|
إن المعلومات الجينية (الوراثية،
التي بدت وكأنها قد فقدت إلى الأبد، تبين أنها قد
إن معظم ما نعرفه عن السيرورات الجزيئية molecular processes التي تحدد معالم التغيرات في التطور (النشوء) ، يعتمد على مقارنة جينات الأنواع المتبقية على قيد الحياة. ومن خلال هذه التغيرات يستدل العاملون في حقل التطور الجزيئي على التحولات التاريخية التي أدت إلى حدوث التسلسل (التتابع) sequences الحالي ، للدنا ومع ذلك فإن هذه الدراسات تعتبرأولية بطبيعتها. فبخلاف بقايا النباتات والحيوانات ، فإن جزيئات الدنا لا تترك بصماتها على الصخور. ولهذا السبب أصاب البيولوجيين الإحباط من إمكان التأكد من استنتاجاتهم عبر مقارنتها بسجل تاريخي، أسوة بما يفعله الإحاثيون . ولكن في العقد الماضي اكتشف العلماء أن الدنا القديم ، على الرغم من تحلله، يقاوم في بعص الأحيان غوائل الزمن ليظل باقيا . وبالتالي فقد طورعلماء البيولوجيا طرائق من إجل إكثار هذه الكميات النادرة من الدنا القديم واستخدم الباحثون حتى الآن دنا العظام والنص بئ اللينة في تعيينهم تسلسل الدنا لسبعة حيوانات ثديية منقرضة، من أقدمها حيوان الماموث الصوفى woolly mammoth من خلال جثة متجمدة وجدت من طبقة الجمد الدائم بسيبيريا وهناك الكتير من الدراسات المشابهة التي تجرى حاليا وتتضمن محل (فك) كود decode الدنا المستخلص من حشرات مدفونة في الكهرمان منذ ملايين السنين. لذا صار بإمكاننا التطلع إلى معرفة الكئير عن العلاقات الجينية بين الأنواع لمنقرضة. وشجعت هذه الأعمال متحف التاريخ الطبيعي في لندن على تأسيس مختبر أبحاث للبيرلوجيا الجزيئية، وجاراهم في ذلك معهد سمتسونيان في واشنطن وكذلك المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي في نيويورك ومتاحف أخرى كثيرة. وكانت المرة الأولى التي أدركث قبل السهولة المذهلة للتقنيات الجزيئية التي تتيح لنا عزل ودراسة تسلسل جدائل دنا الآدميين والكائنات الأخري ، عندما كنت طالبا في بدايات عقد الثمانينات في أوبسالا بالسويد لقد بدأت بالتساؤل عما إذا كان بالاستطاعة تطبيق التقنيات نفسها على جلود الحيوانات ومومياوات الإنسان التي تعج بها المتاحف للحصول على بيانات ذات دلالة. وعنندما استعرضت المراجع واكتشفت أن الأبحاث السابقة لم تعر هذا الموضوع أي اهتمام باشرت في التنقيب عن عينات مناسبة من أجل اختبارها. ولم يكن من السهل الحصول على عينات الآثار القديمة، حيث إنها ذات قيمة تاريخية كبيرة، كما لا بد للمرء من أن يتلف جزءا منها في سبيل استخلاص الدنا. لقد أثار مشروع بحثي اهتمام المسؤولين عن قسم العصور المصرية القديمة في جامعة أوبسالا، فزردوني ، بعينات صغيرة من جلود وعضلات المومياوات التي بحوزتهم، والأكثر أهمية من هذا هو علاقاتهم الممتازة مع متحف كبير في المدينة المسماة سابقا "برلين الشرقية". مكنت أربعة أيام مع كبير
القائمين (الوصاة) على مقتنيات متحف الدولة في برلين، نستعرض المومياوات
التي كان البعض منها قد دمر بشكل جزئي أثناء
ولدى عودتي إلى أوبسالا شرعت في، دراسة النسج ، واضطررت إلى العمل ليلا وفي عطل نهاية الأسبوع، لكي لا يتأثر بحثي في علم الفيروسات الجزيئية الذي كان من المفروض أن يشكل موضوع أطروحتي المستقبلية. وبدأت بدراسة مجهرية للعينات فوجدت بينها تفاوتا مثيرا من حيث جودة الحفظ. لقد كانت معظم النسج في حالة متقدمة من التحلل ، ولكن كان هناك استثناءات. فعلى سبيل المثال، كانت الأجزاء الخارجية والسطحية كجلد أصابع اليدين والرجلين مازالت محفوظة بصورة افضل أنظر الشكل في الصفحة 48 وغالبا ما احتفظت خلايا هذه النسج بنوى nuclei تقبل الصبغات النوعية للدنا. ويعود السبب فيما يبدو إلى أن الإنزيمات (الإنظيمات) التي تسمح للنسج التي في طريقها إلى الموت بهضم نفسها- وهي السيرورة الحيوية التي تدعى بالتحلل الذاتي autolysis تحتاج إلى الماء. وربما تجف النسج السطحية قبل أن تكتمل عملية تحلل الدنا بعد الوفاة. وبدأت باستخلاص الدنا من النسج التي تحتوي خلاياها على نوى ، معاملا هذه النسج كما لو أنها نسج جديدة، حيث بدأت بإزالة البروتينات بوساطة الإنزيمات. كما استخدمث مذيبات لاستخلاص الدنا من السكريات والبروتينات والليبيدات. ثم قمت بعد ذلك بحل الدنا بوساطة الرحلان الكهربي electrophoresis وهو تقنية تستخدم مجالا كهربيا لفصل شدف (أجزاء) الدنا أثناء ارتحالها (انتقالها) خلال الهلام gel فالشدف الأصغر ترتحل مسافة أطول من الشدف الأكبر، ومن هذه العلاقة يمكن حساب حجم الشدف. وقد أظهرت النتائج أن الدنا قد تحلل إلى شدف تحوي كل منها 100 إلى 200 زوج قاعدي (النيوكليوتيدات الأربعة التي تشكل وحدات البناء في الدنا). وعلى العكس من ذلك، فإن دنا النسج الحديئة تتحلل إلى شدف تبلغ في الطول أكثر من 10000 زوج قاعدي . ولكي يتمكن الباحث من دراسة المعلومات الوراثية المستقاة من شدف هذا الدنا عليه أولا أن يزيدها إلى كميات كبيرة. وفي ذلك الوقت كانت الطريقة الوحيدة المتوافرة للقيام بذلك هي الاستنسال (الاستنساخ) الجزيئي حيث يدمج الدنا القديم في جزيء دنا ناقل ليغدو قادرا على نسخ نفسه لدى البكتيريا، ثم تدخل هذه الجزينات الهجين في البكتيريا ومن ثم تعمد إلى تنمية آلاف المستعمرات البكتيرية، حيث تقوم كل واحدة منها بمضاعفة قطعة مفردة من الدنا الأصلي، وبعد ذلك يتم تحليل المستعمرات البكتيرية لتحديد التسلسلات موضع الاهتمام. وفي تجربتي كان الشيء الحاسم والمطلوب هو تقديم البرهان بأن بعض نتاجات الاستنسال كانت على أقل تقدير من أصل بشري ولم تأت أن البكتيريا أو الفطريات التي من المحتمل أنها عاشت في المومياء. ولأسباب لم تتضح إلا فيما بعد، حصلت على أقل مما توقعت من الأنسال الحاملة لدنا من أصل بشري. إن ندرة الأنسال أعاقت محاولة عزل الجينات الأكثر أهمية تلك التي تقوم بتكويد بروتينات معينة- لأنها عادة تظهر في طبعتين فقط لكل خلية. لذا، فلكي أبين حقا أنني قد ضاعفت دنا الإنسان القديم، كان علي أن أعود إلى عزل ما يسمى بالمتكررة وهي تسلسل يحدث فيما يقارب المليون طبعة في الجينوم (المجين) البشري. وتم عزل نسيلة بكتيرية تحتوي على اثنتين من المتكررات من نسج مومياء يعود تاريخها لما قبل 2310 إلى 2550 سنة. وقد أوضح هذا الكشف بأن الدنا يستطيع البقاء لفترات طويلة بعد موت الفرد. وفي عام 1948 وقبل أشهر من إعداد نتائجي للنشر أصدر كل من روسل ويلسون (من جامعة كاليفورنيا في بيركلي) عملا أظهر أيضا إمكان بقاء الدنا بعد موت العضو. لقد درسا حيوان الكواغة وهو عضو من عائلة حصان عاشت في جنوب إفريقيا وقد انقرضت في نهاية القرن الماضي. وأعطت عينات من جلد الكواغة: عمره 140 سنة وموجود في المتحف الألماني، نسائل بكتيرية تحتوي على تسلسلات من دنا الميتوكوندريا الموجود في طبعات كبيرة خارج نوى الخلايا. وعند مقارنة هذه النسائل بتسلسلات دنا حمار الوحش الحديث أظهر كل من هيكوشي وولسون بأن الكواغة ذو صلة قريبة بحمار الوحش وأكثر بعدا في علاقته مع سائر حيوانات الإكويد وقد كانت هذه التسلسلات أول ما أمكن تحديده من أنواع مفترضة . وعلى الرغم من هذه النجاحات فقد اتضح مبكرا وجود عوائق شديدة حدت من قدرتنا على دراسة الدنا القديم. فندرة النسائل حعلت من الصعب جدا إعادة التجارب واستحالة إجراء الكئير من التجارب في المقام الأول. واكتشف السبب في انخفاض كفاءة الاستنسال لدى تحليل الدنا القديم بيوكيميائيا. وتجدر الإشارة إلى أن متوسط طول الجزيء القديم (نحو100 زوج قاعدي) هو نفسه إذا جاعت العينة من قردة الكسلان في جنوب التشيلي بعمر 1300 سنة أو كانت العينة من خنزير مجفف بعمر أربع سنوات فقط. ويحدث معظم التفكك والتشظي في الساعات الأولى بعد الموت، وقبل أن تجف النسج . وتتأتى أشكال أخرى من التلف نتيجة شقوق (جذور) الأكسجين التي تتفاعل مع القواعد أو مع السكر الذي يشكل العمود الفقري للدنا. وتحدث هذه التفاعلات تعديلات وضياعا للقواعد وتحطيما للشرائط (الطيقان) وتصالبات جزيئات الدنا من واحد لآخر. إن مثل هذه التغيرات تؤدي إلى انحلال الدنا وتخريب المعلومات الجينية (الوراثية). وعندما تدخل إلى البكتيريا دنا قديم متخرب جراء هذه الطرق، تحاول هذه الكائنات- وغالبا ما تفشل- إنتاج طبعات منه وحتى عندما تنجح فهى غالبا ما ئدخل أخطاء في هذه الطبعات. فعلى سبيل المثال يتضمن تسلسل دنا الكواغة موقعين يملكان قواعد مختلفة عن تلك التي تحتل الموقع نفسه في مجين فقاريات أخرى. ويبدو أن لدى النسائل المعزولة أخطاء في تلك المواقع . ولكن صعوبة الحصول على نسائل من جلد الكواغة حالت دون إيجاد طريقة عملية للرجوع واعادة التجارب. ولسبب مشابه لم أستطع ثانية عزل المتكررات من المومياوات من أجل التحقق من تسلسلاتها. إن العاملين في حقل التطور الجزيئي ممن يهتمون بتأثير مرور الوقت، وجدوا أنفسهم في وضع يائس كئيب، لأنه بفشلهم في التحقق من نتائجهم بإعادة التجربة، لم يقيم علم دراسة الدنا القديم كفرع من العلوم جدير بالاحترام . وجاء التطور المثير عام 1985 عندما وصف العالم موليس تقنية غير عادية من حيث الحساسية والقوة ، للاستنسال (الاستنساخ) في أنبوب الاختبار ( انظر النشوء الاستثنائي للتفاعل السلسلي للبوليمراز إن طريقة "التفاعل السلسلي للبوليمراز سمح في أنبوب الاختبار بحدوث التضاعف لقطعة معينة من الدنا. وتحدد القطعة بشدفتين قصيرتين من الدنا، أي "جزيئين بادئين مركبان كيميائيا ليطابقا تسلسل القواعد مطوفا التسلسل المراد دراسته. وتستهل الجزيئات البادئة (الممهاد) عملية التضاعف في أنبوب الاختبار، والتي تتتالى في دورات ناجحة حيث تضاعف كل دورة عدد طبعات التسلسل المخصئص. وتبتدىء الدورة بانفصال القالب ذي الشريحة (الطاق) المزدوج إلى أشرطة مفردة. ويمنح هذا الانفصال الجزيئين البادئين القدرة على البقاء في موضعهما المحددين- واحد على شريط والآخر على الشريط المكمل ويبدأ بعد ذلك إنزيم معين بإضافة قواعد عند نهائيات الجزيئات البادئة ، وهذا يؤدي إلى استطالة الشكل الحلزوني المضاعف الذى بدأته الجزيئات البادئة وبما أن كل شريط مفرد ينتج حلزونا مضاعفا فإن تسلسل الدنا المطلوب يتضاعف كميا مع كل دورة. وفي الحال صار واضحا أن التفاعل السلسلي للبوليمراز" استطاع تقديم إمكانات كبيرة لدراسة الدنا القديم. ويعود السبب الرئيسي إلى أن هذه التقنية حساسة بشكل كبير، حيث يمكن لشخص ما الحصول واقعيا على بلايين الطبعات ابتداء من جزيء مفرد من الدنا. فحتى جزيء واحد أو بضعة جزيئات بقيت سليمة في نسيج قديم يمكن تضخيمها بوساطة التفاعل السلسلي للبوليمراز. في حين أن الجزيئات المعطوبة والتي يمكن أن تكون موجودة في أكثرمن 100 جزء لن تؤثر في التجربة. ويأمل تحويل هذا الإمكان إلى واقع انضممت إلى مجموعة ويلسون في بيركلي، التى كانت بين أول من استخدم التفاعل السلسلي للبوليمراز. وسرعان ما كوفئت جهودنا. فعندما صممنا جزيئات بادئة لشدفة من دنا الكواغة التي استنسلها هيكوشي ضمن البكتيريا منذ عدة سنوات، صار بمقدورنا تضخيم قطع الدنا من مستخلصات الجلد الذي استعمله. لقد اظهرت تجربتنا بأن المواقع التي اختلفت فيها تسلسلات الكواغة المستنسلة عن تلك التي لدى الفقاريات الأخرى، قد اشتملت في واقع الأمر على التسملسل العام المتوقع للفقاريات. لذا فإن النسائل البكتيرية حملت اخطاء في هذه المواقع، يفترض انها نتيجة دمار في الدنا القديم والذي قامت البكتيريا بإصلاحه بشكل خط. ومع ذلك فإنما التفاعل السلسلي للبوليمراز قادر على إعادة التسلسل الصح. لقد بتنا منذ ذلك الحين بأن التفاعل السلسلي للبوليمراز يعيد التسلسل القديم بشكل مضبوط، لأن الأخطاءإن كانت كثيرة فهي نادرا ما تكون فادحة. كما أن النتائج دقيقة لأن التفاعل السلسلي للبوليمراز يبدا عملية التضخيم واقعيا من اقل من بضع عشرات (و منات قليلة من شدف الدنا القديم. وعندما يتم تحليل نواتج عملية التضاعف كلها مرة واحدة، فإن أي خطأ في موقع معين في القالب الأولي شسل سيزال من قيل قوالب أخرى لا تحمل أخطاء في هذا الموقع بعكس الاستنسال البكتيري الذي يبدأ من جزيء مفرد ويكون بالنتيجة أكثر عرضة لارتكاب الأخطاء. واظهرت دراسات أخرى إضافية بأن التفاعل السلسلي للبوليمراز يستطيع إعادة تركيب دنا كامل ابتداء من عدة جزيئات قديمة متحللة بشكل جزئي. وفي مثل هذه الحالات يحط الجزيئان البادنان على الجزيئات غير المكتملة، ثم يستطيلان حتى الموقع المتخرب أو إلى نهاية جزيء القالب. وفي الدورة التالية تنفصل الجزيئات الناتجة إلى شرائط (طيقان) مفردة. وتكون هذه الجزيئات البادئة أطول من الجزيئات البادنة الأصلية، لذا فهي تستطيع الالتحام بجزيئات قوالب أخرى سليمة في مواضع القوالب السابقة. إن سيرورة القفز من قالب إلى آخر تستطيع أن تجمع المعلومات من عدة قطع متحللة بشكل جزني. وتمنح تحت ظروف مناسبة التفاعل السلسلي للبوليمراز القدرة على تضخيم التسلسلات الأكثر طولا من أي شدفة مفردة في العينة الأصلية. إننا نحاول أن نستخدم خاصة التفاعلي السلسل للبوليمراز لتطوير طرائق تسمح بإعادة بناء. دنا تخرب بشكل اكبر مما امكن معالجته حتى الآن. وقد وجهت تجارب أخرى لإصلاح التخريب في الدنا القديم وذلك قبل تضخيمه عبر التفاعل السلسلي للبرليمراز. ومع ذلك فإن أهم ميزة للتفاعل السلسلي للبوليمراز هي بساطة تقنيته، التي تجعله قادرا على تضخيم التسلسل نفسه في مستخلصات مختلفة للكواغة خلال بضعة ايام فقط، وهكذا استطعنا مع مختبرات (مخابر) اخرى تكرار النتائج والتحقق منها: إن علم الآئار الجزيئي استطاع ولأول مرة المطالبة باعتباره فرعا محترما من فروع العلم . هل بإمكاننا تعميم هذه التقنية على مواد يعود عمرها إلى آلاف السنين نقبت من الحفريات الأثرية؟ للإجابة عن هذا التساؤل، اختبرنا التقنية الجديدة على دماغ. إنسان قدر له وبشكل مذهل البقاء في حالة سليمة 7000 سنة في "ليتل سولت سبرنكا" وهو نبع صخري في فلوريدا. وقد اثبت هاوسورز ومعاونوه (في جامعة فلوريدا)، بتقنيات أخرى إنما الدنا قد حفظ في دماغ وجد في منطقة مشابهة، ومن المفترض ان يرجع السبب إلى ان الماء كان متعادلا في درجة الحموضة (أسه الهيدروجيني) واحتوى على القليل جدا من الاكسجين. وقد استخلصنا قطعا من دنا الميتوكوندريا ثم حاولنا تضخيمها، إذ إن معدل تطورها السريع يجعلها مفيدة لدراسة العلاقات بين الجماعات (المجتمعات) . وباءت أولى محاولاتنا بالفشل لأن المواد المستخلصة احتوت على عوامل غير معروفة أدت لسبب ما إلى إعاقة أداء الإنزيم المستخدم في التفاعل السلسلي للبوليمرأز، لمضاعفة الدنا. لقد أقلقتنا هذه المشكلة شهورا عدة، حتى اكتشفنا وكان الألبومين، وهو بروتين يوجد في الدم، يخفف من تأثير التثبيط بالتحامه مع الشوائب التى تربك عملية البلمرة، إن الحالة اليائسة للدنا سمحت فقط بتضخيم القطع الصغيرة. ومع ذلك فإن الشدف كانت كافية لإظهار النموذج للميتوكوندريا لم يعثرعليه بين سكان اصريكا المعاصرين . ولم نستطع التاكد من أن هذا التنوع الوراثي قد اندثر عند الأمريكيين، لأننا لم نكن نعرف الكثيرعن تسلسل الميتوكوندريا لدى سكان أمريكا المعاصرين. ولحسن الحظ " تقوم الآن عدة مجموعات بدراسات جادة لتقديم مثل هذه المعلومات، ليس فقط للأمريكيين الأصليين ولكن أيضا للجماعات الأخرى في العالمين القديم والجديد على حد سواء. إن أهداف هذه التقصيات كثيرة. فمقارنة تسلسلات الدنا في الجماعات المختلفة تساعد العاملين ليس فقط على اكتشاف الاختلافات المشتركة ولكن أيضا على تقدير درجة ترابط هذه التسلسلات. حيث يمكن استخدام هذه المعلومات لقياس مدى ترابط الجماعات كل واحدة بالآخرى والزمن الذي انقضى منذ اشتراكها في سلف واحد. كما يمكن إيجاد مؤشرات حولمدى الاتساع والتقلص في حجم الأمم القديمة ، كتلك التي أعقبت الأوبئة أو المجاعات أو الحرول أو الهجرات . وألمحت الدراسات الجينية (الوراثية) بشدة إلى الصل الأسوي لسكان لأمريكا كما تفترض بأن مجموعة صغيرة من الأسيويين استوطنت العالم الجديد ربما من خلال موجات قليلة من الهجرة . ولأول مرة نستطيع أن نختبر هذه النظريات عن طريق تحليل دنا الجماعات القديمة في العالم الجديد . وتعتبر هذه الإمكانية مثيرة جدا بحد ذاتها وربما منحتنا أيضا القدرة على تحديد ما إذا كان إحدى الجماعات قد حلت مكالما جماعة اخرى، او انها ببساطة قد تكيفت مع حضارة مادية جديدة . ولسوء الحظ، فإن دراسة البقايا البشرية القديمة مازالت تواجه صعوبات تقنية موروثة إلى حد ما من تقنية التفاعل السلسلي للبوليمراز، حيث يمكن اعتبار حساسيتها العالية ضعفا وقوة في ان مغا. فأي اثر من دنا حديث وجد طريقه إلى التجربة سيضخم إذا ما كان حاملا لتسلسلات يمكن للجزيئات البادئة الاتحاد معها ويجب التساؤل عما إذا كان التشابه بين كائن واجداده المفترضين هو حقيقى او أنه مجرد نتاج لتقنية مختبرية غير متقنة. ويأتي تلوث الدنا من عدة مصادر: خلايا الجللى المتناثرة من قبل المنقبين عن الآثار أو القائمين على مقتنيات المتاحف أثناء تعاملهم مع العينات، او جزيئات الغبار، أو كميات ضئيلة من الدنا مصدرها التجارب السابقة التي اجريت في الغرفة نفسها. وقد اجبرت هذه المشكلة العاملين على إرساء بروتوكولات (قواعد) مرهقة. فالتعامل مع المحاليل كافة يجب ان يكون بأكبر قدر من العناية، وان تتم عمليات الاستخلاص والتضمخيم في مختبرات مهيأة لهذا الغرض. كما ان نظام التهوية يجب ألا يصل ما بين مختبر التفاعل السلسلي للبوليمراز واي مختبر اخر يستخدم مواد مشابهة وعلى الرغم من هذه الاحتياطات، فالتلوث مازال يشكل هاجسا) جديا، وبخاصة عندما يحاول احدهم تضخيم دنا من بقايا إنسان قديم، لأن احتمال التلوث من قبل الإنسان الحديث لا يمكن افتراض عدم حدوثه. ولهذا السبب، فإن أول دراسة تتناول الدنا القديم، لم تركز على دنا جماعات (مجتمعات) بشرية ولكن على أنواع ذات صلة بعيدة بها- جرذان الكانغارو. وقد درست مع بعض زملائي مقتنيات من المتحف تحتوي على جلدا كانت قد جمعت في الجزء الأول من هذا القرن من ثلاث جماعات في صحراء موجاف ، واحتوت جميع، هذه الجلود على دنا من ميتوكوندريا بحالة من الجودة تكفي للحصول على نتاجات بطول زوج قاعدي. وبعد أن حددنا التسلسلات في جلود المتحف، قمنا باستخدام خرائط حقلية قديمة وجمعنا عينات من جرذان الكانغارو التي تعيش الآن في الأمكنة نفسها. لقد اكتشفنا بأن الجرذان الحالية تحمل التسلسلات نفسها أو شبيهة جدا بتسلسلات الجرذان التي عاشت فى الأمكنة نفسها قبل 60 إلى 80 سنة. كما احتوت الجماعات المعاصرة على التسلسلات المختلفة نفسها كما في الماضي. لذا فإن جرذان الكنغارو الحالية تنحدر مباشرة من الجماعات السابقة ولا توجد هجرات رئيسية او اضطرابات اخرى حدثت في العقود الفاصلة بين الفترتين. ويوضح هذا العمل بأنه يمكن استخدام مقتنيات المتاحف لمراقبة وضبط الخصائص الموررثة في مجتمع ما عبر الزمن. إنما سرعة هذه التطورات تنبع من حقيقه ان دراسة الجماعات المنقرضة وتلك التي مازالت على قيد الحياة مهمة الآن لأن، الكثير من الأنواع تتعرض لخطر الانقراض. فمن المعروف مثلا ان الجماعات حينما تنكمش يتناقص تنوعها الجيني، مما يجعلها أكئر تعرضا للإصابة والضغوطات الأخرى، كما في حالة قردة الشيتا. إن دراسات الدنا القديم قد تعمق من معرفتنا عن كيف يتم التحول في بركة جينية عبر الزمن، وربما يطلعنا على ما إذا كان التقلص في التنوع الجيني غالبا ما يسبق الانقراض. في البداية، تجرا الباحثون على تقصي الدنا القديم في النسج اللينة التي لا تشكل إلا جزءا صغيرا من البقايا المكتشفة في الحفريات الأثرية. بعدها، وفي عام 1989 نجح كل من هاكلبيرك وسايكس (من جامعة اكسفورد) في استخلاص دنا صالح للاستخدام من عظام قديمة أثرية، ويحتمل ان مثل هذا الدنا يرجع إلى الخلايا البانية للعظام والمتلفة للعظام. وتكمن هذه الخلايا داخل العظم المرتص وتقوم بتغيير شكله باستمرار خلال الحياة. وبما ان الدنا يرتبط بالمعادن التي تشكل العظم، فربما تتفوق بقايا الهيكل العظمي على النسج اللينة كوعاء حافظ للدنا. وهناك مثال يجيد توفره عظام الموة، وهي مجموعة منقرضة من الطيور عاجزة عن الطيران وعاشت في نيوزيلندة. فقد كانت بعض انواعها تنمو إلى 3.5 متر في الارتفاع و 230 كيلوغرام في الوزن. وعاشت هذه الطيور على رعي العشمب حتى وصول الإنسان إلى الجزيرة قبل 1000 سنة وابتدا بصيدها حتى الانقراض. وقد حلل كوبر (من جامعة فكتوريا في ويلنكتون) كلا من العظام والنسج اللينة لمومياوات الموة التي وجدت في الكهوف والمستنقعات، وعمل على تضخيم دنا الميتوكوندريا لاربعة من الأجنماس الستة التي وجدت. وبينت التسلسلات بأن الموة كانت قريبة الصلة بعضها من بعض، ولكن ليس مع الكيوي: وهي مجموعة من الطيور غير قادرة على الطيران لاتزال موجردة في نيوزيلندة. إن الكيوي في واقع الأمر اكثر قرابة مع الأمو وطيور الشبنم الاسترالية. ويشير هذا الاكتشاف إلى أم الكيوي أتت إلى نيوزيلندة متأخرة عن الموة، وربما بعد أدما انفصلت الجزيرة عن استراليا قبل 80 مليون سنة. فهل كانت الكيوي مثل ابناء عمومتها الاسترالية، غير قادرة على الطيران عندما اتت؟ إذا كانت كذلك، فهذا يعني انها سبحت إلى نيوزيلندة- ربما- عبر سلسلة جزر اندثرت قبل امد، أو أنها أتت عن طريق الجو وفقدت القدرة على الطيران فقط بعد وصولها إلى اليابسة مباشرة حيث لاوجود للحيوانات اللاحمة. وتبرز رؤية اخرى من تسلسلات الدنا للاجناس المختلفه لحيوانات الموة وهي ان هذه الأجناس اختلف واحدها عن الآخر حديثا. واقترح كوبر تفسيرا لهذا التوقيت عن طريق التاريخ الجيولوجي لنيوزيلندة،حيث غرقت معظم الجزيرة تحت الأمواج قبل 30 مليون سنة، وربما دفع ذلك معظم اجداد الموة نحو الانقراض. وبعدها، أعاد بروز السلسلة الجبلية سطح اليابسة للجزيرة مما أدى إلى انفجار في التنوع بين الياقي منها على قيد الحياة ، والتي سرعان ما احتلت البينات الجديدة. من أي فترة زمنية موغلة في التاريخ يمكننا توقع استرجاع الدنا- أمن أجداد الإنسان الحديث العائد إلى 200000 سنة مضت، أم من السلالة الشبيهة بالإنسان قبل ثلاثة ملايين سنة أم من الدينوصورات نفسها؟ يبدو أن هناك حدودا طبيعية معينة لا يمكن الهرب منها. ففي ، ما يقارب 500000 سنة، يمكن للماء وحده أن يزيل القواعد من الدنا وأن يقود إلى تحطيم السلاسل إلى قطع صغيرة إلى حد لا يمكن معه استرجاع المعلومات منها. ويسهم الاكسجين أيضا في تحطيم الدنا. وحتى في الظروف المثالية- بغياب الماء والاكسجين وتوافر الحرارة المنخفضة فالإشعاع المرتد من الأرض لا بد أن يمحي نهائيا كل المعلومات الورائية. وعلى الرغم من هذه الاعتبارات ، شجعت النتائج الأخيرة الآمال في المضي نحو دراسة احقاب اقدم بكثير مما اعتقد كثيرولا انه ممكن. ففي عام 1990(نشر كولينبرك و كليك (من جامعة اكاليفورنيا في ريفر سايد) تسلسل دنا من ورقة ماجنوليا حفظت في الطين بقعر بحيرة في إيداهو الشمالية منذ ما يقارب 17 مليون " سنة. لقد استطاعا تضخيم شدفة بطول 800 زوج قاعدي. وأعاد كل من سوليتس وسوليتس- (من جامعة ولاية واشنطن) إثبات هذا العمل البارع على عينات لأنواع نباتية اخرى وجدت في المنطقة، ولكن مستخلصات من اوراق أخرى كثيرة ومن المنطقة نفسها فشلت في توليد الدنا. فالطين كان رطبا، ومع ذلك فالمرء يتعجب كيف بقي الدنا مع التأثير المخرب للماء خلال هذه الفترة الطويلة. وربما تكون نتائج كل من بوينر (من بيركلى) ودوسال من المتحف الأمريكي للتاريخ الطبيعي) اكثر تفاؤلا. فقد درسا مع معاونيهما حشرات كانت قد دفنت في الكهرمان ، وهي بينة جافة ربما حفظت ايضا من تأثير الاكسجين إذا ما حفظ الكهرمان تحت ظروف مناسبة. واستخلصوا دنا من حشرات بقيت مسجونة في الكهرمان ما يقارب 40 مليون سنة. واظهر دوسال ومعاونوه بأن التسلسلات في لنمل الأبيض الذي درسوه كانت متوافقة مع تلك التى تعود إلى النمل الأبيض الحديث. وستظهر السنوات القليلة المقبلة بلا شك فاعليات أكثر في هذا المجال. وفوق ذلك كله، سيكون من الأهمية بمكان التأكد مما إذا كانت المختبرات الأخرى قادرة على تاكيد النتائج المنشورة حول تسلسلات الدنا القديم جدا، فإذا امكن تحديد تسلسلات الدنا العائد إلى ملايين السنين بدقة مؤكدة، فإن من أهم الفرص التي ستنتج من ذلك المقدرة على قياس التطور (النشوء) الجزيئي بشكل مباشر. ولكن بعض المشكلات مازالت عالقة، وسيكون من الصعب دائما الجزم فيما إذا كانت العينة القديمة هي حقا سلف الأنواع الحالية أو ما إذا كانت التسلسلات القديمة والحديثة تنتسب، إلى سلف اكثر بعدا في التاريخ. لذا فإن العاملين في حقل التطور الجزيئي سيظلون قادرين على الاختلاف المثمر. وإذا كان الدنا يقدم وصفة لبناء كائن حي، ويخزن الدنا القديم هذه الوصفة بنقاء،، فالأسئلة التي تبرز تلقانيا: هل لنا ان نأمل بعكس الانقراض عن طريق استنسال (استنساخ) الأنواع المندرسة؟ وهل نستطيع استنسال توائم من أسلافنا الحاليين والسابقين؟ وهل يمكن أن نعيد الموة أو الكواغة إلى الحياة أو حتى إنشاء مزارع لتربية الدينوصورات؟ وحسب قناعتي الراسخة
فإن مثل هذه الأحلام (او الكوابيس) لن تتحقق، إذ ليس لدينا فكرة سليمة حول
كيف يمكن ان يتم تجميع الملايين من شدف الدنا التي نستخلصها من الحيوانات،
في هيئة صبغيات (كروموسومات) وذلك على شكل خلية فاعلة. كما اننا لا نمتلك
القدرة على إطلاق حركة آلاف الجينات التي تنظم عملية التطور. فإذا لم
يكن باستطاعتنا اخذ خلية حية من حيوان فقاري بالغ واستخدامها لاستنسال فرد
آخر، فكيف نستطيع تخيل استنسال نوع من الأنواع المنقرضة من حطام دنا قديم
أثري؟
وجل ما نأمله هو ان دراسة الدنا القديم ستساعدنا على تعلم الكثير حول ديناميات التغير الجيني (الوراثي) الذي يحدث مع مرور الزمن في مختلف الجماعات. فمع مثل هذه المعرفة يمكن ان نصير قادرين ليس فقط على فهم افضل لتاريخ نوعنا وتاريخ الأنواع الأخرى، ولكن ايضا على رسم استراتيجيات اكثر عقلانية للحد من التضاؤل المتزايد في التنوع البيولوجي. لمحة عن الحياة العلمية
للعالم: فرلدريئ سانكر
قد يتوقع المرء من شخص حازجائزة نوبل مرتين ان يمضي أيامه وهو يسعى لذمين الدعم والتبرعات لمختبر عالمي، ويلقي المحاضرات أمام الزملاء الموقرين، ويجمع المكافآت التى ينالها عن روايته التي حققت أفضل المبيعات. ومع ذلك فإن سانكرا الشخص الذي وضع أسس الكيمياء الحيوية الحديثة، لا ينشد الشهرة ولا الثروة، بل يعيش بهدوء في قريته بإنكلترا معتنيا بحديقة من أزهار النرجس البري وأشجار الخوخ والأعشاب الطبية. يقول كولسون الذي تعاون مع سانكر مدة 16عاما في مختبر للبيولوجيا الجزيئية في كامبريدج.اعتقد أن سانكر ليس مشهورا بقدر الآخرين؟ لعدة أسباب منها أنه شخص لا يحب الظهور" اكتشف سانكر البنية الكاملة للبروتين قبل أربعين سنة، ثم طور خلال السبعينات من هذا القرن إحدى أول تقنيات قراءة كود راسوز الجينات يقول عالم الكيمياء كودسون من المركز الطبي لجامعة نيويورك "إن سانكر يستحق جائزتي نوبل، فقد قام وحده بثورتين في مجال البيولوجيا " فضلا عن ذلك ، يفاخركولسون بأن لسانكر أكبر الفضل في وصع أساس مشروع المجين (الجينوم) البشري وهو الجهد الدولي لتحديد المتوالية الكاملة للنيوكليوتيدات (النوويدات) في الدنا البشري . في عام 1993 اختار سانكر مقابلتى فى إحدى الحانات المفضلة لديه قرب كامبريدج وكان عمره حينذاك 75 عاما. لقد أتقن فن الاعتدال في كل من المظهر والفعل. وهو يتكلم ا بصوت خجول لا يكاد يسمع في ضجيج الحانة. إن سانكر لا يشعر بالراحة حين يخاطب الصحفيين ولكن في جو الحانة الذي يوحي بالاسترخاء فإنه يكشف عن بعض مما جعله واحدا من أعظم علماء هذا القرن . ولد سانكر في أسرة غنية. لقد صنع جده ثروته من تجارة القطن وأورثها إلى والدة سانكر. كان سانكر في طفولته مولعا بالطبيعة مسحورا بها، فكان يجمع كل شيء، من الحجارة إلى الحشرات. كان طموحه الأول هو أن يصبح طبيبا كوالده. ومع ذلك وعلى الرغم من أن سانكر الشاب استمتع بدراسة الطب، فإنه لم يكن مهتما بفن تشخيص الأمراض ومعالجتها. وعلى أي حال، فإن سانكر لم يكن طالبا لامعا. ففي عام 1936 قبل في جامعة كامبريدج ولكنه كان يبذل جهدا كبيرا في فهم العلوم الأساسية. نجح سانكر في الكيمياء بدرجة مقبول، ولكنه تفوق في الفيزياء. يقول: "لم اكسب أي منحة دراسية قط، ولست على ثقة من اني كنت استطيع الدراسة في كامبريدج لولا ان ابوي كانا غنيين إلى حد كبير . وجد سانكر المهنة التي يريدها خلال وقت مبكر من دراسته في الجامعة. لقد حضه استاذ متحمس هو بولدوين على دراسة العلم الجديد، علم الكيمياء الحيوية استمتع سانكر بالموضوع إلى حد أنه تابع دورات متقدمة فيه خلال سنة رابعة إضافية في كامبريدج. وبعد أسبوعين من الامتحانات النهائية ، كان حسب قوله؟ "مندهشا جدا حين علم انه منح درجة الامتياز في عام 1940 وبخلاف معظم أقرانه، لم يذهب سانكر ابن الثانية والعشرين ليقاتل في الحرب العالمية الثانية وذلك لقوله ة "لقد أنشئت حسب المذهب الكويكري ، وهو مذهب يدعو إلى نبذ العنف، وكنت أكره إلى حد كبير قيام الناس بقتل بعضهم البعض لأي سبب كان. " لقد نجح في دفاعه عن موقفه هذا أمام محكمة عسكرية، وأمضى سنوات الحرب يتابع تحصيله لنيل الدكتوراه. كان الطلبة الخريجون قلة خلال الحرب وكان قسم الكيمياء الحيوية في كامبريدج سعيدا جدا بقبول طالب طموح . بعد نيل الدكتوراه في عام 1943 انضم سانكر إلى مختبر الأستاذ تشيبنال في كامبريدج، الذي كان من رواد حقل كيمياء البروتين. طلب تشيبنال من سانكر دراسة الأنسولين، ذلك الهرمون البنكرياسي الذي يتحكم في استقلاب (أيض) السكر. وقد ادى هذا الاقتراح إلى مشروع دام عشر سنوات مما جعل من سانكر مرشدا في هذا الحقل. إن الأنسولين، شأنه شأن البروتينات الأخرى مكون من عدد من الحموض الأمينية المختلفة. وخلال الأربعينات من هذا القرن كان الباحثون على علم تام بأن كيمياء البروتينات تعتمد على نظام ترتيب الحموض الأمينية. وكانت المشكلة هي عدم تمكن أحد من اكتشاف التقنية التي تسمح باستنباط المتوالية (اي التتالي في ترتيب الحموض الأمينية). اختار تشيبنال وسانكر العمل على الأنسولين لعدة اسباب منها، انه كان متوافرا بشكل نقي، وانه يعتبر جزيئا صغيرا مقارنة بمعظم البروتينات. والأهم من ذلك ان الباحثين وجدا انهما لو استطاعا تعزف بنية الأنسولين، لفهما كيف يتحكم في استقلاب السكر. ولاشك في ان معرفة ذلك لها عدة مضامين علاجية. ولتعيين التتالي في سلسلة الأنسولين، بدأ سانكر باستراتيجية بسيطة يستخدمها الكيميائيون عادة لتحليل المركبات الكبيرة، وفي محاولة كسر مركب الأنسولين إلى أجزاء صغيرة ثم محاولة معرفة كيف تنطبق هذه الأجزاء الواحدة مع الأخرى. وهذا كلام يسهل قوله ويصعب تطبيقه؟ فلتقطيع الأنسولين إلى اجزاء ذات حجم معقول، ثم تصنيفها، اضطر سانكر إلى تجريب كل حيلة مذكورة في الدليل الكيمياني حتى تمكن من التوصل إلى خطط جديدة. كان أحد إبداعات سانكر هو إيجاده طريقة وسم نهاية شدفة البروتين. " وقد سهلت هذه الشدف او القطع الموسومة ، أمر استنباط أي قطع تنتمي إلى اخرى.: فمثلا ، إذا كانت ثلاثة حموض امينية " ولنسمها مترابطا احدها بالآخر ضمن نظام معين في سلسلة، فإن التتالي فيها يمكن أن يتحدد بالطريقة التالية: بعد وسم السلاسل، يمكن كسرها إلى حموض امينية فردية، ولنقل إن الحمض كان في احد طرفي السلسلة. عندها يمكن ان نقطع أي عينة جديدة من السلاسل نفسها إلى قطع تتألف من حمضين امينيين. والخطوة النهائية كانت في عزل كل هذه الأجزاء التي لها الحمض B في احد الطرفين. فإذا ظهر ان كل الأجزاء ترابط فيها الحمض B بالحمض A عندها سيكويما التتالي بالشكل (BAC). وخلال البحث عن متوالية الأنسولين جرب سانكر مئات التقنيات المختلفة. ويتنهد سانكر قائلا: "لقد اخطأت معظم التجارب؟ ومع ذلك لم يكن الوقت الذي قضيته محاولا استنتاج مكمن الخطأ كبيرا، بل كنت أبدأ بالتفكير بتجربة جديدة. وهذا ما أبعد عني الشعور بالكآبة. " هنالك تجربة واحدة يود سانكر لو ينساها على وجه الخصوص. لقد امضى عام 1947 كله في اوبسالا السويدية، وهو يعمل في مختبر لعالم بارز في الكيمياء الحيوية هو تسيليولس!. لقد بدت تقنية طورها سانكر وكأنها توحي بأن الأنسولين لم يكن سلسلة واحدة بل اربع سلاسل مترابطة بشكل متصالب. رحين قدم النتانج إلى تسيليوس، اقترح عليه هذا ان يقوما معا، وبسرعة، بنشربحث حول ذلك. يقول سانكر: "لقد صدمت إلى حد ما لأنه في واقع الأمر لم يكن قد أسهم بأي شيء في ذلك البحث. " واضطر سانكر إلى القبول باقتراح. تسيليوس لكونه عضوا من درجة دنيا في المختبر. ويعلق على ذلك بقوله:(كان هذا البحث هو الوحيد الذي أخجل منه لأنني؟ اكتشفت لاحقا أن الأنسولين مكون فعلا من سلسلتين متصالبتين الأولى بطول 30 حمضا امينيا والأخرى بطول 21 حمضا امينيا. والسلسلة الأكبر كانت أعقد تركيب سبق لكيمياني يعمل في حقل البروتينات، في تلك الفترة، ان عالجها. ولم يتمكن سانكر حتى: عام 1952 مع زميله توبي و حى تومسون من اكتشاف التتالي الكامل لكلتا السلسلتين. ثم كان على سانكر ان يقرر كيف كانت السلاسل ترتبط الواحدة بالأخرى لتشكل جزيء الأنسولين، وقد تبين ان المشكلة كانت بالغة التعقيد. فقد أظهر تحليل أولي أن السلاسل كانت تترابط عند كل نقطة تقريبا. عندنذ أدرك سانكر ان التقنيات التي استخدمها في قطع جزيء الأنسولين كانت تشكل جسورا جديدة بين الجدائل وقبل عام 1955 توصل سانكر إلى استعمال طريقة تمنع إدخال ربطات متصالبة جديدة ونجح في تحديد البنية الكاملة للانسولين. وبعد اربع سنوات حصل سانكر على جائزة نوبل في الكيمياء لعمله في مجال الأنسولين، وعندها اصبح على الفور محاطا من قبل اساتذة يدعونه للتدريس . إن موهبة سانكرفى حل المسألة الصحيحة في الوقت المناسب لم كسبته جائزة نوبل في الكيمياء مرتين. واداريين يسعون لاستشارته. ولكن سانكر رفض ذلك كله قائلا: "لقد حاولت جديا تجنب التعليم والعمل الإداري، ويرد ذلك- بصورة جزنية- إلى ظني يأتي سأفشل في كليهما، كما يرد ايضا إلى انانيتي. " ولسخرية القدر فإن السنة التي شهدت حصول سانكر على جائزة نوبل شهدت ايضا بداية انهيار بحثه. فحينذاك كان قد وصل في دراسته للانسولين إلى اقصى حد ممكن وكان يتطلع إلى إيجاد مواضيع بحث جديدة لمعالجتها. وقد قال في هذا الصدد اعتقد ان مثل هذه الفترات تحدث في معظم حالات البحث ويمكن ان تصيب الباحث بالإحباط أو خيبة الأمل. لقد اكتشفت ان افضل سسبيل التحاشي ذلك هو المضي قدما. " في عام 1961انضم سانكر إلى مختبر البيولوجيا الجزيئية بمجلس البحث الطبي في كامبريدج واستخدم كولسون مساعدا له في البحوث. يقول كولسون: "إن سانكر ليس من ذاك النوع من الأشخاص الذين تسهل مصادقته على الفور. " وبعيد وصوله إلى المختبروجد سانكر، أن مواهبه قد تكون مفيدة في تحليل الدنا، وهو الجزيء الذي يخزن الكود الجيني ففي الخمسينات من هذا القرن كان واطسون وكريك قد استنتجا ان الدنا عبارة عن لولب طويل مزدوج مكون من أربعة نيوكليوتيدات مختلفة، وأن ترتيب النيوكليوتيدات يحدد البروتينات التي يستطيع الكائن الحي (المتعضي) صنعها، ومع ذلك فإن العلماء كانوا قادرين في ذلك الحين على تحديد متوالية النيوكليوتيدات لقسم صغير جدا فقط من جديلة الدنا. حدد سانكر هدفا طموحا لنفسه
وهو تتبع الآلاف الكثيرة من النيوكليوتيدات في دنا فيروس. ومع ذلك فإنه مع
علماء الكيمياء الحيوية الآخرين، سرعان ما وجدوا ان تحليل الدنا اصعب من تحليل
البروتينات لسببين اثنين: الأول، قلة ما لديهم من خبرة في معالجة الدنا مقارنة
بالبروتينات. والآخر، لأن الدنا مصنوع من اربع كتل بنائية أساسية فقط، في
حين انما البروتينات مصنوعة من نحو 20 حمضا امينيا مختلفا. وكما هي الحال
في لعبة ملغوزة ذات قطع كثيرة متشابهة، التي حفها اصعب من حل تلك التي تحري
الكثير من القطع المختلفة، فإن فك كود متوالية الدنا كان أصعب من فك كود متوالية
الأنسولين .
نال سانكرعام 1980 جائزة نوبل للمرة الثانية وشاركه فيها كلبرت بيرك من جامعة ستانفورد فلقد استطاع بيرك إيجاد طريقة لإقحام قطع من الدنا من كائن حي في دنا كائن حي آخر، وهذا ما أطلق تقنية جديدة سميت تقنية الدنا الماشوب كان سانكر، خلال عمله ينشر بحثا علميا كل ثماني سنوات ولكن زملاءه يقولون بأن كل بحث من هذه الأبحاث يعتبر عملا ممتازا ومتقنا في الكيمياء الحيوية التجريبية يوضح سانكر ذلك بقوله. أنا لا أنشر بحوثا إلا إذا كان لدي شيء أكتب خثنه وشيء أكون على ثقة منه " وحاليا، ومع أن سانكر لا يزال يقدم المشورة إلى زملائه في مختبر البيولوجيا الجزيئية، إلا أنه تقاعد من منصبه وفي هلى الصدد يقول متذمرا. "إن التقدم في السن لم يكن ليحمل أداني في المختبر. كنت سأشعر بالذنب لاحتلالي مكانا يمكن أن يشغله شخص أكثر مني شبابا " وحين يتأمل سانكر في أبحاثه، فإنه يجد من الصعوبة بمكان أن يتذكر أي لحظة من لحظات الإلهام العظيم. إنه لا يوافق على الفكرة الشائعة بأن التقدم العلمي يعتمد على الإلهام والاختراعات المفاجئة" بل إنه يرى أن أمورا كثيرة غالبا ما توافق تقدمات طفيفة وتدريجية. بعد أن أنهينا لقاءنا في الحانة دعاني إلى منزله المتواضمع الذي تحيط به حديقة معتنى بها. ويبدو أن سانكر يكرس نفيه للاعتناء بالحديقة بقدر ما كان يكرس نفسه للبحث. لقد زرع هو وزوجته التي تبلغ الرابعة والخمسين من العمر أنواعا مختلفة من الأزهار وأشجار الفواكه ويقومان بتربية الدجاج وحين لا يعملان في الحديقة، يستضيفان أولادهما الثلاثة وأحفادهما والأصدقاء يقول سانكز" لقد كانت حياتي دانما سعيدة وهادئة " ويؤكد أن مفتاح ذلك هو العمل في المجال الصحيح في الوقت المناسب. " |