|
"تاريخ
مرض اللشمانيا الجلدي دكتور/
عبد الحافظ حلمي محمد والدكتورة/ منى التقي
ملخص:- يحظى
مرض اللشمانيا الجلدي بكثير من عناية الباحثين المعاصرين والسابقين
وهذا البحث قاصر على صور المرض الجلدية التي تعرف باسم "قرحة الشرق"
بصفة عامة. وللمرض قرحة تقيم المصاب بأثر يبقى في مكان ظاهر من جسمه
طيلة حياته ومن ثم كان الاهتداء إلى وصفها في المراجع القديمة أمرا
ميسورا نسبيا وعلى جانب كبير من الوثوق في معظم الأحيان.
تقديم:-
وقد أفدنا فائدة كبرى من البحث الذي نشره بر نجل Pringle عام 1957 (10) والذي استعان بدوره ببحث سابق نشره الجود Elgood عام1934 (11)، وقد أشار كلاهما إلي مراجع قديمة عربية وغير عربية. وقد بذلنا غاية الجاهد في الاطلاع على تلك المراجع في مظانها الأصيلة، ولكن بعضا منها لم نستطع بعد تتبعه أو الوصول إليه. وعلى أي حال سوف نتناول في بحثنا هذا بالتحليل والتمحيص والمناقشة أهم ما بلغنا بصورة مباشرة وغير مباشرة، ولو أننا نعتقد أن متابعة البحث في تراثنا العربي سوف يكشف عن مزيد من التفاصيل. نبذة عن المرض:- من العسير الإيجاز في موضوع يحظى بهذه العناية كلها من العلماء، ولكننا سوف نشير إلى أهم النقاط التي تتعلق ببحثنا التاريخي هذا. اللشمانيا جنس من سوطيات الدم الترييانوسومية تسبب أنواعه طائفة من الأمراض بعضها جلدي، وبعضها جلدي مخاطي أي يمتد إلى الأغشية المخاطية، وبعضها جهازي حشوي. وسوف نقصر كلامنا على المرض الجلدي، وبالذات من الصور التي يسببها نوع Leishmania tropica لأنها هي المتعلقة بالمنطقة التي نتعرض لها تاريخيا في هذا البحث، فتلك الصور الجلدية متوطنة أو معروفة في كثير من البقاع الممتدة من بعض مناطق الهند والصين إلى جنوب شرقي روسيا إلى آسيا الصغرى إلى مناطق حوض البحر المتوسط من جنوبي أوروبا ثم إيران والعراق والجزيرة العربية ومنطقة الخليج ثم مناطق من شمالي وأواسط وغربي أفريقيا. وينتقل المرض بفعل أنواع من ذباب الرمل من جنس phlebotomus أو بصور متنوعة من الملامسة أو العدوى المباشرة. ويتكاثر الطفيلي في موضع العدوى في الخلايا الشبكية البطانية، وتمتد حضانته بضعة أسابيع أو أشهر تظهر على آثرها عقيدة أوثولول يأخذ في النمو البطيء ثم يتباين تطوره، وفقا لعوامل متعددة أهمها سلالة الطفيلي وجرعة العدوى. واذا تجاوزنا عن التنوع الواسع وعن كثير من نقاط الخلاف العلمي يمكننا القول بأن أهم السلالات التي تصيب الإنسان في منطقتنا من العالم ينتمي إلى نوعين: ا.
L. tropica tropica (= minor) وهذه تسبب الصورة المعروفة باسم الصورة
الحضرية أو المدنية (Urban) وفيها لا تتفرج الإصابة أو تتسع كثيرا
ولا تنز، ومن ثم تسمى بالصورة الجافة. ومهما يكن من أمر فان القرحة يغلب أن تندمل تلقائيا بعد نحو عام أو أكثر، إن لم تعالج، مخلفة وراءها مناعة وندبة مميزة تبقيان مع المصاب طيلة حياته. وفي معظم الأحوال يكون عدد الندوب قليلا ولكنها تسم الجسم في مواضع ظاهرة كالوجه والعنق واليدين والذراعين والقدمين والساقين، مما يجعلها غير خافية لا تخطئها العين ولا تلتبس أوصافها في سجلات التاريخ. ونظرا لهذه المظاهر كثيرا ما يطلق على المرض أسماء تدل على بعض صفاته أو تنسبه إلى أماكن توطنه ومن ثم كانت الأسماء:- حبة بغداد أو الأخت، حبة بلخ أو البلخية، قرحة حلب حبة السنة، القرحة الأرمينية، قرحة دلهي، قرحة الصرت والبنده (في تركستان).. الخ أو بعض الأسماء الوصفية بلغات الأقوام المحلية. ولكنا سوف نثير إلى المرض باسم من اشهر أسمائه وهو (قرحة الشرق) إذا أردنا التعميم. وفي بعض المناطق يتخذ ا لمرض شكلا مثاليا للأمراض الحيوانية البشرية Anthropozoonosis، فتقوم بدور العائل الخازن أنواع معينة من القوارض وقد يقوم الكلب بهذا الدور أحيانا ((12-13-14-15) هل ذكر المرض في التوراة والقرآن الكريم؟ يعتقد برنجل (10) أن أقد م ما حفظه التاريخ عن قرحة الشرق هو ذكر ما سمي (دمل النيل " في بردية ابرس المصرية الشهيرة، منذ نحو أربعة آلاف سنة، وهذا مجرد ظن لا يقوم عليه دليل. وكذلك يظن برنجل أن هذا هو المرض الذي سلطه الله على قوم فرعون، وجاء في الإصحاح التاسع من سفر الخروج: "ثم قال الرب لموسى وهارون خذا ملء أيداكما من رماد الأتون، وليذره موسى نحو السماء أمام عيني فرعون. ليصير غبارا على كل ارض مصر، فيصير على الناس وعلى البهائم دمامل طالعة ببثور في كل ارض مصر" (الخروج، 9: 10، 11). أما في سفر التثنية، الذي يظن انه جمع بعد سفر الخروج بنحو ثلاثة قرون، فيأتي ذكر "قرحة مصر ضمن اللعنات أو الضربات الكثيرة التي يصبها الله على العاصيين من بني إسرائيل وترددت في الفقرات 15- 68 من الإصحاح الثامن والعشرين،، يكتفي منها بهاتين الفقرتين: "يضربك الرب بقرحة مصر وبالبواسير والجرب والحكة حتى لا تستطيع الشفاء. يضربك الله بجنون وعمى وحيرة قلب " (التثنية 28: 27، 28). ولعل
الذي أغرى برنجل بالظن بأن مرض اللشمانيا الجلدي، وارد بين تلك
اللعنات هو ذكر ما سمي "قرحة مصر" بينها، فان هذا يستدعي للذاكرة
شيئا متعلقا بذلك المرض، وهو انه كثيرا ما يسمى محليا بنسبته الجغرافية
إلى بلد ما، كما ذكرنا، ولكن هناك استنتاجات لا تؤيد ذلك الظن، فإننا
حتى إذا سلمنا بأن الخوارق والمعجزات الإلهية تقبل التحليل العلمي
الذي لا يختص إلا بدراسة الظواهر والنواميس الطبيعية المعتادة، لم
نجد أن الذي نفهمه من النصوص يسمح لنا بأن نذهب ذلك المذهب، وهذا
لعدة وجوه: وثانيها أن المرض اللشماني الجلدي قد يصيب القوارض، ولكن ليس من المألوف انه يصيب من كبار الثدييات في الطبيعة سوى الكلاب، وهذا لا ينطبق على ما جاء في النص من إصابة "البهائم" (في النص العربي) beasts (في النص الإنجليزي) للتوراة. وثالثها أن مرض اللشمانيا الجلدي يكون في المعتاد بطيء الانتشار بين الناس بطيء النمو في المصاب محدود الانتشار في الجسم فالقروح لا تتعدد كثيرا في الأحوال قليلة وعند تعدد لدغات الذباب ولا تتسع رقعتها إلا في بعض السلالات أو بسبب تلوثها بالعدوى الثانوية، كما أن المرض غير فتاك أو معوق أو مسبب لأعراض جسمية عامة. وهذا كله في جملته لا يجعل المرض مثلا للعنة رادعة أو تهديد مروع. وسوف نذكر فيما بعد سببا آخر لرفض افتراض برنجل سببا مبنيا على تصورنا لانتشار المرض عبر التاريخ. ونود
أن نشير هنا إلى أن القرآن الكريم لم يذكر ذلك المرض بين النقم
التي صبها الله على قوم فرعون: (وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا
بها فلا نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع
والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين) (الأعراف/ 132،
133). وجاء في سورة الإسراء قوله تعالى: "ولقد آتينا موسى تسع آيات
بينات، فاسأل بني إسرائيل إذ جاءهم فقال له فرعون أنى لأظنك يا موسى
مسحورا" (الإسراء/ 101). ويختلف المفسرون في إحصاء تلك الآيات التسع،
فمنهم من لم يذكر بينها شيئا له أدق صلة بمرض جلدي، ومنهم من عد
الجرب من بينها. ومن المناسب هنا أن ندلي بملاحظة أبداها. موريس
بوكاي ( ا) في كتابه عن "دراسة الكتب المقدسة في ضوء المعارف الحديثة"
من أن التوراة" تعطي تفاصيل كثيرة عن كل ضربة من هذه الضربات وهناك
عدة من هذه العقوبات تتسم ب!جانب وبعل! خارقين. أما القرآن فهو يعد
خمسة فقط من هذه الضربات وليست في معظمها إلا مبالغة لظاهرات طبيعية
00) (ص 257). قرحة الشرق في كتابات علماء المسلمين: لاحظ برنجل أن ما سجل في ارض ما بين النهرين، من حضارات السومريين والبابليين والآشوريين، عن الطب والعلاج ليس فيه ما يشير إلى وجود مرض جلدي يمكن أن يكون لشمانيا، كما أن المصنفات التي ألفت في مراكز العلم في جنديسابور وبغداد قد خلت أيضا من مثل ذلك. ويدعم برنجل هذا بأن كتاب "الذخيرة" (الذي ينسبه لثابت بن قرة) (1) قد احتوى على فصل كبير عن الأمراض الجلدية ولكنه خلو من أي ذكر لشيء من قبيل قرحة الشرق، مع ثابت- والقول لبرنجل- كان يعيش على شاطئ الفرات غير بعيد عن حلب ولا بد انه كان على تمام المعرفة بالأمراض الجلدية في وسط العراق. ومعنى
هذا أن قرحة الشر ق لم تكن قد دخلت العراق أو بلاد الشرق الأوسط
حتى ذلك الوقت. بيد أن المرض كان متوطنا منذ القدم بعيدا في الشرق،
فيذكر الجود Elgood انه كان معروفا في بلخ التي كانت إحدى عواصم
خرا سان القديمة، والتي تدخل الآن ضمن أراضى الاتحاد السوفيتي المتاخمة
لأفغانستان، وان الوصف الذي جاء في كتابات أبى المنصور، حسن بن نوح
البخاري (المتوفى نحو عام 991 م) لا يدع مجالا لشك أو لبس. كذلك
يذكر أن الشيخ الرئيس غليا بن الحسين بن عبد الله بن سينا (المتوفى
نحو عام 28 4 هـ- 37 0 1 م)) شار إليها في القانون باسم قرحة بلخ
" (وسوف نعود إلى هذا فيما بعد)، كما أن هذا الاسم جاء في الكتاب
الكبير(1) الذي جمعه سيد إسماعيل بن الحسن الجر جاني نحو عام 1130م،
والذي ذكر أن القرحة كانت متوطنة في بلغ في ذلك الوقت حيث كانت تسمى
(باشا- جازيداجي أي قرصة البعوض كذلك كانت في دهستان بالقرب من جرجان
حيث كانت تعرف باسم "ساكر وهو لفظ محرف عن آخر يعني "البعوض " أو
"قرص البعوض ". السجلات الأولى للمرض في كتابات الأوروبيين: وثمة
مركز آخر لتوطن المرض، وهو حلب وما حولها، ولكن الزمن كان قد دار
دورته، فنجد أن أول من أرخ له في منتصف القرن الثامن عشر أوروبيان
هما طبيب يدعى الكس رسل عام قرحة الشرق في "قانون " ابن سينا: خصص
ابن سينا كتابه الرابع من القانون (4) " للأمراض التي لا تختصر بعضو
بعينه والزينة"، وقسم هذا الكتاب على سبعة فنون وكل فن يشتمل على
عدة مقالات وكل مقالة تشتمل على فصول ". وقد جاء ذكر ما نعتقد انه
مرض اللشمانيا الجلدي في المقالة الثالثة من الفن السابع عن "الزينة"،
وعنوان هذه المقالة هو "فيما يعرض للجلد لا في لونه، لانه سبق أن
تكلم في المقالة الثانية عن (أحوال الجلد من جهة اللون. وقد جاء
اسم المرض في عنوان أول فصل من فصول المقالة الثالثة: فصل في السعفة
والشيربنج والبلحية والبطم ". وقد ذكر لفظ "البلحية" هذا ثلاث مرات
في المتن ومرة في فهرس الكتاب، وكلها في الطبعة التي بين أيدينا-
بالحاء المهملة، فكأنها منسوبة إلى البلح. وبعض المراجع الإنجليزية
(18) يذكر من بين أسماء المرض اسم ( Date Mark) يطلق عليه في العراق.
ولكننا رجحنا أن هذا من أخطاء النساخ أو الطابعين، وأن صحته "بلخية"
أي بالخاء المعجمة المنقوطة، وذلك لأسباب: علية المرض (ايتيولوجيته): ذكر
ابن سينا أن "البلخية" ربما كان سببها لسعا مثل البعوض الخبيث..
ولعل هذا الشك فضلا عما تقدم من اتباعه نسق السابقين، هو الذي جعله
لم يذكر هذا المرض بين الادواء الناتجة من لسع الحشرات. ونود أن
نبرز هنا أولا أن لفظ البعوض في لغة العرب لا ينصرف بالضرورة الى
الحشرات التي تعرف بهذا الاسم في التصنيف العلمي، وتقول بعض معاجم
اللغة أن البعوض "حيوان عضوض " ويقول الجوهري أن البعوض هو البق،
ولا يوافقه في ذلك الدميري (7) في كتابه المشهور "- حياة الحيوان
الكبرى" (القرن الرابع عشر الميلادي الثامن الهجري) ويقول انه يسمى
بالعراق والشام الجرجس، لغة في القرقس وهو البعوض الصغار. وفي مادة
قرقس يقول الدميري ثانية أن القرقس هو البعوض، ثم يقول (يستحب قتل
المؤذيات للمحرم وغيره، كالحية والعقرب.. والبرغوث والبق والزنبور
والقراد والحلمة والقرقس... وما أشبهها"، فهو إذن يفرق بين القرقس
والبق والقراد.) ما القزويني (8، فيقول في "عجائب المخلوقات وغرائب
الموجودات " (القرن الثالث عشر الميلادي- السابع الهجري) عن البعوض:
"ولها خرطوم أدق شي؟ يمكن أن يقال، ومع دقته مجوف حتى يجري فيه الدم
الرقيق، وخلق في رأس ذلك الخرطرم قوة يضرب به جلد الفيل والجاموس
ينفذ فيهما. والفيل والجاموس- يهربان من البعوض في الماء فسبحان
من لا يعرف دقائق حكمه إلا هو". (ص "32). فهذا الوصف البديع بليغ
في الإشارة الى حشرة ماصة للدماء تطير. وغني عن القول إن الخلاف
في هذه المسميات راجع الى ما نجده الى اليوم من اختلاف بين اللهجات
العربية المحيلة في تسمية تلك الحشرات. فلا يستبعد إذن أن ابن سينا
كان يشير الى حشرات طائرة لاسعة، كصغار البعوض، وهذا يتفق مع صورة
ذياب الرمل. وليس في هذا الكلام تجوز كثير فلسنا نقصد منه أن ابن
سينا كان يعرف أن ذلك البعوض الصغير كان ينقل مرضا طفيليا، وانما
كان يظن أن لسعه هو الذي يسبب المرض، وهذا أمر يسهل إدراكه على كل
إنسان دقيق الملاحظة. تاريخ انتشار المرض. تختلف الآراء فى وضع النظريات المفسرة لتطور العلاقة بين الطفيلي وعوائله الأولى من القوارض والحشرة الناقلة ثم دخول الإنسان بمراتب متدرجة في هذه الحلقة ولكن هذا ليس داخلا في مجال بحثنا هذا وإنما سوف نكتفي بالإشارة بإيجاز الى ناحية واحدة من تاريخ انتشار قرحة الشرق وذلك أن الراجح أن المرض قد غزا الشرق الأوسط من بؤرة في أسيا الوسطى حيث كان المرض قاصرا على إصابة القوارض به وتنقله ذبابة النمل (10) ثم انتقلت العدوى الى الإنسان وتوطدت به عند احتلاله لمناطق المراعي في آسيا الوسطى ثم استقر به المقام في المدن، كبلخ وجرجان. وقد سبق أن ذكرنا أن اقدم ما حفظه التاريخ من سجلات المرض كانت من هناك، بينما كانت مناطق ما بين النهرين خالية منه. ويرى برنجل (10) هذا الرأي، وهو يناقض ظنونه عن وجود المرض في مصر الفرعونية القديمة، اعتمادا على تفسيره لنصوص التوراة، وهو رأي سبق أن فندناه. ويرى (إلجود) (11، انو. جحافل المغول الزاحفة هي التي حملت المرض معها من خرا سان إيران الى بغداد. ويرى برنجل (10) إن انتشار المرض كان طبيعيا مع الزمن اذ أخذ يقفز من مرتكز الى مرتكز حتى وصل الى بغداد، ومنها الى غيرها، مع تكيف الطفيليات ا لأنواع أخرى من الحشرات الناقلة من الجنس نفسه. ولسنا بصدد مناقشة أي من الرأيين، ولكن الذي نود أن نبرزه بشان ما جاء في كتابات العلماء المسلمين عن وجود المرض، نفيا أو إثباتا، هو الذي مكن العلماء في القرن العشرين من دراسة الانتشار التاريخي لمرض قرحة الشرق في فترة انفرد فيها العلماء المسلمون بحمل أمانة العلم ورفع لوائه. |