|
د. طلال عتريسي استاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية تعرضت العولمة منذ سنوات لكثير من النقد والاتهام الذي لم يخل منه مؤتمر من المؤتمرات التي عقدت لبحث هذه الظاهرة خصوصاً في البلدان العربية والاسلامية. كما انتقل هذا الاعتراض على ظاهرة العولمة من اروقة المؤتمرات الى شوارع العواصم الكبرى التي شهدت تظاهرات وتجمعات ضد منظمة التجارة العالمية وضد العولمة الاقتصادية للعالم من ستايل الى مبلورن، لم تنج من صدامات سقط خلالها قتلى وجرحى من المتظاهرين الذين اجتمعوا بالالاف من نقابات وهيئات ومنظمات غير حكومية تنتمي كلها الى ما يعرف اليوم بالمجتمع المدني. ولعل ابرز الانتقادات التي وجهت الى العولمة والمخاوف التي ارتبطت بها تركزت على الجانب الاقتصادي.فكل الدراسات والاحصاءات تشير الى ان الاقتصاد العالمي سيخضع لمجموعة من الشركات الكبرى التي يتجاوز نشاطها الحدود والجغرافيا ليطال العالم بأسره. وان هذه الشركات ومن يقف على رأسها سيزدادون ثراء وهم لا يبلغون نحو عشرين في المئة من سكان العالم. بينما سيتجه الباقون وهم نحو الثمانين في المائة الى المزيد من الفقر. كما تعرضت العولمة الى اتهامات اخرى على المستويين السياسي والثقافي - لانها انتقائية في المجال الاول أي انها تغض النظر عن ديكتاتورية هنا واستبداد هناك اذا كان النظام مواليا" للسياسات الدولية - وتعاقب هنا وتشد الخناق هناك، اذا لم ينخرط النظام في السياق المرغوب. وتبرز هنا الانتقائية في موضوع حقوق الانسان التي لا ترى المنظمات الدولية عيوبها وانتهاكها في دولة مدللة عند الغرب مثل اسرائيل، قتلت منذ الانتفاضة قبل سنة ونصف اكثر من ثلاثمئة طفل فلسطيني، من دون ان يثير هذا الامر حفيظة أي منظمة من منظمات حقوق الانسان الدولية، في الوقت الذي تضم القوائم السنوية لهذه المنظمات اسماء معظم الدول الاسلامية التي تنتهك فيها حقوق الانسان، اما على المستوى الثقافي فتهمة العولمة أنها تسعى الى تنميط العالم وجعله واحدا في السلوك والذوق والعادات من دون أي اعتبار او تقدير لثقافة الشعوب وخصوصياتها. وهذا المسعى الى تنميط العالم، كما يرى البعض، هو الذي يحرك اليوم دفاعا" عن مقومات البقاء، الجماعات الدينية، والعرقية، في اماكن كثيرة من العالم بعدما شعرت هذه الاخيرة بالتهديد الذي يطال وجودها، وبعدما خشيت من الذوبان في محيط لا تعرف حدوده وغاياته. المهم ان العولمة تعرضت بمستوياتها الثلاثة الاقتصادية والسياسية والثقافية الى الكثير من النقد والتحليل والاتهام. وقد صدر ذلك كما اشرنا في عشرات ان لم يكن المئات من المقالات والكتب التي تناولت هذه الظاهرة منذ بضع سنوات الى اليوم0 اما المستوى الاخلاقي، فقليلة هي الابحاث التي تناولته مباشرة بالنقد او الاتهام. ربما لأنه اقل وضوحا" من مستويات العولمة الاخرى او ربما لأن العولمة لم تطرح على نفسها وعلى العالم وعودا" اخلاقية مثلما فعلت في الوعود الاقتصادية حيث الرفاه والتنمية وفرص العمل.. او ربما لأن الاخلاق هي كل متكامل لا ينفصل جانبه النظري والمبدئي عن تطبيقاته العملية في جوانب الحياة كافة السياسية والاقتصادية والثقافية. فلا تنفصل الاخلاق بهذا المعنى عن وجوه العولمة الاخرى، ولا يمكن البحث عنها الا من خلال ما قدمته العولمة سلبا" او ايجابا" على هذه الصعد. الا ان ذلك لا يعني ان القلق الاخلاقي لم يساور الكثيرين0 لا بل نلحظ نظراً لهذا القلق الذي يعكس المخاوف مما وصلت اليه أزمة الاخلاق، أن الكثير من المؤتمرات بدأت تربط بين التقدم في الاكتشافات العلمية والبيولوجية والطبية وتطبيقاتها وبين الاخلاق، الانسانية.هذا الى الاسئلة القديمة/ الجديدة المطروحة حول الاخلاق في السياسة أوفي إدارة المؤسسة أوفي الاقتصاد وسواها. وفي مثل هذه الورقة لا يسعنا ان نتناول الاخلاق ببعدها الفلسفي كالحديث عن ماهيتها وعن آراء الفلاسفة فيها. بل سنحاول ان نتناول القيم التي تروج لها العولمة، وصلة هذه القيم بالاخلاق الانسانية. وسنقارن من ناحية ثانية بين ما تدعو له مؤسسات أو قوى دولية على المستوى الاخلاقي وبين ما يحصل عمليا" من جانب هذه المؤسسات او القوى في اماكن مختلفة من العالم وعلى مستويات انسانية واقتصادية واجتماعية وسياسية وغيرها. فأساس الاخلاق كما يقول علماء الاخلاق هو العدل. وجوهر العدل هو الكف عن المظالم. فاذا اخذ الانسان حقه كاملا" واعطى الغير حقه موفوراً سمي عند الاخلاقيين عادلا" ومنصفا". ومن صفات الحاكم العادل اعطاء كل ذي حق حقه، ومن صفات العدل ألا يرضى الانسان لنفسه بشيء الا ورضي للناس بمثله. هل تطبق هذه الاسس الاخلاقية الدينية والانسانية التي اكدت عليها الخبرة البشرية منذ اقدم العصور على القوى والمؤسسات الدولية الاقتصادية والسياسية التي تقود العالم في اطار ما يسمى بالعولمة اليوم! ربما اطلق البعض على هذه الأسس من العدل واعطاء الحق صفات اخرى غير الصفة الاخلاقية، كالقول مثلا انها ذات صلة بسيادة الدول، فلا تعتدي دولة على اخرى، ولا تغصب حقها ولا ترغمها على ما لا ترضاه لنفسها اذا كانت اكثر منها قوة. او كأن يرى فيها آخر مهمة من مهام منظمة الامم المتحدة في حفظ حقوق الدول،أو في إتاحة الفرصة أمامها للدفاع عن نفسها000، وهكذا،إلا ان ذلك لا ينفي ربط هذه الاسس من العدل وعدم الاعتداء بجوهر الاخلاق الانسانية. واذا تأملنا فيما يجري حولنا على المستويات التي اشرنا اليها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.. فسنصاب بخيبة امل كبيرة، اذ لن نعثر على ما نبحث عنه من هذه الاسس في الوقت الذي يعم العالم فيه شعار " الحياة الافضل" والمستقبل الافضل للانسان.أما ما سنجده فلن يكون المقصود به الانسان في كل زمان ومكان. بل في امكنة محددة فقط، بينما ستقضي الامراض والاوبئة على الانسان في اماكن اخرى كثيرة. وسيبقى كثير من البشر يعانون من الفقر، والأمية، ومن الافتقار الى العيش الكريم.. ولنضرب بعض الامثلة على ذلك: 1 - اخلاقيات الاقتصاد: ثمة تركيز على اختزال الاقتصاد الى ما هو "مادي"0 ولكن هذا الاختزال غير صحيح. "اذ لا الربحية ولا الاستهلاك غايات في حد ذاتها0 كما ان دعمها ليس الهدف النهائي لآلية العرض والطلب0 ويخدم الاقتصاد كل انواع القيم في حياة الانسان" وهدفه النهائي هو تطوير الانسانية المتكامل. واذا ما فقد الاقتصاد القدرة على رؤية هذا الهدف، فانه لا يجلب لنفسه النقد فقط.. وانما يمهد لتدمير نفسه على الاجل الطويل"(1). ولا يعني ذلك ان الاقتصاد شيء سيء. كما ان النمو والتنمية هي اشياء حسنة ويحتاج اليها الانسان في تطوير حياته وتحسين نوعيتها. ولكن عندما تؤدي هذه التنمية الدولية في ظل العولمة، وما يجري في ظلها من هيمنة للشركات الكبرى على المقدرات المالية العالمية، الى افقار لمعظم سكان هذا الكوكب فانها تصبح لا اخلاقية0 وعندما تدفع بالمزيد من البشر الى الشارع، حيث لا عمل ولا مأوى، ولا طعام فانها تكون ايضا لا اخلاقية. "فهذا التقديس لانتشار العلاقات السلعية، الذي يشكل ماهية نظامنا الاقتصادي، أي البحث الدائم عن الربح.. لا يتوافق مع القواعد الاجتماعية، فجني المال من اجل المال.. يخالف الخير العام، لأن عالما" من الرابحين لا يتوافق مع المواطنية كما لا يتناسب مع تبلور المجتمع"(2). والعولمة الاقتصادية التي تحيط بنا، وتعقد في ظلها الشراكات بين الدول، وتقودها شركات عدة، وتقدم القروض فيها مؤسسات مالية دولية، هذه العولمة تقوم على الاستبعاد، فهي تحول دون حصول الافراد والشعوب الخاسرة على الحدود الدنيا من الوفرة ودون التمتع بالمواطنية. وهي تقوم على الاستخدام القهري للطبيعة ونهب الموارد الطبيعية وهذا هو ما نشهده من اختلال بيئي ومن تلوث على مستوى الطبيعة والمناخ، ترفض الولايات المتحدة الامريكية على سبيل المثال ان تعمل للحد منه، لانه "ضد مصالح الشركات الامريكية" كما قالت بعدما رفضت التوقيع على بروتوكول كيوتو للحد من تلوث المناخ في اثناء انعقاد قمة الدول صناعية في جنوى في آذار/مارس من العام الماضي 2001. علما" بأن كل الدلائل تؤكد على ان الاستهلاك العالمي للطاقة سيبلغ في عام 2020 ضعف الاستهلاك الحاضر وبالتالي سترتفع كمية الغازات الملوثة للبيئة بمقدار يتراوح بين 45 و90 في المائة"(1). وتعكس الارقام هذه الظاهرة المتنامية من البحث عن الربح على حساب أي قيمة اخرى، فهناك 20 في المائة من دول العالم هي الاكثر ثراء، وتستحوذ على 84.7 في المائة من الناتج الاجمالي العالمي، وعلى 2،84في المائة من التجارة الدولية، ويمتلك سكانها 85.5 في المائة من مجموع المدخرات للعالم. وانطلاقا من 1960 تضاعفت الهوة بين ذلك الخمس من الدول، الذي يعتبر اغنى الدول، والخمس الذي يعتبر من افقر الدول، وفي الواقع فان هذه الاحصائيات ايضا دليل على فشل مساعدات التنمية التي كانت تبشر بالانصاف والعدالة(2). وما يؤكد هذا الاختلال الفظيع في مستوى حياة البشر الذين يعيشون في "قرية كونية واحدة" بين من يملك ومن لا يملك، ما اشار اليه تقرير البنك الدولي عن "مؤشرات التنمية - 2001" من ان 1200 مليون نسمة من اصل ستة ملايين (أي اكثر من سدس العالم) يعيشون على اقل من دولار واحد يوميا وان نحو 10 ملايين طفل توفوا عام 1999 تحت سن الخامسة غالبيتهم بسبب امراض يمكن الوقاية منها. وان 113 مليون طفل لا ينتظمون في المدارس.. ويبلغ نصيب الفرد في البلدان الغنية عشرة اضعاف نصيب الفرد في البلدان الفقيرة(1). كما اعلن صندوق الامم المتحدة لرعاية الطفولة والامومة "يونيسف" ان نحو 18 مليون طفل يعانون الفقر في 27 دولة في اوروبا الوسطى والشرقية.. بعد عشر سنوات منذ انتقالها من اقتصاد موجه الى اقتصاد السوق.. 2 - اخلاقيات السياسة: ليس المقصود بالاخلاقيات هنا ما قد يقع في باب المثاليات التي يصعب الدلالة عليها عند أي نظام من الانظمة او أي قوة من القوى السياسية التي نعرفها في عالم اليوم. وانما المقصود بالاخلاقيات في ميدان السياسة التي هي ادارة شؤون الناس، الكف عن الظلم، والسعي الى تطبيق العدل، وان يرضى صاحب القدرة لنفسه بما يرضاه للآخر، دولة كان ام شعبا"، وهذه هي ابسط القواعد الاخلاقية عندما نتحدث عن الحكم وعن مسؤولية التصدي لادارة شؤون المجتمع والناس. ويواجه "المجتمع الدولي" مشكلة كبيرة على هذا الصعيد من التلازم المفترض بين الاخلاق والسياسة. اذ تكاد تكون هذه العلاقة مفقودة تماما لمصلحة القوة والقدرة0 والأخطر من فقدان هذا التلازم، هو النموذج الذي يقدمه المجتمع العالمي سواء من خلال مؤسساته الدولية او شركاته الكبرى، او دوله المهيمنة الى شعوب العالم الأخرى،ليعلمها بطريقة مباشرة أوغير مباشرة، كيف تتنكر لمبادئ حقوق الانسان، وكيف تنقلب على عهودها، وكيف تحتمي خلف قوتها ، وكيف تغض البصر عن الظلم هنا وتدعي الدفاع عنه هناك.. وهكذا الى قائمة طويلة من السلوكيات السياسية التي يلخصها ما بات يعرف اليوم بسياسية "الكيل بمكيالين" التي تتذّمر منها دول عربية واسلامية كثيرة عندما تريد توصيف السياسة الامريكية في الشرق الاوسط. ولن اضرب الامثلة عن فقدان هذه الاخلاقيات في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، فالوقائع اكثر من ان تحصى حول الانحراف الاخلاقي للامم المتحدة وللولايات المتحدة، ولمعظم العالم الغربي حول هذه القضية في تبرير الجرائم الاسرائيلية، وفي غض النظر عما يقوم به الجيش الاسرائيلي وفي تحميل الطرف الفلسطيني دائما" مسؤولية ما يجري من تعطيل التفاوض. بل سأضرب مثلا" آخر له علاقة بما جرى مؤخرا" في افغانستان. فالحرب التي شنت على هذا البلد المسكين بكل آلتها العسكرية وجبروتها، كانت كما قالت الادارة الامريكية "من اجل قتل او اعتقال المشتبه به الرئيسي" في عمليات 11 سبتمبر..وقد وقف العالم،كما هو معلوم،خلف هذه الادارة في تلك الحرب00إلا أننا لا نعلم أي شرعة اخلاقية او قانونية تجيز اعلان الحرب وقتل آلوف المدنيين للقضاء على "مشتبه به". وهل تجيز مثل هذه الشرعة قتل المشتبه به حتى لو كان رئيسياً؟ وماذا لو تبين على سبيل الافتراض ان هذا المشتبه لم يكن ضالعا في الجرم؟ اما ما يثير السخرية في هذا المثال الافغاني فهو " ملف حقوق الانسان" الذي عاودت الولايات المتحدة الاميركية فتحه في الشيشان بوجه الكرملين بعدما طوت هذا الملف في الاشهر الماضية نظرا لوقوف القيادة الروسية الى جانب الحملة الاميركية لمحاربة الارهاب، وموافقتها على تسهيلات لوجيستيه وعسكرية في دول آسيا الوسطى0 اما وقد انتهت هذه الحرب، فقد بدأت روسيا التذمر من الوجود الاميركي في هذه الدول، ودعت الى رحيل هذه القوات. فكاد الرد الاميركي انتقاد "الافراط الروسي في استخدام القوة" في الشيشان، وانتهاك حقوق الانسان واستهداف مواقع مدنية.. وشدد الناطق باسم الخارجية الاميركية ريتشارد باوتشر على "ان غياب الحل السياسي والانتهاكات الواسعة لحقوق الانسان تخلق جوا يساعد على الارهاب (الحياة في 13/1/2002، ص 8)0 وما يدعو الى السخرية هنا ان الولايات المتحدة لا تطبق هذا المفهوم نفسه على اسرائيل التي ترفض التفاوض، وتقتل المدنيين وتشرد الآف السكان، كما انها لا ترى ما فعلته في افغانستان انتهاكا لحقوق الانسان بعدما قتلت نحو خمسة الآف مدني ودمرت بيوت الناس فوق رؤوسهم00 والامثلة على هذا الانحراف الاخلاقي في المعايير السياسية اكثر من ان تحصى ليس لدى من يقود عملية العولمة فقط، وانما لدى دول اخرى كثيرة وخصوصا في سياساتها الخارجية عندما يتعلق الامر بدول العالم الاسلامي او بدول الجنوب عموماً. 3 - اخلاقيات الثقافة: يبدو الحديث عن الثقافة والاخلاقيات المرتبط بها اكثر صعوبة وتعقيدا من الجوانب الاخرى السياسية والاقتصادية التي اشرنا اليها. فالثقافة من جهة هي مفهوم واسع يشمل مختلف جوانب الحياة من المأكل والملبس الى الازياء وطرق العيش والآداب والفنون والقيم. والمؤسسات الدولية التي تتولى الشأن الثقافي ليست بمثل الوضوح الذي تبدو عليه المؤسسات السياسية او الاقتصادية. فنحن نشعر بوطأة ثقافة ما، من دون ان نقدر دائما على تحديد مصادر هذه الثقافة. كما ان المفاهيم والقيم التي تبثها الثقافة ليست مباشرة في معظم الاحيان، وانما تحصل بالتراكم البطيء والهاديء بحيث يشعر الانسان بمرور الوقت ان مفاهيمه قد تبدلت وان القيم التي يحملها تجاه قضايا كثيرة قد تغيرت. كما يصعب الفصل من جهة اخرى بين الثقافة وبين المستويات الاخرى السياسية والاقتصادية0 فثورة الاتصالات التي جعلت للتجارة بعدها العالمي هي التي حملت القيم الجديدة والعادات والافكار، وهي التي ساهمت في تغيير عادات الناس واذواقهم واتجاهاتهم. ولن نتناول هنا تعريفات الثقافة، فهذا يخرج عن اطار بحثنا0 لكن من المعلوم ان التدهور الاخلاقي يبرز جليا" في المجال الثقافي على مستوى السلوك والقيم، والجميع يعرف هذا "الثنائي" (الجنس والعنف) الذي يحتل مساحة ثابتة في كل وسائل الاتصال القديمة والحديثة باشكالها المختلفة، ولا داعي للتفصيل حول هذه القضية التي كتب الكثير من البحوث بشأنها، وحذّر الكثير من الخبراء من اخطارها، وتصاعدت الشكوى من اثارها في انحاء العالم كافة، بما فيها دول الشمال نفسه. انما سنتناول مسألة اخرى لم يسلط الضوء عليها كثيرا مثلما حصل مع موضوعتي العنف والجنس. وتتعلق هذه المسألة بعلاقة بعض المؤسسات الاقليمية والدولية بمؤسسات وجمعيات "وطنية" خصوصا في الدول العربية والاسلامية. مثل الجمعيات النسائية، وجمعيات حقوق الانسان، وجمعيات حماية الديمقراطية والانتخابات.. وغيرها. وتقوم هذه العلاقة في معظم الاحيان على نشاط مشترك بين هذه المؤسسة الاقليمية او الدولية او تلك، وبين المؤسسة او الجمعية الوطنية، او على تقديم الدعم المادي الى الجمعيات الاخيرة. وما يستدعي الاشارة هنا، ليس العلاقة نفسها التي تتيح فرص التعرف الى تجارب اخرى مختلفة، انما الاشارة هي الى محتوى المؤتمرات والندوات المشتركة التي تعقد بين الطرفين. اذ من الملاحظ ان هذه اللقاءات ومنذ سنوات تدور حول مجموعة من الموضوعات مثل الديمقراطية، وعمل المرأة، والعنف الزوجي، والحرية الفردية، والليبرالية السياسية، والمرأة والتنمية، والمرأة والتعليم والزواج، والتربية على السلام، والتربية على التسامح.. وادارة الصراعات بطريقة بناءه.. وغير ذلك من الموضوعات التي لا يناقش احد في اهميتها من حيث المبدأ.. ولكن النقاش المطروح بالنسبة لنا يدور حول اولوية هذه الموضوعات بالنسبة الى مجتمعاتنا من جهة، وحول كيفية معالجتة هذه الموضوعات من جهة ثانية، واستنادا" الى أي قاعدة والى أي مرجعية ثقافية او دينية0 ولنضرب بعض الامثلة على ذلك: فقد تعرضت المنظمة المصرية لحقوق الانسان الى انتقاد بعض المنظمات الاوروبية التي قررت منع المساعدات عن المنظمة المصرية لأن هذه الاخيرة لم "تنظم فعاليات تضامنية مع المثليين المصريين الذين اعتقلتهم السلطات المصرية بتهمة ممارسة الشذوذ"(1). كما دعا المجمع السنوي التاسع عشر للتربية على السلام، الذي عقد مؤتمره في بيروت في اوائل شهر تموز /يوليو 2001 الى "ضرورة تهيئة الاجواء والمناخات اللازمة لثقافة السلام.. لامتلاك المهارات من اجل حل النزاعات بصورة بناءه.. ولادراك المعايير الدولية لحقوق الانسان، "والجندر" والمساواة"، الى مشروع الامم المتحدة في مؤتمر السكان الذي عقد في القاهرة قبل سنوات من اجل "دعم الاسرة بأشكالها كافة" والتي لا تعني سوى نموذج الاسرة "التي تتشكل من الجنس نفسه" الذي بدأ يظهر في الغرب منذ بضع سنوات0 وقد اعترضت الدول الاسلامية والفاتيكان معا على هذا البند المقترح في وثيقة المؤتمر الى عشرات الندوات والمؤتمرات التي تعقد بشكل متواصل في معظم الدول العربية والاسلامية التي تتناول كما اشرنا قضايا المرأة من منظور الجمعيات الاوروبية، وقضايا الاسرة والزواج والطلاق والانجاب والعلاقات بين الجنسين من المنظور نفسه.. والمشكلة في كل ما تقدم هي عدم قبول الآخر كما هو. وعدم الاعتراف بخصوصيته الثقافية والدينية التي شكلت نظامه للزواج وللتربية وحتى للعلاقات الاجتماعية او السياسية. وهذا يتعارض كما هو معلوم، مع بديهيات المبادئ الاخلاقية التي تقوم على الاحترام المتبادل للفرد او للجماعة، وعلى تقرير خصوصيتها والمحافظة عليها. وهذا الجانب من "التدخل" الاخلاقي في الحياة الثقافية والقيمية في بلدان العرب والمسلمين، لتعديل هذه الحياة او لتنميتها او لاعادة تصويبها، كما يتكرر في المصطلحات الرائجة، سيجعلنا امام تدخل يشبه ما يجري اليوم في عالم السياسة والقوة حول ما يسمى "حق التدخل" الانساني لانقاذ هذه الجماعة او الاقلية العرقية او الدينية، او للدفاع عن مصالح هذه الدولة او تلك ضد أي "خطر" حقيقي او مفتعل.. واذا اضفنا الى هذا الحق، تلك المخاطر الناجمة عن الترويج للجنس وللعنف بعيدا عن كل الضوابط الاخلاقية وحتى المنطقية ادركنا حجم المخاوف التي تحيط بعالمنا الانساني كله، من جراء هذا التهميش الذي تتعرض له القيم الاخلاقية على المستويات الثلاثة التي تمسك بخناق العالم اليوم في السياسة والثقافة والاقتصاد. 4 - عولمة الفساد: تفاقمت ظاهرة الفساد على المستوى الدولي تفاقما ملحوظا" واصبحت منذ العقد الماضي في قلب الاهتمامات السياسية اكثر من أي وقت مضى. وتباينت التفاسير في شرح اسباب هذا الفساد. فمنهم من ذهب الى ان تدخل الدولة المفرط هو السبب، لأن هذا التدخل لا ينجم عنه سوى نمو البيروقراطية والاسواق الموازية.. بينما يرى آخرون ان سبب الفساد يعود الى ضعف الوازع الاخلاقي العام، وتراجع شرعية الدولة كتجسيد للمصلحة العامة، وذوبان القيم الجماعية في البحث عن الفائدة والمصالح الانانية والخاصة(1)0 وتفاقمت هذه الظاهرة بعدما شمل اتساعها حتى الديمقراطيات الغربية التي كانت تروّج دائما لوجود هذا الفساد في المجتمعات المتخلفة التي تفتقد لسلطة القانون وللمعايير الثقافية والمساءلة السياسية والشعبية. وقد بينّت بعض الدراسات ان المجتمعات الحديثة تشهد تراجعا" اخلاقيا" هو الذي يشجع على الفساد واتساع مجالاته. وابرز مظاهر هذا التدهور ومخاطره هي تضخم ظاهرة الفردية بأشكالها كافة، والتداعيات التي نجمت عنها من الانكفاء على الحياة الخاصة والابتعاد عن الآخر، وعدم الاهتمام بالتضامن الاجتماعي والاستغراق في الذاتية، وما يبنى على هذه الفردية من افكار او فلسفات تقوم على نفي أي حق للمجتمع في التدخل في شؤون الفرد وفي حياته الخاصة، وذلك خلافا للاخلاقية التي تفترض بطبيعتها تقاسما" للحياة مع الاخرين وتضامنا" معهم وتحسسا" لآلامهم(2) والمفارقة هنا تكمن في ان العولمة وحدت العالم من جهة فجعلته كما يتردد قرية كونية، أي مكانا صغيرا من دون حواجز بسبب الدور الذي لعبته وسائل الاتصال في التعرف الى العالم وشعوبه عن كثب. بينما دفعت هذه العولمة من جهة ثانية حياة الناس، الى العزلة والانطواء بسبب تضخم الفردية التي اشرنا اليها. والمفارقة الثانية في هذا الاطار، ان العولمة ما كان بمقدورها ان تعمل الا لأنها ورثت سلسلة من الانماط السلوكية والاخلاقية من المراحل التي سبقتها: "قضاة لا يمكن افسادهم ، وموظفون نزيهون ، ومربّون كّرسوا انفسهم لرسالتهم، وعمال يتمتعون بالحد الادنى من الضمير المهني.. وهي قيم تم تكريسها ولا نزاع حولها انها: النزاهة وخدمة الدولة ونقل المعرفة والاستقامة والعمل الجيد.. الا اننا اصبحنا نعيش اليوم في مجتمعات حيث تبدو هذه القيم تافهة ولا قيمة لها. وحيث يتم التركيز على كمية النقود التي تحصل عليها(1)، وليس على كيفية السلوك الذي تقوم به. فقد اظهر احصاء في شيكاغو على سبيل المثال، ان واحدا" من بين كل خمسة من المراهقين الاميركيين الذين اعتادوا الدخول الى شبكة الانترنت، تلقوا محاولات غير مرغوب فيها لاستدراجهم الى ممارسة الجنس عبر شبكة المعلومات الدولية.. وفي تقرير نشر في دورية المجلس الطبي الاميركي"ان الاستدراج عبر الانترنت يضاف الى قائمة مخاطر الطفولة التي يجب على السلطات ان تكون على دراية بها وقادرة على تقديم المشورة بشأنها للعائلات"0وفي الاطار نفسه بلغت ظاهرة المواقع الاباحية وبيع الاطفال، وتحولهم الى اهداف جنسية على مستوى دولي حدا" دفع الى عقد مؤتمرات عالمية من اجل البحث في كيفية الحد من هذه الظاهرة ومخاطرها0 كما انتشرت مواقع القمار على الانترنت التي يتوقع ان تصل ايراداتها في الاعوام القليلة المقبلة الى نحو ستة مليارات دولار..وفي اوروبا كان عام2000 عاما" اسود بكل معنى الكلمة0فتجارة المخدرات والسجائر، والادوية التي غالبا ما يكون تاريخ صلاحيتها قد انتهى منذ اشهر، وقطع الغيار غير الاصلية والالبسة التي تم تزوير ماركاتها، والسيارات المسروقة، خصوصا الفخمة منها، وترويج عمل شبكات الدعارة، اضافة الى التهريب المنظم لليد العاملة عبر الحدود، كلها ضاعفت من جبروت امبراطورية المافيات المتعاملة بمبالغ خيالية من الاموال الوسخة التي تتجاوز قيمتها احيانا ناتج الدخل القومي الاجمالي لعدد من دول القارة الاوروبية.. كما تدر تجارة الاسلحة غير المشروعة والتهريب بانواعه كافة مبالغ ضخمة سنويا.. ويقدر صندوق النقد الدولي حجم تبييض الرساميل بين 2 و5% من اجمالي ناتج الدول القومي العالمي، أي ما يوازي قدرات اقتصاد بلد كإسبانيا او فرنسا مثلا.. ويراوح دخل معتمدي تهريب اليد العاملة من الدول الفقيرة الى الاتحاد الاوروبي وبحسب تقارير الانتربول بين 3 و4 مليارات دولار.. ولا تقل تجارة الدعارة اهمية في اقتصاد الجريمة منذ انهيار جدار برلين في بداية العقد الماضي.. كما ضربت اوروبا الرقم القياسي عام 2000 في تجارة الهيرويين (16.7 طنا) والحشيشة (725 طنا) والكوكايين (24 طنا) وتمثل قيمة الكميات المصادرة من هذه المادة ما مجموعه 4 مليارات دولار..(1). هل يمكن في ظل هذه الارقام التي جناها اصحابها من فساد عابر للقارات ان يعيد إنتاج القيم او المجتمعات على هذه القاعدة الوحيدة التي اعتمدها اصحاب هذه الاموال؟ اذا كان الامر كذلك، فعلى جميع من يعمل في أي قطاع كان ان يجعل الحصول على المال، والمال فقط نصب عينيه. أي ان على القضاة، على سبيل المثال ،أن يبيعوا قرارات المحاكم في المزاد العلني، وان على المدرسين ان يعطوا العلامات الجيدة لمن يدفع اكثر من اولياء التلاميذ، وهكذا.. اذن لماذا على القاضي ان يكون نزيهاً وعلى المدرس ان يكون متفانيا" ولماذا على العامل ان يعمل بإتقان، اذا كان بإمكانه ان يغش او يرتش؟(2). ان ما يجري على هذا الصعيد هو تشويه حقيقي للاخلاق، لا يمكن له اذا استمر على ما هو عليه عقود اضافية ان يعيد انتاج حضارة قادرة على الاستمرار. ما العمل اذن؟ هل ثمة فرضة لتدارك ما يحصل، ام ان القطار قد انطلق ولا سبيل لتغيير وجهته او ايقاف عجلاته او الحد من تدهوره! ثمة مسؤولية انسانية عامة مطروحة على شعوب العالم ودوله وقادته كافة لمواجهة الاثار الخطيرة للعولمة بمستوياتها التي اشرنا اليها، ولعولمة الفساد التي يصعب احصاء حالاتها والارقام المتعلقة بها. أما في العالم الاسلامي فقد انقسهم الباحثون والمفكرون الى اتجاهات عدة في التعامل مع هذه الظاهرة، فمنهم من دعا الى الانخراط في ثقافة الغرب بعدما بات للعالم ثقافة واحدة00ومنهم من رفض الغرب جملة وتفصيلا متمسكا بالبديل الديني0. وأما الاتجاه الثالث فدعا الى البحث عن كيفية التوفيق بين الارث الديني بقيمه الاخلاقية والروحية والانسانية وبين التقدم العلمي الذي احرزه الغرب وبات جزءا لا يستغنى عنه في حياتنا اليومية من وسائل الاتصال والنقل وسواها.. ومن المعلوم ان في داخل كل اتجاه تيارات متباينة سواء من حيث القوة او التطرف والاعتدال .. الا ان ما يمكن قوله في هذا الاطار ان مشكلتنا اليوم عربا ومسلمين، ليست في انخراطنا في عصر العلم والثقافة والتقانة التي باتت، كما اشرنا، شأننا من شؤون حياتنا اليومية، كما بات اللجوء اليها بديهياً وهو يتنامى يوما بعد يوم وتلجأ اليه قطاعات واسعة من المجتمع لاغراض اقتصادية وتربوية وسياسية واخلاقية ايضا.. كما تلجأ اليها الجماعات الدينية وغير الدينية اما لتنظيم شؤونها او لنشر فتاواها او للترويج لافكارها.. ان المشكلة تكمن في محتوى ما نريد نقله بواسطة هذه التقنيات، وفي علاقة هذا المحتوى ببنية اجتماعنا العربي - الاسلامي، أي بهويتنا الثقافية. إن الدعوة الى مواجهة العولمة واخطارها على المستوى الاخلاقي او على المستويات الاخرى لا يمكن ان يظل في اطار العموميات مثل الدعوات الى تجديد التراث او تجديد الثقافة العربية وتفعيلها، كما يردد البعض.. او كما يقول البعض الاخر بضرورة العودة الى الذات او ان "الاسلام هو الحل" من دون ان يقول اصحاب هذه الدعوة، مهما قيل في اهميتها، كيف واين يبدأ هذا الحل، وبأي تفاصيل ومناهج واساليب ورؤى ثقافية وسياسية واجتماعية واقتصادية.. ان عجز العرب والمسلمين عن مواجهة اثار سطوة الاعلام والسياسة والاقتصاد والثقافة التي تبسط قدرتها على العالم من اقصاه الى اقصاه، لا تمنعنا من التأكيد على ان الاستقلال الثقافي هو اساس البناء الذي يحفظ الهوية التي لم تفرط بها الشعوب في أي بقعه من الارض، حتى بعد ما سماه البعض "سقوط الايديولوجيات". وفي الوقت الذي تعمل فيه ماكينة العولمة الكونية على بث قيم مختلفة كتلك التي سبق واشرنا اليها، لتغيير السلوك والعادات وانماط الحياة، ثمة ضرورة للتأكيد على حماية الحلقة المركزية في مجتمعاتنا، أو ما نسميه "نظام المناعة" في هذه المجتمعات. اما جوهر هذا النظام وركيزته فهما الاسرة والنظام التعليمي0 واذا استعرضنا ما تعرضت له البلدان العربية والاسلامية منذ قرن الى اليوم لوجدنا ان هاتين الركيزتين كانتا على الدوام هدفا" للاختراق او للتهميش باشكال شتى. فعبر التعليم يتم تهميش الثقافة والانتماء والولاء. وعبر الاسرة يتم تفكيك الروابط والقيم، وتبديل الأدوار التي نظمها الدين عموما" والاسلام خصوصا" في هذه الخلية الاجتماعية المركزية. وعن هذا التبديل للادوار في داخل الاسرة، وعن تفكيك القيم وتهميش دورها تنتج كل صور الفساد وكل صور المرأة والجنس والعنف والانحراف والشذوذ.. ومن غير الممكن ان نبقى في إطار الانتقاد لتلك الصور من دون ان نعيد وبكل قوة استحضار المناعة التي تشكلها الروابط الاسرية والقيم الدينية. إن اختراق هذه البنى الدفاعية باساليب شتى، وغير مباشرة في معظم الاحيان لهو اشد خطورة من الاختراقات او الاختلالات في عوالم الاقتصاد او السياسة، لأن اختراق النواة يفسد الدوائر كلها.. وهو اختراق تكمن خطورته في قدرته على التسلل من خلال الرغبة وتكرار الصورة فيتحول الى مألوف نحبه او نعتاد عليه والى افكار نحملها وندافع عنها.. وعلى أي حال، ومهما كانت طبيعة رؤيتنا لهذه العولمة وجوانبها الاخلاقية، ثمة قوى او عناصر استراتيجية ينبغي حشدها واستنفارها او على الاقل حمايتها والمحافظة عليها في هذه المواجهة المفتوحة. ونعتقد ان نظام المناعة الذي اشرنا اليه بمرتكزيه التعليمي والأسري، من دون ان نغفل بطبيعة الحال وجود مرتكزات اخرى، هو تلك القوة الاستراتيجية التي يمكن ان تشكل قاعدة لهوية ليست وهما" كما يظن البعض، وأساسا" لثقافة انسانية ينشدها الكثيرون في مجتمعاتنا العربية والاسلامية(1). وهكذا، إن تعليما مرتبطا" بالهوية ومنفتحا" على تطورات العصر، وعلومه ومستخدما احدث وسائله وتقنياته، هو تعليم ندعو اليه، ولا مفر منه0 بينما ندعو بالمقابل الى "اسرة تقليدية" في قيمها، وضوابطها الاخلاقية والدينية التي عرفت بها وحافظت عليها. |