ثالثا: الاقتراب من السابقين ثم اللحاق بهم والعيش بينهم:-

وهذا هو الرجاء، وتلك هي الغاية التي يطلب بلوغها علي طريق الملاحقة التكنولوجية. وتعتمد الإسهامات التي يتكون منها الاقتراب المطلوب علي الخبرة المتراكمة نتيجة الأعمال الموصى بها آنفا تحت المرحلة التحضيرية (أولا)، وتلك التي تتكون منها ممارسات الملاحقة التكنولوجية (ثانيا). كما يتدعم ذلك التراكم بما يستفاد من معارف جديدة عن الاتجاهات الدوائية الحديثة عالميا. ومحور العمل في مؤسسة البحث والتطوير في المرحلة الجديدة هو الاجتهاد لتوليد معارف علمية جديدة عن كيانات دوائية جديدة يحتمل نفعها.ولا يستبعد أن تكون هذه المعارف ذات قيمة تجارية محدودة، ولو في القليل منها. فقد تتكون من إسهامات التطوير والتحسين الهامشية (Incremental improvements) أو ذات القيمة الاقتصادية قصيرة المدى، كما قد يكون بالتالي كافيا لحمايتها استخدام براءات نماذج المنفعة (وهي مرتبة أقل من مرتبة براءات الاختراع).

كذلك قد تتكون الإسهامات من تطويرات أو تعديلات محدودة في بنية الكيانات الكيميائية الحديثة، التي لا زالت تحميها براءات اختراع نافذة . وفي كل التطويرات أو التحسينات، ولو كانت هامشية، وكذلك التعديلات المستطاعة للكيانات الجزيئية للكيماويات الدوائية الحديثة، يعتبر المضاف كله مستحيل التحقيق بغير السيطرة المسبقة علي العلم السابق (وهو المضاف إليه). والعلم السابق نجده في براءات الاختراع الساقطة في الملك العام، وكذلك في البراءات الحديثة التي تحمى أحدث الحديث من المنتجات الدوائية. وباتباع أسلوب الهندسة العكسية، بهدف استيعاب المضامين العلمية والتكنولوجية في البراءات الحديثة، يحدث التعلم وتكون السيطرة، ومن ثم تكون الإضافة واردة ومنطقية.

وحيث تقتصر المعالجة الحالية علي المستطاع - أو ما يجب أن يكون مستطاعا - من أنشطة البحث والتطوير التي تؤثر في حالة الدواء في بلادنا، كى تتحقق من خلالها النقلة النوعية والكمية التي نرتجيها فإننا لا نخاطب بأي تفصيل المعالجات بعيدة المدى وذات الآفاق الاستراتيجية الممتدة في المستقبل، والتي تتطلب بطبيعة الحال إرادة وإدارة وموارد أكثر تعقيدا مما خاطبناه حتى الآن ولكنها لا بد وأن تستفيد من كل التراكمات المعرفية السابقة وتبنى عليها فتلك هي خبرة التاريخ في كل الارتقاء الذي حدث في بلاد العالم الصناعى، المتقدم في مجال الدواء وغير الدواء.

ومن المؤكد أن إسهامات المرحلة الجديدة في مستوياتها الأرقى لا بد وأن تستخدم أفضل القدرات الإبداعية ومنجزات العلوم الأساسية في مؤسسة البحث والتطوير التي تنهض بتلك المسئولية أو تشارك فيها. فذلك هو السبيل، ولا سبيل سواه، للخروج إلي العالمية دوائيا، كما أنه جواز المرور إلي التصدير واقتحام أسواق الآخرين. ويحدث ذلك بخطوات لا بد وأن تكون حريصة ومتدرجة - بمنتجات دوائية جديدة قد تتضمن أصولا كيميائية جديدة تستحق بذاتها أن تنال الحماية كغيرها من المنجزات العالمية.وتلك هي الذروة في مجال البحث والتطوير الدوائي ، كما انها أعظم الإسهامات قيمة ومقاما وأعظمها كلفة في نفس الوقت

وأكثرها مخاطرة، ولكنها أعظمها مردودا من الناحية الاقتصادية وضمانا للمشاركة العالمية وتواصلها. وفي ذلك المستوى من العمل العلمي دور بالغ الأهمية للمؤسسة الأكاديمية (في الجامعات علي وجه الخصوص) التي تؤهلها طبيعة الوظيفة لهذا النوع من الممارسة، جنبا إلي جنب مع مؤسسة البحث والتطوير التي تعمل بالاحتراف والتفرغ.

ونظن أننا نعيش زمن الفتوحات العلمية الكبيرة في ميدان المنتجات الدوائية، مما يلزم أن تتنبه له مؤسستنا الوطنية وتعمل للأخذ بوسائله لإخراج الجديد (وقد يكون الأقل كلفة) من الكيانات الجزيئية الجديدة وبالغة الفاعلية (انتقائيا). ومن ذلك الاختبارات البيولوجية المتطورة التي تستخدم الأنسجة والخلايا المعزولة، واستخدام الكومبيوتر في تصميم الجزيئات ذات الفاعلية المتخصصة (Computer-aided molecular drug design) والكيمياء التوافيقية (Combinatorial chemistry)، ناهيك عن التكنولوجيا الحيوية والهندسة الوراثية وروائع المنتجات الدوائية التي باتت قادرة علي إخراجها لصالح الإنسانية وقد دلفت إلي القرن الحادي والعشرين