاسم، كرسي "). وزياد على ذلك، تكشف الاختبإنات المجراة علي مصابين بأذيات مخيخية عن عجز في الوظيفة المعرفية، وليس عن مجرد عجز في القدرات الحركية. ويذكر علماء التشريح أن المخيخ الحديث له اتصالات غزيرة مع جزء من القشرة المخية الجبهية، الذي مثله مثل المخ الحديث، يكون لدى البشر أكبر منه لدى القرود.

ولأن للبشر لغة وليس للقرود ذلك، فقد اقترح بعض الباحثين أن المخيخ الحديث والمنطقة المتصلة به من القشرة المخيه الجبهية تطورا معا للمساعدة على التكلم بطلاقة، وقد يقعان تحت إشراف الجينات نفسها. وإن الصوت النسبي للقشرة الجبهية وتضخم المخيخ الحديث لدى الوليامزيين إلى جانب بقاء الطلاقة اللغوية إلى حد ما سالمة يمنحان بعض التأييد لهذا الاقتراح الأخير وللفكرة القائلة بأن للمخيخ دورا في المعالجة اللغوية.

لقد أمكن بتحليلات تشريحية حديثة تحديد ملامح إضافية يمكن أن تفيد في تفسير الموهبة الموسيقية الواضحة لدى الوليامزيين. فالقشرة المخية السمعية الأولية (الموجودة في الفص الصدغي) والمنطقة السمعية المجاورة لها التي تحمل اسم المستوى planum الصدغي (والتي يعتقد أنها مهمة للغة مثلما هي مهمة للموهبة الموسيقية) تتصفان بكبر متناسب في الأدمغة الوليامزية القليلة التي تم فحصها حتى الآن. وإضافة إلى ما تقدم، فإن هذا المستوى (البلانوم) الصدغي يكون في الحالة العادية أكثر اتساعا في نصف الكرة المخيه الأيسر منه في النصف الأيمن، ولكن لدى بعض الوليامزيين يكون هذا المستوى الأيسر على قدر استئنائي من الكبر يضاهي الكبر الذي يتميز به لدى الموسيقيين المحترفين وتنسجم هذه المشاهدات إلى حد كبير مع مشاهدات > A <دون من جامعة وندسور في أونتإنيو، وهي الباحثة التي أجرت أولي الدراسات على المقدرة الموسيقية لدى الوليامزيين. وقد استنتجت هذه الباحثة أن الإدراك السليم للنماذج السمعية يمكن إن يعلل للكثير من قوة المفحوصين الوليامزيين في الموسيقى واللغة- وتنطوي هذه النتيجة ضمنا على وجوب سلامة البنى الدماغية ذات الصلة أيضا.

تقدم المسابر probes " الفيزيولوجية التي تقإنن النشاط الكهربائي في أدمغة الوليامزيين وغيرهم أثناء أدائهم مهام نوعية مزيدا من التبصرات (الفهم المتعمق) لكيفية تنامي الدماغ. ففي استجاباتهم للمنبهات النحوية grammatical stimuli على سبيل المثال، يبدي المفحوصون الأسوياء نشاطا منبعثا من نصف الكرة المخية الأيسريفوق ذلك النشاط المنبعث من النصف الأيمن، وهو ما يتوقع في اختبإنات اللغة. ولكن الوليامزيين يبدون استجابات متماثلة في النصفين المخيين كليهما، وهذا يعني أن التخصص اللغوي النموذجي لنصف الكرة المخية الأيسر لم يحدث لديهم. وعلاوة على ذلك ، بينما يبدي البالغون الأسوياء بصورة عامة نشاطا منبعثا من نصف الكرة المخية الأيمن يفوق نظيره الذي ينبعث من النصف الأيسر أثناء معالجة processing تكوين صور الوجوه، فإن الوليامزيين يبدون النموذج المعاكس. ويحبذ مثل هذا الفعل إمكانية قيام الدماغ على الأغلب بإعادة توزيع الوظائف حينما تنحرف سيرورات " (عمليات) التنامي السوية، بحيث يشكل ) د إنات (دوائر) جديدة لتنفيذ الوظائف الموكولة للدإنات المعطلة.

إن البحوث المتعلقة بمتلازمة وليامز ا مازالت في بدايتها حتى الآن، ولكن ما أنجز يساعد على إيضاح كيفية تعضي الدماغ وتحديد وظائف أجزائه. وتجعل الباحثين أيضا ينظرون إلى الأفراد "المتخلفين عقليا " بمنظإن جديد. وتظهر دراسة متلازمة وليامز عن قرب أن الدرجات المنخفضة لحاصل ذكاء المصابين بها قد تحجب عن العيان وجود قدرات مثيرة لديهم، كما تنبه إلى أن أفرادا آخرين ممن وصفوا بالتخلف العقلي ربما كانوا يمتلكون قدرات كامنة خبيئة تنتظر كشف النقاب عنها. ولن يتم ذ لك إلا إذا تكلف الباحثون والمجتمع عناء البحث عن هذه المواهب (القدرات) وصقلها.

المعالجة الجينية
إن مئات ا لمرضى قد تلقوا فعليا مثل هذه المعالجة
وفي القرن القا دم سيصبح هذا الإجراء أمنا مألوفا.

في 14/ 9/1990 ، أصبحت >أشانتي ديسلفا <(في بداية عامها الرابع)، أول مريض يتلقى معالجة جينية مجازة فدراليا. كانت الصغيرة أشانتي تعاني العوز المناعي المتضام الوخيم severe combined immunode ficiency ( scIDذلك أنها ورثت جينا معيبا من كلا والديها. إن هذا الجين مسؤول عن تكوين إنزيم يدعي أميناز الأدينوزين adenosine deaminase الضروري لعمل الجهاز المناعي على نحو سوي. ومن دون هذا الإنزيم الحاسم، فإن الجهاز المناعي سيفقد فاعليته، تإنكا أشانتي عرضة لشتى أنواع العدوى (الخمج) infection .

تلقت أشانتي المعالجة في المعاهد الوطنية للصحة (NIH) من قبل فريق يتألف مني ومن > R بليز <و> K كلفر <. لقد أخرجنا من جسمها خلايا الدم البيضاء التابعة للجهاز المناعي، وغرزنا فيها نسخا سوية للجين المعيب، ثم أعدنا الخلايا المعالجة إلى الدورة الدموية (الدوران)، وسإنت التجربة بنجاح. فبعد أن تلقت اشانتي خلال إنبعة أشهر، إنبع معالجات من هذا النوع على هيئة تسريبات infusions تحسنت حالتها. وبالاستعانة ببعض المتابعات العلاجية عند الاقتضاء (الضرورة) تحولت أشانتي من طفلة محجور عليها صحيا ومريضة باستمنإنلا تغادر المنزل إلا لزيإنة الطبيب، إلى طفلة صحيحة في التاسعة- حينذاك- من عمنها مفعمة بالنشاط، تحب الحياة وتعمل كل شيء.

إن إتقان المعالجة الجينية الجديدة يعد بإحداث تغيير ثوري في طب القرن القادم. فلقد شهد الطب عبر التإنيخ ثلاث قفزات ضخمة في مقدرتنا على الوقاية من المرض ومعالجته. كانت القفزة الأولى عندما بدأ المجتمع تطبيق تدابير (إجراءات) صحية عامة، كتأسيس نظم الإصحاح البيئي (1) الذي أدى إلى وقاية أعداد هائلة من البشر من أنواع العدوى المهلكة. والثانية هي استعمال التخدير في الجراحة، وبذا تمكن الأطباء لأول منة من إشفاء المرض. (فإذا ما أصيب مريض بالتهاب الزائدة مثلا، فإن استئصالها يحل المشكلة مدى الحياة.) أما استعمال اللقاحات vaccines والمضادات الحيوية (الصادات) antibiotics فكان بدء الثورة الثالثة التي أدت إلى الوقاية من الأمناض الميكروبية ومعالجتها.

وستشكل المعالجة الجينية الثورة الرابعة" ذلك أن إيصال جينات منتقاة إلى داخل خلايا المريض يمكن أن يشفي كثيراً من الاضطرابات disorders أو يخفف من تأثيراتها، بما في ذلك أمناض عديدة استعصت حتى الآن على المعالجة. وكي لا تبدو هذه الفكرة مذهلة، يجب أن نتذكر بأن كل مرض تقريبا ينجم- ولوجزئيا- عن أن جينا واحدا أو أكثر يعمل على نحو غير ملائم. فالجينات تعمل على تركيب البروتينات (الجزيئات الفاعلة الرئيسية في الخلايا). وتسبب الجينات المعيبة المرض عندما تجعل الخلايا تنتج الكمية غير الصحيحة من البروتين أو تنشئ شكلا شاذا منه.

ينجم أكثر من 4000 حالة (مثل المتلازمة SCID والتليف الكيسي cystic fibrosis عن أذية خلقية في جين واحد، وتنجم كثرة من الاعتلالات الأخرى إلى حد ما (مثلا الابتلاءات السرطانية وأمناض القلب والإيدز ( والتهاب المفاصل arthritis والشيخوخة senility ) عن تلف جين واحد، أو أكثر، ذي علاقة بدفاعات الجسم. فهذه الدفاعات التي تتطلب جميعها بروتينات محددة النوعية جينيا، لا تؤثر في الجهاز المناعي فحسب بل أيضا في آليات الحفاظ على الجسم نفسه. فخلايا الكبد مثلا تصنع بروتينات تساعد على إزالة الكوليستيرول من الدم فإذا ما أدى عيب في جين هذا البروتين إلي خفض كمية البروتين أو إلى إنقاص فاعليته فإن النتيجة ستكون إنتفاعا في مستوي كولستيرول الدم وحدوث التصلب العصيدي atherosclerosis ومرض القلب.

إن فهمنا الحالي للأسس الجينية الدقيقة لكثرة من الأمناض لايزال حتى الآن قاصرا بيد أن هذه المعإنف ستزداد كثيرا في العقود القليلة القادمة. فبحلول العام 2000، سيكون العلماء العاملون في مشروع الجين (الجينوم) البشري Human Genome Project، قد تمكنوا من تحديد الموضع الصبغوي (ا لكروموسومي) chromosomal location لاكثر من 99 % من جينات الإنسان الفاعله وفك مغالق أجزاء من كود الدنا فيها. كما أن البحوث الهادفة إلى الكشف عن وظيفة كل جين من هذه الجينات ستتقدم بسرعة. وستتيح هذه المعلومات إمكان تعيين الجينات المختلة الوظيفة في الأمناض المختلفة.

كيف تعمل المعالجة الجينية
ولإيصال الجينات المصححة إلى الخلايا المتأذية، طور الباحثون طراقا عديدة لنقل المادة الجينية. وتستعمل أكثر التقنيات نجاعة الفيروسات المحورة (المعدلة) كنواقل Vectors وتتمثل إحدى فوائد الفيروسات في أن بوسعها اختراق الخلية اختراقا طبيعيا، وغرز المادة الجينية التي تحملها في عائلها (ثويها) الجديد. ولكن قبل استعمال الفيروسات للمعالجة، لا بد من إزالة الجينات التي تكود البروتينات المسؤولة عن تكاثر الفيروس وإحداثه المرض. وعندما يتم إحلال الجينات المصححة محل الجينات الخاصة بتكاثر الفيروس وإحداث المرض، فإنه سيكون لدى الفيروس المعدل نظام ناقل مماثل من الخإنج للفيروس الأصلي وبوسعه نقل الجينات المفيدة إلى الخلايا، إنما لا يستطيع إحداث المرض.

بوسع الأطباء تطبيق المعالجة الجينية بإحدى طريقتين. فكما حدث في حالة أشانتي، يمكن غرزنسخة صحيحة من جين ما في خلايا المريض لمعاوضة الجين المعيب. (ولا يتحتم دوما على الجين أن يجد مكانه الصحيح في الصبغي المعني كي يكون مفيدا، بل يكفي أن يبقى قادرا على توليد البروتين النوعي (1) بالمناسيب العلاجية المطلوبة.) كما يستطيع الأطباء إدخال جين محور عن عمد بغية منح خليه خاصية جديدة. فمثلا، تتحرى مجموعات عديدة مثل هذه المعالجة لمصابين بعدوى فيروس عوزالمناعة البشري، human immudodeficiency virus ( HIV) المسبب لمرض الإيدز. وفي هذه المعالجة، يتم غرز نسخ من جين يعيق تضاعف (تكرر) الفيروس HIV في خلايا دم المريض ويوقف تقدم المرض. وبوسع الأطباء أيضا إيصال جينات لاتقاء بعض الحالات المرضية الأخرى. فعوضا عن الانتظإن حتى تصاب المنأة (ذات الاستعداد) بسرطان الثدي مثلا، بوسع الأطباء تزويد هذه المنأة- وهي لاتزال صحيحة معافاة- بجينات واقية.

وفي العقد القادم يرجح أن تقتصر عملية إيصال الجينات على الخلايا الجسدية somatic cells التي تشتمل على الأنماط الخلوية كافة ما عدا النطاف والبيوض وأسلافهما. ويؤثر التعديل الجيني للخلايا الجسدية في المريض الخاضع للمعالجة فقط. ويمكن نظريا تطبيق المعالجة الجينية على الخلايا التوالدية (التناسلية) reproductive أو الإنتاشية (الجنسية) germ،وإن تحوير modification" هذه الخلايا سيستمن لدى جميع المتحدرين من المريض المعالج. إن مظاهر عديدة للحياة العصرية- كتدخين التبغ والتعرض للإشعاع- قد تغير التركيبة الجينية للأجيال اللاحقة على نحو غير متعمد، إلا أن التطبيق المدروس للمعالجه الجينية على الخلايا الإنتاشية germ - cells سيفتح صندوق باندورا (1 )أمام المخاوف الأخلاقية التي لا يرغب في مجابهتها إلا قلة من الباحثين، على أمل أن يتضح المزيد عن المعالجة الجينية للخلايا الجسدية .

تقدم تحقق حديثا

لقد طور الباحثون مقإنبات، approaches عديدة للمعالجة الجينية للخلايا الجسدية. وأكثر التقنيات المستخدمة شيوعا، والمعروفة بالمعالجة في المختبر (خإنج الجسم الحي ) cx vivo thcrapy هي الطريقة التي استعملناها في معالجة أشانتي. تستخرج الخلايا المحتوية على الجينات المعيبة من المريض، وتغرز فيها نسخ سوية من الدنا قبل إنجاعها إلى الجسم. لقد استهدفت هذه المعالجة عموما الخلايا الدموية، لأن الكثير من العيوب الجينية تغير وظيفة أحد أنماط هذه الخلايا. إلا أن عمن الخلايا الدموية محدود. وهذا يعني أن الخلايا المعالجة تختفي ببطء، وهذا يوجب عادة تكرإن المعالجة على فترات.

ويرجح كثيرا أن تستهدف الجهود مستقبلا الخلايا الجذعية sten cells لنقي (نخاع) العظم، أي الخلايا غير البالغة والتي تعطي المنظومة الكاملة للخلايا الدموية الجائلة في الدورة الدموية والتي تزود الجسم، وفق الحاجة، بالخلايا الدموية. وتشكل الخلايا الجذعية أهدافا مثالية للمعالجة الجينية لأنها تبدو خالدة وتبقى حية مادام المريض على قيد الحياة. لذا، فهي تشكل مستودعا مستديما للجين المغروز inserted gcnd .

ومع أن العلماء استطاعوا الحصول على الخلايا الجذعية من نقي عظم الإنسان ،فإنهم يواجهون صعوبة في إدخال الجينات إلى هذه الخلايا المناوغة، وكذلك في تحريضها على إنتاج العديد من الخلايا الدموية في الجسم. بيد أن التقدم في هذا النطاق مستمن. وفي عام 1995 أعلن فريق من مستشفى الأطفال بلوس أنجلوس يشرف عليه ( كون )- عن أن ثلاثة من الأطفال حديثي الولادة، مصابون بالمتلازمة (التناذر) SCID عولجوا بغرز الجينات في خلاياهم الجذعية، وأن. هؤلاء الأطفال (وقد بلغوا حينذاك السنة الثانية من العمن) يتابعون تناميهم بنجاح. كما أن خلاياهم الدموية تنتج الآن الإنزيم، الحاسم، الذي كان ينقصهم عند الولادة.

ولأن الأطفال الرضع ينمون بسرعة، فإن خلاياهم الجذعية تكون نشيطة جدا. أما لدى المرضى الأكبر سنا، فإن الخلايا الجذعية تنتج خلايا دموية جديدة بمعدل أبطأ ولحسن الحظ، فإن هذه المعضلة قابلة للحل. ويحقق الباحثون في مختبرات عديدة تقدما منموقا باتجاه عزل الكيميائيات، التي يستعملها الجسم نفسه لحض الخلايا الجذعية على الانقسام. ونتوقع أن تحل، مشكلة الخلايا الجذعية بحلول القرن الحادي والعشرين .

أما الطريقة الأخرى في المعالجة الجينية للخلايا الجسدية والتي طورت على نحو مقبول، فتدعى المعالجة "في الموضع "in situ in position وفى هذا الإجراء، يتم إدخال حوامل: الجينات المصححة carries bcaring corrcctivc genes، مباشرة في النسيج الذي يحتاج إلى هذه الجينات. وتصلح هذه الطريقة لمعالجة الحالات الموضعية، بيد أنها لا تصحح الاضطرابات المجموعية (العامة) systemic disorders.

ويتم حاليا استكشاف المعالجة "في الموضع " لكثرة من الأمناض. ففي حالة التليف الكيسي الذي يوهن الرئتين، أدخل الباحثون حوامل جينية تحمل نسخا صحيحة من جين التليف الكيسي في بطانة الأنابيب القصبية. وكخطوة أولى نحو معالجة الحثل العضلي muscular dystrophy حقن باحثون آخرون الجين مباشرة داخل النسيج العضلي للحيوان بغية تقصي إمكان إعادة هندسة الجسم كي ينتج البروتينات العضلية السوية. كما غرزت فرق بحث عديدة حوامل انتحإنية suicide carriers في الأورام. وتحوي هذه الحوامل جينات تحرض الخلايا السرطانية على الانتحإن لدى معالجتها كيميائيا بعقاقير معينة.

ولاتزال المعالجة في الموضع " مقيدة بسبب فقدان الأمان والطرائق الفعالة لغرس الجينات المصححة في الأعضاء المختلفة. وإضافة إلى ذلك، وكما هي الحال في المعالجة خإنج الجسم، فإن الجينات المغروزة لا تنتج دائما الكميات المأمولة من البروتينات المكودة ويندر أيضا أن تكون الخلايا المحورة خالدة، ولذا فإن الجينات المفيدة تهلك بموت الخلايا التي تؤويها (تحتويها). وأخيرا، وفي كل من المعالجة خإنج الجسم والمعالجة في الموضع، ما إن تدخل الجينات الخلايا، فإنها تغرز نفسها داخل دنا الصبغيات عشوائيا. ويمكن أن يكون مثل هذا الانغراز عديم الضرر أحيانا، ولكن قد تكون له عواقب وخيمة فإذا ما عطلت مثل الجينات المصححة الجينات الكابتة للورم tumor suppressor genes التي تحمي الجسم في الحالة السوية من الأورام فقد يؤدي ذلك إلى السرطان .

ترقب طرق أفضل

إن الصنف الثالث من المعالجات والذي يعرف بالمعالجة في الجسم الحي in Vivo ( in the living body ) therapy متوافر حاليا، إلا أنه يمثل بالتأكيد معالجة المستقبل. وسيكتفي الأطباء عندئذ بحقن حوامل الجينات في مجرى الدم، بالطريقة نفسها التي يعطى بها حاليا عدد كبير من الأدوية. وحالما تصبح هذه الحوامل داخل الجسم، فإنها ستجد الخلايا التي تستهدفها متجاهلة الخلايا الأخرى)، لتنقل إلى هذه . الخلايا المستهدفة معلوماتها الجينية على نحو فعال وآمن.

ولقد تحقق تقدم ملحوظ باتجاه ضمان أن تستقر (تبيت) النواقل في الأنماد الخلوية المحددة. بيد أن نجاح الباحثين كان أقل عندما حاولوا إنشاء وحدات إيصال بوسعها أن تغرز بكفاءة حملها الجيني فى الخلايا المستهدفة، أو أن تتملص من الجهإن المناعي للمريض ودفاعاته الأخرى فترة تكفى لوصولها إلى غايتها. كما أن التخوف المتنامي من الغرز العشوائي لقطع الدنا يبقى معضلة أيضا. وعلى الرغم من هذه العقبات، فإنني متفائل بأنه بحلول العام 2000 سيكون قد تم التوصل إلى حلول متعددة. وستكون الأشكال الأولى من نواقل الجينات القابلة للحقن، والتي تستهدف خلايا نوعية، قيد الاختبإن السريري.

وإلى جانب التحديات التقنية التي لا بد من التغلب عليها قبل أن يصبح أي نوع من المعالجة الجينية عملا روتينيا، فإن هناك مشكلة الكلفة. فخلال السنوات القليلة القادمة ستستمن الكلفة العالية للتجإنب الأولية التي سيتم إجراؤها فقط في المناكز الطبية الرئيسية. ولكن بخلاف أنواع أخرى من المعالجات- كاغتراس القلب- التي ستظل دائما عالية الكلفة، فإن المعالجة الجينية ستصبح- في النهاية- أبسط ممإنسة وأقل كلفة. وبالفعل، إنني أتوقع " خلال عشرين عاما تقريبا، أن تستعمل - المعالجة الجينية على نحو روتيني لتخفيف المعاناة في كثرة من الاعتلالات، أو التخلص ، منها تماما.

ولا يعتبر نقاش موضوع المعالجة الجينية ، مكتملا ما لم نتطرق إلى جوانيه الأخلاقية. فإذا توافرت المقدرة التقنية على إيصال جين مصحح لمرض مميت، فستتوافر أيضا المقدرة التقنية على إيصال جين لغرض أقل نبلا. لهذا، فإن هناك أخطإنا حقيقية في إمكان انزلاق مجتمعنا في عصر جديد من اليوجينية eugenics (دراسات تحسين النسل . البشري). ذلك أن توفير الوجود السوي لشخص مريض يختلف عن محاولة "تحسين " الحالة السوية للإنسان مهما كان تعريفنا لهذه الحالة " السوية". وسيكون الأمن أكثر خطورة عندما نبدأ بتحوير الخلايا الإنتاشية (الجنسية)! إذ إن أي محاولات ضالة أو حاقدة لتغيير التركيب الجيني للإنسان، قد تتسبب في نشوء معضلات ومشكلات يمتد تأثيرها لأجيال عديدة.

لقد دخل مجتمعنا عهد الطاقة النووية معصوب العيننن، كما أننا سرنا في عصر الدي دي تي DDT " والمبيدات الحشرية الأخرى على نحو أعمى. إلا أننا لن نستطيع دفع ثمن الانغماس الأعمى في عصر الهندسة الجينية (الوراثية) genetic engineering. لهذا يجب أن ندخل هذه المنحلة المثيرة ونحن على وعي تام بأن المعالجة الجينية قد تستخدم للشر كما قد تستخدم للخير. وعندما نجني ثمإن هذه التقنية، علينا أن نتذكر أخطإنها الكامنة، وأن نبقى متيقظين دوما.