المعالجة الجينية للجهاز العصبي

إن غرز جينات في خلايا الدماغ قد
يمكن الأطباء يوما ما، من إبطاء التلف
الناجم عن المرض العصبي  التنكسي
أو حتى على إيقافه وتحسينه.
>  Y.D < ـ >  M.R سابولسكي <

إن مجرد ترقب الوقوع فريسة مرض مزمن لهو أمر مثير للقلق. ولكن تهديد  الاختلال 
( الضعف) 1لعصبي neirp;pgocal impairmcnt  يثير لدى غالبية الناس رهبة خاصة. فالابتلاء بأمراض كداء باركنسون parkinsons disease amyotrophic lateral sclerosis أو التصلب الوحشي (الجانبي) الضموري amyotrophic lateral sclerosis داء لو كيهرى   Lou Gehrigs disease )، يسلب باطراد القدرة على التحكم في الجسم. والتلف الذي يعتري النخاع (الحبل) الشوكي يمكنه، في طرفة عين، أن يؤدي إلى حالة مماثلة من البؤس. كما إن داء ألزايمر Alzheimers disease  يهاجم لب شخصية المرء، إذ يستهدف عقله بالتخريب. 

ولسوء الطالع، لم يحقق الأطباء والباحثون إلا تقدما محدودا في معركتهم التي يخوضونها ضد أمراض كهذه. ويعود السبب الرئيسي في ذلك إلى أن الدماغ والنخاع الشوكي (السيساء) سريعا التأثر بالإصابة والتأذي. وخلافا لأنماط عديدة من الخلايا ، فإن العصبونات (الخلايا  العصبية) neurons  في الجهاز العصبي المركزي للبالغين عاجزة عادة عن الانقسام. وهذه الحقيقة تجعل من المرض أو الإصابة العصبية مأساة أساسية في حياة الإنسان: ففي ظل الظروف الطبيعية تزول إلى الأبد العصبونات التالفة، ولا يتوقع أن يصحح النسيج العصبي المصاب في الدماغ والنخاع الشوكي نفسه .

 ومع ذلك، فإن بإمكان التقدم العلمى تغيير تلك الصورة القاتمة. ويهدف أكثر  البحوث طموحا في مجال طب الجهاز العصبي إلى الاستعاضة عن الخلايا  التالفة في النسيج المتضرر بغرس (زرع) عصبونات أو  إعطاء عوامل نمو (1)، وهي مواد كيميائيه تنبة العصبونات التي بقيت حية كي تطيل أجلها أو توقظ القدرة الهاجعة (الكامنة ) لهذه الخلايا  كي تتجدد. وسيكون لهذه المعالجات فوائد كبيرة، ولكنها قد لا تغدو روتينية التطبيق إلا بعد انقضاء سنوات عديدة. وفي المقام الأول، فإن الحيلولة دون تلف العصبونات هو هدف أكثر تواضعا وقد لا يكون بعيد المنال.

 وفي السنوات القليلة الماضية، عرف الباحثون أمورا كثيرة عن كيفية موت العصبونات بعد أذى صحي مفاجئ كالتعرض لسكتة دماغية stroke  أو نوبة صرع seizure أو إصابة في الرأس، وكذلك ما يحدث أثناء تفاقم أمراض مثل داء باركنسون أو داء ألزايمر. وتشير بعض المحاولات الرامية إلى الاستفادة من الاكتشافات الحديثة إلى أن إعطاء أدوية معينة قد يقي العصبونات  المهددة، كما يمكن بوساطة خفض حرارة الدماغ تفادي موت الخلايا  "السريعة التلف في أثناء أزمة عصبية. وفضلا عن ذلك، فالمعارف الجديدة عن كيفية تخريب العصبونات بفعل أمراض متنوعة كشفت عن إمكانية مثيرة لحماية هذه الخلايا بتحوير (2 ) (تعديل) جيناتها.

برمجة من أجل البقيا

تصدر الجينات تعليماتها إلى الخلايا كي تصنع بروتينات. نوعية، كالإنزيمات التي تحفز  catalize تفاعلات كيميائية متنوعة" فالخلايا العصبية مثلا تنتج إنزيمات تركب النواقل العصبية- وهي مواد تحمل الإشارات  (الإيعازات) signals  الكيميائية عبر الفجواتgapsالصغيرة (الأحياز المشبكية synaptic spaces) الواقعة بين عصبون وآخر. ويمكن أن تقوم المعالجة الجينية، التي تستهدف العصبونات العاجزة، بتزويد العصبونات المستهدفة بجين يحدد (يناوع)  specify بروتينا قادرا على حماية هذه الخلايا  من أى تهديد قد تواجهه. 

ولإيجاد مثل هذه المعالجات، ينبغي علي الباحثين أن يقرروا أنواع البروتينات الأكثر فائدة فقد يكون الهدف، في بعض الحالات زيادة إنتاج بروتين دماغي خاص عندما يكون الجزيء المتحول الموجود طبيعيا من هذا البروتين مصابا بخلل وظيفي أو حينما 
لا بصنع بكميات كافية. كما يمكن نظريا إضافة بروتين جديد كليا يوجد في نمط نسيجي مختلف أوحتى في كائن حي مختلف كليا. 

وهناك استراتيجية أخرى، تدعى المقاربة اللامعينة (المضادة للمعنى) antisense approach تمثل أيضا شكلا من أشكال المعالجة الجينية[انظر:"الأدوية الجينية الجديدة" العلوم العدد 5  ( 1995  ) ، ص 36 ) وترمي الوسائل اللامعينة إلى الحد من صنع البروتينات التي تسبب تلف العصبونات. وهناك أنماط من التصلب الوحشي (الجا نبي) الضموري وأمراض عصبية أخرى معينة، تنتج من النشاط التخريبي الشديد لبروتين سوي أو من فعل بروتين شاذ يعمل بطريقة مؤذية. وبإمكان المعالجات اللامعينة أن تساعد أيضا حينما تركب العصبونات بروتينات تفاقم (لاسباب لاتزال غامضة) الأزمة العصبية. ولتحقيق هذه الغاية، يحاول حاليا العديد من الباحثين إيجاد طريقة يعوقون (يحصرون) بها إنتاج ما يدعى بروتينات الموت التي تحث العصبونات المعرضة للخطر على الانتحار الخلوي.

 وما إن تعرف الأسباب الأساسية لمرض عصبي معين، فإن وضع قائمة بالجينات- " التى قد تحمي العصبونات من التخرب- لن يتطلب خيالا واسعا. ولكن التحدي الحقيقي  هو إيجاد الوسيلة التي ستستعمل في إيصال هذه الجينات. ويمكن من حيث المبدأ، غرز جين ما في نسيج الدماغ بوساطة  الحقن المباشر لشدف fragments من الدنا DNA النقي والمكودة على نحو ملائم ولسوء الطالع، فإن النجاح نادرا ما يحالف هذه الطريقة العنيفة، ذلك أن العصبونات ليست كفؤة بصفة خاصة في التقاط هذا الدنا  " العارى ". وهنالك تقنية أفضل، تتمثل في تغليف الجين بفقاعة دهنية تدعى اللييوزوم (الجسيم الشحمي) liposomc . وبسبب الطبيعة الكيميائية لهذه الحاويات البالغة الصغر، فإن اللييوزومات تنقل الدنا بسهولة إلى العصبونات المستهدفة عن طريق اندماجها بغشاء العصبون وإطلاق محتوياتها داخله. ولأسباب غير مفهومة تماما، تقوم الخلية بعدئذ بدمج (جبل) بعض هذه المادة في نواتها، حيث يوجد الدنا الخاص بها. وستستعمل الخلية عندئذ الجين الجديد كبرنامج عمل، تصنع وفقا له البروتينات العلاجية [ انظر في هذا العدد. "استراتيجيات لافيروسية للمعالجة بالجينات "]. 

وتتمثل الأداة الفضلى لوضع الجينات داخل الخلايا  في استعمال الفيروسات. ففي سير العدوى النمطية، يغرز الفيروس مادته الجينية في خلايا الضحية، حيث يقوم هذا الكود الجيني المضاف بتوجيه الخلية إلى تكوين جزيئات شتى ضرورية لصنع جسيمات فيروسية جديدة. ومع أنه بوسع الفيروسات الطبيعية أن تكون مدمرة على نحو واسع، فبإمكان العلماء ترويض بعض منها وقلبه إلى " أحصنة طروادية" مجهرية، تستطيع حمل جين علاجى ما ووضعه برفق داخل الخلية من دون أن يسبب لها الفيروس  أى. أذى  وفي المعالجة الجينية للجهاز العصبي المركزي، يركز الباحثون كثيرا من جهودهم على عدة أنماط فيروسية فقط، بما في ذلك الفيروسات الغدية،   adenovirusesوالفيروسات الحلئية  Herpesviruses  .

التصدي لداء باركنسون

إن التجارب التي تم فيها استعمال هذه النواقل vectors  الفيروسية- كمجرد وسائل نقل وإيصال- قدمت أول التلميحات إلى إمكانية نجاح المعالجة الجينية فى الجهاز العصبي. وأحد مجالات البحث الواعدة موجه ضد داء باركنسون. وينشأ هذا الاضطراب المدمر عن أن جزءا من الدماغ، ويعرف بالمادة السوداءbstantia nigra su، يتنكس degenerate مع الزمن ويساعد هذا الجزء على تنظيم الضبط الحركي motor controll، ويفضي تلفه إلى جعل المبادرة بالحركات أو تنفيذ حركة متناسقة معقدة أمرا صعبا. كما أن فقدان المادة السوداء يحدث الرعاش tremor  الباركنسوني الكلاسيكي (التقليدي) [ انظر: "فهم داء باركنسون "العلوم ، العدد 11(1997)، صفحة ] .

وينشأ داء باركنسون بعد موت العصبونات السود التي تفرز الناقل العصبي " ا لدوبامين" dopamineولاسباب معقدة ، تولد هذه العصبونات أيضا الجذور الأكسجينية، وهي مجموعات كيميائية ضارة تؤدي إلى تفاعلات تخريبية ضمن الخلية وهكذا، فإن هناك قدرا مناسبا من التخرب المستمر في المادة السوداء، كظاهرة طبيعية للشيخوخة (الهرم). (وتسهم هذه السيرورة في حدوث الرعاش البسيط الذي يتسم به التشيخ senescence ) ويبدو أحيانا أن داء  باركنسون ينتاب الأفراد المؤهبين لأن يكون لديهم جذور أكسجينية زائدة في نسيجهم الدماغي، أو الذين تعرضوا لذيفانات (سموم) بيئية تسبب تكون هذه الجذور الاكسجينية. أما الحالات الأخرى، فتشمل أولئك الذين يمتلكون كميات سوية من هذه
المواد الكيميائية، ولكن دفاعاتهم المضادة للمؤكسدات ضعيفة.

 ومهما يكن السبب الأساسي، فمن الواضـح أن أعراض داء باركنسون تنجم، في المقام الأول، عن غياب الدوبامين بعد موت أكثر مما ينبغي من عصبونات المادة السوداء. وعلى هذا، فالوسيلة المباشرة لتصحيح هذا العيب- مؤقتا على الأقل- تكمن في زيادة مقدار الدوبامين حيثما الإمداد به ضئيل. وليس الدوبامين في حد ذاته بروتينا، غير أن الإنزيمات التي تركب هذا الناقل العصبي هي بروتينات. ولذا، فزيادة صنع أحد الإنزيمات الأساسية في تلك السيرورة (وهو هيدروكسيلاز التيروزين)، سيعزز تركيب هذه المادة  الكيميائية الدماغية الضرورية مادامت الخلايا  المنتجة للدوبامين في المادة السوداء باقية على قيد الحياة.

 ومع أن إعطاء السليف preursor ،  الكيميائي للدوبامين- المعروف بليفو دوبا L- dopa  يرفع مستويات هذا الناقل العصبي، فإن هذا العقار يؤثر في الدماغ بكامله، مسببا تأثيرات جانبية خطيرة. ويتمثل إغراء المعالجة الجينية في هذا السياق في أن التغييرات التصحيحية تحدث مفعولها داخل المادة السوداء حصرا.

 ويبذل العديد من العلماء جهودا جادة للإفادة من هذه الإمكانية. ففي دراستين حديثتين متشاركتين، أشار فريق مؤلف من خمسة باحثين إلى تحقيق نجاح في استعمال الفيروسات الحلئية كنواقل للجينات لتصحيح أعراض لدى جرذان سبق أن عولجت جراحيا بطريقة أدت إلى ظهور بعض أعراض داء باركنسون لديها. وقد أدى تطبيق المعالجة الجينية إلى زيادة إنتاج  الإنزيم المصحح وإلى رفع مستوى الدوبامين قرب الخلايا  التي كانت قد حرمت من هذا الناقل العصبي، ومن ثم خلصت الحيوانات جزئيا من اضطرابات الحركة.

 ومؤخرا استنبط >. E.D <بريدزن<، وزملاؤه (في معهد بيرنهام بكاليفورنيا) خطة أكثر تعقيدا. فلقد سبق أن برهن الباحثون على أن اغتراس (زرع) عصبونات من المادة السوداء لأجنة الجرذان، يصحح بعض العيوب الباركنسونية التي تم إحداثها جراحيا في الجرذان البالغة. وقد حالف النجاح هذه الاستراتيجية، لأن العصبونات الفتية النشطة قادرة على النماء وعلى إنتاج الدوبامين للخلايا المجاورة المحتاجة إليه ولكن مشكلة ظهرت: إذ لسبب ما، نزعت العصبونات المغترسة إلى تفعيل برنامج انتحار داخلي (وهو سيرورة سميت الاستموات apptosis، أو الموت المبرمج للخلية)، وماتت بعد حين " الأمر الذي دفع بريدزن.وزملاءه إلى إجراء معالجة جينية على العصبونات الجنينية قبل غرسها، وأمل الباحثون أن يجعلوا هذه الخلايا  تنتج كميات كبيرة من البروتين المسمى bcl - 2 الذي يكبت انتحار الخلايا .

 وكانت النتيجة مذهلة: فبعد مرور أربعة أسابيع، تبين أن الجرذان- التي تلقت طعوما معيارية standard grafts أظهرت تحسنا هامشيا في حين أبدت المخلوقات- التي حصلت على الجين المضاف إلى طعومها- تحسنا- جوهريا. ولكن معالجة داء باركنسون تتطلب فاعلية مديدة الأجل، فالمراد أن تبقى الطعوم حية لسنوات. ولقد  قام الأطباءفعلا بغرس خلايا من أجنة بشرية لمساعدة مرضى يعانون بشدة داء باركنسون، غير أن نتائج هذه المحاولات كانت مربكة. وربما أدى تحوير الخلايا  الجينية البشرية بجين أو جينين فاعلين (قبل اغتراسها) إلى جعل ذ لك الإجراء أكثر نجاحا.

التصدي للسكتة الدماغية

إن نجاح البحوث الجارية على الحيوانات يعزز الأمل في التوصل في النهاية إلى معالجات جديدة لداء باركنسون ولأمراض تنكسية أخرى تصيب الدماغ.
 

ومن المأمول أيضا أن تنجح المعالجة الجينية في إيقاف التلف النسيجي خلال الأزمات العصبية الحادة، كفرط التنبه المصاحب لنوبة الصرع أو فقدان الاكسجين والمغذيات nutrients) الذي يحدث خلال السكتة الدماغية. 

وضمن هذه الشروط، فإن أكثر الخلايا  عرضة للأذية في الدماغ هي العصبونات الكثيرة العدد التي تستجيب لناقل عصبي فائق التأثير، ويدعى الكلوتامات glitamate .وتقوم الكلوتامات عادة بتحريض العصبونات المستقبلة (المتلقية) على انتقاء الكالسيوم، الذي يسبب تغيرات طويلة  الأمد في استثارية exciltability المشابك  synapses التي ينبهها هذا الناقل العصبي. وفي الحقيقة، قد تكون هذه السيرورة الأساس الخلوي للذاكرة. 

ولكن خلال نوبة الصرع أو السكتة الدماغية تعجز العصبونات عن تنظيف( تطهير) المشابك من الكلوتامات أو عن التعامل مع الموجة العارمة للكالسيوم الذي يـغمر كثرة من خلايا الدماغ. وعوضا عن أن تـحدث الكلوتامات تغييرات فيزيولوجية في المشابك، فإنها تسبب- مع الكالسيوم- أذى خطيرا، ينجم عنه تقوض البناء الخلوي للعصبونات المتضررة، كما تفضي الجذور الاكسجينية المتولدة إلى نشر مزيد من التخريب. ويؤدي حينئذ هذا التخريب إلى قتل الخلايا  مباشرة أو يصدر إشارات لبدء برامج الانتحار الداخلي الذي يسبب موتا سريعا للعصبونات الواهنة. 

ولقد تفحص فريقنا إمكانية استعمال المعالجة الجينية لقطع هذا التسلسل المفجع للاحداث. ففي تجاربنا الأولى عزلنا بعض الخلايا  الدماغية من أحد الجرذان، وزرعناها في طبق بتري petri dish. ثم عرضنا هذه العصبونات لفيروس حلئي محور، تمت هندسته بحيث يحمل جين بروتين ينقل عبر الغشاء الخلوي جزيئات الكلوكوز الغنية بالطاقة. إن تطبيق هذا النمط من المعالجة على مريض يعاني أزمة عصبية، قد يزيد من تدفق الكلوكوز في الوقت المناسب الذي تستفيد فيه العصبونات المحاصرة أقصى فائدة من الطاقة الإضافية (التي تلزم لتأدية مهام عدة منها ضخ الكالسيوم الفائض خارج هذه الخلايا ).

 وبينت التجارب الأولى أن معالجتنا عززت امتصاص وتمثل الكلوكوز، وساعدت على الحفاظ على استقلاب صحيح في العصبونات التي تعرضت في أنبوب الاختبار لحالة تكافىء نوبة الصرع أو السكتة الدماغية. ووجدنا بعدئذ أن بإمكاننا الإقلال من أذى السكتة لدى الجرذان بوساطة حقن (زرق) الناقل vector الفيروسي في المنطقة الدماغية المعرضة للإصابة، وذلك قبل وقوع الإصابة. وبديهي أنه لا يمكن لأي شخص التنبؤ بوقت حدوث نوبة الصرع أو السكتة الدماغية. وطبقا لما اكتشفه > M  . لورانس < و >  R <داش  (عندما كانا يعملان في مختبرنا)، فإن هناك فسحة من بضع ساعات تلي نوبة الصرع، يمكن خلالها أن تساعد المعالجة الجينية للجرذان على حماية العصبونات من تلف إضافي؛ الأمر الذي يوحي كذلك بإمكان إفادة الإنسان، يوما ما من مثل هذا النوع من المعالجة.

 وهناك شكل آخر من المعالجة الجينية للسكتة الدماغية والرضح، trauma، يستهدف تنشيط برامج الانتحار الخلوي. وعلى نحو مستقل أنشأ كل من > J.H  فيدروف < (من جامعة روشستر) ولورانس (الذي كان يعمل مع فريقنا) نواقل فيروسية حلئية حوت الجين bcL -2الكابت للانتحار. وينزع استخدام هذا الناقل إلى حماية الخلايا  الدماغية للجرذان من الأذى عندما تحدث الأزمة العصبية، حتى ولو لم تبدأ المعالجة إلا بعد وقوع الأذية. 

وأشار الباحثون أيضا إلى تقدم قد يحول يوما ما دون الإصابة بما يدعى أمراض اختزان الشحوم  lipid storage diseases ، وهي اضطرابات جينية تسبب عيوبا في إنزيمات معينة وتؤدي إلى تراكم مميت للجزيئات الدهنية في الدماغ. ولاستكشاف مثل هذه المعالجات، أنتج الباحثون فئرانا تحمل طفرة mutation في الجين المكود لإنزيم الكلوكورونيداز بيتا (توجد هذه الطفرة الجينية لدى المصابين بالمرض النادر المسمى متلازمة سلاي sly). وقد اغترس > H.J < ولف  وزملاؤه (من جامعة بنسلفانيا) عصبونات جنينية هندست جينيا كي تنتج إنزيم الكلوكورونيداز بيتا في فأر مصاب. ووجد هؤلاء الباحثون أن الغرائس  implants أثبتت قدرتها على إزالة الشحوم المؤذية من دماغ ذلك الحيوان.

 وعلى الرغم من الخطوات العـديدة الأولية المشجعة لتطبيق المعالجة الجينية على الجهاز العصبي، تبقى هناك عقبات مختلفة. فمثلا، يستمر ظهور مشكلات جدية في هندسة النواقل الفيروسية. فلو أضعف الفيروس أكثر مما يجب، لغدا من الصعب احتفاظه بالقدرة الكافية على عدوى (إخماج) الخلايا . وإذا أضعف أقل مما يجب، لخرب الفيروس عصبونات العائل. ومادامت النواقل الفيروسية المتاحة حاليا يعاني كل منها إحدى هاتين النقيصتين، فلا بد من إدخال تحسينات كثيرة قبل أن يشرع العلماء بإجراء اختبارات آمنة على المعالجات الجينية في الأفراد الذين يكابدون مرضا عصبيا.

 وتبرز صعوبة أخرى، تعود ببساطة إلى كون الدماغ- الذي هو عضو حيوي وحساس- محفوظا ضمن جمجمة حصينة نسبيا. لذا، فإن حقن عقار علاجي مباشرة داخل النسيج المتأذي أمر غير يسير. ويلجأ معظم الباحثين الذين يجرون دراساتهم على الحيوانات، إلى الجراحة العصبية إذ يحفر ثقب في الجمجمة ويحقن الناقل مباشرة في الجزء الدماغي المعرض للخطر. ولكن من الواضح أن المرضى من البشر يتطلبون للمعالجة الروتينية طريقة أقل عنفا (بضعا) invasion. وعلى الرغم من إمكان إعطاء الناقل  عن طريق الوريد (إن أمكن تصميم الناقل ليدخل النسيج العصبي حصرا)، فمن غير المحتمل أن يتمكن الفيروس من اجتياز الحاجز الدموي الدماغي blood - brain barrie وهو شبكة متخصصة من الشعيرات capillaries لا تسمح إلا للجزيئات الصغيرة بالمرور إلى النسيج الدماغي. فإذا لم تتخذ إجراءات احتياطية أخري، فإن الناقل الفيروسي سيضيع بأكمله تقريبا في أمكنة من الجسم غير الدماغ. 

وحتى لو تم التغلب على هذه العقبات، لبقيت في الطريق عوائق أخرى فبعد وصول الناقل الفيروسي إلى مجموعة ما من العصبونات، فإنه يتوقف عندها ولايفارقها (بوسع الفيروسات القادرة على التنسخ replication أن تنتشر بسهولة في النسيج الدماغي، إلا أنه لا يمكن استعمالها في المعالجة الجينية لأنها تستثير على الدوام استجابة مناعية مخربة). فالناقل الفيروسي الآمن لا يجتاز  إلا باحة area محددة، ولايعدي بالتالي إلا نسبة ضئيلة من العصبونات. ولذا، فإن هذه الفيروسات غير مؤهبة بصفة خاصة للوصول إلى النسيج المريض. وفضلا عن ذلك، فإن معظم النواقل- التي تم تجريبها حتى الآن- لا يستمر فعالا إلا بضعة أسابيع كحد أقصى، وهي فترة قصيرة لا تكفي لمناهضة أمراض تنكسية بطيئة ولكنها معوقة. لذا، فإنه يجب على الباحثين إيجاد طرق لتحسين نشر هذه العدوى المهندسة  engineered ingection  ولزبادة فاعليتها وأمدها.

هل ثمة مفاجآت مستقبلية؟

 على الرغم من التحديات العديدة، فدراسات المعالجة الجينية لأمراض الجهاز العصبي- كمعظم الجهود الطموحة التي أصابت نجاحا مبدئيا- أشاعت بالتأكيد جوا من التفاؤل. وإذا ما بذلت جهود كافية، ربما تصبح المعالجة الجينية للدماغ في نهاية المطاف أمرا مألوفا.

 ويجدر التلميح إلى الاحتمالات المستقبلية، متمثلة ببحوث >  A بوركلند < وزملائه، في جامعة لوند بالسويد. إن هؤلاء ، الباحثين، الذين كانوا رواد تقنية اغتراس العصبونات الجنينية، هندسوا طعوما تنتج كميات ضخمة من عامل النمو العصبي. ثم اغترسوا بعض هذه الخلايا  المهندسة في  الجرذان البالغة، مستهدفين منطقة region فى الدماغ تعد أساسية للتعلم والتذكر وهي باحة  area تنتكس عادة ببطء خلال الشيخوخة aging العادية. وعلى نحو  رائع، تمخضت هذه المحاولة عن عكس خطة الانحطاط المعرفي (الاستعرافي) cognitive .

تقرير خاص
للجرذان المسنة

 ويشير ذلك النجاح إلى أن المعالجة الجينية قد تستخدم لا لتخفف حدة المرض فحسب ، بل ولتحسن الذاكرة والاحساس sensation والتناسق عند كبار السن. ولايزال أمام العلماء اليوم خطوات هائلة يجب أن ينجزوها قبل أن يأملوا باستعمال هذه الوسيلة لمساعدة المرضى المسنين وفي نهاية المطاف ، ربما يستطيع المعالجون الجينيون تطوير أدوية فعالة تعيد الشباب إلى الأدمغة الشائخة .

وربما غدت معالجات كهذه قادرة أيضا على جعل عقول الناس الأصغر سنا تعمل على نحو" أفضل من جيد. " (1). ويتطلع المشتغلون في مجالات البحث الطبي إلى تحسين وظيفة الدماغ العادية، بترقب يشبه ترقب صندوق باندورا (2). ولكن سيصعب تجنب هذا التوقع واحتمال سوء استعماله، إذا ما استمر العلماء في متابعة المعالجات الجينية الموجهة نحو أمراض عصبيه نوعية ولذا، فإن المزيد من بحوث تطبيق المعالجة الجينية على الجهاز العصبي، شأنها شأن التوجهات الأخرى السريعة التقدم في سيل البحوث الطبية الحيوية، ستثير بالتأكيد وبقوة تساؤلات أخلاقية مربكة.