|
"الأعلام الطبية والصيدلانية في المغرب" للدكتور
عبد العزيز بن عبد الله
إن التنظير بين تعاليم الإسلام كدين وبين الطب كعلم يبرره اهتمام الإسلام خاصة بهذا اللون من المعرفة الإنسانية ذات التطبيقات العملية التي تتلائم مع ما جاء به الإسلام من توجيهات وتخطيطات في الحقل الحضاري وخاصة الاجتماعي. وهذا ما فسح المجال لرجالات العلم من متكلمين وأصوليين ومحدثين للإسهام في هذا المجال الذي يعتبره البعض خاصا موغلا في التخصص في حين أن الإسلام يعتبره أشد علاقة من كل المؤثرات الاجتماعية لأنه يكيف المجتمع ويسهر على سلامته المادية التي تعزز سلامة الروح الموكولة إلى علماء الدين، بل إن المنهج الرئيس الذي سار عليه الإسلام وطبع تعاليمه بكثير من اليسر والمرونة هو المبدأ القائل بأن "حفظ الأبدان مقدم على حفظ الأديان ". وهذا نجد الكثير ممن تخصص في العلوم الدينية عززها بالمشاركة في الطب وما يتصل به من نفسانيات وصيدلانيات، وإن تاريخ الفكر الإسلامي ليحفل بهذا الحجم المتصاعد من جهابذة المعرفة الذين نهلوا من المنبعين لضمان التوازن بين عنصري المادة والروح اللذين يشكلان الشقين المتناسقين في الهيكل البشري والعاملين الأساسين في ضمان ذلك الكيان المتلاحم الكفيل بحفظ النوع في مثالية مزدوجة اعتبرها الإسلام القوام الأول في تعاليمه الإنسانية التي فرضت بذلك صلاحيتها لكل عصر ومصر وكل زمان ومكان. إن الإسلام قد عني بمفهوم الإنسان وأهدافه وأبعاده في خضم الحياة ومصايرها المستقبلية، دون أن يغفل ذلك الشق الآخر الذي يتصل بمآله الأيدي، وكل ما يحقق هذين الهدفين يندرج في تعاليم الإسلام التي جاءت مجملة دعما لمرونتها وانطباقها على حاجات العصر ومقتضيات التطور. ومنطقية ما يأمر به الإسلام أو ينهى عنه تتحقق بإمكان إخضاع كل هذه المأمورات أو المنهيات لتجربة علمية برهنت مع الزمان على مثاليتها، فقد بدأنا نلمس فعلا صحة ما كنا نؤمن به غيبا حول ما ورد من تعاليم حول نظام التغذية في الإسلام والوقاية الصحية ومكافحة الغوليات والمخدرات مع العمل الموازي من أجل تربية النفس التي تشكل دعامة الأمراض العصبية التي دلت الإحصائيات على أنها تمثل أكثر من تسعة أعشار الإصابات البشرية. ولا يمكن التعرف على فعالية وجدوى هذه التعاليم إلا في نطاق منهج استقرائي يحلل تطور الإنسان منذ تكوينه في الرحم إلى أن يكتمل وينمو ويترعرع ، تم يهرم وينهار ما يتخلل ذلك من ظواهر وأحداث، وكل ذلك يشكل العمود الفقري لمناهج الدراسة الإنسانية في كل مجالاتها واختصاصاتها، وقد يتجلى جانب من ذلك في تحليلنا العلمي الدقيق لمحتويات القرآن والحديث في نطاق نقد لغوي دقيق ودون ضغط على المفهوم القرآني إخضاعا له للمدلولات العلمية التي تؤكد التجارب المتوالية ضعف الكثيرمنها. فإذا ما درسنا علوم الطب س خلال تعاليم الإسلام، فإنما ندرس معطيات عارضة جاءت عفوا في مضامين قرآنية أو حديثية، وفي ثنايا ما يعلق بالإنسان أو يطرأ على سلوكه أو يكيف مجرى حياته ككائن حي متطور . وممكن أن نضيف إلى هذه العطاءات القرآنية والحديثية معطيات تجددت في ظل الإسلام من خلال تجارب علماء الإسلام. وسنضرب للنوعين أمثلة حية لنتعرف على مدى إمكان ملء مجال واسع من مناهج كليات الطب الإسلامية بتلك العطاءات ، ولعل الفكر المنطقي في مجراه العلمي ومجالاته الجامعية لم يطبع الحركة العلمية الطبية بأوروبا ، إلا في القرن التاسع عشر، مع ظهور كلود بيرنار (Claude Bernard) الذي وضع أسس منهجية الطب التجريبي في العصور الحديثة مع أن الفكر الديني الذي دعم تسلسل السند في الحديث من خلال شروط دقيقة سار عليها المحدثون أمثال الإمام البخاري- هو الذي فسح المجال للملاحظة والتجربة في مختلف العلوم، وخاصة الطب إلى حد أن هنالك مثلا جاريا في العالم العربي منذ حقب يقول "سل المجرب قباء أن تسأل الطبيب " اللهم إلا إذا كان الطبيب هو نفسه مجربا. وقد لاحظ الدكتور (موريس بوكاي) أن العلم اتسم لأول بطابع دولي في الجامعات الإسلامية في العصور الوسطى، حيث كان العلماء أكثر تشبعا بالروح الدينية منهم في عصرنا، ولم يمنعهم ذلك من أن يكونوا في المجتمع الإسلامي مؤمنين وعلماء في آن واحد ذلك أن العلم والدين توأمان. وقد لاحظ ابن القيم الجوزية في (الطب النبوي) أن المرض نوعان: مرض الأرواح ومرض الأشباح أي الأجسام وكلاهما منصوص عليه في القرآن. وتنقسم أمراض الروح إلى نوعين: مرض الشك والريبة ومرض النزوات والشهوات. قال
تعالى: "في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا". وقال: "فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ". وفي خصوص سنة الرسول صلى الله عليه وسلم الذي تعد الأحاديث المتعلقة بالأدواء والأدوية بثلاثمائة، وقد ذكر حاجي خليفة في كشف الظنون ستة مؤلفات في الطب النبوي ، وكتب عنه كثير من الأوروبين مثل كانبي وريسك وبيرون ولنور الدين أبي الحسن على ابن الجزار المصري السر المصطفوي في الطب النبوي، ولجلال الدين أبي سليمان داود كتاب يا الطب النبوي كتاب وقد ترجمه م. بيرون إلى الفرنسية هو ينقل عن ابن البيطار وتوجد رسالتان في الطب النبوي لمؤلفين مجهولين حلل إحداهما ريسك في "رسائله الطبية" والثانية كانبي في "حياة محمد" وقد أعطت هذه الرسالة لكانبي هذا فكرة سامية عن علم الرسول عليه السلام . كما لأحمد بن يوسف! النيفاشى المتوفى عام 651 هـ/ 1253 م. (الشفا في الطب عن المصطفى)، الديباج ص 74 بروكلمان ج ا ص 904 وملحقه ج 1 ص 904. وقد كان من المقرر في حضارة العرب أنه لا تستوطن إلا بلدة فيها سلطان قاهر وطبيب ماهر ونهر جار وقاض عدل وسوق قائم (زهرة الآس 24) واكتسب علم الطب في مختلف العصور الإسلامية أهمية كبرى جعلت منه فرضا كفائيا، وقد ذكر ابن فرحون في الديباج "أن محمدا المازري كان يفزع إليه في الفتوى في الطب في بلده، كما يفزع إليه في الفتوى في الفقه، ويحكى أن سبب قراءته الطب ونظره فيه أنه مرض فكان يطبه يهودي فقال له اليهودي يوما، يا سيدي مثل يطب مثلكم وأي قربة أجدها أتقرب بها في ديني مثل أن أفقدكم للمسلمين فمن حينئذ نظر في الطب ". وقد كلفت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية الدكتور صلاح الدين المنجد مدير مهد المخطوطات في الأمانة العامة سابقا بوضع كتاب عن مصادر تاريخ الطب المخطوطة، وقد انتهى الدكتور المنجد من عمله وجمع ألف مخطوط عربي يبحث في الطب في مختلف أقسامه وفي مختلف العصور العربية. إن قدسية الأحاديث النبوية حدت بعلماء الإسلام الى ضبط المنهجية العلمية في البحث والتنقيب حتى لا نقع في الخطأ وانصبت هذه القدسية على الحقيقة العلمية حيث كانت وكيفما كانت، ولعل الشروط التي وضعها المحدثون لذلك قد سبقوا بها ما وضعه العالم الفرنسي (ديكارت) بعد عدة قرون في قواعده الأربع، وقد تبلور هذا التمازج خاصة في المشاركة بين علمي الأصول الحديثة والفقهية والكلامية من جهة وعلوم الطب والصيدلة من ناحية أخرى . وتتبلور
أسس الأدواء حسب الفكر الإسلامي في ثلاثة محاور هي حفظ الصحة والحمية
وتنحية المواد الضارة من الجسم. وهي كلها في قوله تعالى:
2- " فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك " (وفيه دعوة إلى تطهير الجسم مما يتعلق به من جراثيم، وذلك بحلق الشعر خلال الإحرام للمريض، ولذلك تتفتح مسام الجلد وتخرج الخبائث من الجسم). 3- " وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طبيا" (العدول عن الماء إلى التراب لتلافي كل ضرريحصل للجسم . كان ذلك يبرز تفاعل العنصر الديني وعنصر العلاج الطبي. وقد عنى الإسلام بحفظ الصحة (Hygiene) فحض على الطهارة (وثيابك فطهر) والغسل والوضوء والاستنجاء والاستبراء والسواك بدل غسل الأسنان ببول البقر في أوروبا ولوازم الفطرة (وهي غسل م برز في الجسم لحمايته كالأظافر وشعر الإبط والأنف والعانة والختان (الخ) وذلك بالإضافة إلى تطهير الثياب (وثيابك فطهر الآية) كان ذلك تمهيدا لتصفية الفكر وتطهير العقل من الوساوس والهواجس المثيرة للأعصاب. وهكذا اهتم الإسلام بالطهارة كعلاج وقائي للجسم والروح معا، كما دعا إلى الالتجاء إلى الله تعوذا من الخوف والقلق واليأس مع الابتعاد عن الخمور والمخدرات والميسر والقمار لطرد أسباب هذا القلق. وقد أبرز الأستاذ أرنيست أدولف الطبيب الجراح في جامعة سان جوهن الأمريكية هذا الشرط في دعم العلاج الطبي الحقيقي، حيث أوضح أن 80% من الأمراض المحصاة في المدن الأمريكية ترجع لأسباب نفسانية، ونصف هذه النسبة من الأمراض غير عضوية. وبخصوص الصيام أبرر الدكتور ماك مادان وهو من أمهر الأطباء الأمريكان في كتاب أفرده للصيام- النتائج الباهرة التي يسفر عنها الصيام، وأثره الحاسم على الأمراض المستعصية مؤكدا أن كل إنسان في حاجة إلى الصوم حتى ولو لم يكن مريضا، لأن السميات (أو الديفانات Taseines) الغدائية والعلاجية تتراكم في الجسم مسببة التوعك مع تثاقل وتناقص في النشاط، فإذا تم الصيام خف وزن الصائم وانحسرت الديفانات عن جسمه فتصفى، ويتنقى كليا مع انبثاق شعور لديه بعد مرور أيام على صومه بحيوية وقوة لم يعهدهما من قبل، فالصوم يعالج كل أمراض المعدة والأدوار الدموية وأوعية الدم كالرثية (الروماتيزم). وهذا مصداق قوله علية السلام "صومو تصحوا". فالكشف عن الداء ووصف الدواء من أسس الشعائر الدينية في الدين الحنيف. فالإسلام اعتبر أن لكل داء دواء، وأن المريض يجب أن يبحث لمرضه عن علاج، وإلا عوقب بسبب إلقاء نفسه الى التهلكة ، كما يجب ألا ينساق مع المفهوم المخطىء للقضاء والقدر، لأن محاولة العلاج أيضا داخلة في مفهوم القدر. وفي الوقت الذي اعتبر الإسلام المتطبب ضامنا إذا غلط في نوعية العلاج فإنه سهل مأموريته بإباحة ما لا يباح لغيره، كالنظر الى الأعضاء المحرمة من جسمه إذا اقتضى الحال. على أن الإسلام قد حلل أصول الخليقة في آيات وأحاديث برهن تطور العلم في العصور الحديثة على عمق تحليلاتها، والله قد خلق الإنسان من صلصال من حمأ مسنون أو صلصال كالفخار أو من سلالة من طين أي خلاصة من مركبات جيرية على أثر تفاعلات فيزيائية كيماوية أحيائية في مزيج مائي أدى الى تكوين عضوي لزب متلائم الأجزاء على غرار الفخار المتماسك. وقد
تأيد هذا الوضع بأدلة علمية منها: تلك بعض الجوانب الدينية التي تشكل أساس الفكر الطبي في الإسلام ، والتي يمكن استثمار أبعادها العلمية في تحليلات تقنية دقيقة ضمن الأبحاث الجامعية الحديثة التي يجب أن تستهدف بالدرجة الأولى وصل برامج كليات الطب مع تعاليم الإسلام، وعلينا لدعم هذا الرصيد الثري أن نستعرض عطاءات الفكر الإسلامي في التجارب الطبية الرصينة التي أغنت المكتبة العلمية الإنسانية. وبودنا أن نضرب لهذا العطاء أمثلة مستقاة خاصة من إسهامات المغرب العربي كامتداد لإبداعات الشرق الإسلامي. ويتجلى للباحث أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي هو في الحقيقة أبو الطب العربي ، وقد ألف ما يناهز مائتي كتاب ترجمت جميعها إلى اللاتينية، وقد وصف الجدري والحصبة وهو أول أن استعمل الفتائل في العمليات الجراحية، وكذلك الأنابيب التي يمر منها الصديد والقيح والإفرازات السامة، وكان طبيبا أخصائيا حيث ألف كتاب "أمراض الأطفال " وكتاب "تجارب المارستان " فلا شك إذن أن الرازي يمكن أن يسجل في طليعة أطباء العرب. وقد أكد لوكلير أنه إذا كان الكندي هو أول فيلسوف ظهر عند العرب فإن الرازي هو أول طبيب عند العرب. وقد شعر العرب منذ القرن الثاني للهجرة بأهمية علم الصيدلة في التجارب الطبية، كما اقتنعوا بأن معرفة الكيمياء أساسية في البحوث الصيدلية، وقد أكد برتيلو في كتابه "الكيمياء قي القرون الوسطى" أن كتب جابر بن حيان في الكيمياء هي غاية ما وصل إليه العقل الإنساني من الابتكار، وأن كل المشتغلين بهذا العلم من بعده كانوا عالة عليه. وقد سبق العرب الأوروبيين إلى وضع الأواني الزجاجية الكبيرة التي تحتوي على السوائل الملونة. ثم جاء الأستاذ ابن سينا فكان أعظم مصنفاته الطبية بعد القانون هو أرجوزته المعروفة عند الأوروبيين ب "كانتيكوم ". وأهم شرح لها هو الذي ألفه ابن رشد وقد ترجم إلى اللاتينية وكان ابن زهر الأوسط يفضلها على القانون لأنها جامعة لمبادىء العلم. ويعتبر كتاب القانون لابن سينا والحاوي للرازي وكتاب عاب بن عباس أعظم الموسوعات الطبية التي أنتجها العرب. ويوجد قرار جامعي مؤرخ ب 1617 يدل على أن كتب الرازي وابن سينا كانت أساس التعليم الطبي في جامعة لوفان في القرن السابع ، عشر وابن سينا كان أساس الدراسات في جامعات أوروبا طوال ستة قرون (أعراف المسلمين وعاداتهم). وأول من نظم صناعة الطب وقيدها حرصا على مصلحة الجمهور المقتدر الذي تولى الخلافة عام 295 ففرض تأدية امتحان وبلغ عدد المتخرجين في جانبي بغداد عام 319 هـ- 860 رجلا سوى من استغنى عن امتحانه باشتهاره بالتقدم في الصناعة. وأجرى أول امتحان للصيادلة أيام المعتصم عام 221 هـ وقد جاء في (نهاية الرتبة قي طلب الحسبة) لعبد الرحمن الشيزرى (مخطوط) أن المحتسب كان يحلف للأطباء أن لا يعطوا أحدا دواء مرا ولا يركبوا له سما ولا يصنعوا السمائم عند أحد من العامة، ولا يذكروا للنساء الدواء الذي يسقط الأجنة ولا للرجال أن الدواء الذي يقطع النسل والغض عن المحارم وعدم إفشاء الأسرار (أو السر المهني) والتوفر على جميع الآلات...). ومن أنجع الوسائل التي كان العرب يقاومون بها الأمراض بجانب المصحات، حسمن التغذية وتناسب الملبوس مع الفصول والأساليب الوقائية وفي مقدمتها الطهارة. لهذا نرى أن الحمامات كانت متوفرة بصورة غريبة وقد ألفت في حمامات دمشق كتب مثل (عدة 3 الملمات في تعداد الحمامات) ليوسف عبد الهادي من رجال القرن العاشر. ويقولون إن حمامات بغداد بلغت بضعة آلاف منذ القرن الثالث، وفي القاهرة بلغت ثمانين فقط في القرن السابع، وفي نفس الوقت كان بالفسطاط أكثر من ألف حمام. وذكر الخطيب البغدادي في تاريخه أن عدد الحمامات في عهد الرشيد والأمين بلغ ستين ألفا، وذكر ابن جبير أن في بغداد ألفين من الحمامات قد طليت سطوحها بالقار. وقد نوه رينو بحكمة المسلمين في اختيار أزيائهم مثل الثياب الصوفية البيضاء التي توافق الصحة في البلاد الحارة، والتي لا تخزن أشعة الشمس أكثر من الحاجة وتحفظ حرارة الجسم إبان البرد، زد عام ذلك أن الثوب الفضفاض يساعد على تسرب الهواء الضروري للتنفس الجلدي ولا يضغط على بعض الأجهزة مثل الكبد والمعدة . وأبرز طبيب عربي ظهر في الأندلس في القرن الرابع هو أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي صاحب كتاب "التصريف لمن عجز عن التأليف " وقد قال فيه أحد الجراحين الغربيين: "لا شك أن الزهراوي أعظم طبيب في الجراحة العربية وقد اعتمده واستند الى بحوثه جميع مؤلفي الجراحة في القرون الوسطى وكتابه هو اللبنة الأولى في هذا الفن وهو أول من ربط الشرايين ووصف عملية تفتيت حصاة المثانة واستخرجها بعملية جراحية وعالج الشلل وأول من استعمل خيوط الحرير في العمليات الجراحية ". وذكر لوكلير من جهته أن الزهراوي أعظم ممثل لعلم الجراحة في المدرسة العربية . والظاهرة الطريفة التي امتاز بها كتاب التعريف للزهراوي هو إدراجه بإزاء النصوص لصور الآلات. وقد عرف البرابرة في المغرب العربي منذ عهود سحيقة حقن جراثيم الجدري ، وكانوا يستعملونها لتحصين المصاب . ونقل الكانوني في " شهيرات المغرب " (مخطوط) عن كتاب "فن الأسنان بالمغرب الأقصى" أنه كان يقاس في القرن الرابع الهجري مدرسة طبية وذلك أيام كان المغرب تحت نفوذ الأمويين. نعم في العهد الذي كانت الأندلس خاضعة لسلطان مراكش تكونت- كما يقول لوكلير - جماعة من الأطباء التفت حول ملوك المرابطين والموحدين، وسار معظمهم في ركاب هؤلاء الملوك إلى المغرب حيث قضوا بقية حياتهم في العلاج وتدريب الطب ، فأفاد المغرب كثيرا من نكبة الأندلس. ويظهر أن أبا العلاء زهر بن زهر هو أول طبيب أندلسي ورد على المغرب بعد استيلاء المرابطين على الأندلس ، وقد كان طبيبا خاصا ليوسف بن تاشفين بعد أن كان طبيب المعتمد بن عباد بأشبيلية. وكانت له آراء شاذة في الطب ، منها منعه من الحمام اعتقادا منه بأنه يعفن الأجسام ويفسد تركيب الأمزجة (عيون الأنباء في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة . وقد تمخضت تجارب أبي العلاء في المغرب عن تأليفه لكتاب "التذكرة" (الذي ترجمه وطبعه كولان عام 1911 بباريس) وهو مجموعة من الملاحظات سجلها لولده ابن زهر لتعريفه بالأدواء الغالبة في مراكش والأدوية المناسبة. وبعدما توفي أبو العلاء أمر علي بن يوسف بجمع ملاحظات طبية أخرى كان أبو العلاء سجلها في أوراق وهي "المجربات " التي جمعت بمراكش عام 526 هـ والتي يوجد مخطوط منها في الاسكوريال. وقد ترجم جان دوكابو التذكرة من العبرانية إلى اللاتينية (نسخة في مكتبة كلية الطب بباريس) تم توالت التراجم عام 1285 والمطبوعات (عشر مرات بين 1490 و 1554). وتوجد الآن نسخة في مكتبة مدرسة اللغات الشرقية بباريس، يرجع تاريخ طبعها الى 1531 وهي تحتوي أيضا على كليات ابن رشد. وهنالك رسالة في أمراض الكلى كتبها أبو العلاء لعلي بن يوسف ولا توجد سوى ترجمتها باللاتينية المنشورة عام 1497 كما يوجد له مخطوط حول الخواص بمكتبة باريس ومنه استقى ابن البيطار خواص لحوم الحيوانات. ولأبي العلاء مقالة في شرح رسالة يعقوب بن اسحق الكندي حول تركيب الأدوية. وولده هو أبو مروان عبد الملك بن زهر خدم المرابطين مثل أبيه وألف (كتاب الاقتصاد) لإبراهيم بن يوسف أخي علي (يوجد منه مخطوط بباريس رقم 2959) وكذلك نسخة في الاسكوريال حسب (رينو) محررة بالعربية ومكتوبة بحروف عبرانية وفرغ من الكتاب عام 515 هـ. وقد أوضح بكيفية عملية الفرق بين الجذام والبهاق ومسألة العدوى، بل أفرد لذلك رسالة لن تصلنا ويذكرون أن ابن زهر هذا أعظم من ابن سينا ولا يعد له سوى الرازي في الشرق. وقد تحدث ابن زهر في هذا الكتاب عن أطباء عصره فذكر أنهم يختلفون في الاعتناء بالمرضى، وأن الناس يجهلون الطب لأن الطبيب الذي يستشيره مريض من المرضى يبادر فيصف له دواء من الأدوية دون تمحيص للحالة في جميع خواصها ، ثم ذكر أند استدعى يوما من الأيام لدى أمير مرابطي فوجد جماعة من الأطباء شبابا وشيوخا لم يسبق له أن تذاكر معهم ، ولكنه تأثر بتجربتهم. فجرت المذاكرة حول الداء الذي يشكو منه الأمير فبادر الأطباء الحاضرون ووصف كل منهم دواء ، فلم يوفق في نظر ابن زهر سوى واحد منهم ، ومع ذلك لم يستكنه سبب الداء. ومما امتاز به وخالف فيه أطباء عصره الأقدمين أنه كان يستعمل الفصد للشيوخ من سبعين سنة فأقل ، وللأطفال كذلك حيث فصد ابنه من ثلاث سنوات فأدهش معاصريه، وكان والده أبو العلاء يوصي ببطيخ فلسطين أي الدلاع في غرف المغاربة في أمراض الكبد ويعالج بجس النبض والنظر إلى قوارير البول. وكتاب التيسير قد كتبه أبو مروان بن زهر يطلب من ابن رشد كتذييل لكتابه الكليات. وقد أكد ابن عبد الملك في الذيل والتكملة) أن ابن رشد كان يفضل ابن زهر على غيره من أهل عصره. وقد نهح ابن زهر في كتاب (التيسير) أسلوبا جديدا في الحكمة القياسية مستخدما التمحيص العقلي للوصول الى أحسن النتائج، فهـو طبيب التجربة والتمحيص العلمي وليس من صناع اليد كما يقول في "التيسير" أما في الميدان العملي فقد لاحظ ابن زهر أنه يأنف أن إجراء العمليات الجراحية الكبرى بنفسه، لأن رؤية الجروح تثير في نفسه ضعفا يوشك أن يسفر عن إغماء، ولكنه لا يكره تحضير الأدوية غير مستعمل الخمر في تركيبها على سنن والده أبي العلاء حتى ولو أوصى بذلك جالينوس على خلاف الرازي. وتحدث عن الأعمال اليدوية في الطب فلاحظ أنها موكولة لأعوان الطبيب مثل الفصد والكي وفتح الشرايين، أما مهمة الطبيب فهي تقرير نظام الأكل عند المريض ووصف الأدوية له فهولا يتناول شيئا بيده ولا يركب دواء، وحكي أن والده لم يباشر شيئا من هذا القبيل بيده طوال حياته، وحتى لو أراد ذلك لما وفق لعدم الاستيناس وتحدث عبد الملك عن نفسه فذكر أنه كان هو نفسه ولوعا بالمباشرة اليدوية في الصيدلة وتجربة الأدوية والتوصل إلى قيمها وتركيباتها. ولعل أبا مروان توصل بفضل قياساته الطبية وتجربته الشخصية إلى الكشف عن أمراض جديدة لم تدرس قبله، فقد اهتم بالأمراض الرئوية وأجريت له عملية القصبة المؤدية إلى الرئة، وتمكن هو بعد ذلك من تشريح القصبة في مرض الذبحة فعولج المريض. وقد اختص ابن زهر في أمراض الجهاز الهضمي واستعمل أنبوبة مجوفة من القصدير لتغذية المصابين بعسر البلع واستعمل الحقن المغذية واكتشف طفيلية الجرب وسماها صؤابة الجرب ، كل بسط طرق العلاج القديمة وأوضح أن الطبيعة إذا اعتبرناها قوة داخلية تدير شأن الجهاز البشري- تكفي وحدها في الغالب لعلاج الأدواء. وكان أبو مروان إذا عالج مريضا نسي نفسه واستهلك في مريضه وهذا هو سر عبقريته، فإذا عرضت عليه حالة شائكة حاول أن يعيشها واستمد من ذكرياته وتجاربه ومنطقه، وهذا كان نسيج وحده وانكب أطباء القرون الوسطى على دراسة كتابه التيسير الذي ترجم أولا عن العبرانية من طرف شخص مجهول (مخطوط بمكتبة ليد) ثم إلى الإيطالية عام 1260. وقد تحدث ابن زهر في كتاب التيسير عن يمين أبقراط الذي كان يطالب بها جميع صور يدرس مصنفاته ويقتضي منهم إلزام تلاميذهم بها. والحفيد أبو بكر بن أبي مروان كان طبيبا شاعرا متين الدين خدم الدولتين اللمتونية والموحدية (عبد المؤمن ويوسف ويعقوب والناصر) توفي عام 596 هـ بمراكش ألف الترياق الخمسيني ليعقوب المنصور. وكان أبو بكر يحفظ صحيح البخاري بأسانيده (الأنيس المطرب ج 2 ص 180) ولم يكن في زمانه أعلم منه باللغة وكان يحفظ شعر ذي الرمة وهو ثلث لغة العرب (المطرب لابن دحية). ومنهم أيضا أبو الوليد بن رشد الذي تميز في الطب، وله كتاب الكليات الذي ترجم إلى اللاتينية وطبع، ولما ألف كتابه هذا قصد من ابن زهر أن يؤلف كتابا في الأمور الجزئية لتكون جملة كتابيهما ككتاب كامل في صناعة الطب. ولابن رشد تلخيص كتاب العلل والأعراض والتصرف والحميات والأدوية المفردة وحيلة البرء. وقد اقترح ابن رشد في شرحه لابن سينا ما يصفه الأطباء اليوم ، وهو تبديل الهواء في الأمراض الرئوية ، وقد أشار إلى جزيرة العرب وبلاد النوبة كمراكز شتوية. وابن رشد هو أول من أشار إلى الدورة الدموية وعللها في كتابه الكليات الذي استمد منه ويليام هارفي معظم نظرياته. وأحمد بن محمد أبو جعفر الذهبي المتوفى بتلمسان عام 601 هـ/ 1202 م كان عالما بصناعة الطب فيلسوف الأندلس مع تبريز في الفقه والقراءات والنحو واللغة، عينه المنصور الموحدي نقيب الطلبة والأطباء بمراكش وطبيبه الخاص وكذلك لولده الناصر الموحدي. وله شرح على صحيح مسلم. عيون الأنباء ج 3 ص 132/ ج 2 ص 81. أبو يحى هانيء بن الحسن اللخمي الغرناطي له مشاركة في الحديث وا"لأصول والطب تتلمذ لابن فرتون بفاس توفي عام 614 هـ . وقد رحل إلى المشرق أطباء مغاربة منهم علي بن يقظان السبتي الطبيب الشاعر الأديب الذي توجه إلى مصر عام 544، ثم إلى اليمن والعراق وكذلك يوسف بن يحبى بن اسحق السبتي أبو الحجاج نزيل حلب ويعرف في سبتة بابن سمعون كان طبيبا من أهل فاس "وقرأ يوسف الحكمة ببلاده (أي سبتة) فساد فيها" (القفطي ص 206) وذكر لوكلير أنه كان طبيب ميمون أمير حلب وطبيب الملك الظاهر وصديقا للقفطي. أبو جعفر عمر بن القلعي المغربي طبيب ماهر في الأدوية والأمراض وعلاجها كتب ملاحظات على كتب ابن سينا ، ولد بالمغرب وعاش في دمشق حيث كان له دكان للعيادة توفي عام 576 هـ . أسا المستشفيات فمما أنشأه أبو يوسف دار الفرج في شرقي الجامع المكرم، وهو مارستان المرضى يدخل العليل فيه فيعاين ما أعد فيه من المنازل والمياه والأطعمة الشهية والأشربة المفوهة ويستطعمها ويستسيغها فتنعشه من حينه (الاستبصار في عجائب الأمصار). ووصف عبد الواحد المراكشي المستشفى الموحدي بمراكش فقال: " وبنى بمراكش بيمارستان ما أ أضن أن في الدنيا مثله، وذلك أنه تخير ساحة فسيحة بأعدل موضع في البلد، وأمر البنائين باتقانه على أحسن الوجوه فأتقنوا فيه من النقوش البديعة والزخارف المحكمة ما زاد على الاقتراح، وأمر أن يغرس فيه مع ذلك من جميع الأشجار ، المشمومات والمأكولات، وأجرى فيه مياها كثيرة تدور على جميع البيوت زيادة على أربع برك في وسط إحداها رخام أبيض ، ثم أمر له من الفرش ، النفسية من أنواع الصوف والكتان والحرير والأديم وغيره بما يزيد على الوصف ويأتي فوق النعت. وأجرى له ثلاثين دينارا في كل يوم برسم الطعام وما ينفق عليه خاصة خارجا عما جلب إليه من الأدوية ، وأقام فيه الصيادلة لعمل الأشربة والأدهان والأكحال وأعد فيه للمرضى ثياب ليل ونهار للنوم من جهاز الصيف والشتاء، فإذا نقه المريض فإن كان فقيرا أمر له عند خروجه بمال يعيش به ريثما يستقل وإن كان غنيا دفع له ماله... ولم يقصره على الفقراء دون الأغنياء بل كل من مرض بمراكش من غريب حمل إليه وعولج إلى أن يستريح أو يموت، وكان في كل جمعة بعد صلاته يركب ويدخله ليعود المرضى... ولم يزل مستمرا على هذا إلى أن مات . وذكر مي (Millet) (في كتابه الموحدون) المؤلف عام 1933) أن هذا المستشفى "لا يخلف وراءه مصحات أوروبا المسيحية فحسب بل تخجل منه حتى اليوم مستشفيات باريس ". ولا بدع إذا كان مستشفى الموحدين بهذه المثابة بالنسبة لأوروبا فقد قالت (ولتر) في (مختصر التاريخ): "ازدهر علم الطب والتداوي عند العرب على حين كان الأوروبيون يجهلون هذا العلم الشريف ويحتقرون أربابه، إذ أن الكنيسة كانت قد حرمته عليهم وحصرت التداوي في زيارة الكنائس والاستشفاء بذخائر القديسين وبالتعاويذ والرقى التي كان يبيعها رجال الدين " إلى أن قال: " وكان الأوروبيون يستنكفون من النظافة لأنها تشبه الوضوء عند المسلمين ". وأبو يوسف المريني " هو الذي صنع المارستانات في جنوب المغرب للغرباء والمجانين وأجرى عليها النفقات وجميع ما يحتاجون إليه من الأغذية وما يشتهونه من الفواكه ، وأمر الأطباء بتفقد أحوالهم في أمورهم ومداواتهم وما يصلح أحوالهم " (الذخيرة السنية ص 100) ولم تكد تخلو مدينة من مارستان. على أن الطب كان في أفريقية- كما كان في المغرب- مشاعا بين طبقة وافرة من الفقهاء والمحدثين والأدباء. فهذا مثلا الإمام السنوسي شارح البخاري له شرح على رجز ابن سينا في الطب، وله شرح كبير على الحوفية في الفرائض والحساب ألفه وهو ابن تسعة عشر عاما. وقد أكد رينو أن علم الطب كان يدرس في جامعة القرويين بواسطة كتب أبقراط وجالينوس وديجينوس المعربة،إلا أن كتب خزانة القرويين أندرس بعضها على يد الأسبان عام 1161 م ولم تعد تدرس العلوم والطب رسميا اللهم إلا ما كان من دروس يلقيها (أطباء) في حوامع العاصمة أو بعض زوايا المدن الأخرى حيث يعلقون على المصنفات العربية المخطوطة أوالمطبوعة الموجودة في الطب بالمغرب محافظين بذلك على ما يعرفونه من الطب التطبيقي، وقد ازدهر في هذا الإبان بالشرق والأندلس خاصة علم النبات وطب العيون وظهر أمثال النبطي وتلميذه ابن البيطار وهما أندلسيان ورشيد الدين الصوري المتوفي عام 639 وهو أكبر نباتي العرب طرافة وأصالة، وقد عرف الشرق نوعا من الاختصاص في المستشفيات فأضيفت مثلا إلى مارستانات دمشق أجنحة للكحالة أو طب العيون. والنبطي هذا هو أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرج المعروف بابن الرومية ولد في أشبيلية عام 61 د هـ (وفي رواية أخرى 567 هـ ودرس الأعشاب شخصيا دون اعتماد على ديساقوريدس وجالينوس واقتبس منه تلميذه ابن البيطار ذوقه الخاص. علمه الواسع وقد رحل إلى الشرق عام 613 هـ (أو 614) بعدما درس أعشاب الأندلس ومر بالمغرب حيث أشار في كتابه إلى أعشاب ومدن مغربية ودعاه الملك الأفضل للاستيطان بالقاهرة. وقد صنف كتابا حسنا كثير الفائدة الحشائش ورتب فيه أسماءها على حروف المعجم، وفاق أهل زمانه في معرفة النبات وقعد في دكان لبيعه توفي فب أشبيلية عام 638 هـ . أما ابن البيطار فقد ذكر لوكلير (ج 2 ص 225) أنه أعظم نباتي العرب وأنه لا يضاهيه من أطباء العرب سوى الغافقي والشريف الإدريسي وأبي العباس النبطي ورشيد الدين الصوري الذين درسوا كلهم الطبيعة ووسعوا دائرة المعلومات البشرية وقد استفاد ابن البيطار مما كتبه الصوري وقد تنقل في جبال الشام بصحبة رسام كان يصور له الأعشاب. وخلف لنا أعظم مجموعة في العلوم الطبيعية الطبية عند العرب. وقد رحل إلى الشرق عام 1216 أو 1217 م ومر بالمغرب وسجل ملاحظات شتى حول الأعشاب وبعض الأسماء البربرية التي اندرجت منذ ذاك في القاموس العربي. وكار، ابن البيطار يتجول مع تلميذه ابن أبي أصيبعة للبحث عن الأعشاب، وقد مات في دمشق عام 248 ا م خلافا لما زعمه كلمه الحسن الوزان من أنه مات بالأندلس، وذكر المقري أن ابن البيطار حشر في كتابه ما سمع به وقرأه في تصانيف الأدوية المفردة ، ككتاب الغافقي وكتاب الزهراوي وكتاب الشريف الإدريسي السبتي وغيرها وضبطه على حروف المعجم، كان أوحد زمانه في معرفة النباتات، سافر إلى بلاد الأفارقة وأقصى بلاد الروم والمغرب وخدم الكامل بن العادل الذي عينه رئيس العشابين بمصر (ويسمى علماء النبات في الشرق بالعشابين والشجارين والنباتيين والحشائشيين كما في التذكرة التيمورية). وكتابه جامع المفردات أكمل وأوسع ما صنفه العرب في الطب وقد ترجمة لوكلير إلى الفرنسية وهو يتضمن ألفي وصفة من وصفات العقاقير. وقد ذكر ابن البيطار عبد الله بن صالح الكتامي مع النبطي وأبي الحجاج الأشبيل كأساتذة له ، ونقل عنه ابن البيطار عند تعرضه للأعشاب التي شاهدها بإسبانيا والمغرب وبالأخص أرباض فاس. وكتاب ، الأدوية للشريف الإدريسي الذي أشار إليه ابن أبي أصيبعة والذي هو مليء بالملاحظات الشخصية قد اقتبس منه ابن البيطار في ماثتي موضع من كتابه في الأعشاب وأعتمد عليه وحده في ثلاتين موضعا وتحدث عن أعشاب المغرب وعرف أحيانا بأسمائها البربرية . ولكن مرت فترة عصيبة بالشرق فتت في عضد الفنون والفلسفة والتعاليم بسبب غارات المغول الذين ما لبثوا أن اعتنوا بالعلماء بعد إسلامهم بفضل جهود الطبيب قطب الدين الشيرازي تلميذ الفخر الرازي. وتخرج عند ذاك أمثال القزويني العالم في الطبيعة الذي يشبهه الغربيون بالعالم بليني، وبالأندلس ورث بنو الأحمر حضارة الحرب من أوروبا المسلمة وأصبحت غرناطة التي ظلت تابعة لبني مرين فترد من الزمن ملجأ العلم والفن في أوروبا المسلمة إلى سقوطها في يد الأسبان عام 886 هـ . ومن أبرز مؤرخي هذا العصر الذين عنوا بتاريخ الطب ابن الخطيب السلماني . "ودراسة عصر ابن الخطيب مفيدة كما يقول رينو للطبيب لأنها عصر الطاعون الأسود الأكبر الذي هلك فيه حسب قول المؤرخين ثلث سكان المعمورة وقد صنف بعض الأطباء الغاربة مؤلفات في علل هذا الداء وطرق علاجه " (الطب القديم بالمغرب. ثم تعاقب في العصور التالية أطباء واصلوا إثراء التراث العربي الإسلامي من بينهم: ابن ثابت علي بن سعيد التلمساني المتوفى (عام 829 هـ/ 426 1 م). له 28 كتابا خاصة في أصول الدين والطب (تعريف الخلف ج 2 ص 259/ الأعلام للزركلي ج 5 ص 75). عبد الرحمن سقين القصري ثم الفاسي المحدث كان مشاركا في الأدب والتصوف والطب يقرأ ألفية ابن سينا توفي عام 956 هـ (النيل ص 153). وعبد الوهاب الزقاق الذي كانت له مشاركة في الأدب والأصلين والطب والتفسير والحديث والنحو ولى القضاء والفتوى بفاس (توفي عام 961 هـ). وقد نصح المنصور السعدي ولده في رسالة وجهها إليه باستعمال الدواء إبان الطاعون الذي طرأ في عهده في وصفات تدل على براعة المنصور في الطب، ومن جملة ما أوصاه به عدم فتح الرسائل إلا بعد غمسها في الخل القوي ثم تنشيفها، وهذا يدل- كل يقول رينو ص 79- على أن المغرب كان يعرف إذ ذاك أن عزل المرضى أصلح وسيلة لدرء المرض ولا ينبغي الخلط بين الطاعون والوباء فالفرق بينهما كما يقول محمد بن أبي العاص الأندلسي صاحب الرسالة في تحقيق الوباء أن الطاعون مصحوب دأئما بذبيلة أي عقدة عصبية ملتهبة ، في حين أن الوباء قد لا يتمخض عن أي التهاب من هذا النوع ولكن كلاهما قاتل. وبالرغم من انخفاض المستوى الاجتماعي العام كانت الوفيات قليلة إذا استثنينا الظروف الخاصة، فقد ذكر الحسن الوزان (Leon I Africain) أن في مجموع بلاد البربر بلغ معدل العمر ما بين 65 و. 7 سنة ويرتفع هذا المعدل أحيانا إلى 80 بل، هـ 10 سنة في المغرب بينما ينخفض إلى 60 في ليبيا وأقل من ذلك في السودان (ماسينيون ص 83). وقد- أقام المغرب محاجر صحية لفصل المرضى عن الأصحاء مسهما بذلك في محاربة التلوث المجتمعي. وكان المجذومون يعيشون في الكهوف القريبة من فاس (جذوة الاقتباس ص 17) وكانت في أرباض كثير من المدن حارت للمجذومين . ورغم ما استظهره رينو من أن التعليم الرسمي للطب والعلوم اندرس بجامعة القرويين أواخر القرن الماضي (الطب القديم بالمغرب ص 77) فإن (دلفان) أشار في كتابه حول فاس وجامعتها (المطبوع عام 1889) إلى اعتناء الطلبة بوصلة من الكتب الطبية مثل الكامل للرازي والقانون والمنظومة لابن سينا وزبدة الطب للجرجاني والتذكرة للسويدي وتذكرة الأنطاكي وكليات ابن رشد ومفردات ابن البيطار وكشف الرموز للجزائري ابن حمادوش وهو عبد الرزاق بن محمد بن حمادوش الجزائري حج عام 1130 هـ . وأهم مؤلفاته "كشف الرموز في شرح العقاقير والأعشاب " مرتبة على الحروف (تحتوي على نحو الألف عشبة) وهو ينقل عن ابن سينا وابن البيطار والأنطاكي وله أيضا "تعديل المزاج بحسب قوانين العلاج " (نحو العشرين صحيفة). وقد تحدث رينو عن اهتمام الأطباء عندنا بالتشريح والعمليات الجراحية فلاحظ أن هذه العمليات لا تتمخض في الغالب عن ، ذيول مخطرة لندرة الاستعصاءات الناتجة عن التعفن أو الأصداد والتقييح والفحم، ويستعمل الأطباء المغاربة في تضميد القروح الزيت الغليان أو القطران الساخن والحناء والفحم وصمغ الصنوبر لاستئصال جراثيم التعفن وعند حدوث نزيف يستعملون لإيقاف الدم الصوفان والمساحيق المستخلصة من اليقطين (القرع الصغيرة) ودقيق الفول واللفافات للضغط، فإذا أعياهم الأمر حاولوا الالتئام بخياطة حافتي الجرح في شكل منحرف ويلجأون وكذلك إلى كي العرق إما بقضيب محمى وإما بقطعة من حشب محماة ثم يضمد الجرح بالجاوي . ويحكى أن القروح تلتئم في حاحا والسوس لا بالخياطة ولكن عن طريق عضة النمل الكبير لحافتي الجرح بحيث يقطع صدر البعوضة ويبقى الفكان عالقين بالجرح. أما في جبر الأعضاء المنكسرة فإن الأطباء المغاربة يعمدون إلى طريقة الدلك الذي سبق به المغاربة- كما يقول رينو- اكتشاف لو كاس شامبيونيير، وكثيرا ما يعطى الطبيب لمن كسرت عظامه إيلان وهو حب يكثر في ناحية مراكش غني بمادتي الفرسفات وكاربونات الجير ويوقف داء الفتق بآلات من جلد أو ثوب محشو بالصوف، أما الكي فانه مستعمل في جميع الأمراض الباطنية وفي كثير من العمليات الجراحية . وتقطع الأسنان المسوسة بأدوات خاصة ذكر رينو منها مجموعة بعضها مصنوع في المغرب وبعضها مجلوب من أوروبا ، ومن الأطباء من يضمخ السن بمركب من الثوم والملح والحريف (وهو الفجل الوحشي أو الحرف) ثم يملأون السن المسوسة، بجذر جوز ريان بعد غمسه في اللبن ويغطى الكل بالصمغ . وتداوى أمراض الأذن بالجاوي والزعفران والزيت وعصير ناب الذيب، أما القروح فإنها كثيرا ما تداوى بالعمليات الجراحية في الأذن وهي عمليات خطيرة تكلل بالنجاح بسبب قلة القيوح . أما العيون فإن أمراضها كانت تشكل مع الزهري ثلثي أمراض أفريقيا الشمالية، غير أن للكحالين أي أطباء العيون المغاربة أساليب مفيدة لمعالجة أنواع الرمد ولهم فيه مهارة وكذلك في الجزائر ويستطيعون أن يزيلوا بحذق غشاوة العين المانعة من الإبصار بل يتقنون عمليات أصعب من هذه . وذكر كولنار في "وصف المغرب وتاريخه " أن الكي هو أعظكم دواء للجراحات بالمغرب والجزائر وأن هذه العملية أسفرت غالبا عن نتائج عجيبة. أما تبنيج المريض أثناء العمليات الجراحية فقد أكد ريو أن الأطباء المغاربة كانوا يستعملون السيكران وهو عشب مخدر، وكذلك جوز الطيب في عملية الختان وقد حكى له الطبيب الجراح الحسن أنه توصل إلى تركيب دواء من السيكران والكبريت وغيرهما يكون البخار المتصاعد من طبخه بمثابة مخدر يستمر تأثيره أربعا وعشرين ساعة . وذكر الدكتور لميكيريز في كتابه " الأخبار " الصادر عام 1859 بالجزائر أن الأطباء المغاربة كانوا يستخدمون وسائل الإيحاء والتنويم في معالجة مرضاهم، وإجراء عمليات جراحية لهم بحيث يتوصلون إلى درجات شتى من التنويم، ولا تختلف هذه المناهج عن الأساليب المستعملة عند الأوروبيين ومنها تعليق زجاجة لامعة مثلا أمام المريض فينام بينما المباخر ترسل روائح العطر والعود . وقد وصف كودار كذلك في تاريخ المغرب (ج ا ص 245) عمليات التنويم التي أشار إليها الدكتور ميكيريز منها وضع زجاجة فوق طاولة مغطاة بخوان أبيض يتلألأ وراءها مصباح فيجلس المريض على مسافة قريبة مصوبا نظره نحو الضوء فيشعر بتثاقل وبعد بضع دقائق ينام وتتسارع دقات قلبه ويحرق البخور في الغرفة فيفقد النائم إحساسه. وذكر رينو أن بعض الأطباء المغاربة كانوا متخصصين بعضهم في الأوجاع وبعضهم في أمراض العيون وبعضهم في الحميات ، أما أطباء الأسنان فإنهم يمارسون هذا الفن في نظر رينو- بمهارة كبرى . وكثيرا ما تستعمل أعضاء بعض الحيوانات لمعالجة الأمراض وهذه الطريقة تستعمل كثيرا في أوروبا (رينو صح55!) ولا يجهل المغاربة جدوى اللحوم غير المطبوخة، وقد أشار الشيخ عبد الرزاق صاحب (كشف الرموز) إلى خواص بعض أعضاء الحيوانات منها معالجة داء الكلب بمثقال (غرام) من كلية الكلب العقور بمجرد قتله، ويؤيد هذا النوع من العلاج ما ذكره رينو من أن الدكتور فرانتزان نشر بحثا في "الأسبوع الطبي " (4 1 مايو 1898) ذكر فيه أن مرارة الكلب العقور تحتوي على مادة مضادة لجراثيم داء الكلب. ويستعمل الكحالون المغاربة أعضاء حيوانية خاصة في أمراض العيون من ذلك مستخلص الكبد والأكياس التي توجد فوق ، الكليتين والتي استعملها أيضا باطيس في نيويورك ضد التهاب القرنية والملتحمة وكذلك ضور في ليون ودرايسي في باريس. ونشر بنسيمون بحثا حول الطب والأطباء بالمغرب قبل الحماية في مجلة المغرب الطبي (شتنبر 1951) ذكر فيه أنه يجب أن نلاحظ أن الطب البدائي التقليدي بالمغرب كان يستعمل في عدة حالات أنواعا من العلاج لم يعد نزاع جدواها في ذلك أن المريض المصاب بالحصبة أي الحميرة (بو حمرون) كان يجعل في غرفة يكسى فراشها وجدرانها وأغطيتها بلون أحمر، وهذه الطريقة في العلاج لا يزال يستعملها الدكتور شاطينير الذب لاحظ أن لها يرجع الفضل في تخفيف تفجر الحميرة والحمى وتدارك الاستعصاءات. ولا" يوجد عمليا يبطرون في المغرب ولكن إذا مرضت دابة يلتجأ إلى الطبيب أو الحداد ، على أنه يوجد في جميع المدن بياطرة ببعض الأمراض بل لهم اختصاص في أدواء الأفراس والبغال والحمير والجمال، ويستعمل بالأخص الكي والفصد والخصاء. ومن المربين للخيول من يساعد على التوليد إذا صعب الوضع ، وقد لاحظ رينو بمزيد من الدهشة استعمال المغاربة للتلقيح ضد مرض منتشر عند المعز يعرف بالبيور، وهنالك أمراض مجهولة في المغرب مثل الكزاز (تيتانوس). وقد ساق رينو (ص 171) " 36 نوعا من أنواع الأمراض التي تصاب بها الأفراس والبغال والحمير والجمال والبقر والغنم والمعز مع الأدوية المستعملة لعلاجها. ومن العوائد البيطرية بالمغرب ما ذكره أركمان في "المغرب الحديث " من أنه عندما يلاحظ هزال عند الأفراس بالرغم من حسن تغذيتها دون أن يكون لذلك سبب معلوم يعمد سائسها فيعطيها نصف رطل صح الزبد النامس المذاب (أي ما يسمى عندنا بسمن الترياق) خلال ثلاثة أيام متوالية مع إخلاد للراحة. وكثير من الأمراض المنتشرة في أوروبا غير معروفة بالمغرب ولا في الجزائر، منها الحمى الوبائية المصحوبة بحبوب صغيرة والحمى الحصبية بينما تقل جدا الإصابات الدفتيرية أو التيفوئيد. ويقدر ما كان يكثر السل في الصغار بقدر ما كان يقل عند الكبار، أما الوباء فإنه لم يظهر في المغرب منذ 1818 وظهرت الكوليرا لآخر مرة عام 1895. وكان الجدري يظهر كل سبع سنوات تقريبا ، ويعمد بعض الناس إلى التلقيح ضد الجدري بحقن جراثيم بثور ودماميل العجل أو الناقة ، بينما يستعمل آخرون الكبريت والملح ويخلدون إلى الراحة في مكان مظلم. وكان داء البواسير كثير الانتشار لكثرة استعمال التوابل وكذلك أمراض المعدة والأمعاء بصورة عاسة. والحياة في الهواء الطلق مع قلة وسائل الدفء من شأنها أن تثير السعال وداء العصب (الروماتيزم) ولكن المغاربة كانوا يستعملون كثيرا من المعاجين والأدهان التي لم تكن تخلو لمن جدوى وأصالة . أما الزهري (النوار أو حب الإفرنج) فقد لاحظ الحسن بن محمد الوزان (ليون الأفريقي) انتشاره في المغرب في القرن العاشر الهجري بحيث كان عشر السكان مصابين به تقريبا ، والكبريت الموجود في حمة مولاي يعقوب نافع لهذا الداء. ومن الأمراض الجلدية سلاط- وهو انتفاخ الجلد- الذي كان منتشرا بالمغرب لاسيما في سلا بقدر ما انتشر داء الفتق بالرباط وكلا المرضين كان ناتجا عن وجود عناصر دخيلة في مياه الشرب. وكذلك الجذام المنتشر بالمغرب وكانت بفاس حارة المجذومين بباب الخوخة، ثم نقلت إلى الكهوف بعيدا عن المدينة عندما جددت الأسوار، وقد لاحظ رينو أول هذا القرن عدم وجود حارات من هذا النوع بفاس، غير أنه يوجد حي بمراكش قرب باب دكالة خاص بالمجذومين وكذلك على بعد ساعة من الجديدة وكان يوجد قبل سنة 1899 "دوار المجاذمة" يحتوي على 200 من المرضى ولكنهم تشتتوا. وقد أصدر السلطان سيدي محمد بن عد الرحمن ظهيرا خاصا في 10 رجب 1283 موافق 18 نوفمبر 1866 جعلت بمقتضاه جزيرة الصويرة محجرا صحيا للحجاج. وكان المخزن يتخذ الإجراءات اللازمة للحيلولة دون انتشار الوباء من الخارج بفضل الحصار الضيق الذي يضرب أيام الخطر ففي عام 1089 هـ عندما ظهر الطاعون بمكناس والقصر وقف الحراس من العبيد على مشروع سبو وغيره لا يتركون من يرد على فاس ومكناسة وعلى دائرة الملك، وقد ظهر بفاس فأمر السلطان بتحريق ما بسوق الخميس . وقد أشار رينو إلى اجتماع عقده أربعة من علماء فاس في 8 شوال1310 لامتحان طبيب مغربي فشهدوا بعد استفساره بتضلعه في الطب وقوانينه وتطبيقاته ومعرفته بتركيب الأدوية وتقاسيم الشرايين ووظائفها وعددها وعدد العظام وتمييزه بين أنواع العصب والعضلات في الجسم ومعرفة النباتات والأزهار والأعشاب الطبية وخواصها وأسمائها وطرق إذابتها في الوقت الصالح والأوقات المناسبة لوصفها للمرضى وبعد المداولة بين العلماء خولوا للطبيب إجازة . تلك معالم ومراسم تعطينا صورة مكبرة عن عطاءات الفكر الإسلامي في دعم معطيات الفكر الإنساني مما يجمل أن يتخذ أساسا للدراسات الطبية في الجامعة الإسلامية. |