الزهراوي الطبيب والجراح
ومنتجات الممالك الطبيعية الدوائية وتصنيعها

الدكتور/ سامي خلف حمارنه، والممرضة نزهة توفيق حمارنه 
الولايات المتحدة الأمريكية

شرح وتقييم المقالة الثامنة والعشرين:-
لقد نعت كتاب الزهراوي الكبير، " التصريف لمن عجز عن التأليف " بأنه دائرة معارف طبية تعتبر من أشهر مآثر القرن 4 هـ/ 10 م وأكثرها أصالة. ولكن مؤ رخي المهن الصحية بالرغم من معرفتهم لأهمية هذا الكتاب ككل، فإنهم لم يعيروا اهتماما كافيا للمقالة الثامنة والعشرين أو لشرحها فلهذا رأينا في هذه المحاولة أن نقدم لها تحقيقا وتقويما مفصلا مع إظهار القيمة العلاجية حول تصنيع العقاقير من الممالك الطبيعية الثلاثة وتحضير المركبات الكيمائية والصيدلانية وتبيين المعالجة الدوائية النافعة لشفاء المرضى أو لأجل وقايتهم من الأسقام والأوجاع الجسدية والروحية معا. والمقالة تبحث عامة في إصلاح الأدوية المفردة والمركبة من معادن ونبات أو حيوان، ومع أنه لا يتسع المجال أثر مما تسمح به مقالة صغيرة كهذه في التبيان نكتفي بذكر أشهر العلاجات والمستحضرات والمستخلصات ولا سيما الخاصة بالأحجار المعدنية راجين أن نعطي تفصيلا آخر في مقال لاحق، أما الآن فنستنتج الترتيب الذي قدمه الزهراوي نفسه مبتدئين بما هو مختص في تدبير الأحجار المعدنية خاصة من غسل واحتراق وترتيب (من ناحية تصنيع المركبات الصيدلانية) وطرق الشئ والمستحضرات العلاجية النافعة الحاصلة منها، ولا يسعنا هنا إلا ذكر بعض أمثلة بأوجز العبارات. أما الاقتباسات فإما أن توضع بحسب النص أو بحسب المعنى المقصود مع التوضيح والتفسير كما ورد في المخطوطات الأصلية حسب الأبواب الثلاثة التابعة:- 

الباب الأول: من المقالة الثامنة والعشرين للتصريف:

نبدأ هنا بذكر مادة المرداسنج وهو المرتك (أو المرتك) معربة من الفارسية fused or amorphous lead litharge أي أكسيد الرصاص المتبلور monoxide جزئيا نتيجة لانصهار السيد غير الكامل ومنه ما هو بلون برتقالي فيعرف بالذهبي في الأندلس وهو الأفضل وإذا عمل منه المراهم مال إلى البياض ويكون غاية الجودة بسبب التفاعل الحاصل. ومنه ما هو بلون فضي ويرجح أنه بسبب المواد المختلطة معه فيكون المرهم منه يأتي أسود قبيح المنظر " إذا أردت غسله وتبييضه فخذ الذهبي منه الجيد الثقيل الوزن النقي من الرصاص واسحقه بالرض والدق كرض الفول (الباقلى) وضعه في قدر جديد وصب عليه الماء وألق عليه قليلا من الحنطة وحفنة من الشعير وضع الجميع في خرقة نظيفة رقيقة واربطها في الداخل عند حافة القدر واطحنها الى أن تنفلق الحبوب ثم يرفع ما في القدر في وعاء واسع وتطرح الحبوب ويغسل ما تبقى بالماء مع الدلك الشديد ثم يجفف ويسحق في صلاية أو هاون، بعدها يصب عليها الماء الساخن مع مداورة السحق إلى أن يرق وينحل في الماء حيث يترك جانبا حتى يصفو فيصب عنه الماء ويعاد يسحقه النهار كله " وفي الماء يصب عليه ماء ثانية ويترك ساعة أخرى ثم يصفى عنه ويفعل ذلك به ثلاث مرات بالنهار إلى سبعة أيام متوالية " بعدها يخلط معه شيء من السمن ودرهمان من الملح الانداراني ويعاد صب الماء الحار مع التصفية حتى يبيض المسحوق ويداوم حتى لا يبقى فيه شيء من النداوة ويرفع.

وللشرح نقول إنه بواسطة صهر الرصاص يحصل أكسيد الرصاص بشكل مسحوق متبلور أصفر اللون إلى البرتقالي الفاهي ومع انه قليل الذوبان في الماء فانه يذوب قي السمن أو في أي مادة عضوية كالسكر والحنطة والشعير، ثم مع التفاعل مع أكسيد الفحم Co2 تحدث كربونات الرصاص، ويستخلص أيضا ملح حديدوز الفضة كالفاليناس (الغاليتة) وهي كبريتات الرصاص بمعاملتها مع الرصاص في الآتون حيث ينصهر كمسحوق أصفر فاهي أو برتقالي اللون أي أكسيد الرصاص الأصفر المستعمل لعلاج الأورام والقروح الملتهبة.

الاسفيداخ:-
cerue, white, or basic lead carbonat 2Pb Co3 Pb (OH)2

هنا نذكر طريقة عمل الاسفيداج وحرقه وغسله حاسب اختبارات الزهراوي والطريقة المتبعة في زمنه، فيقول: أن تؤخذ خابية أو أكثر واسعة الفم جدا ويكون فمها أوسع من أسفلها وتوضع في كوخ مظلم لا يدخله الريح قد مليء بزبل الغنم كي تحيط به كل خابية من جميع الجوانب إلى ثلث أو نصف علوها وفي قاع كل خابية " ويوضع شىء من خل قديم مع درديه ويلقى عليه العنب الأبيض خاصة الذي تناهى نضجه ويتجنب العنب الأسود منه لأنه يفسده ثم تضع برذعة من أكيسة أو صوف كالدائرة محكمة على قدر فم الخابية وتثقب فيها عشرين الى ثلاثين ثقبا ويعلق في كل ثقبة شريطة وفي طرف كل صفيحة من رصاص يكودن طول الصفيحة حوالي ثلثي شبر وعرضها غلظ أصبع أو نحو ذلك وتعلق لمسافة نحو ثلاثة أصابع فوق وجه العنب ثم تغطى الخابية بغطاء ثان من لبد وكيسا ويستوثق منها يعما لئلا يدخلها إطواء أو الريح ويسد الباب سدا محكما ويترك قدر عشرة أيام على مقدار ما يكون الهواء حارا أو بارد أ. ثم تكشف أغطية الخوابي وترفع البرذعة مع الصفائح برفق ويتحفظ من بخار الخوابي فانه مؤذ للدماغ فتجد الصفائح قد علاها اسفيداج أفى كن إلى السواد فتخرج جميع الصفائح برفق واحدة واحدة ثم  تقيدها على الهيئة بعينها وتتركها أيضا تلك المدة ثم تخرجها وتجردها وتفعل ذلك حتى إذا فى الرصاص تبدلت بصفائح جديدة ويفعل ذلك مرات الشتاء كله " وفي أول الربيع تجمع كل ما تهيأ لك وتجعله في قصرية وتلقى عليه ماء وتغسله وتهرق الماء عنه كلما ترسب " وتفعل ذلك حتى يذهب بالغسل سواده ويشتد بياضه ويذهب جميع وسخه وكدره ثم تقرصه بيدك كوز أو تصفه على آجرة نقية أو ألواح نظيفة في الشمس في موضع لا تهب عليه ريح ولا يمسه غبار حتى يجف فإذا جف رفعته إلى وقت حاجتك ".

" أما في حرق الاسفيداج فيوضع وهو مسحوق في طنجيرعميق ويرفع على الجمر ويوقد تحته إلى أن يحترق ثم ينزل عن النار ويرفع " أما في أمر شيه فهو أن يؤخذ مسحوق الاسفيداج ويصير في وعاء فخار ويحمل على النار ويحرك تحريكا مستمرا فإذا تلون الرماد فانه ينزل عن النار ويترك حتى!هـد ويرفع ". أما في نحو غسل الاسفيداج فانه يسحق مع الماء مرارا ويهرق عنه الماء ويكون غسله سواء كالاقاقيا، acacia, dried gummy exudate the Acacia senegal Linn " وأجود الاسفيداج ما كان شديد البياض مجتمع الأجزاء صقيلا براقا وإذا فركت بأصبعك منه شيئا أصبت أجزاء رطبة ناعمة لا خشونة فيها".

وللإيضاح نقول بأن الاسفيداج هو الرصاص الأبيض أو فحماته الأساسية أو قشوره الرقيقة وصفته خليط من الفحمات والهيدروكسيد ويحضر بتفاعل مباشر بين خلات الرصاص وثاني أكسيد الفحم حيث يحصل مسحوق ناعم أو من امتزاج أملاح الرصاص مع فحمات النشادر وذكر مؤ رخو الغرب المعاصرون بأن أقدم طريقة عرفت في أوربا تتلخص بما يلي: أن تعلق صفائح رصاصية في أوان فخارية يوضع في أسفلها قليل من الخل ويعرض للتخمر وانطلاق ثاني أكسيد الفحم وبعدها تتحول خلات الرصاص إلى فحمات بإضافة مواد عضوية، فتحصل ترسبات بيضاء تجمع وتكشط وتبسر مع الغليان ثم تترك لتترسب وتسحق على أن ما ذكر بأنه طريقة استعملت في القرن السادس عشر الميلادي هي نقل حرفي ودقيق لما وصفه وحققه الزهراوي في المقالة هذه كما سبق وأن المعالجة مع الخمر والخل ودرديهما هو لأجل حصول ثاني أكسيد الفحم وأن الترتيب لوضع الزبل حول الخوابي مع الاحتياط بالدفء واحتفاظ المكان بالحرارة الكافية ما هو إلا السبيل لإكمال التفاعل والحصول على الاسفيداج (أو اسبيداج) والذي كان يستعمل كقابض وحافظ في معالجة القروح وأيضا في صناعة عمل الدهان.

وأما قي " صفة غسل الرصاص فيعمد إلى صلاية من رصاص لها يد من الرصاص أيضأ ويصب فيها ماء يسير وتدلك باليد إلى أن يسود الماء ويثخن ثم يصفى بخرقة كتان ويعمل ذلك ثانية وثالثة ثم يترك ليصفو إلى أن يرسب الرصاص ويصب الماء عنه ثم يصب عليه ماء آخر ويغسل الاقلميا (وهي التوتيا الصفاريةcadmia ( Greek kadmea or calamine

وبما يضع النحاس الأحمر أو الروستحتج عند الاحتراق burned copper or sciria يدعى بالاندلس أبو أصفر للونه) يفعل ذلك إلى أن يظهر في الماء سواد، فتعمل منه أقراصا وترفع ".

أما صفة إحراق الرصاص فيكون بأن تؤخذ صفائح رصاص دقاق وتصير في قدر جديدة ويذر على الصفائح شىء من الكبريت ثم توضع صفائح أخرى تذر أيضأ بالكبريت وهكذا حتى تمتلىء القدر ويوقد تحتها نار فإذا التهب الرصاص يحرك بحديدة إلى أن يصير رمادا ولا يظهر فيه شىء من جوهر الرصاص فإذا صار إلى هذه الحالة ينزل عن النار وهو البيرواكسيد الرصاص.Pb3 04 Peroxide or red lead - minium وحديثا يعتبر هذا التفاعل بإعطاء غاز حمض الكبريتيك أو الكبريتوز معطيا رائحة ضارة جدا.

وفي حرق التوتياء الصفراء يرتفع دخانها وتعلق في حيطان الأتاتين وتجمع وهي التوتياء بالفعل المعدنية الرزينة المائلة إلى الحمرة والصفرة النقية قابلة للغسل. والزهراوي جربها في علاج العين والطريقة أولا أن تحرق في " أتون الحدادين فوق فحم موقد ينفخ عليه بالكير حتى تحمر الحجارة ويصعد منها دخان فتؤخذ بالكلاليب ثم تطفأ بماء عذب حتى تبرد وتعامل مع الخل أو ماء الرمانين أو في مطبوخ سماق أو الشراب ويغسل ويستعمل ".

بعضا أملاح النحاس والزرنيخ والزئبق:-

من الأحجار المعدنية التي تتطلب الإصلاح والإحراق والغسل أيضأ يذكر الزهراوي شيئاعن الأملاح النحاسية بالإضافة لما سبق كالزنجار. Verdigris, or basic copper acetate CU (C2 H302)2, CU ( OH2, 5H20 وطريقة عمله إحراقه ومعرفة الجيد منه من الرديء، أما الطريقة المشروحة في كتاب التصريف فهي كالآتي: " تؤخذ خابية أوعدة خوابي ويكون فم الخابية أوسع من أسفلها فتوضع في بيت بزبل الغنم على الصفة التي ذكرت في عمل الاسفيداج بعينها إلا أن الصفائح لعمل الزنجار تكون من نحاس أحمر غلظ كل صفحة قدر نصف أصبع وطولها ثلثا شبر ويوضع في الخابية عنب مع الخل، ويسد فم الخابية ويتفقد ذلك لمدة عشرة أيام فتخرج الصفائح من الزنجار برفق ثم تعيدها وتتركها أياما ثم تخرجها تفعل ذلك حتى تفنى الصفائح وتبدل بصفائح غيرها ". وها هي ذا طريقة إحراق الزنجار." يؤخذ فيسحق ويعير في مقلاة من فخار وتوضع على النار ويحرك الزنجار إلى أن يتغير لونه. ويميل إلى لون التوتياء ثم ينزل ويترك حتى يبرد ويرفع ويستعمل " استمر استعمال الزنجار حتى العصور الحديثة بشكل كاوية لا سيما في حالة القروح المتراخية أو كمزيج مع الخل والشرب أو العسل بمقادير متساوية. ونستطيع أن نقول إن الطريقة في مقالة الزهراوي هذه استمر استعمالها حتى القرن الثامن عشر في أوربا وبنفس الترتيب في وضع طبقة من الصفائح النحاسية وطبقة من العنب ودردئه تحت تأثير تخمير خلي أو إشباعه بروح الخل مع الدفء والحرارة. وأن الترسبات على الصفائح الحاصلة من خلات النحاس الأساسية يمكن آنذاك فصلها وقشطها بلطف، وتعمل أقراصا وتصرف إما بشكل إبر أو قشور زرقاء أو مخضرة اللون، جافة أو رطبة، تزهر في الهواء.

ثم ينتقل الزهراوي لذكر أملاح الزرنيخ وطريقة تكليس الترباكسيد الزرنيخ trioxid arsenic أما احراقه فيكون بأن يوضع في اناء خزف سليم ويحرك على الجمرمع حركة مستمرة حتى يحمر الزرنيخ ويتغير لونه فينزل . النار ويترك حتى يرد ويسحق ويرفع حيث ستعمل لكي القروح المعفنة وفي استعمال النورة لحلق الشعر أما التصعيدة فيؤخذ الزرنيخ الأصفر الرطب الشبيه بصفائح الذهب فيسحق مع مثله من ملح الطعام سحقا جيدا ثم يوضع بين ملتين ويطين بطين الحكمة ويحمل على النار ويوقد تحتها وقود كطبخ لحم القدور ومدته، بعدها تنزل الملتين وتترك لتبرد ثم يجمع الأعلى مع الأسفل ويسحق الجميع سحقا ناعما ثم يعاد إلى النار ولا يزال يفعل ذلك مدة ومقدارا ووزنا حتى يصعد في الملة العليا ويجعل مسحوقا أبيض كالاسفيداج فيرفع ويستعمل، وإذا أردته أحمر فأدخله في قدر ويطين ويدخل في فرن الخبز، ويترك حوالي خمس ساعات فإنك تجده بعد خروجه قد أصبح أحمر حسن اللون أما في  صفة الزئبق فالمؤلف يشير بأن " يؤخذ من الزئبق الجيد الخالص من الرصاص ويسحق مع مثله زاج طيب ويرش بالخل ويستمر مراعاة السحق حتى يلتقم الزئبق أجمع ولا يظهر منه شيء ولا من الزاج شىء بعدها يقف الغبار من نداوة الكلسي الخل قليلا ويجعل بين ملتين وتطين الوصلة بطين الحكمة ثم يحمل على النار". وبعد أن يترك ويبرد تفتح الملتين فتجد الزئبق جميعه في الملة العليا بعضه قد مات وبعضه حي فتتعامل وتحمل عليه السحق مع رش الخل والإعادة غلى النار به مثل ذلك حوالي سبع مرات الى أن يتكلس فيتجمع ويرفع ".

وللشرح نجد أن أكسيد الزئبق الأصفر 2HgO ينتج من تفاعل كلوريد الزئبق مع هيدروكسيد الصوديوم، والأكسيد يجمع ويغسل وينشف بشكل رسوب بلون أصفر برتقالي بلا رائحة مسحوقا شديد الذوبان في الحمض. أما أكسب الزئبق الأصفر فيتحول لا لحرارة الى الأحمر وكلاهما يستعمل للتطهير في النملة وأمراض الجلد الأخرى وفي الرمد. أما اكسيد الزئبق الأحمر فيحفر بواسطة وضع نترات الزئبق تحت تأثير بخار الحمض والحرارة وهو مطهر خارجيا ونادرا ما يستعمل داخليا .

أما الزهراوي فيعطي اهتماما كبيرا أيضا حول صفة عمل الزنجفر الذي هو سلفيد (كبريت) الزئبق الأحمر vermilion, cinnabur or red mercuric sulphide Hgs المتوفر وجوده كمعدن في الأندلس وكذلك في الشرق الإسلامي ويعتبر من أهم الخام لمادة الزئبق والوحيد الموجود نقيا في الطبيعة وطريقة تحضيره كما يلي يؤخذ من الزئبق جزء ومن الكبريت الأصفر مثله أو أقل قليلا فيجعل في كوز مزجج صائر للنار ويكون الدواء منه إلى الثلث ويبقى من الكوز الثلثان ثم يحكم تطيينه بطين وشعر ويبنى له فرن مربع وتنزل الكوز في وسطه باعتدال ليكون بينه وبين الأرض قدر ثلثي شبر ويكون الثلثان الفارغ من الكوز خارج الفرن والذي تطينه يكون محكما ثم يدخل النار تحته باعتدال اثنتي عشر ساعة ثم يبرد الفرن ويخرج الكوز فإذا انكسر فإنك تجد فيه زنجفرا أحمرا .

 فنرى إذا كيف أن الزنجفر يحفر بالحرارة كما يمكن تحضيره بواسطة هيدروكسيد البوتاسيوم أو بمعاملته مع الجير 2Hgs ------ 2Hg + SO2 condense

وأخيرا يصف المؤلف صفة عمل الكلس (وهو الجير) وغسله وأهميته في معالجة حرق النار والأورام الحادة وفي عمل النورة لتستعمل في حلق الشعر. والجير يحضر من حجارة معدنية طبيعية أو من أصداف الحيوانات البحرية. " ولأجل غسل الجير أولا يسحق ثم ينخل ويصير في غضارة نظيفة ويصب عليه الماء العذب قدر ما يغمره ودعه ساعة ثم حركه وأنزله ثم أهرق الماء عنه، تفعل ذلك حوالي سبع مرات وفي كل مرة يصب الماء عنه ثم يرفع لحين الحاجة ". وهو أكسيد الجير الأبيض بشكل كتل إذا تعرض للهواء والرطوبة يمتص ثاني أكسيد الفحم فإذا تفاعل مع وزنه من الماء ينتفخ بشكل كتلة ويتفاعل بتوازن معطيا حرارة زائدة، وهذا هو الجير المطفأ quicklime, staked lime Ce (OH) 2 بشكل بودرة ناعمة بيضاء. وبالماء وأكسيد الفحم يصير مزيج لبن الجير. ولا يسعنا المقام بالشرح والتفصيل لأحجار معدنية أخرى مثل المرقشيتا marcasite = iron pyrite وإحراقها والقلقطار والفلقنت وبقية الزاجات impure blue, green and white vitriols such as Cu SO4 وأنواع الشبوب ولا سيما الشديدة البياض وإحراق المرجان وعروقها الحمراء المستخرجة من قاع البحر وزبد البحر وهي أنواع Jelly Fish وطريقة إحراق الزجاج والنطرون،natron والبورق والطين الأرمني والطفال clay argil والمغرة red calay وبردات وخبث الحديد والفضة والذهب المستعملة في أدوية القلب والمسك وصفه الدواء الحاد ديك برديك (وتفسيره بالفارسية: قدر على قدر يستخدم به الآنال وهو يكون من قدر وملة تركب في ثقب على فم قدر أكبر ويوضع تحته مكان للنار (الوقيد) للتصعيد.

الباب الثاني:
يخصص الزهراوي هذا الباب لأجل تدبير العقاقير والنباتات الطبية وعمل عصارتها كالصبر وأجوده السقطري، Socatra (في سوقطره) الكمد اللون السريع الانفراك والتفتت الطيب الرائحةAloes, Aloe vera Linn and other varieties والشاهترج fumitory والفافت Agrimonia eupatoria Linn  واللفاح، والحضض juice of Lycfum afrum species  ويعمل من عروق الكركم (كحل خولان) ومنه يمني ومنه هندي، والقنةgalbanum  ورُب أصل السوس وفي مصر يستخرج في جزيران بعد سحقه وغمره بالماء وطبخه على نار لينة وينزل ويصفى، وعصارة الحصرم والعنزروت sarcocol, a nauseous gum- resin from the pemaea species  وتربيبه بغمره باللبن ثم تنشيفه بالشمس مرارا.

ويذكر الزهراوي غسل عدد من المفردات النباتية مثل الأقاقيا وتبيض الخل لعمل السكنجبين (عسل وخل وماء) وعمل ماء الكافور بعد تقطيره في فرن ماء الورد وصفة إصلاح الحنظل،colocynth ومعاملته مع الكثير أو الصمغ العربي وكيف يجفف ويحفظ وخاصة في إسهال البلغم وتنقية الدماغ والتربد Impomoea termethum Linn (المستعمل كمسهل ولكنه يورث المغص فلذلك يعالج وأجوده ما كان شديد البياض أملس دقيق العود.

أما في أمر شيَّ وإحراق السقمونيا Scammony فيذكره المؤلف بتفصيل وكذلك الاسقيل وهو العنصلان وهو بصل العنصل Squill وتجفيفه يكون بنظمه في خيط كتان الواحد منفصل عن الآخر، يقطع أولا بسكين حسب الصنوبر، يجفف ويحفظ ويمكن تقطع ير مائه للإضافة مع السكنجبين، وعصارة آقثا الحمار squirring (snake) cucumber واستخراج لعابات البزور مثل بذر الكتان والبذر قطوناfleawort وعصارة الافسنتين عند تناهي طيبه وعصيره في معصرة بلولب (ويسميه الغربيون.(spurge, Euphorbia resinifera Berg وكيفية استخراج الأفيون وهو لبن الخشب) ش الأسود وأجوده ما كان كثيفا رزينا أملس المكسرصافيا صقيلا براقا يميل إلى الحمرة ويكون عصره لرؤوس الخشخاش وورقه فيدقان لإخراج العصارة بواسطة لولب وبعدها تعاد إلى صلاية وأخيرا تعمل منها الأقراص، وكذلك عصارة قشر أصل اليبروج ويعرف بفاكهة الحب.Mandragora officinarum Linn أو تفاح الجن من الفصيلة الباذنجانية معروف بالبلاد الشامية.

ويصف المؤ لف البنج وأنه يدق الثمر مع الورق والقضبان وهي رطبة وتقصر، والكالنج (كرز القدس) winter cherry, strawberry, tomato or physalis alkengi Linn. وأوراقه تستعمل كمدرة، والفوتنج (أو الفودنج وهو من أنواع النعناع أو اللمام ويجمع ورقه عند تناهي طيبه Mentha piperita and M, pulegium and other species وإصلاح الحريق الأبيض والأسود وحب النيل Ipomoea hederacea Jacq. وهو وينمو وفي الهند وزهوره زرقاء فسميت بالنيل وتستعمل حبوبه مسهلا، ويجمع في الصيف، والافتيمون أو أفثمونdodder, bindweed or cuscuta epithymum Linn  والمازريون  Daphne mezereum Linn والسوسن الاسمانجوني طبخا مع العسل، والقنطوريون ينبت في التلال وعند المياه ومنه صغير وكبير Erythraea centauria and centaurium Linn (Greek Kentaureion )  and gential properties والقاقلييElettaria cardomomum (Greek kardamomon ) واللبلاب ivy " والسنا الأندلسي وهو المعروف عندنا بالشرنانسه أو الفسول "، وصفة البنفسج والتمر هندي والخيار سنبرpurging cassia وتقطير الصندل! وسائر القطورات، ثم  ذكر المؤلف أخذ الأملاح والمياه المالحة وتفعيص وتبييض الزيت لعمل دهني السوسن والنرجس والحناء والدهان الأخرى  وأسهب في وصف المياه العطرية كالماء ورد والطرق المستعملة في الأندلس وفي العراق وفي الأخيرة " يضع صهريجا في بيت واسع ويكون أسفله وجوانبه من الرصاص قد أحكم إلصاقه لئلا يخرج الماء منه ثم يصنع له طبق من ألواح محكمة ويفتح فيها ثقب ليكون التقطير، ثم يوضع قدر من نحاس كبيرة من وراء الحائط على هيئة قدر الحمام سواء، ويكون الصهريج تحته ليصل حر النار الى الصهريج من تحت القدر وتجعل منافس الدخان من خارج البيت لئلا يضر الدخان بالماء ورد ثم يملأ القدر بالماء من ساقية تكون بالقرب ويدخل النار تحت القدر حتى يغلي الماء فإذا غلي جيدا  أطلق إلى الصهريج الماء الجاري على قناة قد أحكمت وأخلف مكانه ماء آخر باردا من الساقية على رتبة قدر الحمام سواء ويصنع للصهريج قناة ويخرج الماء منها إذا امتلأ الصهريج إلى خارج البيت ثم تنصب البطون (50- 100) صفوفا في تلك الثقوب التي فتحت في غطاء الصهريج ويستوثق منها بخرق كتان محكمة ورؤوسها كذلك ولتكن البطون زجاجا ورؤوسها من خارج وإن لم يكن فمن فخار مطلي بالزجاج ويحكم نصب قوالبها الذي يقطر فيها الماء ورد فكلما فرغ التقطير أخرج ذلك الورد الحرق وأعيد طريا إلى أن تفرغ بجميع عملك واعلم أن ماء الورد المعطر من الورد البري الثابت من غير سقي أذكى رائحة من الورد البستاني .

أما الذي يصنع في بلدنا (بالأندلس حسب قول الزهراوي) فالعمل بأن يؤخذ قدر نحاس كبيرة كقدر الصباغين ثم ينصبها من وراء حائط وتضع عليها طبقا محكما قد فتحت فيه ثقوبا للبطون تنصبها فيه نصبأ محكما ثم تملأ القدر من الماء وتدخل النار تحت القدر من حطب الكرم اليابس حتى يبدأ الماء يغلي ويتوسط التقطير فيسد فم الفرن وتترك الماء ورد يقطر إلى أن يفرغ ما يريد. و (ن شئت جعلت مكان الحطب فحما فيأتي الماء ورد أذكى رائحة. ومنه ما يضاف إليه المسك الطيب أو ينقع فيه الكافور أو الزعفران أو القرنفل ويبدو جليا ان الزهراوي كان يشرف على هذه العمليات بنفسه وحسب ترتيبه واجتهاده وتجربته الخاصة، حتى إننا بعد أكثر من أربعمائة سنة نجد في أوربا نهضة كبيرة لتقطير نباتات عطرية كثيرة والآلات والحيل الفنية التي تدبر فيها بحذق وابتكار بناء على عمل الزهراوي وأبناء عصره .

ولأول مرة نجد يا الإسلام الرسم والوصف الكامل لطريقة عمل القالب الذي يصنع وتطبع فيه الأقراص على النحو التالي: " تأخذ لوحا من بقس أوآبنوس أو حجر من أحجار المسن أو عاجا أو من أي عود شئت يكون صليا أملس يكون غلظه ثلاثة أصابع وطوله شبر أو عرضه أصبعين فيحرق (ما هو عود) تحريقا حسنا ثم ينشر على نصفين طولا ويكون غلظ كل لوح منها أصبعا ثم يفتح الوجهين جميعا بالضابط دوائر على قدر القرص وهيئته وما تريد من غلظه ورقته ثم يحفر في كل وجه قدر غلظ نصف القرص وينقش على قعر أحد الوجهين اسم القرص الذي تريد أن تضعه (مطبوعا) إما وردأ وبنفسجا أو غيرها ويكون النقش مقلوب المباني Superimposed ليأتي على طبع القرص مستقيما. وإن شئت تقدر أن تنقش اسم القرص في كل حفرة على انفراد ليطبع في قالب واحد أجناسا كثيرة من الأقراص فإذا أردت الطبع فيه دهنت الجهتين بدهن مشاكل  لتلك الأقراص إن وردا بدهن ورد أو بنفسجا بدهن بنفسج وطبعت ما شئت منها في ساعته .

وفي نهاية الباب الثاني يذكر المؤلف ترويق المطبوخات ولأول مرة صورة لتلك المراوق مع أجمل الوصف لترويق مياه المطبوخات في ثلاثة مراوق: الأول فيه ليف أو شعر أصغر وأخف خرقة من الثاني الذي تحته والذي خرقته الى الخفة والثالث البر وخرقته خفيفة جدا فتنصب نصبا بحيث ما ينزل من الأول ينسكب في الثاني فإلى الثالث فإلى إناء يجمع في الأسفل. فإذا أردت ترويق شيء من المطبوخات كمطبوخ الزوق أو السكبينجSagapenum, gum- resin from Ferula persica Willd فيكون أنه إذا فرغت من طبخها ومرسها تصفى أولا بمنخل شعر ثم في المروق الأصغر فالأوسط فالأكبر فإلى إناء ينصب فيه ما يقطر: فإذا انسد أحد المراوق بأثقال المطبوخ ولم يجرمنه شيء فاخرج ما فيه واغسله بالماء من الأثفال " ثم رد المطبوخ ودعه يتروق ولا يزال يفعل به ذلك ويصبر عليه إلى أن ينزل المطبوخ أجمع ثم ترمى الأثفال وتستعمل المطبوخ فيما تريد صافيا نقيا وإن صنعت منه شرابا أتى في غاية من الرقة والصفاء، وإن شرب مطبوخا من غير

أن يصنع شرابا كان أبلغ في المنعة وأسهل على شاربه " .

الباب الثالث: 
في تدبير الأدوية الحيوانية. هنا يذكر المؤلف عددا من الأدوية من أصل حيواني واستخلاصها واستعمالها في المعالجة نشير إليها بالاختصار مثل إحراق الأصداف والقرون ولا سيما قرن الايل وغسله، والأظلاف والحوافر وقشور البيض والعظام والسرطانات والعقارب والأفاعي والخطاطيف " النفافعة في علل الحلق " تم يصف كيفية جمع الذراريح الحمر الألوان حين تجمع فما الربيع الكبار الأجسام الرطبة  وأخذ الدماء لعدد الحيوانات والطيور وفائدتها في معالجة الأمراض لا سيما المفتتة للحصاة، واستخلاص مرارات الحيوانات وأدمغة الطيور وتجفيفها وخزنها. بعدها يشرح تدبير الشحوم وطريقة غسلها وتطييب رائحتها واختزانها وكيفية صناعة غراء ودبغ الجلود ومنافعها، ونزع رغوة العسل وطبخه بالماء لعمل الأشربة الدوائية وتبييض الشمع. وأخيرا يذكر صفة عمل النشادر أو النوشادر من الحجارة المتراكمة والموجودة في أروقة الحمامات التي  يكون إيقاذها بزبل الحيوانات وذلك بأن تسحق " هذه الحجارة جيدا وتوضع في قدر واسعة الفم وتسد على فمها وتسد على فمها بصفحة من تراب مزججة وتثقب في اسفلها ثقبة ويطين الصفيحة على فم القدر بطين الحكمة ويصنع لها فرنا محكما ليكون القدر معلقا في الفرن ويكون القدر من تربة تتحمل النار المدبرة ويطين أسفلها بطين الحكمة ثم يدخل النار تحتها وتنظر إلى الثقبة التي صنعت في أسفل الصفيحة فإذا رأيت الرطوبة خارجة من الثقب تركتها كما هي مفتوحة حتى تنعقد الرطوبة ويرى بياض النوشادر يصعد فحينئذ تشد الثقبة سدا جيدا ثم تسد النار كلها ثم تترك القدر يبرد فإذا بردت قلعت الصفيحة وألقيت النشادر وقد كسا الصفيحة فتكسرها برفق وتأخذ النشادر وترفعه إلى وقت حاجتك وإن أردت أن تكون الصفيحة صحيحة فاطلها بشيء من طين الصلصال فإنها تتبرأ صحيحة من النشادر مجرب ". هذا شرح لاستخلاص كلوريد النشادر. ٍsalammoniac = NH4 Cl  بشكل مسحورا أبيض محبب بلوري لا رائحة له عرفه الأغريقي بأنه ملح آمون (ومعنى النوشادر للبيروني النار الهنيئة) وقد اشتهر في الإسلام استعماله في الطب والكيمياء أيضأ وأوضح الزهراوي طريقة استحضاره التي استمرت بعد عصر البعث الأوربي .

لقد أجملنا قي هذه المحاضرة المقتضبة بعض التعريفات والأوصاف مع أساليب التحضيرات والتركيبات والاستخلاصات في المقالة الثامنة والعشرين في التصريف. ورأينا مقدار الدقة والأصالة في العمل والاختبار والملاحظات التي قام بها الزهراوي بأمانة بنفسه أو تحت إشرافه. ونجد فيها رسوما جديدة لم يسبق نشرها من قبل في أي مرجع كان حول بعض الطرق الصيدلانية وأدواتها الفنية. ثم عالجنا أمورا حول تقطير بعض النباتات وتحضير ماء الورد وعطره والطرق الفنية والآلات النافعة التي وصفها وأجراها وذكر عددا من الأحجار المعدنية قام بتحضيرها واستخلاصها وصفت بدقة لأول مرة وبكل وضوح. فيحق لنا أن نمتدح هذا الطبيب المخلص والصيدلاني النطاسي والجراح المسلم القدير الثاقب النظر الكثير الاختبار والواسع الأفق فلقد سبق) بناء جيله بقرون كما شهدت بذلك الكتابات التي خلدت أذكره.