|
حقوق التسويق الاستئثارية في مجال
الـدواء (المادة رقم 70 – 8،
9) نناقش
فيما يلي موضوع حقوق التسويق الاستئثارية
(ويخص مجالي الدواء والمنتجات الزراعية)
الذي سوف تعرفه بالضرورة بلادنا في القريب
العاجل، لأنه من لوازم الظروف
الاستثنائية التي تصاحب الفترة
الانتقالية. وللموضوع حساسيته، حيث كان بالفعل
موضوعا للشكوى (والتحكيم) التي عرضت في حق
بعض الدول علي جهاز فض المنازعات بمنظمة
التجارة العالمية. فقد
استحدثت اتفاقية تربس نوعا من الحماية
التي تسبغ(من خلال التسويق) علي الأنشطة
التجارية التي تترتب علي استغلال
الاختراع الدوائى، ولكنها تحق وتمارس قبل
أن تصدر للاختراع براءة تحميه من التعدي ،
بل وبدون الحاجة الفعلية لأن تصدر له
براءة.وتلك هي حقوق التسويق
الاستئثارية (Exclusive
marketing rights) التي ينص عليها
في المادة رقم (70-9) من الاتفاقية. وظاهر
الأمر هو أن هذا النوع من الحقوق
المستحدثة التي جاءت بها الاتفاقية يوفر
لصاحب الاختراع الدوائي فرصة حمايته وهو
في هيئة سلعة يجرى بالفعل تداولها في
أسواق الدول التي تستفيد من الفترة
الانتقالية، والتي بالتالي لا تسمح
بالحماية بمستوياتها الجديدة (الأعلى)
التي تفرضها الاتفاقية إلا بعد انقضاء تلك
الفترة.والأثر المباشر لهذا الاستحداث هو
تقريب المسافة الزمنية بين استغلال
الاختراع الدوائي (بالإنتاج والتسويق) في
الدول التي لا تحتاج لفترة الانتقالية
وتلك التي تحتاجها. وفي
التطبيق العملي لنيل والاستفادة من حقوق
التسويق الاستئثارية ، يكفي أن يودع صاحب
الاختراع الدوائي (بصرف النظر عن جنسيته
أو البلد الذي تحقق فيه الاختراع) لدى مكتب
براءات الاختراع طلبا للحصول علي براءة
لحماية اختراعه. وفي الظروف السائدة في
البلاد النامية، حيث تستفيد معظمها من
الفترة الانتقالية بكامل طولها (تبدأ أول
يناير 1995، وتنتهي آخر ديسمبر 2004)، فإن
الطلب سوف يودع دون أن يتعرض للفحص لدى
مكتب براءات الاختراع في "صندوق البريد"،
ويشرع في فحصه فقط بعد بدء تطبيق
الاتفاقية في الدولة. وبناء
علي إيداع الطلب، المشار اليه، يتقدم
صاحبه للسلطات المعنية (الصحية) بطلب
الحصول علي حقوق استئثارية لتسويق المنتج
الدوائي محليا، وهي حقوق تمنع الغير من
استغلال ذات المنتج لأغراض التجارة. وعلي
صاحب الطلب أن يقدم ما يثبت أن المنتج
الدوائي نال ذات الحماية ببراءة اختراع
صادرة في بلد آخر (أي بلد آخر) عضو في
اتفاقية تربس، وأنه قد نال الموافقة علي
تسويقه في ذلك البلد الآخر، كل ذلك بعد أول
يناير 1995.
وبناء علي ذلك تنظر السلطات المعنية (الصحية)
في الموافقة علي تسويق وتداول المنتج
محليا. ولكن الاستخدام العملي لهذه
الموافقة لا يتيح لطالبها تسويق المنتج
الدوائي إلا لمدة خمس سنوات علي الأكثر،
تنتهي قبل ذلك الأجل في حالة صدور قرار
مكتب براءات الاختراع بقبول أو برفض طلب
الحصول علي براءة . ونظرا لدقة الموضوع،
نقدم فيما يلي مزيدا من التفصيل. مناقشة
الضوابط التي تحكم حقوق التسويق
الاستئثارية: - يتضح
مما تقدم، في شأن طلب الحصول علي حقوق
التسويق الاستئثارية، أمر الرابطة
الإجرائية بين الفقرتين (8)، (9) من المادة
رقم (70) في الاتفاقية، حيث تنص الأولى
منهما علي وجوب إنشاء آلية (باتت تسمى
صندوق البريد) لإيداع طلبات الحصول علي
براءة اختراع في مجال الدواء، وذلك
بالنسبة للبلاد التي تستفيد من الفترة
الانتقالية (التي تبدأ من 1/1/ 1995) وقد تمتد
بكامل طولها (حتى 31/12/2004) ويبدأ بعدها
التطبيق الكامل لكل أحكام الاتفاقية.
ونسعى في المناقشة الحالية لبيان بعض
جوانب الضغوط والمخاطر التي قد تصاحب مطلب
وممارسة حقوق التسويق الاستئثارية في
مجال الدواء. وحيث
أن كل الدول تسمح بتداول وتسويق المنتجات
الدوائية بعد استيفاء شـروط تحددها
القوانين واللوائح المحلية، حفاظا علي
صحة المواطنين، فإنه يتعين علينا في
بلادنا أن نتبين حقيقة الفوارق بين
التسويق العادي (المألوف) واشتراطاته ،
وبين التسويق الاستئثاري –
الذي استحدثته الاتفاقية- واشتراطاته وما
يترتب عليه من حقوق والتزامات وهو صحيح أن
السلطات الصحية في معظم الدول تشترط أن
يكون المستحضر المطلوب تسجيله، تمهيدا
لتسويقه، متداولا بالفعل في بلد المنشأ أو
في واحدة علي الأقل من مجموعة الدول التي
تمتلك أجهزة للرقابة الدوائية المتطورة
أو المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء
الأمريكية (FDA)
وفي مقابل ذلك نجد أن الاتفاقية (في المادة
70-9) تقول انه يكفي أن يكون المستحضر الذي
تطلب له حقوق تسويق استئثارية موافقا علي
تسويقه في بلد (أي بلد) عضو في الاتفاقية،
ولا تقول بضرورة توافر أجهزة للرقابة
الدوائية ذات مستوى معترف به دوليا في ذلك
البلد، ولا باشتراط التسويق في بلد المنشأ.
ولا يستبعد أن يفضي ذلك التباين إلي بعض
التناقض في المواقف وربما لبعض الاختلاف
حول حقوق التسويق الاستئثارية عند طلبها
والنظر في الاستجابة لها. فالضرر محتمل
وقوعه إذا كان طالب تلك الحقوق، حتى لو كان
منتسبا لدولة من العالم المتقدم، قد سبق
له تسويق منتجه الدوائي في دولة عضو في
الاتفاقية تتساهل (وربما تتهاون) في
إجراءات الرقابة الدوائية. الإجراءات
الواجبة: - لم
تورد الاتفاقية، في المادة (70-9)، أي
اشتراطات للحصول علي حقوق التسويق
الاستئثارية تخص موضوع أو مضمون طلب براءة
الاختراع المودع في "صندوق البريد"،
وما إذا كانت هناك حاجة لفحص الطلب ولو
بصورة مبدئية لمعرفة ان كان جادا ومستحقا
للإيداع في الصندوق، ومرتبطا بالمنتج/
المستحضر الدوائي الذي تطلب له حقوق
التسويق الاستئثارية. وبالتالي فهناك حاجة للتثبت مما يلي
تحقيقا للهدف من شرط وجود طلب لبراءة
الاختراع مودعا في الصندوق: أ-
ان هناك طلبا مودع حقا في الصندوق بعد 1/1/1995
(علاقة إجرائية). ب-
ان موضوع ذلك الطلب يغطى المنتج / المستحضر
الصيدلي الذي يطلب له الحصول علي حقوق
التسويق الاستئثارية (علاقة موضوعية)ويعنى
ذلك من الناحية العملية حاجة مكتب براءات
الاختراع لأن يطلع علي محتوى طلب البراءة
لتأكيد ارتباطه بالمنتج الذي تطلب له حقوق
التسويق المشار إليها. ويفيد لهذا الغرض
أن يوضح المتقدم بطلب الحصول علي حقوق
التسويق الكيفية التي يرد بها ذكر المنتج /
المستحضر في طلب البراءة وموقعه فيها حتى
يتسنى لمكتب براءات الاختراع إصدار شهادة
بذلك. فمن المعروف ان كثيرا من طلبات
براءات الاختراع في المنتجات الدوائية
الجديدة تورد أعدادا كبيرة وتنويعات
عديدة من الكيانات الجزيئية التي تطلب
حمايتها، بينما يحظى بالإنتاج الصناعي
والتسويق التجاري منها منتج واحد فقط
وربما اثنين أو ثلاثة ولا يعتبر العمل
الذي يقوم به مكتب براءات الاختراع، في
هذا الصدد ولذلك الغرض، فحصا للطلب على أي
مستوى، وإنما يهدف ذلك العمل فقط لتأكيد
الارتباط الموضوعي بين طلب البراءة وبين
المنتج الدوائي الذي يطلب صاحبه نيل حقوق
التسويق الاستئثارية. كذلك
هناك احتمال غير مستبعد أن يجرى بالفعل
تسويق المنتج الدوائي في الدولة
استئثاريا (أي باستبعاد الأغيار)، تنفيذا
لنص المادة(70-9)، وربما لمدة خمس سنوات
كاملة تبدأ خلال الفترة الانتقالية
(1/1/1995-13/12/2004) ثم يتضح عند فحص طلب البراءة
بعد 1/1/2005 ان الاختراع غير جدير بالحماية
لعدم توافر أركانها المنصوص عليها في
قانون براءات الاختراع الوطني المتوافق
مع أحكام المادة رقم (27) من الاتفاقية،
ويرفض الطلب تأسيسا علي ذلك. إذا
نال طالب حقوق التسويق الاستئثارية
الموافقة علي طلبه بناء علي استيفاء
الاشتراطات أو الضوابط المشار إليها من
قبل، فإن تلك الحقوق تستمر لمدة خمس
سنوات، لا تزيد، محسوبة من تاريخ الحصول
علي الموافقة التسويقية. ولا تنقضي تلك
الحقوق إلا في حالة قرار من الدولة بإيقاف
استخدام المنتج الدوائي(لأي سبب يتصل
بالصحة العامة ومصالح المستهلكين) أو في
حالة صدور قرار مكتب براءات الاختراع
بقبول طلب الحماية أو برفضه. ذلك ان حقوق التسويق الاستئثارية مرتبطة
إجرائيا وموضوعيا بوجود طلب البراءة
مودعا في "صندوق البريد" وبقائه فيه.
فإذا أخرج الطلب من ذلك الصندوق وتم البت
فيه، حتى بالقبول وإصدار البراءة، فإن ذلك
يتسبب تلقائيا في إيقاف وإنهاء حقوق
التسويق الاستئثارية. ومن
المهم تأكيد حقيقة أن أحد شروط الحصول علي
حقوق التسويق الاستئثارية ، وهو أهمها
بالنسبة للمصلحة الوطنية، هو الموافقة
التي تصدرها السلطات الصحية في الدولة علي
تسجيل وتداول المنتـج الدوائي. ولهذه
السلطات ضوابطها ومتطلباتها التي يتعين
علي المنتج الدوائي أن يخضع لها. ورغم الثغرات التي قد تتضح وقت التطبيق
العملي لأحكام المادة (70-9) وقد تثير القلق،
فإن الدقة في إنفاذ الاشتراطات الصحية،
وهي حق سيادي للدولة، هي العاصم الحقيقي
لحياة وصحة المواطنين والمانع من أي
تجاوزات.
وحتى بعد منح حقوق التسويق الاستئثارية ،
فإن مراعاة واحترام تلك الحقوق من جانب
المجتمع يجب أن يتوازى مع مراعاة واحترام
صاحبها لواجباته إزاء المجتمع.
فإن وقعت تجاوزات في أداء تلك الواجبات (بسبب
التقصير في إتاحة الدواء بمقادير كافية،
أو الامتناع عن إنتاجه، أو المغالاة في
الثمن الذي يتقاضاه من المستهلك، أو غير
ذلك مما يعد في باب إساءة استخدام مركز
القوة الذي يتمتع به صاحب الحقوق
الاستئثارية) فإن علي الدولة أن تتخذ من
الإجراءات التي تحق لها للحد من تلك
الممارسات الضارة ومنها الإجراءات التي
تماثل التراخيص الإجبارية أو تقع في
بابها، أو إبطال الترخيص الاستئثارى كلية. ومن
الأمور التي لم يتضح وجه اليقين فيها بعد،
ولا زالت لهذا السبب موضع خلاف في الرأي،
ما يحدث إذا وقع تعد علي الحقوق
الاستئثارية وقت الانتفاع بها، بقيام طرف
ثالث بإنتاج وتسويق ذات المنتج بدون تفويض
من صاحب الحقوق. فهذه مسألة لم تتعرض لها
الاتفاقية علي نحو صريح، ويجوز بالتالي
الاجتهاد فيها. فالاستئثار في
ممارسة الحقوق التسويقية يعنى من الناحية
النظرية منع الغير من الإنتاج والتجارة في
ذات المنتج. ولكن ذلك يصل بالحقوق إلي
المستوى الذي يترتب علي وجود الحماية
ببراءة الاختراع، التي هي في حقيقة الأمر
لم تصدر بعد، والتي من الجائز أيضا أن يرفض
إصدارها بعد الفحص بسبب عدم توافر الأركان
القانونية للقابلية للحماية.
ويرى بعض أهل الرأي ان ما يحق ان يحصل عليه
صاحب الحقوق الاستئثارية في حالات التعدي
هو تقاضى إتاوات مالية من الأطراف الثالثة
المتعدية، دون أن يملك منعهم من الإنتاج
والتجارة بالنسبة لذات المنتج الدوائي. ومن المؤكد ان الطرف الثالث المتعدى لن
يكون في استطاعته أن يطال المنتج الدوائي (دون
ترخيص من صاحب الحق) بعد أن تصدر براءة
اختراع لحمايته، لأن إجراءات عقابية
جنائية، وليس إجراءات مدنية، ستوقع وقتئذ
علي الطرف المتعدى وقد تكون هذه الحقيقة
هي أهم ما يمنع الأطراف الثالثة من
الاستثمار، أو التمادي فيه، بالإنتاج
والتجارة في السلعة الدوائية التي ينال
صاحبها حقوق التسويق الاستئثارية أثناء
الفترة الانتقالية. ورغم
ان التجارة في السلعة الدوائية بتداولها
في السوق المحلية علي أيدي الأطراف
الثالثة التي لا يرخص لها صاحب الحقوق
الاستئثارية بذلك تعتبر اعتداء علي تلك
الحقوق، فإن هناك من أهل الرأي من يرى أن
إنتاج ذات السلعة الدوائية قد لا يعتبر
اعتداء إذا كان ذلك الإنتاج موجها للتصدير
لغرض التجارة مع أطراف ثالثة خارجية .
|