|
"الثروة الطيية في حيدر أباد" حكيم/
أ. س. حسين أنشأ مدينة حيدر أباد الملك، المسلم محمد علي قطب شاه. ويرجع ازدهار المدينة الى اهتمامه البالغ بها، وقد اشتهرت بتقدم الطب فيها منذ إنشائها فعندما كانت الأساسات توضع لهذه المدينة عام 999 هجرية (1590- 1591 ميلادية)، كانت أول أبنية فيها بناء شاهي محل، ومسجد ومستشفى رسمي "دار الشفاء" عام 004 ا هـ (1595- 596 ا م) وعلى الرغم من ان تشييد هذه الأبنية لم يكن في وقت واحد إلا أن إكمالها تم في فترة قصيرة ما بين خمس إلى عشر سنوات، ويشير تشييد مستشفى دار الشفاء الى تطور الطب في هذه المدينة بصفة خاصة. وكان للثورات السياسية أثرها في التغييرات التي طرأت على القيم والأهداف، ففي زمن ما، شاع نظام معين في الطب، وحلت أنظمة أخرى في زمن آخر، وكان ذلك كثيرا حتى أن الفرد يشعر بغياب نظام طبي سابق تماما، ولم تغن وفرة المعرفة الطبية عن التأثر بهذا النهوض وذلك التداعي حتى الإنجازات الباهرة التي تمت في حقل الطب بفضل الجهود الدؤوبة التي لا تكل لعلماء المسلمين قد فقدت بهاءها خلال فترات معينة من التاريخ. وأعني بعلم الطب هنا ذلك ال ذ ي عرضه "ابقراط "، وسمى بالطب اليوناني. وفي هذه المدينة تعرض الطب اليوناني أيضا للنهوض والتداعي، ولكنه لم يتلاشى بفضل الحماس والتكريس الذي أعطاه الناس لهذا المنهج الطبي ، بل إنه تطور على مر الأيام وفي وقتنا الحاضر تفخر مدينة حيدر أباد بما لديها من ثروة عظيمة من الطب اليوناني . وقد تم جلب الطب اليوناني الإسلامي الى الهند مع قدوم المسلمين إليها. وشاع الطب اليوناني وتوفرت الكتب القيمة فيه، ووجد الممارسون لهذا المنهج الطبي في الأماكن التي حظي فيها بالرواج، وأن المدينة حيدر أباد لتفخر بأنها، تبنت هذا المنهج منذ إنشائها وتشييد- مستشفى دار الشفاء بها. وعلى ذلك فإن كتب أبقراط وجالينوس التي ترجمها العرب بالإضافة الى مؤلفات الرازي وابن سينا والحاج زين العطار وأبو القاسم الزهراوي نشر، ت علم الطب في هذه البلاد. ولم تتوان حيدر أباد عن طبع هذه الكتب، كما تدارس الطلبة فيها هذا المنهج الطبي وراجعوا عددا من الكتب فيه، ومع ذلك فإن بريق وقيمة الترجمات العربية لم يتضاءل على الإطلاق ؟ فيذكر الحكيم غلام حسين، مؤلف "جولز الا لأصافية " في كتابه أن الحكيم " شفاعي خان " جعله يحفظ محتويات " الموجز " و " النفيس" وخلال حكم الملك نظام السادس ألف الحكيم القدير " أحمد سيد" كتاب " تحفة الأفاضل " باللغة العربية الذي ضم مناقشات نقدية حول كتاب ابن سينا "القانون " وشروحه. وباختصار، فإن المؤلفات العربية الشاملة والجليلة القيمة تشكل الأساس للبصيرة الطبية للأطباء والدارسين عندنا. وبغية فتح الباب على مصراعيه أمام علم الطب دأب هؤلاء الأساتذة على ترجمة تلك الثروة من الطب اليوناني الى مختلف اللغات. ولقد ساعدت الرعاية الملكية على تقدم هذا المنهج من الطب. وجلبت الأطباء العظام وكتبهم النادرة إلى هذا المكان. ولهذا قدم إلى حيدر أباد : خلال حكم الملك عبد الله، قطب شاه، طبيب فارسي يدعى نظام الدين أحمد جيلاني ، وحسب روايته فقد كان يقيم في مدينة دولت أباد في عهد الإمبراطور شاهجيهان . وبسبب ظروف معينة عقد العزم على العودة إلى وطنه إيران، وعلى هذا النحو فقد وصل الى محل بندر حيث تلقى دعوة ملكية من الملك عبد الله قطب شاه للحضور الى جولكندا حيث استقبله الملك نفسه استقبالا عظيما. ثم عين طبيبا للملك، ويمكن أن نستشف الدرجة العالية من الكفاءة والمقدرة التي شان يتمتع بها من خلال هذه الحكاية الشيقة، ففي أحد الأيام أثناء حضوره في بلاط الملك عبد الله قطب شاه، وفي أثناء الحديث تطرقت المناقشة الى موضوع النحل، هنالك طلب الملك من الحكيم جيلاني ان يعد بحثا علميا عن العسل ونقدمه له في نفسه اليوم، واستجابة لهذا الطلب الملكي فقد شرع في العمل، وبتصريح من الملك مكث في القصر الملكي ليوم واحد حيث كتب عن العسل وكتب أيضا عن العديد من الحيوانات، وكان مما أثار دهشة كبيرة لدى الملك انه قد. م كل هذه الكتابات في اليوم التالي. وكان للإعجاب الكبير الذي أولاه الملك عبد الله قطب شاه لهذا الطبيب ما جعله يتخذ حيدر أباد موطنا له. وحتى يومنا هذا يستطيع المرء أن يشاهد مقبرته على ربرة قرب جولكندا حيث كان يعيش. ولقد اهتدى الدارسون في بحثهم عن المخطوطات إلى اكتشاف مجموعة نادرة لا زالت موجودة في حيدر أباد على شكل مخطوط يضم سبعة عشر كتابا لجالينوس التي ترجمها حنين. وعلى هذا النحو، فإن رعاية الملك عبد الله قطب شاه لم تجلب فقط هذا الحكيم الشهير إلى حيدر أباد، وإنما أدت أيضا الى اقتناء العديد من الكتب في الطب التي سطرها ذلك الطبيب العظيم. وحسبما يذكر المؤرخون، فقد كتب هذا لم الحكيم ما يربو على مائة كتاب. "كذلك جذبت هذه الرعاية الملكية العديد من مشاهير الدارسين الذين تجمعوا في حيدر أباد، وذاع صيتهم خارج أسوار المدينة وخارج الهند أيضا. وعلى سبيل المثال، فإن حفيد الحاكم نواب، أصيب بداء الصرع عام 1795 م، وفشل الاطباء المعالجون في شفائه ، وعلى أثر ذلك أرسل حكيم قدير من حيدر أباد هو أحمد الله خان، حيث عالج حفيد نواب، وشفي المريض تماما. وإنه حقا لعمل عظيم أن يعالج مريض الصرع منذ مائتي عام. وعلى هذا، فقد اكتسب الأطباء حيدر أباد صيتا واسعا ليس في الهند وحدها وإنما في الخارج أيضا، وقد زارت مجموعة من الاطباء الأوروبيين منذ عهد قريب مدينة حيدر أباد ذات مرة بهدف البحث حول مرض الجذام. وعند استفسارهم لآراء الحكماء ناقش الحكيم احمد سيد أسباب مرض الجذام من وجهة نظر الطب اليوناني وترجم مؤلفي أبو الحسن، السكرتير المساعد، ذلك إلى الانجليزية، وعندما عرض ذلك على اللجنة نوه بقولهم : "لم نكن نعلم أن مثل هذه المراجع في الطب اليوناني لا زالت، موجودة في الهند." هذه اللمحات تعد دليلا كافيا على كفاءة أطبائنا المتخصصين في الطب اليوناني، وأيضا على علو قد الطب اليوناني . ويذكر ان المئات من التلاميذ التفوا حولهم بغية الإرشاد، بيد أن رعاية الملوك والنبلاء قد شجعتهم على اكتشاف آفاق جديدة من البحث وعلى تأليف الجديد من الكتب والأبحاث العلمية التي كتبت في الطب اليوناني. فقد ألف العديد من الكتب الجديدة بالعربية والفارسية، وعندما انتشرت اللغة الأردية ترجمت إليها الكتب والأبحاث العلمية الضليعة عن العربية والفارسية. وعلى الرغم من ان تقدما مله مسا قد حدث في الطب اليوناني في عهد نظام الملك آصف جاه الأول، وأيضا على الرغم من أنه استقدم عددا من علماء الطب من دلهي، فانه توجد كتب قليلة مؤلفة في هذه الفترة، والكتاب الوحيد هو كتاب الحكيم عبد السلام خان " قارا بادين السلامي " ، وعلى العكس من ذلك يوجد العديد من الكتب التي تنسب الى كهد نظام الثاني والثالث، فقد كتبا الحكيم أحمد الله خان كتبا عديدة أثرت الطب اليوناني في حيدر أباد، وبعض هذه المؤلفات كتب بالعربية بينما بعضها الآخر بالفارسية وقد ترجم معظمها الى اللغة الأردية، وفيما يلي أسماء هذه الكتب: " تحقيق البهران "، "تفريغ القلوب "، "شفاء المجدور"، " نص حاجات هجريات للحكيم أحمد الله خان "، "سلم ا لدرجات". وقد بلغ هذا المنهج الطبي أوجه في عهد الملك نظام الثالث، حتى أن نظام الثالث نفسه اطلع على هذا الفن الطبي. وكانت الأدوية تحضر في مبنى الحكومة في طوش خانة (المطبخ الملكي) وقد كانت متوفرة دائما للاستعمال مباشرة. وعلى هذا، فقد طلب الملك من أحد أطباء القصر وهو الحكيم الشيخ حيدر مصري ان يراجع وينقح وصفاته الطبية لتكون في كتاب، وقد أتم ذلك الكتاب وهو بعنوان "قراباذين هندي ".- وفي نفس العصر شرع حكيم آخر من البارزين قي تأليف كتاب بالعربية ولكنه مع الأسف لم يستطع إتمامه لكبر سنه فقد كان في التسعين من عمره مما جعله غير قادر جسمانيا على القيام بواجبه. وأيا ما كان فقد أتم الكتاب ولده الحكيم القدير تازه علي خان كما ترجمه إلى الفارسية تحت اسم " يا ادجار الرزائي " حيث تم طبعه بعد ذلك. وكان هناك في هذا العصر طبيب آخر من النابغين جدير بان يكون من المشاهير في فن الطب اليوناني، ويدعى معتمد الملوك شفائي خانه مير فضل علي، وكانت مدرسته تزخر بالطلبة دائما. وقد درس الطب اليوناني في حيدر أباد حيث ألف الكتب التالية: -
شيفال (بالفارسية)- جامع أصول الطب (بالعربية) ولم
يحظ الطب اليوناني بالاهتمام الكافي في عهد نظام الرابع ونظام الخامس،
ويعزي ذلك الى استخدام الطب وهكذا،
فقد كتب الحكيم مسيح الزمان محمد خان " أسرار مسيحا" "ومرقاة الدرجات
"، وكذلك ألف الحكيم وقد
استعاد الطب اليوناني أمجاده، واعتلى ذرى المجد منذ عصر الملك نظام
السادس، وبعد أن كانت معنويات وقد أحرز هذا الفن الطبي تقدما ملحوظا خلال حكم نظام السابع قد يحتاج الى مجلد كامل للحديث عن الأبحاث الطبية والرسائل العلمية والكتب التي الفت في هذا العصر. وقد تطور قسم الطب اليوناني تطورا ملحوظا خلال تلك الفترة، فوصلت مدرسة الطب اليوناني الى درجة رفيعة، وتفرغت عنها كلية طبية مكتملة، وقد ألحق بالكلية مستشفى لتلقي الدروس العملية، وألحق بها أيضا صالة للتشريح، ومعمل للباثولوجي. وقد
ظهر قسم جديد للترجمة من العربية والإنجليزية إلى اللغة الأردية،
وقد ظهرت أيضا خلال هذا العصر العديد من المجلات الدورية التي كان
يتم طبعها في حيدر أباد مثل "دكان الحكيم "Hakim-e-Dakan "وتحفة".
Tohfa . وحيث أننا في نطاق ذكر الطب اليوناني، فمن الضروري الإشارة إلى كنزين آخرين تشرف عليهما الدولة: أحدهما هو المعهد الهندي لتاريخ الطب، فهو يضم مكتبة عظيمة ووحدة ميكروفيلم، وكذلك يوجد بالمعهد متحف يقوم على تعليم الطلبة تاريخ الطب بواسطة الصور والرسوم البيانية والنماذج المصغرة. أيضا في هذا المضمار يجب ان نذكر الدكتور صوبا ردى الذي أسس هذا المعهد وجمع مادته ليستعين بها الدارسون. والكنز الثاني الجدير بالذكر هو الكلية الطبية النظامية. تعتبر الكلية النظامية أكبر كلية للطب اليوناني في الهند وهي عبارة عن مبنى موحد يضم كلية الطب النظامية ومستشفى صدار النظامية. وقد بناها الملك نظام السابع، نواب مير عثمان علي خان، خلال حكمه. وكان الغرض من إنشائها هو إعطاء الفرصة للبارزين في فن الطب اليوناني للاطلاع على الاتجاهات الجديدة في حقل الطب. وقد أكد ذلك الرئيس السابق للهند المرحوم فخر الدين علي احمد في خطبته في مؤتمر الطب اليوناني لجميع الهند في (سملا)، حيث قال: "انه من الضروري على طلبة الطب القدامى والجدد ان يتعلموا تاريخ الطب كي يلموا بماضيهم العريق ". ثم أضاف (أنه يجب علينا ألا نتمسك تمسكا أعمى بالنظريات الخاطئة السابقة، دون الاعتبار بالأشياء المفيدة المتوفرة حاليا ومستقلا، ولا يجب ان ننغمس في الحاضر الى حد ان ننسى إنجازاتنا السابقة". واستطرد قائلا: "أننا اذا ما استفدنا من المعرفة الحديثة جنبا الى جنب مع المعرفة القديمة التي أثبتت جدارتها خلال آلاف السنين الماضية فإن هذا سيؤدي الى نتائج طيبة". |