|
المسعى الجوهري لمؤسسة البحث والتطوير الملاحقة
العلمية والتكنولوجية: - يهمنا
في الموقع الحالي أن تكون واضحة أمامنا
حقيقة الدور الذي تقوم به مؤسسة البحث
والتطوير…هو الدور الذي نلح علي أنه
يختلف، ويتمايز بصورة لا يصح أبدا التغافل
عنها، فيما بين المجموعات الدولية حسب
المكانة التي بلغتها علي سلم الارتقاء
التكنولوجي . ونستهدف
من ذلك أن نتعرف علي حقيقة الدور الذي تطيق
القيام به المؤسسة الوطنية التي نمتلكها
في بلادنا، فنطالبها بأن تكثف العمل الذي
يحق لنا، ومن ثم يجب عليها، أن تقوم به،
دون مواربة أو ادعاء أو مغالاة أو السير في
غير الاتجاه الصحيح. وأما التمايز الذي نطلب أن نكون علي أشد
حالات التنبه إلي حقيقته، فهو بين، نوعيات
ثلاث من المؤسسات: أ)مؤسسات
الإبداع (Innovation)، في بلاد العالم
الأول الصناعي التي تمارس البحث العلمي
والتطوير التكنولوجي في مواقع الصدارة (ويشار
إليها بتعبير Leading-edge R&D
وهي لذلك رأس الحربة التي تمتلكها الدول
المتقدمة وشركاتها الرائدة، وهي تعيش
أحداث العصر(بل تصنعها)وكلها أحداث علمية
اختراقية ، تتبعها أحداث تكنولوجية
باهرة، تتلوها منتجات سلعية وخدمية
جديدة، يكفي مجرد عرضها والتعريف بها لخلق
الطلب الهائل عليها.وقامت اليوم الشرعية
الدولية الجديدة (شرعية الجات) لحمايتها
وتكريس مصالح المبدعين لها. ونجد
لهؤلاء المبدعين في مجال الدواء النصيب
الأكبر في الأرباح التي تحققها صناعة
الدواء علي المستوى العالمي ،
ونجد أن نصيبهم يفوق مجمل الدخل
القومي لعدد من دول العالم النامي . فهم
أصحاب الكيانات الكيميائية المفردة
الجديدة (أنظر نموذج السلدينافيل، الذي
يحمل منتجه التجاري اسم الفياجرا)
والمجموعات الكيميائية الجديدة (أنظر
نموذج مجموعة Quinolone antibiotics)،
وغير هذا وذاك الكثير. ب)
مؤسسات الملاحقة (Catch-up) حيث يتعقبون
إنجازات المبدعين ويستوعبون العلم
والتكنولوجيا التي يحققها السابقون والتي
تتجسد في هيئة السلع والخدمات التي يخرجون
للأسواق. وهي مؤسسات تمارس البحث والتطوير
علي مستوى التابعين (ويشار إلي نشاطها
بتعبير Trailing-edge
R & D ).وهي لذلك مؤسسات المحاكاة التي تستخدم
قدراتها (بعد الاستيعاب) في تحقيق
الإضافات (حيث يكون إنجاز السابقين هو
المضاف إليه)، وتعمل في الأغلب في نفس
المجالات التي تزاولها مؤسسات المبدعين. والمحاكاة في الإطار الحالي من المفاهيم
(وبكل السماحة والإيجابية والخير والحلال
الذي يتضمنه هذا التعبير) تعنى الاجتهاد
علي طريق الملاحقة أكثر منها علي طريق
الإنجاز الريادي الذي هو شأن المبدعين،
ولا يقصد بها أبدا (كما قد يفهم من اللفظ
العربي) التقليد المذموم أو الغش التجاري. والمؤسسات
هذه، إذ تعتمد علي اجتهادات البحث
والتطوير التابع(أو الملاحق)، هي التي
تخرج منها - في مجال الدواء علي سبيل
المثال - منتجات الصف الثاني أو الجيل
الثاني (وتعرف كثيرا باسـم (Me-too drugs)
التي قد يكون لها حظ وفير في تحقيق مبيعات
وأرباح قد تفوق في بعض الأحيان منتجات
الصف الأول أو الجيل الأول منها. ومن
طبيعة الأشياء والحقائق المعاشة أن هذا
النوع من المؤسسات. التي تعتمد علي
ذلك المستوى من أنشطة البحث والتطوير. قد يتغير حالها مع الوقت فترتقى (اذ هي
تمتلك بالفعل مزايا الدفع الذاتي) لتكون
من بين مؤسسات المبدعين. كما انها، إذا لم
تستفد من ميزة الدفع الذاتي وخصائص
الملاحقة، معرضة لأن تنزلق لتكون من بين
مؤسسات التخلف (المعروض أمرها أدناه) تبعا
لدرجة ومستوى استثمارها في البحث
والتطوير والرؤى الاستراتيجية التي تتكون
لدى أصحابها من القيادات والممارسين . ج)
مؤسسات التخلف (Laggards) التي تعجز عن أي
إبداع وحتى عن المحاكاة لأنها تفتقر إلي
القدرة علي الملاحقة، ناهيك عن أي سبق.وإذا
ما وجد شئ من ممارسات البحث والتطوير في
تلك المؤسسات، فهي غالبا ما تقتصر علي
أنشطة للبحث دون تطوير حقيقي لنتائجه، رغم
كل ما يزعمه الممارسون تبريرا لما يفعلون.
وتجد النموذج المعبر عن تلك الحالة في
مؤسسات تحمل لافتة البحث والتطوير،
وحقيقة العمل العلمي فيها هو البحث ثم
البحث، والبحث من أجل البحث…
وكله عمل أكاديمي الطابع وذاتي التوجه، أو
يبتغى الارتقاء بالذات قبل الارتقاء
بالاقتصاد الوطني، وهو
لذلك لا يقصد ملاحقة أحد أو حتى
الإلمام بما ينجزه الآخرون من منتجات
الجيل الأول أو الثاني. والمجتمع الذي
يمتلك هذه المؤسسات ليس له من سبيل لحيازة
الدواء سوى استيراده جاهزا تام الصنع
والتغليف، أو استيراد مكوناته الفعالة
وتحويلها إلي أشكال ومستحضرات صيدلية. وبهذا
التصنيف، الذي يمايز بين أنشطة البحث
والتطوير نقرر أنه في عالمنا المعاصر لا
يملك مجتمع يرجو البقاء إلا أن يجتهد من
أجل المشاركة من خلال الفعل ولو ببعض
الفعل، حتى لا يبقى في مقاعد المتفرجين
المبهورين، وحتى لا تكون أرضه مجرد سوق
تروج فيها سلع الآخرين والدعوة المؤكدة
إذن هي التنبه إلي حقيقة الأحداث
ومضامينها وعواقبها.
والتنبه المقصود لا يكون له قيمة ولا معنى
ولا مردود إلا بالاجتهاد المستميت
للملاحقة: ملاحقة السابقين في ذات موضوع
السبق الذي حققوه ويحققونه كل يوم.ولا نظن أن هذه الخلاصة تصدق
أكثر من صدقها في مجال الدواء، إبداعا
وإنتاجا وتجارة. ويقتضي
ذلك - في مجال الدواء، كما في كل مجال
للاقتصاد يتأسس علي العلم والتكنولوجيا -
أن يحدث الاتجاه المنظم نحو مؤسسة البحث
والتطوير الوطنية، بتكثيف الطلب علي
خدماتها، والاستثمار الجاد فيها،
باعتبارها ذراع المجتمع الذي تبـذل من
خلاله جهود الملاحقة، والذي يمكنه
بالتالي مواجهة الأحداث القادمة بقدر
كبير من الإيجابية والاستجابة الفاعلة،
ليساعد المجتمع الكبير في ألا يظل أسيرا
للتبعية وأن يتخلص من حالة الاعتمادية
التكنولوجية التي عشناها حتى الآن. ونخلص
من ذلك إلي رؤية أن أهم واجبات مؤسسة البحث
والتطوير- بالنسبة لحالة الدواء في بلادنا
والهدف الاستراتيجي الذي يرجى خدمته
بالتحضير له ثم الوصول إليه. تتضمن
الإسهامات الجوهرية التالية، التي تنفذ
تباعا وأيضا علي التوازي لتكون لها
نتائجها المتراكبة والتراكمية، وتكون لها
بالتالي آثار متضاعفة مع الوقت بإذن الله. |