معالجة جينية للسرطان
من الناحية النظرية، بوسع الجينات 
  إيقاف نمو الأورام وتفاقم الأيدز 

[ M بليز ]

قدر  عدد الأمريكيين  الذين شخصت إصابتهم بالسرطان عام1997بنحو 38.  1 مليون شخص. ومن المؤسف أن المعالجات الرئيسية المتاحة حاليا- وهي الجراحة والمد اواة بالإشعاع والمعالجة الكيميائية- لا يمكنها أن تشفي نصف هذا العدد تقريبا. وقد حثت هذه الحقيقة القاتمة على بذل جهود جادة لتطوير استراتيجيات إضافية لمعالجة هذا الداء، تستند إلى الاضطرابات البيولوجية الكامنة وراء الإصابة به. ولتحقيق ذلك يتجه العلماء إلى المعالجة الجينية، التي تتضمن غرز جينات في جسم المريض قد يكون لها قدرة على مكافحة الأورام. 

بادئ ذي بدء، درس الباحثون استعمال المعالجة الجينية في مداواة الحالات الناجمة عن عيوب في التعليمات الجينية (الوراثية)، وتسمى الطفرات، التي تنتقل من جيل إلى أخر. ولا يورث معظم السرطانات على هذا الشكل، لكنه ينجم عن طفرات مكتسبة تنتجها عوامل خارجية- مثل دخان التبغ والجرع العالية من الإشعاع- أو مجرد الحظ العاثر. وتتراكم هذه الطفرات في الخلايا  مع مرور الزمن، وفي نهاية الأمر تجعل الخلية عاجزة عن ضبط نموها عجزا ينتهي بحدوث السرطان [ انظر: "ما الذ ي نحتاج إلى معرفته عن السرطان "، عدد خاص من 1لعلوم : 
1/2 (8 199)1. 

وبشكل عام، توجه المعالجات الجينية تعليمات للخلايا المريضة- على شكل تسلسلات من الدنا DNA تجعلها تنتج بروتينا علاجيا من نوع ما. ويمكن تحقيق هذا النمط من المعالجة لأن الفيروسات والبكتيريا (الجراثيم) والنباتات والبشر أنفسهم يمتلكون الكود الجيني genetic  ذاته. وعرف الباحثون في وقت قصير الكثير عن كيفية تحكم بعض الجينات في السيرورات الأساسية للحياة ودورها في حدوث الأمراض. ولما كانت الجينات العائدة لنوع ما تقرأ وتفسر من قبل نوع آخر، يستطيع الباحثون- ضمن جهودهم لاستنباط علاجات جديدة- نقل جينات، ليس من خلية إلى أخرى في النوع الواحد فحسب وإنما بين الأنواع المختلفة. 

تأخذ المعالجة الجينية التجريبية المستعملة في علاج السرطان أشكالا مختلفة. يتضمن بعضها تزويد الخلايا  السرطانية بجينات تؤدي إلى إنتاج جزيئات سامة. وعندما تبدأ هذه الجينات بالتعبير (أي عندما تستعملها الخلايا  لتصنيع بروتينات) فإن البروتينات الناتجة تقتل الخلية السرطانية. وتهدف الأشكال الأخرى إلى تصحيح الطفرات الجينية المكتسبة أو التعويض عنها. كما أن خططا أخرى تحاول تفعيل السيرورات التي يتم بوساطتها عادة تصليح مثل هذه العيوب. وهناك أفكار عديدة تنبثق عن تعمق معارفنا عن كيف تتفادى الأورام تعرف الجهاز المناعي وتخريبه إياها، وكيف تنتشر بعيدا عن مواضعها الأصلية، وكيف تحصل على تروية (روافد) دموية جديدة، وكيف تنفذ أعمالها الأخرى التي تتيح لها البقاء والانتشار. 

ولاتزال معظم هذه المقاربات بحاجة اجتياز الاختبارات السريرية التمهيدية التي تثبت أمانها الشامل وفاعليتها. ولكن هذه الأفكار قد ترشدنا في المستقبل إلى معالجات أفضل للسرطان.

 إضافة إلى المعالجات الفعلية الواعدة، فإن تقنيات المعالجة الجينية ساعدت الأطباء كثيرا على تقويم مداخلات مستعملة فعلا. فمثلا، تزايد في السنوات الأخيرة اعتماد الأطباء على اغتراس (زرع) نقي العظم لمعالجة السرطانات التي لا تستجيب للمعالجات التقليدية. وغالبا ما يستعمل هذا الإجراء في معالجة المراحل المتقدمة من ابيضاض الدم (اللوكيميا)، وهو سرطان يصيب كريات الدم البيض التي يصنعها نقي العظم. وقبل إجراء الاغتراس، يقوم اختصاصيو الأورام بأخذ نقي العظم من المصابين بابيضاض الدم في مرحلة الهداة  remission يخزن هذا النقي الصحيح من حيث الظاهر، وبعد ذلك يعطى المرضى جرعا عالية جدا من العلاجات الكيميائية أو الإشعاع لقتل كل خلية سرطانية متبقية (ثمالية) residual ولما كانت هذه الجرع العالية من العلاج تخرب نقي العظام السوي، فإن مثل هذه المعالجة العدوانية (الهجومية)  aggressive treatmentتقضي عادة على المريض وعلى السرطان في آن واحد. إلا  أنه في حالة اغتراس النقي "ينقذ" المريض بإعطائه نقية الذي أخذ منه مسبقا.

 وبفترض نظريا أن تكفي هذه المعالجة للشفاء من ابيضاض الدم. ومع هذا، فإن الداء يعاود (يرجع/ ينكس) أحيانا لسبب أو لآخر. وغالبا ما تساءل المعالجون عن السبب. فهل تخفق الجرع العالية من العلاجات الإشعاعية أحيانا في قتل جميع الخلايا  السرطانية المتبقية، أم هل تبقى أحيانا خلايا ابيضاضية غير مكتشفة في نقي العظم الذي أخذ في مرحلة  الهدأة، واختزن على أنه خال من المرض ليعاد حقنه للمريض في وقت لاحق وللتمييز بين هذين الاحتمالين، كان على العلماء أن يستنبطوا ميسما tag دئما وغير سام، توسم به خلايا نقي العظم المستخلص من المريض ويساعد عـلى العثور عليها بعد إعادتها إلى جسمه. وقد قامM[ برينر  ] (من مستشفى سانت جود لبحوث الأطفال في ولاية تنسي) بتحقيق ذلك تماما ابتداء من أواخر عام 1991 ، وذلك بغرز تسلسل استثنائي فريد من دنا بكتيري (لا يوجد عند البشر) في نقي العظم المختزن المأخوذ من المريض. وكان برينر يعلم أن الكشف عن الدنا البكتيري في دم ونقي عظم المريض المتماثل للشفاء بعد الاغتراس سيثبت أن "النقي المنقذ" المختزن كان يرمم الجهاز الدموي. وبالمقابل أيضا، فإن، كشف هذا الميسم في الخلايا  السرطانية المعاودة سيدل على أن النقي المنقذ هو مصدر الخلايا  الابيضاضية.

 في الواقع، هذا ما وجده برينر وغيره من الباحثين في بعض الحالات، والذي استدعى إعادة تقييم حاسم لاستعمال اغتراس نقى العظم. فمثلا، من المسلم به حالياً في أنماط معينة من السرطان أنه قد يكون ضروريا معالجة النقي نفسه معالجة إضافية لتخليصه قبل اغتراسه من الخلايا  السرطانية التى تلوثه. ولتحقيق هذه الغاية، فإن الدراسات التي تعتمد وسم جينات النقي والتي تماثل تلك التي ذكرناها فيما تقدم، تساعد على إيجاد الحلول المثلى. وتتيح هذه الدراسات للباحثين مقارنة الطرق المختلفة "لتطهير (تخليص) النقي من السرطان المتبقي ويستعمل عدد من الجينات الواسمة لتعليم (تأشير) عينات النقي التى تم تطهيرها بإحدى الطرق العديدة المتاحة. ونتيجة لذلك، يستطيع الأطباء تحديد نجاعة النقي- الذي تم تطهيره بطريقة معينة- في مساعدة المريض الذى يتلقى هذه المعالجة. واذ ا ما عاود السرطان فإن باستطاعتهم تحديد ما إذا كانت هذا المعاودة قد نتجت من نقي العظم الذي طهر  بطريقة خاصة.

التلقيحات الجينية

وفي سعيهم لمعالجة السرطان حاول العلماءخلال أكثر من ثلاثة عقود، إيجاد سبل لتحريض الجهاز المناعي على مهاجمة الخلايا  السرطانية. ولأسباب مقنعة، سمي هذا النهج  المعالجة المناعية أو المعالجة بالتلقيح. ولما كانت المناعة تفاعلا عاما (مجموعة  systemic reaction فإن بوسعها التخلص من جميع الخلايا  السرطانية الموجودة في جسم المريض- حتى بعد انتقالها بعيدا عن المكان  الأصلي للورم أو عند ظهورها من جديد بعد سنوات من الهدأة السريرية. بيد أن المشكلة التي واجهتها هذه الاستراتيجية تمثلت في أن الجهاز المناعي لا يستطيع دوما تعرف الخلايا  السرطانية وإفرادها بغية مهاجمتها. والواقع . أن كثيرا من الأورام تنجح في أن تخفي نفسها فلا يكتشفها الجهاز المناعي. 

إلا أن البحوث في المناعيات الأساسية  تمخضت مؤخرا عن وسائل لكشف القناع عن  مثل هذه السرطانات. وبشكل خاص، يبدو حاليا أن بالإمكان وسم الخلايا  السرطانية بجينات معينة تجعلها مرئية بشكل أفضل من  قبل الجهاز المناعي. وما إن يتم تنبيه الجهاز. المناعي، حتى يصبح بإمكانه كشف حتى الخلايا  السرطانية التي لم يتم وسمها.

 تتضمن الاستجابة المناعية أنواعا مختلفة  من الخلايا  والمواد الكيميائية التي تعمل جنبا  إلى جنب لتدمر- بطرق مختلفة- الميكروبات الغازية والخلايا  المتأذية. وعموما، تعرض الخلايا  الشاذة على سطحها بروتينات تدعى المستضدات، تختلف عن المستضدات التي توجد على سطح الخلايا  الصحيحة. وعندما يفغل الجهاز المناعي، تقوم الخلايا  التي تدعى اللمفاويات البائية  Blymphocytes بإنتاج جزيئات تدعى الأضداد (الأجسام المضادة) تجوب هذه المركبات الجسم لتتحد وترتبط بالمستضدات الغريبة، مميزة بذلك الخلايا الحاملة للمستضد كي يتم تخريبها من قبل المكونات الأخرى للجهاز المناعي. كما تقوم خلايا أخرى تعرف باللمفاويات التائية T lymphocytes  بتعرف المستضدات الغريبة كذلك تخرب الخلايا  التي تعرض مستضدات نوعية، أو تنبه خلايا تائية قاتلة أخرى كى تفعل ذلك. وتتواصل الخلايا  التائية و البائية فيما بينها بوساطة بروتينات تفرزها تدعى السيتوكينات cytokines. ونذكر من بين الخلايا  الإضافية المهمة الأخرى- التى تساعد اللمفاويات البائية والتائية على كشف المستضدات على سطح الخلايا  السرطانية أو الخلايا  المصابة بالعدوى (المخموجة) والاستجابة لها- الخلايا  مقدمة المستضد   antigen presenting cells  والخلايا  التغصنية  dendritic cells.

 وتتضمن إحدى استراتيجيات المعالجة الجينية، التي يتم اختبارها حاليا على نطاق واسع، تحوير الخلايا  السرطانية بجينات تكود السيتوكينات. ففي المرحلة  الأولى
تنزع الخلايا  الورمية من المريض، ثم . تغرز في هذه الخلايا  جينات تصنع السيتوكينات، مثل عامل نمو الخلايا  التائية ا المسمى الإنترليوكين 2 (2-IL )،  interleukinأو مفعل الخلايا  التغصنية المسمى عامل تنبيه مستعمرات المحببات والبلا عم  granulocyte - macrophage colony stimulating factor ( GM - CSF)وتعاد بعد ذلك هذه الخلايا  الورمية المحورة إلى المريض بحقنها في جلده أو عضلاته، حيث تفرز السيتوكينات ومن ثم ينتبه إليها الجهاز  المناعي. ومن الناحية النظرية، يجب أن  تستثير هذه الخلايا  الورمية المحورة فاعلية  مناعية خلوية شديدة في موضع حقنها. وعلاوة على ذلك، بوسع الخلايا  المفعلة التي تنبهت لوجود السرطان أن تجول في الجسم وتهاجم أوراما أخرى. 

وفي حالات معينة، يبدو فعلا أن هذه اللقاحات الورمية المحورة جينيا تنبه الجهاز المناعي إلى وجود السرطان، وقد سجلت  استجابات سريرية مدهشة. إلا أن هذه الدراسات السريرية جميعها دراسات تمهيدية. وفي معظم الحالات، لم تقارن بدقة استجابات المرضى لهذه المعالجات باستجاباتهم للمعالجة التقليدية منفردة. كما أنه لا يمكن التنبؤ بشكل الاستجابة الذي يختلف من نمط ورمي لآخر، ويختلف أيضا بين المصابين بالنوع نفسه من السرطان.

 والمشكلة الأخرى التي واجهتها هذه الدراسات، هي أن غالبية من اختبروا حتى الآن كانوا مصابين بسرطان واسع الانتشار في مرحلته النهائية. وهؤلاء المرضى هم عادة ممن تلقوا سابقا معالجة مركزة مضادة للسرطان أضعفت أجهزتهم المناعية. لذا، فإنه ليس من السهل ملاحظة حدوث استجابة للعلاج عند هؤلاء المرضى حتى ولو أدى اللقاح الجيني إلى تفعيل أجهزتهم المناعية. ومن المرجح أن تثبت اللقاحات الورمية المحورة جينيا فائدتها لدى مرضى معاناتهم من الورم ضئيلة ويتمتعون بمناعة قوية. إلا أن اختبار  هذه الفئة من المرضى يجب أن يرجأ حتى ينتهي الباحثون من اختبار الفئات الأخرى من ذوي الإصابات السرطانية المتقدمة وتتضح لهم الأخطار التي تنتج من استعمال هذا النمط من المعالجة. وكما توضح هذه الدراسة، فإن تطوير معالجات جديدة للسرطان هو سيرورة معقدة جدا وتتطلب وقتا طويلا. 

ومن المعالجات الجينية القريبة من هذا النمط تلك التي تتناول المستضدات التي توجد غالبا على الخلايا  السرطانية. فخلال السنوات الثلاث أو الاربع الماضية، حقق العلماءتقدما مرموقا بتعرفهم مستضدات تنتجها الخلايا  الورمية. إضافة إلى ذلك، اكتشفوا الجينات التي تكوّد المستضدات المترافقة مع الورم، ولا سيما تلك التي ترافق أكثر سرطانات الجلد خطورة، أي الميلانوم الخبيث. وبعد أن تم تعرف بعض هذه المستضدات، فقد يكون من الممكن تطوير لقاح للوقاية من السرطان، تماما كاللقاحات التي تقي من الكزاز (التيتانوس) أو شلل الأطفال. وقد تساعد هذه المقاربة على معالجة الأورام بعدتكونها. 
 

التمنيع الواقي

وكما هي الحال في لقاحات السيتوكين، فإن لقاحات السرطان القائمة على المستضدات تتطلب نقلا جينيا وتعمل بأفضل ما يمكن عندما تعطى للخلايا التي يسهل على الجهاز المناعى الوصول إليها. ومثال ذلك ما لاحظه ph [ فلكنر] (من الشركة فيكال في سان دييكو) و [ وولف ] (من جامعة ويسكونسن) وزملاؤهما، من أن حقن شدف من الدناDNA  تكود مستضدا غريبا فى عضلات الفأر مباشرة، استثارت استجابة مناعية فعالة تجاه ذلك المستضد [ انظر فى هذا العدد ] استراتيجيات لافيروسية للمعالجة بالجينات ] إن تفسير هذا التفاعل أمر سهل إن كسرة (جزءاً) ضئيلة من الدنا الغريب تدخل الخلايا  العضلية أو خلايا أخرى قريبة وتوجهها لتكوين كمية قليلة من البروتين الذي تكوده كسرة الدنا. تقدم الخلايا  هذاالبروتين الغريب (الذي تحويه وقامت للتو بتركيبه) إلى الخلايا  البائية الجوالة التي تصنع الأضداد، والى الخلايا  التائية. لذا، فإن هذه العناصر المناعية المحسسة  sensitized تجول في الجسم، متأهبة لمهاجمة الخلايا  السرطانية التي تحمل المستضد المفعل.

 إن هذه الاستراتيجية الأساسية نفسها تحدث حالياً ثورة في تطوير اللقاحات التي تستعمل للوقاية من أمراض معدية عديدة. وعندما تختبر هذه التمنيعات بالدنا ضد السرطان، فإن الجينات المكودة للمستضدات الورمية المعينة حديثا تحقن مباشرة في الجسم، بوساطة جسيمات (جزئيات) من فيروس جدري البقر أو الفيروسات الغدية التي جعلت غير مؤذية، أو بوساطة نظم إيصال لافيروسية syslems nonviral gene delivery   مثل الدنا العاري naked DNA  وتتناول الاختبارات حاليا مرضى مصابين بسرطانات منتشرة في أجسامهم انتشارا واسعا. ومن الواضح في هذه الحالات أنه لا يمكن أن تقي لقاحات الدنا من المرض المنتشر، إلا أن على هذه الدراسات أن توضح ما إذا كانت المستضدات تحقق المتطلبات الأساسية لاستشارة استجابة دفاعية في جسم الإنسان. وعلاوة على ذلك، فإن الدراسات تعطي انطباعا عن إمكانية أن تكون لقاحات الدنا جديرة بمعالجة السرطان الموجود في الجسم. ولأن معاناة العديد من هؤلاء المرضى شديدة، فإن تفسير النتائج يبقى حتى الآن صعبا. 

كما أن ثمة طريقة أخرى من المعالجة المناعية الجينية للسرطان يتم اختبارها حاليا لدى المرضى وفي المختبرات على السواء، وتعتمد على الأضداد. فبفضل التباين الواسع بين النواحي المتغايرة لجزيئات الأضداد، فإن لهذه الجزيئات نوعية فائقة، ذلك أنها تميز أقل الفروق بين المستضدات الغريبة أو الطافرة  وبين مستضدات الذات الشديدة الشبه بها ولقد اتضح أن جزيئات من الأضداد النوعية توجد بشكل طبيعي في الأغشية الخارجية لخلايا بعض السرطانات، كاللمفومات (الأورام اللمفية) التي تنشأ عن الخلايا البائية، أي الخلايا  الملتزمة بإنتاج جزيئات الأضداد. ولما كانت النسيلة  clone ( السلالة linege ( الواحدة من الخلايا  تنتج ضدا نوعيا واحدا، فإن جميع سرطانات هذه الخلايا تحتوي على الجزيء الغشائي النوعي specific membrane molecule  نفسه. إذا يوافر هذا الضد واسما جزيئيا فريدا، يمكن بوساطته تمييز الخلايا  السرطانية عن الخلايا  المشابهة- لكنها لاسرطانية ومنتجة للاضد اد.

 وينتج العلماء أحيانا أضدادا مضادة للاضداد الموجودة على غشاء الخلايا السرطانية. وقد أبدى بعض المرضى- الذين عولجوا بهذه الأضداد التي دعيت أضداد مضادات النمط الذاتي (1)- استجابة جيدة جدا. ولكن لسوء الحظ، فإن إنتاج أضداد مضادات النمط الذاتي هذه أمر شاق. لذا، وعلى الرغم من أن هذه المقاربة يمكن أن توافر أحيانا معالجة فعالة، فقد ظل استعمالها محدودا. وقد أتاحت مؤخرا تقنيات نقل الجينات خيارات أخرى" إذ لما كانت الأضداد هي منتجات جينية، فقد استطاع الباحثون تحضير لقاحات الدنا مضاد النمط الذاتي anti-idiotype DNA vaccines ، التي تشتمل على الدنا المكود للواسم السرطاني الحاسم (النمط الذاتي). ويتم بعد ذلك ربط تسلسل الدنا هذا بالجين الذي يكود السيتوكين GM - CSF .  وقد جرب هذا اللقاح السرطاني المزدوج الفعل double whammy  حتى الآن على حيوانات التجربة، وأعطى نتائج مثيرة  وواعدة.

 ومن المعالجات الأخرى المزدوجة الفعل، التي يتم دراستها حاليا، تلك التي تقرن فيها الأضداد باللمفاويات التائية. فهناك ندرة من المصابين بالسرطان تتعرف خلاياهم التائية الورم، إلا أن الخلايا  التائية لهؤلاء المرضى تهاجم عادة الخلايا  الورمية العائدة للمريض ذاته فقط. وقد تهاجم أحيانا الخلايا  السرطانية العائدة لجزء صغير من الحالات، وهم المصابون بالنوع نفسه من الورم ولهم النمط النسيجي ذاته. ونذكر أيضا أن البشر نادرا ما ينتجون أضدادا مضادة للأورام antiumor antibody، وذلك بخلاف الفئران التي إذا ما منعت بخلايا سرطانية بشرية،  فإنها تصنع أضدادا تتفاعل بشدة ا مع الخلايا . السرطانية البشرية من النمط ذاته وفي بعض " الحالات، تترابط الأضداد الفأرية في أنبوب الاختبار بجميع الخلايا  العائدة لأحد أنواع السرطان، حتى ولو كانت مأخوذة من  أشخاص مختلفين لكنهم مصابون بالنوع نفسه من السرطان. ومع ذلك، فإن الأضداد الفأرية لا تكون عادة فعالة في قتل الخلايا  السرطانية عندما تحقن في جسم الإنسان وحتى في الحالات التي تمتلك فيها الأضداد الفأرية فاعلية قاتلة للخلايا السرطانية عند أحد المرضى، فإن هذه الفاعلية تكون قصيرة الأمد، ذلك أن المريض ينتج بسرعة أضدادا تبطل فاعلية الأضداد الفأرية. 

لذلك أمل اختصاصيو  الأورام طويلا أن  يجدوا طريقة يجمعون بوساطتها بين قدرة الأضداد الفأرية على الاستهداف وقدرة التائيات البشرية على قتل الخلايا  الورمية. وقد وفرت تقانة الدنا المأشوب (2)  recombinant DNA technology  الوسائل اللازمة لتحقيق ذلك. فقد عزل الباحثون بنجاح من خلايا فأر جينات الأضداد المضادة للورم، وأشبوا أجزاء منها مع قطع الجين المكودة للمستقبلة التي تستعملها الخلايا  التائية في تعرف أهدافها. ويعيد جين المستقبلة المحور توجيه الخلايا التائية القاتلة (التي لا تستطيع عادة تعرف الخلايا  السرطانية) لترى ما تراه الأضداد الفأرية الأقل تمييزا. وفي الواقع، فإن الخلايا  التائية، التي أعيد تسليحها بمستقبلات خلايا تائية كيميرية (3)   chimeric تقتل الخلايا  السرطانية في أنبوب الاختبار على نحو فعال للغاية. وتجرى حاليا تجارب سريرية أولية، تستعمل فيها هذه الاستراتيجية لمعالجة المصابين بالسرطان وأولئك المصابين بعدوى فيروس عوز المناعة البشري (HIV  )، العامل المسبب للإيدز، وغيره من الممرضات [ أنظر ما هو مؤطر في هاتين الصفحتين ].

معالجات جينية أخرى

إذا ما نحينا المعالجة المناعية جانبا، فبالإمكان محاربة السرطان على جبهات جينية أخرى. فقد تركز الاهتمام كثيرا على تعرف العيب الدقيق الذي يصيب الدنا ويحدث السرطان. وعرف العلماء أن بعض الطفرات تترافق مع حدوث أنماط نوعية من السرطان، وأن طفرات أخرى تحدث في العديد من أنواع السرطان. وعلاوة على ذلك، هناك أنواع مختلفة من الطفرات ينشط بعضها ما يعرف بالجينات المكونة للورم ،  oncogens، التي تدفع بالخلايا  إلى نمو يتعذر ضبطه. كما ينجم عن طفرات أخرى- تصيب مايعرف بالجينات الكابتة للورم tumor suppressor genes  ـ  فقدان الكبح السوي للنمو الخلوي نموا غير منضبط.

 إن أكثر الجينات الكابتة للورم تعرضا للطفرات في سرطان الإنسان هو الجين، 53 P الذى يكود بروتينا يراقب في الحالة السوية دنا الخلية عند انقسامها. فإذا ما أصيب الدنا بخلل ما، فإن البروتين 35 P يوقف انقسام الخلية حتى يتم تصليح الخلل، أوقد يحرض هذا البروتين على الانتحار المبرمج للخلية cell suicide (الاستموات apoptosis). وعندما تدخل نسخة سوية من الجين،53 P  إلى الخلايا  السرطانية في مزرعة نسيجية، فإن نمو تلك الخلايا  يغدو أكثر انتظاما أو أنها تخرب نفسها، وكلتا النتيجتين مفيدة في معالجة السرطان. لذا بذلت جهود كبيرة لتطويرطرق يتم بوساطتها غرز الجين p53  السوي في الخلايا  السرطانية النامية في جسم الإنسان. 

ولكن لاتزال على الطريق عقبات هامة: فقد ذكر > فريدمان  <، في المقالة الأولى من هذا التقرير الخاص، أن التقانات الحالية في إيصال الجينات إلى أعضاء معينة أو إلى مجموعات خلوية بعينها، لاتزال غير كفؤة. إضافة إلى ، ذلك، لا توجد وسيلة تامة النجاعة لإيصال تأثيرات مثل تلك الجينات المحررة محليا إلى مناطق أخرى في الجسم. وإلى أن يتمكن الأطباء من تحقيق ذلك، فإن هذه المعالجات الجينية ستفيد فقط في محاربة أورام تنشأ في مواضع منعزلة من الجسم. 

ومع ذلك، فقد أظهرت الحيوانات تحسنا ملموسا عندما تم إيصال الجين p53، عن طريق  الدم [ على شكل معقد شحمى ( ليبيدي) يتيح للخلايا التقاط (قبط) الجين ] أو الحقن في الورم مباشرة [ باستعمال فيروسات محورة تنقل الجين إلى الخلايا ] .

وتشير إحدى التجارب السريرية الأولية إلى حدوث بعض الانحسارات الورمية في أمكنة توضع السرطان، ومع ذلك، يوجد- من الناحية النظرية- عيب رئيسي يحد من استعمال نقل الجينات لتنشيط الجينات الكابتة للورم أو تحييد الجينات المكونة للورم- وهو وجوب إيصال الجين المصحح إلى كل خليـة من خلايا الورم، وإلا فإن الخلايا  التي لم يصل الجين إليها ستواصل نموها غير المنضبط. وباستعمال التقانة المتاحة حاليا، يستحيل إصلاح الخلل الجيني في كل خلية من خلايا الورم حتى لو كان الورم متوضعا في مكان واحد. وعلى الرغم من أن المعالجات الإضافية قد تساعد على إصلاح المزيد من خلايا الورم، فإن تكرار نقل الجينات- باستعمال الفيروسات المحورة- أمر لا يمكن إجراؤه في أغلب الحالات، لأن الجهاز المناعي غالبا ما يتعرف الفيروسات عندما تعطى للمرة الثانية ويخربها قبل أن تستطيع إيصال الجينات إلى الورم.

 ولحسن الحظ، يبدو أن التأثيرات المفيدة للحقنة الاستهلالية تصل أحيانا إلى خلايا لم تصحح جينيا. وفي الواقع، كشف العديد من المعالجات الجينية التجريبية للسرطان عن ظهور "تأثير جانبي (2) ". وقد استند إلى هذه الظاهرة لتعليل ما لوحظ من أن معالجة جينية تقتل أحيانا نسبة من الخلايا  الورمية تفوق ما يمكن تبريره بعدد الخلايا  التي تعبر  express فعلا عن جين جديد. وقد أشار الباحثون إلى هذا النوع من التناقض في بعض التجارب العلاجية التي استعمل فيها الجين، p53 ، ولكنهم لم يتمكنوا من تفسير ذلك؛ إذ يفترض أنه إذا ولد الجين،p53، السوي تأثيراً جانبيا (مجاورا)، فإن السرطان ما كان لينشأ في المكان الأول. إلا أن التأثير الجانبي درس دراسة جدية معمقة بالتزامن مع معالجات أخرى، مثل "المعالجة الجينية الانتحارية" suicide gene therapy" إذ يؤدي غرز جين في الخلية السرطانية إلى جعلها فائقة الحساسية لبعض الأدوية التي ليس لها عادة تأثير مضاد للسرطان.

 وفي أول تطبيق للمعالجة الجينية الانتحارية، غرزت وزملائي > E  أولدفيل < و> Z رام <  و >  كلفر < جين إنزيم كيناز التيميدين (tk،) المأخوذ من فيروس الحلأ، في خلايا دماغية سرطانية. وبوسع هذا الإنزيم، في الخلايا  المصابة بعدوى فيروس الحلأ البسيط herpes simplex virus  أن يحول العقار كانسيكلوفير  ganciclovir غير السام إلى مستقلب metabolite أو منتج ثانوي   by - producl( يعمل كقاتل فعال للفيروس. وقد وجدنا أن بوسع هذا المستقلب السام أن يقتل الخلايا  السرطانية الآخذة بالانقسام. وفي  بعض الأورام، كان يقتل أيضا الخلايا السرطانية المجاورة. ولكي يحدث هذا التأثير  الجانبي، كان المستقلب السام ينتشر من  الخلية التي تشكل فيها إلى الخلايا  المجاورة عبر مواصل فجوية (3)، وهي قنيات تسمح للمركبات الصغيرة الحجم بالانتقال بين الخلايا . وفي التجربة السريرية الأولى التي أجريت لاختبار هذه المعالجة لأورام الدماغ  استجاب قرابة ربع عدد المرضى للعلاج ويختبر المعالجون السريريون حاليا معالجات جينية انتحارية أخرى، تشتمل على مركبات مختلفة مضادة للسرطان يتوقع أن يحدث بعضها تأثيرا جانبيا.

وفي استكشافاتهم الأولية المختلفة لتقانة المعالجة الجينية، بدأ الباحثون مباشرة بتعرف إمكانات هذه المعالجة وقيودها. وكما هي الحال في كثير من المجالات العلمية الأخرى الجديدة وغير المستكشفة، فإن بعض الأفكار قد تثبت جدواها، في حين أن القسم الأكبر منها سيهمل ويمكن لبعض الأفكار، التي تبدو غير عملية في الو قت الحاضر، أن تغدو  فى النهاية ناجحة جدا عندما تتحسن قدراتنا التقنية وعلى الرغم من أن طرقنا الحالية استعمال الجينات للمعالجة ستبدو فى المستقبل بدائية وغير فعالة . فإن هذه الطرق قد علمتنا دروسا مهمة كما أنها كشفت لنا العديد من السبل فى سعينا للسيطرة على السرطان .