|
تراث الاسلام في الجراحة الحديثة أحمد عبد الحي/
وسيد وسيم احمد
تتناول
هذه المقالة مساهمة الاسلام وتراثه في مجالات الجراحة الحديثة، ويمكن-
عموما- تقسيمها الى أقسام ثلاثة: الالهام
وقد احتلت العلوم الطبية مكانة بارزة ضمن فروع العلوم المختلفة وتبلورت القوة الدافعة في قوله تعالى: (ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً ) (5 / 32) . وعندما تاه الفكر اليوناني في سبات الظلام والتحلل احتفظ العرب بكنوز المعرفة وحافظوا عليها، بل ترجموها الى لغتهم مضيفين اليها مساهماتهم الفعالة ومشاركاتهم القوية وانجازاتهم القيمة، واداروا شعلة المعرفة إلى أوروبا التي كانت تتخبط في " عصور الظلمات " وطبقا لما أورده السيد وليم اسلار" "ان المهنة الطبية وصلت بينهم (العرب) إلى مكانة من الاحترام والأهمية يصعب موازاتها ني التاريخ بأكمله ". ولم
يكن اليونانيون هم المساهمون الوحيدون في الجراحة بأي حال من الأحوال،
فالجراحة في الهند قديما كانت متقدمة جدا في التجريب منطقية الاعتبار،
معقولة الابتكار، تجيد استعمال الآلات والأدوات وتلك لا جدال "لها
تأثير على الجراحة العربية". وقد فتحت ولادة أبي بكر محمد بن زكريا الرازي (856- 925 هـ) مجالا جديدا في الطب الاسلامي وجراحته وتوجت ا لفكر الاسلامي في هذا التخصص. ومؤلفه كتاب " الحاوي في الطب " يعتبر بجدارة أعظم عمل طبي كتب منذ القدم من أي عالم في الطب، تناول فيه الامراض من قمة الرأس حتى اخمص القدم وضمنه أيضا بعض العلوم الاساسية مثل وظائف الاعضاء والتشريح والأقرباذين. وقد كتب الرازي عن كل مرض اقوال قدامى اليونان والفرس والهنود ومؤلفين آخرين وختم كتاباته بملاحظاته وخبراته. ولم يكن الرازي مقلدا أعمى ولا ناقلا أصم لمن سبقوه فعمله "الشكوك على جالينوس" لا مراء يعتبر أعظم عمل طبى وجراحي ظهر في وقته . وبعدها بخمسين عاما ظهر على المسرح عملاق آخر في شخص علي بن العباس المجوسي (994 هـ) وعمله "الملكي "بقي ا المرجع الثابت والسند الاكيد في الطب الاسلامي لما يقرب من قرن من الزمان. ويتكون هذا الكتاب من 20 مجلدا شغل التثريح منها مجلد 2، 3 أما المجلد التاسع عشر فقسم الى 110 فصول تتناول الجراحة تفصيلاً . أما ابو القاسم بن عباس الزهراوي الأندلسي (912- 013 ا) فقد كان أعظم جراح في العالم الاسلامي ومخطوطه " كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف " اعتبر مرجعا مدرسيا في العالم الاسلامي واوروبا على السواء وتمت ترجمته إلىاللاتينية في القرن الثاني عشر وظل الى قرابة قرن من الزمان اساس الجراحة ان لم يكن مرجعها الرئيس الموثوق به في اوروبا (الموسوعة البريطانية) . وحسبما
يقول سكوت "ابو القاسم كان مبتكر الجراحة الحديثة" بينما يقول جودي
شاولياك عن أبي القاسم "كان ضمن المحتفي بهم من جراحي القرن الرابع
عشر" ورفعه الى منزلة هيبوقراط وجالين. ويعتبر كتابه في الجراحة
أول كتاب نشر في الجراحة يحتوي رسومات تفصيلية ووسائل توضيحية.
ابن زهر (1113- 1162) والذي أقام كتابه "التيسير" على المشاهدة والتجريب وخالف فيه بشجاعة جالين وابن سينا. ولم يكن ابن زهر مؤلفا نظريا فقط بل كان جراحا عمليا وتعليماته لها كبير الأثر ليس على الشرق فقط بل على اوروبا ايضا. وابن رشد (1199)، والذي يعرفه العالم اليوم كفيلسوف كبير ومفكر قدير، كان ايضا جراحا عظيما وطبيبا شهيرا وحافظا جيدا. للتشريح، وحسبما قال عن نفسه ان معلوماته عن الجسم البشري "قوت وأوضحت ايمانه بعظمة الخالق ". ومن الأعمال العظيمة في الجراحة الاسلامية كتاب "العمدة في صنعة الجراحة" والذي ألفه أمين الدولة أبو الفرج ابن القف ( 233 1- 286 1) الذي اتصف بإلمامه بالتشريح بجوار الجراحة، وكتابه المذكور اشتمل على 0 2 مقالة خصصها للاصابات وفيها 39 بابا. أما مقالته عن الجراحة ففي رقم 9 1 واشتملت على 34 بابا ناقش فيها المشاكل الجراحية وعلاجاتها من الرأس إلى القدم. التأثير
وفي كل حقول الجراحة العصرية اليوم تنعكس مساهمة الارث الاسلامي الجراحي، انعكاسا واضحا في جوانب شتى: ا ـ الجراحة العامة علم
الكائنات الدقيقة وعدوى الجروح: التحكم
في النزف: العناية
بالجروح: صرف
الخراريج: 2.
علم الاصابات وجراحة العظام . أما في جراحة العظام فبجانب المشاكل المعهودة من التهاب عظمي نقي والبتر وخلافه نجد الزهراوي يناقش وبالتفصيل الظأي للعظام وتلك الكسور غير ملتحمة جيداً وتصويبها، ومن شهادة سينك وليوس ان تلك الآلات التي وضعها الزهراوي أوضحت مجموعة ضخمة من المناشير والمجسات ومباضع العظام والمطارق والثواقب تفوق كثيرا ما وصفه من سبقوه. 3.
مبحث الجهاز البولي وقد.
كانت إزالة حصى المثانة الكبيرة من أضخم مشاكل الجراحة في تلك الآونة،
وقد ادخل الزهراوي وبنجاح استعمال الملاقط الكبيرة لحل هذه المعضلة،
وأمكن بها سحق الحصى، وبعدها تزال في صورة رمال صغيرة أو حبيبات
متضائلة، وبذا يعتبر أول من ابتكر في علم تفتيت الحصى.
والاستعانة بأصوات المثانة لتحديد أماكن الحصيات المثانية، ومشكلة النزف بعد العمليات، وأهمية ازالة الجلطات الدموية من المثانة، كلها ذكرت بالتفصيل والشرح في كتابات الزهراوي. 4.
علم الجهاز الهضمي وخراج المناطق الاستوائية (الحارة المدارية) بالكبد (الاميبي) من المشاكل الصحية الهامة حتى في وقتنا الحالي. ومن العجيب ان الزهراوي قد ذكر طريقة تفريغها بواسطة حقنة بزل التجاويف، وباستخدام الكي الحراري لفتح مثل هذه الخراريج وذلك لاجدال من اعماله الاصيلة. وينسب الفضل في الخياطة بالمعي لمداواة الامعاء إلى الرازي، بينما يرجع هاريسون الفضل في معرفة تعدد الخياطة ومختلف الغرز في الاستعمالات الجراحية لخيوط من لمعي القطة او القطن للزهراوي نفسه والذي اكد على ضرورة الخياطة المنفصلة في طبقات جدار البطن في حالات الجرح البطني. واستعمال الكمادات الساخنة فوق الامعاء المختنقة، ومشكلة الباسور البرازي والتوقع غير الحميد مع اصابات الصائم كانت مفهومة للجراحين العرب. أما ابن زهر (1113- 1162) فقد كان أول من قام بالوصف التفصيلي المقارن بين القرحة المعدية وسرصان المعدة. وقد كرست اعداد من الكتب لموضوع التهاب القولون وعلاجه عن طريق الغذاء والدواء والرحضة ومرجع ابن سينا "القولنج انواع ومداواه " أحد الامثلة التي تشير إلى ذلك. 5-
مبحث المستقيم كما كتب ابن محمود القاسم (المتوفي 1525 هـ) كتابا في علاج البواسير عنوانه "زاد المسير في علاج البواسير" وأرسي ابن القف اهمية كبرى في مضاعفات قطع البواسير والخياطات التي تجرى بعد اجراء العمليات. كما اشار- وان كان بغموض- الى القيحية البابية كأحد مضاعفات البواسير. وحذر الزهراوي في كتابه من التصريف المتأخر للخراج الوركي المستقيمي، ويعتبر بحق مبتكر الكي في علاج الباسور الشرجي. كما انه ذكر خطورة اصابة الامعاء والمثانة والاوعية الدموية الرئوية والاعصاب والمصرات الداخلية التي قد تؤدي الى اعاقة المسار. كما انه اشار ايضا الى عودة البواسير بعد القطع غير انكامل. 6.
جراحة التقويم (الجراحة التعويضية) 7.
جراحة الاذن والانف والحنجرة. ووصف الزهراوي ايضا مبضع العظم الخاص بعمليات الانف وقطع السليلة وذكر قمعا خاصا لادخال الدواء، كما ان من فضله ايضا اول ذكر للمساميات البحرية الموصولة بخيط لإزالة الاجسام الغد يبة من الحلق. وعملية بزل الاذن والاجسام الغريبة في هذه المنطقة كانت من موضوعات مناقشة بالتفصيل، كما ذكر ايضا الطرق الجراحية في ازالة الحوصلة اللمقاوية تحت اللسان، ووصف ورم ليفي أنفي حلقي، ونجاحه في علاجه بالقطع المتكرر وا لكي. اما فضل ايجاد علاقة بين الدراق والجحوظ فيعود الى الجرجاني (المتوفي 1136 هـ). ويقر إمام الجراحة الامريكية هالستر بأن استئصال الغدة الدرقية لعلاج الدراق تمثل "في الغالب افضل من اي عملية وهي النصر الاكيد لفن الجراحة".وأول نجاح في قطع الدرقية أداه الزهراوي في 952 م في مدينة الزهراء. 8.
طب الاسنان 9.
طب العيون وانزياح (او تزحزح) العدسة في الساد كان يعرفها الاقدمون قبل الزهراوي، الأ انه اضاف وصف طرق مستحدثة وآلات مستجدة مثل المثقب والابر الخاسفة والخافضة وخلافه. وقد اوصى الرازي بتمزيق قشرة العدسة اذا لم يمكن زحزحتها، وشرح ابن سينا انواع الابر المختلفة المستخدمة لهذا الغرض، وشارك الرازي والزهراوي في ذكر طرائق إزالة الضغط أو تخفيضه جراحيا في حالات الزرق، والتي اجريت ومورست في وادي الرافدين. 10.
علم النساء والتوليد ا
ا. علم الاورام 12
جراحة الاعصاب ولسوء الحظ فمع تقدم الزمن تناولت الجراحة أيد لم تحسن استخدامها، بل فشلت في انمائها وسمحت بضمورها واندثارها كذا يبدو ان معظم المؤرخين الطبيين الغربيين قد نسوا او تناسوا فضل الأرث العربي الجراحي في فصولهم. |