|
إن معالجة
المرض عن طريق توفير الجينات
ولقد حدثت أيضا تغيرات ثورية في الطب عبر القرون القليلة الماضية. ويشهد على ذلك المعارف النظرية والعملية الجديدة التي نجمت عن استعمال المجهر والتخدير (التبنيج) والتلقيح (التطعيم) والمضا د ات الحيوية (ا لصا د ات) واغتراس (زرع) الأعضاء، ويتهيأ الطب الآن ليدخل عصرا جديدا آخر، يستهل تاريخا تنقل فيه الجينات روتينيا لتشفي مجموعة من الأمراض الموروثة والمكتسبة أو لتخفف من وطأتها. ومع أن التأهب لحدوث التغيير الجذري قائم على قدم وساق، فإن الطب لم يصل بعد إلى منتصف الطريق. وبالتأكيد على الآمال والتقليل من الشكوك، فإن تصريحات بعض الباحثين من ذوي الحماس المفرط وممثلي الصناعة ووسائل الإعلام التثقيفي والعلمي، انطوت على أفكار مفادها أن المعالجة الجينية قد تقدمت فعلا إلى مرحلة تتيح تطبيقها على نطاق واسع. وهذا غير صحيح. ويمكن القول جدلا إن الجزء النظري من ثورة المعالجة الجينية قد حدث فعلا. فما إن يتم اكتشاف جين جديد، حتى يتساءل الباحثون وغير العلماء فورا عما إذا كان من الممكن استعمال هذا الجين في معالجة اضطراب ما، حتى ولو كانت هناك مقاربات للمعالجة أكثر تقليدية. أما الجزء التقني من ثورة المعالجة الجينية- أي المقدرة علي تصحيح المرض- فهو قصة أخرى. فقد أنجز الباحثون الخطوات الأولى الأساسية: إنهم برهنوا على أنه يمكن تحريض الجينات المنقولة على القيام بوظيفتها في جسم الإنسان، وأحيانا لسنوات عديدة. ومع ذلك فإن المقاربة لم تحسن حتى الآن بشكل واضح صحة فرد واحد من بين أكثر من 2000 مريض خضعوا تجريبيا للمعالجة الجينية في أصقاع العالم كافة. وعلى الرغم من أن عدم تحقيق أي فائدة علاجية مقنعة يشعر بالإحباط، فإنه من الخطأ الإرتياب في المستقبل الهائل للمعالجة الجينية ويجب أن نتذكر أن المقاربة لاتزال في بدايتها، إذ لم تمض بعد عشر سنوات على بدء تجريب المعالجة الجينية على المرضى في الولايات المتحدة. والتفسير الأكثر واقعية للنتائج السريرية غير المثيرة حتى الآن يتمثل في عدم إلمام الباحثين الكامل بأساسيات تناول تقانة جديدة صعبة، وفي أن العقبات أكثر هولا من توقعات أكثرنا. والتحدي الرئيسي الذي واجه الجهد المبذول في بحوث المعالجة الجينية عام 1995 كنقد رسمي فدرالي، هو التحسين التام لطرق إيصال الجينات العلاجية إلى الخلايا فالجين الذي أدخل جسم المريض، غالبا ما يخفق في الوصول إلى عدد كاف من الخلايا المعنية، أو أن الجين لأسباب غير واضحة دائما لايعمل بكفاءة أو يتوقف كليا عن العمل بعد فترة من الزمن. ففي ملابسات من هذا النوع، يصبح الجين- الذي توخيت الفائدة منه- ذا أثرضئيل في سيرورة المرض. وسأوجز في هذه المقالة شيئا من أكثر . العثرات التقانية إلحاحا والتي تعوق نجاح النقل الجيني، وكذلك الاستراتيجيات التي توضع حالياً للتغلب على هذه المصاعب. وسأعرض للمعالجات التي تتناول الخلايا الجسدية فقط، أي التي ليست نطفة أو بيضة. وحتى اليوم، تجنب باحثو المعالجة الجينية البشرية- وربما من دون قصد- الأبحاث التي تتعمد التأ ثير في أسلاف descendants الفرد المعالج. بيد أن الاستنساخ الذي حدث مؤخرا لنعجة بالغة [انظر في هذا العدد: " الاستنساخ والمعالجة الجينية ] استدعى على نحو أكثر إلحاحا الحاجة إلى نقاش تنويري عام لمزايا وأخطار المعالجة الجينية لخلايا الخط الإنتاشي (1). كيف تعمل الجينات، وكيف
على كل من يرغب في فهم العقبات التي تواجه المعالجة الجينية، أن يعرف أولا حدا أدنى عما تنجزه الجينات من عمل، وعن المحاولات المتبعة حاليا في تجارب المعالجة الجينية. فالجين الواحد في خلية بشرية يتألف من مد (1) (قطعة) من الدنا DNA يعمل ـ في معظم الحالات- كمخطط blueprint لصنع بروتين نوعي، فهو يعين تسلسل الحموض الأمينية التي تركب هذا البروتين. وتحمل جميع خلايا الجسم الجينات نفسها متوضعة في صبغيات (كروموسومات) النواة ولكن العصبونات neurons مثلا تسلك سلوكا مخالفا لخلايا الكبد لأن الخلايا المختلفة تستعمل ( أو اصطلاحيا تعبر express) مجموعات فرعية مميزة من الجينات، وبالتالي تصنع فقط مجموعات مميزة من البروتينات (أدوات العمل الوظيفي الرئيسية للخلايا). وبتعبير أدق، إن كل خلية تنسخ جينات منتقاة فقط إلى جزيئات محددة من الرنا المرسال messenger RNA التى تعمل عندئذ كمراصيف (2) يبنى منها البروتين . فإذا ما طفر جين معين، فإنه قد لاينتج بروتينا البتة أو قد يصنع بروتينا خاملاً أو بروتينا شديد العدوانية aggressiveness . وفي هذه الحالات، يسبب هذا العيب خللا في الوظائف الحيوية للخلايا والنسج التي تستعمل النتاج السوي للجين، الأمر الذي يؤدي إلى ظهور أعراض مرض ما. ومنذ مدة، والأطباء يعالجون الاضطرابات الناجمة عن الطفرات الجينية الموروثة ليس عن طريق تحوير الجين، بل بالتدخل في الأحداث البيولوجية التي تنشأ عن الطفرة. فتحديد الغذاء (تقييد القوت) مثلا كان يوصف لزمن طويل كمعالجة لبيلة الفينيل كيتون phenylketonuria ، وهي حالة يؤدي فيها فقدان جين إلى تراكم سمي لنتاجات استقلابية للحمض الأميني "فينيل ألانين ". ومما يؤسف له أن المعالجات اللاجينية عادة ما تكون فعالة، بشكل جزئي فقط، ضد الاعتلالات الموروثة. وفي أوائل السبعينات، قادت هذه الحقيقة- إضافة إلى الفهم المتنامي لوظيفة الجينات، ومع اكتشاف عدد من الجينات المسؤولة عن أمراض وراثية كثيرة- إلى الاعتقاد بأنه يمكن التوصل إلى نتائج أفضل إذا ما عولجت الأمراض الولادية ( الخلقيه )عند بدئها ومن الأمراض الجينية التي تمت دراستها التليف الكيسى cystic fibrosis الذي يصيب بصورة أساسية الرئتين ) والحثل dystrophy العضلي وعوز دي أميناز الأدينوزين adenosine deaminasedeficiency ( الذي يضعف المناعة بشدة) وفرط الكولستيروليمية العائلي familial hypercholesterolemia ( الذي يقود في عمر مبكر إلى حدوث التصلب العصيدي atherosclerosis الوخيم . والمدهش أنه مع مضي الزمن، اتضح أنه حتى الأمراض المكتسبة غالبا ما يوجد فيها عنصر جيني، يمكن أن يكون (نظريا) هدفا لاستراتيجية التصحيح الجيني. كما أن الذي لم يكن متوقعا تماما هو أن أكثر من نصف التجارب السريرية للمعالجة الجينية والتي أجريت هذه الأيام، كانت تستهدف السرطان " وهو مرض غير موروث في معظم الأحيان، لكنه ينجم عن تراكم أذيات جينية تحدث بعد الولادة[ انظر في هذا العدد:" المعالجة الجينية للسرطان"]. ويركز عدد من التجارب على الإيدز الذي يسببه فيروس عوز المناعة البشري ( HIV ) . ومن الناحية النظرية، يمكن إدخال الجين السوي بحيث يحل طبيعيا محل النسخة المعيبة في الصبغي. أما من الناحية العملية، فإن هذا الغرز المستهدف targeted insertion للجين في الصبغي لا يمكن إجراؤه حتى الآن لدى الإنسان، ولحسن الحظ فهو غير ضروري في كثير من الأحيان. ومعظم المحاولات في المعالجة الجينية تتركز ببساطة على إضافة جين مفيد إلى نمط خلوي منتقى (مختار) للتعويض عن نسخة مفقودة أو غير فعالة، أو لغرس خاصية جديدة كليا. ويعتمد كثير من المعالجات الجينية المضادة للسرطان، التي تدرس حاليا على طريقة العمل الأخيرة فهي تهدف إلى تحريض الخلايا السرطانية على صنع مواد تميتها مباشرة، أو إلى إثارة الجهاز المناعي ليهاجم هذه الخلايا بفاعلية، أو إلى منع الزاد (المدد) الدموي الذي يحتاج إليه الورم لينمو. وتبتكر بعض جماعات المعالجين بالجينات استراتيجيات تعوض عن الطفرات الجينية التي تؤدي إلى تكون بروتينات مخزبة. ففي مقاربة تعرف بالمعالجة اللامعينة (1) (المضادة للمعنى)، تؤثر مدات قصيرة من الدنا DNA " التركيبي (التخليقي ) في منتسخات الرنا RNA المرسال للجينات الطافرة، مانعة المنتسخات من أن تترجم إلى بروتين شاذ. وبتنظيم tactic مشابه تنشر جزيئات صغيرة من الرنا، تعرف بالريبوزيمات (2)، لتقوض الرنا المرسال المنتسخ من جينات شاذة. وفي خطة مختلفة بعض الشئ، يتم التزود بجين خاص ببروتين يسمى الضد ( الجسم المضاد ) داخل الخلوي. يستطيع هذا البروتين أن يعوق (يحصر) فاعلية البروتين الطافر نفسه وتعتمد بعض الاستراتيجيات العلاجية على تصميم هجائن من الدنا والرنا التي قد تتولى تصليح الجينات الطافرة. وتعطى حاليا الجينات للمرضى بطريقتين أساسيتين، يتم فيهما عادة وضع الجينات أولا على نواقل بإمكانها إيصال الجينات الغريبة إلى داخل الخلايا . وفي الطريقة الأكثر شيوعا، يزيل العلماءخلايا من نسيج منتقى من المريض نفسه، ويعرضونها لنواقل الجينات في المختبر (خارج الجسم الحي ex vivo)، ومن ثم يعيدون الخلايا المصححة جينيا إلى المريض. وفي حالات أخرى، يدخل الباحثون النواقل مباشرة في الجسم (فى الكائن الحى in vivo )/.وعادة في النسيج الذي يستوجب المعالجة. وبطبيعة الحال، فإن هدفنا النهائي هو وضع النواقل في مجرى الدم أو في مواقع أخرى، فتتبين طريقها كالحمام الأهلي (1)، وتستقر (تبيت) في الخلايا المستهدفة، أي في الأعضاء التي يصعب الوصول إليها أو في التوضعات السرطانية الخبيثة، ولم تتوافر بعد مثل هذه الحوامل المنشودة لاختبارها في المرضى، بيد أن الخطى تتسارع حاليا في هذا الاتجاه. ويستفيد الجسم من
جينات معينة فقط عندما ينظم تعبيرها بصورة محكمة، أي إن عليها أن توجه تكوين
كمية البروتين الملائمة تماما وفي الوقت الصحيح. وعلي البيولوجيين أن يجدوا
السبل الكفيلة بتحقيق مثل هذا الضبط الدقيق لجينات غريبة تدخل في الجسم.
بيد أن هذا التنظيم المتقن ليس أساسييا في كثير من التطبيقات العلاجية الجينية.
كما أنه ليس من الضروري دائما إدخال الجين في الخلايا التي تحتاج إلى
المعالجة، إذ يمكن أحيانا تحويل خلايا يسهل الوصول إليها (كالخلايا
العضلية وخلايا الجلد) إلى مصانع لإنتاج البروتين المطلوب ثم تطلقه عندئذ
إلى الخلايا المجاورة التى تحتاج إليه، أو قد تفرز البروتينات المطلو
بة في مجرى الدم لينقل إلى مواضع بعيدة.
الفيروسات القهقرية كنواقل
ويتمثل مفتاح نجاح أي استراتيجية لمعالجة جينية في وجود ناقل قادر على أن يعمل كحامل (سواغ (2)) كفء وآمن لإيصال الجين. ومنذ البداية استحوذت الفيروسات التي هي أكثر قليلا من مجرد جينات تتنسخ ذاتيا مغلفة بغلالات بروتينية- على معظم الانتباه كنواقل محتملة. وترجع أهميته (أفضليتها) إلى أن التطور صممها خصيصا لتدخل الخلايا وتعبر عن جيناتها فيها. وعلاوة على ذلك، فبإمكان العلماء استبدال جين علاجي محتمل أو أكثر بالجينات الخاصة بتنسخ (تكرر) الفيروس وفوعته virulence. ونظريا، فإن الفيروس المحور والمدجن (المروض) سينقل الجين المفيد إلى الخلية من دون أن يتكاثر (يتضاعف) أو يسبب المرض. وتعد الفيروسات القهقرية retroviruses أكثر الفيروسات التي درست على أوسع نطاق، فهي تضفر splice نسخا من جيناتها على نحو دائم في صبغيات الخلية التي تغزوها. ومثل هذا الجين المتدامج (المتكامل " ينسخ وينقل إلى جميع الأجيال التالية للخلية العائلة (الثوية). وعلى نقيض ذلك، فان أنواعا كثيرة أخرى من الفيروسات لا تدامج موادها الوراثية في صبغيات العائل. فجينات هذه الفيروسات تعمل في الجسم عموما على نحو عابر، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن هذه الجينات لا تتنسخ عند انقسام الخلايا . وتتألف مجموعة الخلايا المثالية التي تستهدفها النواقل الفيروسية القهقرية مما يعرف بالخلايا الجذعية stem cells، التي تبقى بصورة دائمة وتنتج أيضا خلايا سليفة أكثر تخصصا. فمثلا، تعطي الخلايا الجذعية المكونة للدم جميع أنماط الخلايا الدموية الجذعية (الكريات ) الحمر والخلايا البيض الخاصة بالجهاز المناعي.. وهكذ ] ، وتعيد تكوين الدم وفقا لاحتياجات الجسم، كما تنقسم لتبقي نسخا عنها. بيد أنه يصعب إلى أقصى حد حاليا تعيين خلية جذعية بشرية وتحويرها (تعديلها) بطرق آمنة يمكن التكهن بنتائجها. وعلى الرغم من مزايا الفيروسات القهقرية (التي استعلمت أول مرة كنواقل في مطلع التمانينات، فإنها تطرح عددا من التحديات. فهي مشوشة، تدخل جيناتها في صبغيات أنماط خلوية مختلفة إن نقص النوعية (التخصصية) الدقيقة تجاه الخلايا العانلة يمكن أن يؤثر سلبا في إيصال النواقل المباشر إلى الخلايا المعنية في الجسم، كما أن التقاطها (قبطها (3)) من قبل الخلايا اللامستهدفة يمكن أن يقلل من نقل الجين إلى المجموعة الخلوية المستهدفة، وقد يكون لهذا النقل اللامستهدف (غير المقصود) تأثيرات فيزيولوجية غير مرغوبة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفـيروسات القهقرية، التي تحظى حاليا بأوسع الدراسات، تخفق في نقل الجينات إلى أنماط خلوية ليست لها المقدرة على الانقسام أو أنها نادراً ما تنقسم (كالعصبونات البالغة وخلايا العضلات الهيكلية). ولا تصل النواقل الفيروسية القهقرية الحالية إلى الصبغيات إلا عندما يذوب الغشاء المحيط بنواة خلية العائل، وهو حدث يتم فقط عند انقسام الخلية. ومن المشكلات أيضا أن الفيروسات القهقرية تضفر دناها (المنتسخ من الرنا الخاص بها) في صبغيات الخلايا العائلة على نحو عشوائي عوضا عن أن تفعل ذلك في مواضع يمكن التكهن بها. واعتمادا على مكان رسو الجين المقحم تكون النتيجة، فقد يؤدي انغراز الجين في موضع ما إلى تعطيل جين أساسي أو إلى تحوير الجينات بطرق تساعد على نمو السرطان. ومع أن احتمال تكون الأورام في مثل هذه الحالات ضئيل، فإنه حتى هذا الاحتمال لزيادة أخطار التسرطن (حدوث السرطان) يجب أن يؤخذ بجدية صارمة. ولقد حقق الباحثون مؤخرا تقدما ملموسا قي مواجهة عيوب الفيروسات القهقرية كحوامل لإيصال الجينات. فمثلا، لزيادة النوعية وبالتالي منح النواقل الفيروسية القهقرية المقدرة على توجيه نفسها إلى خلايا معينة في الجسم، يقوم الباحثون بتحوير الغلاف الفيروسي (أي سطحه الخارجي). وكسائر الفيروسات، فإن الفيروسات القهقرية تفرغ حمولتها الجينية في الخلية فقط عندما تجد البروتينات البارزة على سطح الفيروسات أقرانها النوعية (أي مستقبلاتها) على سطح الخلية العائلة. إن ترابط البروتينات الفيروسية بالمستقبلات الخلوية يمكن الفيروس القهقري من دمج غلافه بغشاء الخلية، ومن تحرير جيناته وبروتيناته لتمر إلى داخل الخلية العائلة (الثوية). ولجعل الفيروسات القهقرية أكثر انتقائية تجاه الخلايا التي ستحتاج إليها، فإن الباحثين يتعلمون كيف يستبدلون أو يحورون بروتينات الغشاء الطبيعية أو يضيفون بروتينات جديدة ( أو حتى أجزاء من البروتينات) إلى الأغلفة الفيروسية. ولإثبات أن استراتيجية الاستبدال ممكنة، قام > J يي < (من جامعة كاليفورنيا في سان دييكو) بالتعاون مع الطاقم الموجود في مختبري في تلك الجامعة، باستبدال بروتين غلاف فيروس التهاب الفم الحويصلي vesicular stomatitis البشري ببروتين غلاف فيروس ابيضاض الدم الفأرى. (وهذا الفيروس الفأري، الذي لا يسبب للإنسان أي مرض معروف، هو الفيروس القهقري الذي تم تقييمه على أوسع نطاق كناقل للجين العلاجي.) وتم بعدئذ إصابة خلايا تحمل مستقبلات فيروس التهاب الفم الحويصلي البشري (عوضا عن خلايا تحمل مستقبلات فيروس الفأر) بعدوى الفيروس القهقري الفأري المحور. كما أن العمل على تحوير بروتينات الغلاف الموجود يسير سيرا حسنا. فلقد ربط مؤخرا> Y كان <وزملاؤه (من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو) هرمونا بروتينيا ببروتين غلاف فيروس ابيضاض الدم الفأر ى . ولقد مكن هذا الهرمون الفيروس من إصابة الخلايا البشرية التي تعرض على سطحها مستقبلة هذا الهرمون بالعدوى. ويتسارع أيضا إمكان تحقيق النجاح في توليد نواقل فيروسية قهقرية بوسعها غرز جينات علاجية في صبغيات خلايا لا تنقسم. فلقد أفاد كل من > I فارما < و D>ترونو < (من معهد سولك للدراسات البيولوجية في سان دييكو) من مقدرة فيروس عوز المناعة البشري HIV، وهو فيروس قهقري، على إيصال جيناته إلى نوى خلايا دماغية لا تنقسم، وذلك من دون أن ينتظر ذوبان الغلاف النووي أثناء انقسام الخلية. لقد أزال الفريق الجينات التى تسمح للفيروس IIIV بالتكاثر، ووضع مكانها جينا يكود بروتينا يسهل اقتفاء أثره. فأوصل هذا الناقل عندئذ الجين الواسم إلى خلايا لا تنقسم، ليس فقط عند مزج الناقل بالخلايا في المزرعة (المستنبت) culture وإنما أيضا عند حقنه مباشرة في أدمغة الجرذان. وقد يثبت الفيروس HIV نفسه في يوم ما أنه ناقل مفيد، وذلك عندما تزول المخاوف من أن الناقل المعوق سيستعيد على نحو ما إمراضيته pathogenicity ويتمثل نهج آخر من البحوث بنقل جينات معينة مفيدة من الفيروس HIV ـ وعلى الخصوص الجينات المكودة للبروتينات التي تنقل الجينات إلى النواة- إلى فيروسات قهقرية لا تسبب أمراضا بشرية. وأخيرا، تبذل حاليا جهود
حثيثة لضمان أن النواقل الفيروسية القهقرية ستضع الجينات في صبغيات الإنسان
على نحو أقل عشوائية. ولقد أفاد مؤخرا العاملون الكادحون في هذا النمط
الصعب من البحوث من الفهم الجديد للكيفية التى تتدامج بها الجينات في مواضع
(يمكن التكهن بها مسبقا) من دنا كائنات حية أخرى مثل الخميرة.
النواقل الفيروسية الأخرى
إن للنواقل المنتمية إلى فيروسات غير الفيروسات القهقرية ميزاتها وعيوبها. فلقد حظيت النواقل، التي أساسها الفيروسات الغدية adenoviruses البشرية الكلية الوجود (1)، بالشعبية الاكبر كبديل عن الفيروسات القهقرية؛ لأنها آمنة تماما من جهة، فالأشكال الطبيعية منها لا تسبب في العادة أكثر من نزلة برد (التهاب صدري) أو يبقى المصابون بالعدوى (المخموجون ) أصحاء. ومن جهة أخرى، فهي بسهولة تصيب الخلايا البشرية بالعدوى، وتنزع. في البداية على الأقل- إلى إنتاج مستويات عالية من البروتين العلاجى therapeutic protein . وتوصل النواقل الفيروسية الغدية الجينات إلى النواة، ولكن كما يبدو لاتغرزها في الصبغيات. ومع أن هذه السمة تجنب احتمال الإخلال بعمل جينات خلوية حيوية أو التحريض على تشكل السرطان ، فإن ما يؤسف له أن الجينات تكون فعالة في بعض التطبيقات بصورة مؤقتة فقط. وكون الدنا يختفي في نهاية الأمر، فإن معالجة الحالات المزمنة (كالتليف الكيسي) تستدعى تكرار المعالجة بصفة دورية (كل عدة شهور أو سنوات). ولكن في بعض الحالات- مثلا عندما تكون الحاجة إلى البروتين مؤقتة بغية إحداث (استثارة) استجابة مناعيد ضد السرطان أو ضد عامل ممرض- يصبح التعبير القصير الأمد للجين الغريب أمرا مفضلا. وهنالك عيب آخر، تتشارك فيه الفيروسات الغدية مع الفيروسات القهقرية، وهو الافتقار إلى النوعية تجاه الخلايا المستهدفة. ولكن العلماء، كما هو حادث في حالة الفيروسات القهقرية، يستنبطون بسرعة طرائق يوجهون بوساطتها النواقل الفيروسية الغدية إلى النسج التي يختارها الباحثون. والعقبة الأكثرجدية أمام استعمال النواقل الفيروسية الغدية في المرضى حاليا هي الاستجابة المناعية القوية ضدها ، وقد تعدي (تخمج) النواقل الخلايا المعنية خلال الدورة الأولية، وتولد كميات كبيرة من البروتين المنشود. ولكن سرعان ما تستجيب أجهزة الجسم الدفاعية لتقتل الخلايا المحورة وتبطل فاعلية جيناتها الجديدة. علاوة على ذلك، ما إن ينبه الجهاز المناعي ضد الفيروسات حتى يزيلها بسرعة عندما تعطى مرة ثانية. ويحتمل أن تكون مثل هذه الاستجابات قد أسهمت في منع إعاقة (إحصار) التعبير الجيني في عدد من دراسات نقل الفيروسات الغدية للمرضى. وقد أدى " الفهم المعمق الآن لعيوب الفيروسات الغدية " إلى إيجاد جيل جديد من النواقل التي ستنقص من فاعلية التدخل الدفاعي. ولقد أنجزت هذه التحسينات الى حد ما بإزالة، أو بتطفير، جينات الفيروسات الغدية المسؤولة أكثر من غيرها عن إثارة الهجمات المناعية. ويتم حاليا استكشاف فيروسات أخرى عديدة أيضا، منها الفيروسات المصاحبة للفيروسات الغدية adeno - associated والفيروسات الحلئية herpesviruses وفيروسات ألفا alphaviruses والفيروسات الجدرية poxviruses . ومع أن البحوث لم تكتمل على أي منها، فإنه من المرجح أن يكون لكل نوع فوائده العلاجية الخاصة به. فمثلا، تجتذب الفيروسات المصاحبة للغدية الاهتمام؛ لأنها لا تحدث في الإنسان أي مرض معروف. أضف إلى ذلك أنها في شكلها الطبيعي تدامج جيناتها في صبغيات الإنسان. ويرجح أن تكون ذات فائدة في بعض التطبيقات، التي تعتمد حالياً على الفيروسات القهقرية. بيد ان حجمها الأصغر قد لا يسمح لها باستيعاب جينات كبيرة. وعلى النقيض من ذلك، فإن الفيروسات الحلئية لا تدامج جيناتها في دنا عائلها (ثويها)، لكنها تنجذب إلى العصبونات، حيث يستبقي بعضها الفيروسات بحالة غير مؤذية تقريبا طوال حياة الشخص المصاب. ولهذا السبب، يحتمل استخدام الفيروسات الحلئية كنواقل لجينات تستعمل في علاج اضطرابات عصبية [ انظر في هذا العدد: "المعالجة الجينية للجهاز العصبي "] . تقريرخاص استكمال نظم الإيصال اللا فيروسية إن مجموعة النواقل المنتجة من الفيروسات مازالت تبشر بنجاحات كبيرة ومع ذلك يجب أن يعمل الباحثون باستمرار كي يضمنوا أن الفيروس لن يتغير بطريقة ما فيصبح ممرضا. إن هذا التخوف، واعتبارات أخرى غيره ، شجع على تطويرطرائق غير فيروسية مختلفة لاستعمالها في نقل الجينات العلاجية. وكالفيروسات، فإن هذه العوامل التركيبية (التخليقية) تتألف عموما من دنا متحد مع جزيئات تكثف الدنا وتوصله إلى الخلايا وتصونه داخلها من التدرك (الانحلال). وكالنواقل الفيروسية، فإنها ستستعمل في نهاية الأمر بطريقة شبه حتمية في الممارسات الطبية، على الرغم من أنها لاتزال بحاجة إلى إدخال بعض التحسينات عليها. ومع أن الجينات المحمولة بوساطة النواقل اللافيروسية تتد امج في المختبر مع صبغيات الخلايا المتلقية، فإنها نادرا ما فعلت ذلك عندما أدخلت في الجسم وكما كنت قد أشرت، فإن هدف المعالجة الجينية هو الذي يحدد ما إذا كان فقدان التدامج ميزة أو نقيصة. فاللييوزومات Iiposomes ـ التي هي كرات شحمية Iipid صغيرة، لذا ثمة من يسميها الجسيمات الشحمية- درست بالمقدار نفسه الذي درست به النواقل الفيروسية القهقرية. وبوسع هذه الفقاعات التركيبية أن تصمم لتؤوي يلازميذا- وهو حلقة ثابتة من دنا مشتق من فيروسات بكتيرية (2) bacterial viruses تعرف بالعاثيات (اللاقمات) ـ وضعت الجينات العلاجية المقصودة (المرغوبة) مكان جيناته الأصلية. ومع أن كفاءة النقل الجيني بوساطة اللييوزومات (أو " اللييويلكسات lipoplexes، كما تسمى الأشكال الحالية المعدلة منها) أقل كثيرا من كفاءة النقل بوساطة الفيروسات، فإن تقنية هذه النواقل، قد تقدمت لدرجة تؤهلها لدخول تجارب سريرية لمعالجة أمراض كالسرطان والتليف الكيسي وفى غضون ذلك، تتناول التغييرات التي تدخل على التركيب الكيميائي لليبوزومات مسألة الفعالية. وبدأت هذه البحوث تنتج نواقل تقلد الفيروسات في استهدافيتها وبراعتها الفائقة في النقل الجيني [ انظر في هذا العدد: " استراتيجيات لافيروسية للمعالجة. بالجينات " ] وفي الأنواع الأحدث من النواقل، يغلف الدنا بغلالة غير شحمية. وتتألف الغلالة من يوليميرات (مكوثرات) الحموض الأمينية ومواد أخرى أعدت لتوجيه الجينات العلاجية وإيصالها إلى الخلايا المعنية في الجسم ولصونها من التحلل (التفكك) بوساطة الإنزيمات الخلوية. وكان أداء هذه المعقدات- التي درست تفصيليا من قبل > M برنستيل < و > M كوتن < (من معهد المرضيات الجزيئية في فيينا) ومن قبل > D كوريا <(من جامعة ألاlhفي بيرمنكهام)- مرضبيا فى، تجارب " اغتراس (زرع) الخلايا . ويتم الآن تحويرها تحويرا أبعد، كما تخضع لاختبارات عملية في الأنواع الحيوانية وفي المرضى. كما يجرب بعض العلماء حقن المرضى بما يعرف بالدنا العاري naked DNA (دنا من دون غلالة شحمية). وتشير النتائج الأولية إلى أن استراتيجية الدنا العاري لديها إمكانية مثيرة للتمنيع ضد الأمراض المعدية (الخمجية)، بل حتى ضد أنواع معينة من السرطان. وتستقصى أيضا بدائل عن اليلازميدات. أشهرها تعلم الباحثين بناء صبغيات منمنمة، أو صبغيات بشرية صنعية، يمكن تضفير جينات علاجية فيها. وستحوي هذه البنى الكمية الدنيا من المواد الجينية الضرورية لتجنب التدرك في النواة والتلاشي أثناء انقسام الخلية. وستضمن أيضا عناصر تمكن الصبغيات من نسخ نفسها على نحو صحيح (ومرة واحدة فقط) كل مرة تنقسم فيها الخلية، كما تفعل الصبغيات العادية تماما. تطلعات مستقبلية ومستقبلا، كما هي الحال الآن، سيكون اختيار الباحثين طريقة الإيصال الجيني تبعا لهدفهم العلاجي. فإذا كان المريض قد ورث عيبا جينيا ويحتاج طوال حياته إلى تزويد مستمر من نتاج الجين السوي، فإن المعالجة الفضلى ستتم بناقل يدامج الجين العلاجي في صبغيات المريض بحيث يبقى إلى نهاية العمر. وسيتم عندئذ انتقاء فيروس قهقري أو فيروس مصاحب للغدية. أما إذا كانت الحاجة إلى فاعلية الجين مؤقتة- كاستثارة الجهاز المناعي ضد خلايا سرطانية أو عامل معد- فسيفضل عندئذ اختيار نواقل من أجل إيصال لاند امجي كالنواقل الفيروسية الغدية أو اللييوزومات أو حتى الدنا العاري . بيد أن الوسائل التي سيسود استعمالها مستقبلا ليست بالتأكيد الطرز البدئية التي يتم حاليا اختبارها. ولأنه لن تكون هنالك تقنية مثالية واحدة للاضطرابات كافة، فستتاح عندئذ أمام الباحثين خيارات كثيرة. وستجمع نظم النقل الجـيني المثالية في المستقبل أفضل ملامح النواقل المختلفة. وسيتم تصميم كل نظام ليوافق النسيج المعني أو النمط الخلوى المراد تعديله أو ليلائم المدة المطلوبة لفاعلية الجين أو ليحدث التأثير الفيزيولوجي المرغوب لنتاج الجين. كما سيرغب العلماءفي تطوير الطرق الضرورية لتغيير مستوى التعبير الجيني وفقا لما تتطلبه المعالجة، أو لإيقاف الجين عن العمل- أو حتى إزالته كليا- إذا انحرفت المعالجة عن هدفها. وحتى عندما تكتمل نواقل الإيصال الجيني، فإن التحدي لن ينتهي. فمثلا، غالبا ما تقوم الخلايا بتحوير الجينات الغريبة علي نحو يؤدي في النهاية إلى توقف هذه الجينات عن العمل. ومع أن هذه الناحية تعالج حاليا معالجة معمقة، فإنها لم تحل بعد. إضافة إلى ذلك، فنحن مازلنا لا نمتلك إلا القليل من المعارف عن كيفية استجابة الأجهزة الدفاعية للمريض عندما تلتقي البروتين الغريب ظاهريا، الذي ينتجه الجين العلاجي. وللحيلولة دون حدوث تفاعل مناعي معطل inactivating immune reaction ، فقد يضطر الأطباء إلى معالجة المرضى بأدوية مانعة للرفض، أو أن يحاولوا تحريض (إحداث) تحمل مناعي تجاه البروتين المكود وذلك بقيامهم بالمعالجة الجينية في وقت مبكر جدا من حياة المريض (أي قبل أن تكتمل كفاءة الجهاز المناعي) . ومع أنني أسهبت في عرض تحديات تقنية معينة تواجه المعالجة الجينية، فإنني أبقى متفائلا جدا بأن هذه المعالجة ستثبت قريبا نجاعتها في معالجة بعض الأمراض. فوسائلنا تتحسن بسرعة، كما أن بعضا من التجارب السريرية- التي يتسارع انتشارها- توشك أن تظهركفاءة حقيقية في تحسين بعض الأمراض، حتى باستعمال التقنيات الحالية التي لم تكتمل بعد. ومن المحتمل في السنوات القليلة القادمة أن تبرهن المعالجة المناعية (المبنية على الجينات) لبعض الخباثات- كورم الأرومة العصبية neuroblastomaوالميلانوم melanoma ـ على نجاعتها نجاعة مقنعة في إبطاء تفاقم المرض وإرغام الأورام المتشكلة على التقهقر، وستشكل وقتها إضافات مفيدة للمعالجات الحالية. ولكن لابد أن أؤكد أنه بالإصرار على العلم البالغ الدقة وبالدراسات السريرية المصممة بعناية وبعدم المبالغة في الإعلان عن النتائج، بهذه فقط سوف يحقق الباحثون في الوقت المناسب النجاح الباهر الملتزم بالأخلاقيات في هذا الحقل الطبي الجديد المثير. |