" انعكاس العولمة على الرعاية الصحية والبدائل المقترحة "
" تجربة مصر فى مواءمة التشريعات الوطنية لتتمشى مع اتفاقية التجارة "
المستشار / سرى محمود صيام
مساعد وزير العدل لشئون التشريع
جمهورية مصر العربية
تمهيد:
فى إطار الثورة الإلكترونية وما تضمنته من تطور مذهل فى المعارف والاكتشـافات العلمية فى مختلف المجالات وفى تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ، ومن خلال نمو متواصل وعارم لقوة الصناعة والتقنية التى أصبحت الأداة الأولى فى تشكيل العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية بين شعوب العالم الأغنياء منهم والفقراء ، ولد نظام عالمى جديد احتلت فيه حرية التجارة الاهتمام الأكبر للدول الصناعية ، كما اهتمت هذه الدول بحماية الجوانب المتصلة بالتجارة فى حقوق الملكية الفكرية .
وتعُد الآثار المترتبة على قيام هذا النظام الجديد على الصعيد الاقتصادى فى الدول النامية أهم الآثار مقارنة بالآثار الناجمة فى واقع هذه الدول المعاش على سائر الأصعدة ، وتتجسد هذه الآثار من خلال " منظمة التجارة العالمية " التى تأسست فى نهاية أعمال جولة " أورجواى " وهى الجولة الثامنة للمفاوضات المتعددة الأطراف .
وترجـع أهمية إنشاء هذه المنظمة إلى الاتفاقيات العديدة التى ترعاها ، والتى استهدفت إجراء مزيد من التحرير فى التجارة العالمية امتد نطاقه ليشمل مجالات جديدة كالخدمات ، والاستثمار ، وحقوق الملكية الفكرية وغيرها ، وكذلك وضع نظام متكامل لتسوية المنازعات فى كافة المجالات التى تناولتها هذه الاتفاقيات .
وتعد اتفاقية جوانب التجارة المتصلة بحقوق الملكية الفكرية والتى يرمز إليها اختصاراً بـ ( TRIPS ) والتى يضمها الملحق رقم 1(ج) من ملاحق اتفاقية إنشاء منظمة التجارية العالمية إحدى أهم هذه الاتفاقيات ، وتتبدى تلك الأهمية من ثلاث زوايا :
الأولى : أنها أوجدت كياناً دولياً جديداً يعنى بقضية الملكية الفكرية من خلال رعايتـه للاتفاقيـة المذكـورة ، وتتمثـل فى منظمة التجارة العالمية ( WTO ) وذلك بجانب ( المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO ) إحدى الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة وهى الكيان الأصيل الذى أنشأته الشرعية الدولية العامة لرعاية الملكية الفكرية على الصعيد العالمى والذى يرعى رعاية متكافئة مصالح جميع الدول الأعضاء ، على خلاف منظمة التجارة العالمية التى انتقل إليها عملياً مركز الثقل فى هذا المجال والتى لا تتمتع فيها الدول النامية بوزن متكافئ مع الدول المتقدمة .
الثانية : انها أدت من الوجهة العملية إلى نوع من التوحيد لأحكام التشريعات الوطنية فى مجال حماية حقوق الملكية الفكرية ، كأثر لما فرضته على الدول الأعضاء فى منظمة التجارة العالمية من وجوب ضمان اشتمال تشريعاتها على الأحكام الواردة فى الاتفاقية .
الثالثة : أن من أهم الأحكام التى تضمنتها اتفاقية ( TRIPS ) تلك الأحكام الواردة فى القسم الخاص ببراءات الاختراع والخاصة بالمنتجات الكيمائية المتعلقة بالأغذية والمنتجات الكيمائية الصيدلية لما لها من تأثير مباشر على الصحة العامة للشعوب من خلال تأثيرها على غذائها ودوائها ? وهى من أكثر الأحكام إثارة للجدل لتأثيراتها بالغة الخطورة على شعوب الدول النامية .
لقد انضمت مصر إلى منظمة التجارة العالمية واتفاقات جولة أورجواى بمقتضى قرار رئيس الجمهورية رقم 72 لسنة 1995 ? ومن ثم تعين عليها أن تراجع تشريعاتها المنظمة لحقوق الملكية الفكرية وفاء بالتزاماتها الناجمة عن هذا الانضمام ، ويشار إلى أن المشرع المصرى كان قد عنى بإصدار التشريعات التى تكفل الحماية لكافة حقوق الملكية الفكرية بموجب ثلاثة قوانين منها قانون بـراءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية الصادر بالقانون 83 لسنة 1949 ، وأنه اتبع على إثر الانضمام إلى منظمة التجارة العالمية والاتفاقيات التى تضمنتها الوثيقة الختامية لنتائج جولة أورجواى ومنها اتفاقية (TRIPS) ، نهج إعداد تشريع موحد يعالج بين دفتيه جميع جوانب حماية حقوق الملكية الفكرية ، وقد عالج الكتاب الأول من مشروع القانون الموحد ـ فى نطاق موضوع المؤتمر ـ براءات الاختراع والمعلومات غير المفصح عنها .
وكان من أكثر الالتزامات التى انصب عيها الاهتمام وحظيت لخطورتها بمزيد من البحث والدراسة والتمحيص تلك التى تتعلق بمجال براءات الاختراع المتعلقة بالمنتجات الكيمائية المتعلقة بالأغذية والمنتجات الكيمائية الصيدلية ، رغبة فى تحقيق أكبر قدر من التوازن بين الوفاء بتلك الالتزامات والحد من المساس بمتطلبات الصحة العامة وحق الإنسان فى توفير الغذاء السليم والدواء اللازم ، رعاية للصحة العامة فى مصر .
ونعرض فيما يلى وبإيجاز للتجربة المصرية فى مجال إعداد مشروع قانون حماية حقوق الملكية الفكرية فى نطاق الرعاية الصحية ، والهادفة إلى تحقيق التوازن المنشود المشار إليه :
** مشروع قانون حماية حقوق الملكية الفكرية وقضية الدواء والصحة العامة فى مصر .
أولاً : أهم الالتزامات الواردة فى اتفاقية ( TRIPS ) بالنسبة إلى قضية الدواء :
ألزمت اتفاقية ( TRIPS ) الدول الأعضاء بحماية جميع الاختراعات ? إذا ما توافرت شروط منح الحماية عن طريق البراءة ? أياً كان المجال التكنولوجى الذى ينتمى إليه الاختراع ? وبناء على ذلك فقد تحتم أن يستحدث مشروع القانون حماية المنتجات الكيمائية المتعلقة بالأغذية والمنتجات الكيمائية الصيدلية عن طريق براءة الاختراع .
وهذا الحكم مغاير تماماً للوضع الراهن إذ لا تشمل الحماية فى ظل القانون القائم ( 132 لسنة 1949 ) هذه المنتجات عن طريق براءات الاختراع اكتفاء بالحماية إذا تعلق الاختراع بطريقة الصنع فقط .
ثانياً : جوانب المواءمة فى مشروع القانون بين أحكام الاتفاقية ومتطلبات الصحة العامة :
اتخذ مشروع القانون نهجاً تشريعيـاً استهدف الحد من غلواء أحكام اتفاقية ( TRIPS ) وتأثيرها السلبى على صناعة الدواء فى مصر ومن ثم على متطلبات الصحة العامة ، آخذاً فى الاعتبار ضرورة إقامة أكبر قدر ـ يسمح به تفسير أحكام هذه الاتفاقية ـ من التوازن بين الوفاء بالالتزامات الناجمة عنها والمحافظة على الصحة العامة ? وقد انعكس هذا النهج على أحكام المشروع فى معالجته لهذه القضية الفائقة الأهمية ? وذلك على النحو التالى :
- الأخذ بالحد الأدنى لمدة الحماية عن طريق براءة الاختراع :
- أخذ مشروع القانون بالحد الأدنى المقرر فى الاتفاقية لمدة حماية براءة الاختراع وهو عشرون سنة من تاريخ التقدم بطلب البراءة فى مصر وعممه على كافة الاختراعات بما فيها تلك المتعلقة بالمنتجات الكيمائية المتعلقة بالأغذية والمنتجات الكيمائية الصيدلية وطرق صناعتها ، وهو عكس ما اتبعه المشروع فى مجال حقوق المؤلف مثلاً ? إذ تجاوز الحد الأدنى لمدة الحماية المقررة لها فى الاتفاقية وهو خمسون سنة ليصل به إلى سبعين سنة .
- استبعاد منح براءة اختراع فى المجالات التى تمس الصحة العامة وبعض المجالات الحيوية الأخرى :
- استبعـدت المـادة (2) مـن مشـروع القانون طائفـة ?ـن الاختـراعات من الحمايـة عن طريق البراءة فنصت على أنه " لا تمنح براءة اختراع لما يلى :
- الاختراعات التى يكون من شأن استغلالها المساس بالأمن القومى أو الإخلال بالنظام العام أو الآداب أو الإضرار الجسيم بالبيئة أو الإضرار بحياة أو صحة الإنسان أو الحيوان أو النبات .
- الاكتشافات والنظريات العلمية والطرق الرياضية والبرامج والمخططات .
- طرق تشخيص وجراحة الإنسان والحيوان .
- النباتات والحيوانات أياً كانت درجة ?درتها أو غرابتها وكذلك الطرق التى تكون فى أساسها بيولوجية لإنتاج الحيوانات عدا الكائنات الدقيقة .
- الأعضاء والأنسجة والخلايا الحية والحمض النووى والجنيوم " .
ـ وبناء على تلك الأحكام تستبعد من الحماية طائفة هامة من المنتجات التى يتم استخلاصها من المواد الطبيعية ? كما يستبعد أيضاً من الحماية عن طريق البراءة أى دواء يعتمد فى تصنيعه على الكائنات الحية أو أجزاء منها ( الأعضاء والأنسجة والخلايا الحية والحمض النووى والجنيوم ) . ولا يقتصر الأمر على ذلك بل يمتد الاستبعاد إلى الاختراعات التى يكون من شأن استغلالها الإضرار الجسيم بالبيئة لتعلق شئون البيئة بصحة الإنسان والحيوان والنبات ولا جدال فى أن ما يمس صحة الحيوان أو سلامة النبات هو فى الأغلب الأعم من الصور متصل بحياة وسلامة الإنسان ، وجدير بالذكر أن التشريع القائم يقصر منع منح البراءة على الاختراعات التـى ينشأ عن استغلالها إخلال بالآداب العامة أو النظام العام ، وقد أضاف مشروع القانون سائر طوائف الاختراعات سالفة البيان واضعاً فى الاعتبار الاستفادة إلى أقصى درجة ممكنـة بمـا تجيـزه أحكـام المادتيـن 7 و 8 من اتفاقية ( TRIPS ) تحقيقاً للمصلحة العامة التى تقتضى استبعاد تلك الاختراعات من نطاق منح براءة الاختراع
- إيجاب موافقة وزارة الصحة والسكان على السير فى إجراءات منح البراءة للاختراعات الخاصة بالمنتجات الكيميائية الصيدلية والمستلزمات والأجهزة الطبية :
- أوجبت الفقرة الأولى من المادة (19) من مشروع القانون إحالة مكتب براءات الاختراع طلبات البراءة الخاصة بالمنتجات الكيميائية الصيدلية والمستلزمات والأجهزة الطبية ومرفقات هذه الطلبات إلى وزارة الصحة والسكان ونصت على أنه " لا يجوز السير فى إجراءات منح البراءة إلا بموافقة هذه الوزارة وبعد إجراء ما يلزم من فحص بموجب قرار يصدر من الوزير أو من يفوضه ، وعلى أن تقيد هذه الموافقة فى سجل يعد لذلك بمكتب براءات الاختراع .
- منح الوزير المختص الاعتراض على إصدار براءات الاختراع التى تتعلق بالغذاء أو البيئة :
- ألزمت الفقرة الثانية من المادة (19) من مشروع القانون مكتب براءات الاختراع بإرسال صور من طلبات البراءة التى تتعلق بالغذاء أو البيئة مع مرفقاتها إلى الوزارة المختصة ، وأجازت للوزير المختص الاعتراض على الإعلان عن قبول طلب البراءة ، وكذلك على السير فى إجراءات إصدارها ، ورتبت على الاعتراض فى أى من الحالتين وقف السير فى هذه الإجراءات .
- إنشاء صندوق لموازنة أسعار الدواء ـ غير المعد للتصدير :
- تجنباً لما يترتب عن حماية المنتجات الدوائية ببراءات الاختراع من زيادة فى أسعارها فى نطاق الدول النامية ، وفى إطار اتخاذ التدابير اللازمة لمجابهة هذه الزيادة والتمكين من الحصول على الدواء بالسعر المناسب ، فقد كان من أهم ما تضمنه مشروع القانون النص فى المادة (20) على إنشاء صندوق لموازنة أسعار الدواء ـ غير المعد للتصدير ـ تكون له الشخصية الاعتبارية العامة ، ويتبع وزير الصحة والسكان ، وذلك لتحقيق التنمية الصحية وضمان عدم تأثر تلك الأسعار بما يطرأ من متغيرات ، وحدد موارد الصندوق لتشمل نسبة 1% ( واحد فى المائة ) من قيمة مبيعات الأدوية المحلية والمستوردة تتحملها الجهات المنتجة للدواء أو المستوردة له ، ونسبة 2% ( اثنان فى المائة ) من قيمة مبيعات مستحضرات الأغذية الطبية ومستحضرات التجميل المسجلة بوزارة الصحة والسكان تؤديها الجهات المنتجة أو المستوردة لها ، بالإضافة إلى ما تقبله الدولة من مساهمات من الدول المانحة والمنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية ، وما تخصصه الدولة من اعتمادات مالية للصندوق .
ولا ريـب فى أن النص على إنشاء هذا الصندوق وإدراج ما تقدمه الدول المانحة والمنظمات الدولية من إعانات له ضمن موارده ، من شأنه أن يحقق تفعيلاً واقعياً لوفاء هذه المنظمات وتلك الدول المتقدمة بالتزاماتها تجاه الدول النامية لإحداث نوع من جبر الأضرار التى تصيب الدول الأخيرة لمصلحة الأولى .
- وضع تنظيم تفصيلى للترخيص الإجبارى فى مجال الدواء :
- أجازت المادة 25 ( أولاً ) من مشروع القانون لمكتب براءات الاختراع أن يمنح تراخيص إجبارية باستغلال الاختراع إذا رأى الوزير المختص أن ذلك يحقق أغراض المنفعة العامة غير التجارية ، وأفصحت صراحة عن أن أغراض المحافظة على الصحة والغذاء وسلامة البيئة هى من هذه الأغراض ، كما أجازت المادة فى بندها ( ثانياً ) لوزير الصحة أن يطلب منح الترخيص الإجبارى باستغلال الاختراع فى أية حالة من حالات عجز كمية الأدوية المحمية بالبراءة عن سد احتياجات البلاد أو انخفاض جودتها أو الارتفاع غير العادى فى أسعارها أو إذا تعلق الاختراع بأدوية الحالات الحرجة أو الأمراض المزمنة أو المستعصية أو المتوطنة أو بمنتجات الوقاية من هذه الأمراض ، وسواء تعلق الاختراع بالأدوية أو بطريقة إنتاجها أو بالمواد الخام الأساسية التى تدخل فى إنتاجها أو بطريقة تحضير هذه المواد .
والجدير بالاعتبار أن التراخيص الإجبارية فى جميع الحالات المشار إليها تصدر دون الحاجة إلى تفاوض مسبق مع صاحب البراءة ، أو لانقضاء فترة من الزمن على التفاوض أو لعرض شروط معقولة للحصول على موافقته على الاستغلال .
- وضع ضوابط للحد من المبالغة فى أسعار المنتجات المشمولة بالحماية عن طريق البراءة أو عدم توفيرها فى السوق أو طرحها بشروط مجحفة :
- اعتبرت المادة 25 ( خامساً ) من مشروع القانون المبالغة فى أسعار المنتجات المشمولة بالحماية عن طريق البراءة أو التمييز بين العملاء المحليين فيما يتعلق بأسعارها وشروط بيعها ، أو عدم توفيرها فى السوق ، أو طرحها بشروط مجحفة أو وقف إنتاجها أو إنتاجها بكمية لا تحقق التناسب بين الطاقة الإنتاجية وبين احتياجات السوق ، وكذلك القيام بأعمال أو تصرفات تؤثر سلباً على حرية المنافسة أو على نقل التكنولوجيا من قبيل الممارسات المخالفة لقواعد التنافس ، وأجازت لمكتب براءات الاختراع منح تراخيص إجبارية عند قيام أى من هذه الممارسات ، وذلك بعد اتخاذ الإجراءات القضائية أو الإدارية الواجبة ودون حاجة إلى التفاوض أو انقضاء مهلة على حصوله ، كما أجازت للمكتب إسقاط البراءة إذا تبين بعد مضى سنتين من منح الترخيص الإجبارى أن ذلك الترخيص لم يكن كافياً لتدارك الآثار السلبية التى لحقت بالاقتصاد القومى بسبب تعسف صاحب البراءة فى استعمال حقوقه .
- تقرير مبدأ الاستنفاد الدولى :
- نصـت المـادة ( 11/2 ) مـن مشروع القانون على أنه " يستنفد حق مالك البراءة فى منع الغير من استيراد أو استخدام أو بيع أو توزيع السلعة إذا قام بتسويقها فى أية دولة أو رخص للغير بذلك " .
ويسمح ذلك بتوفير المنتجات المشمولة بالحماية عن طريق البراءة فى السوق المصرى بأقل الأسعار السائدة عالمياً عن طريق الاستيراد الموازى .
- جواز استخدام المنتج المشمول بالحماية عن طريق البراءة فى كافة أغراض البحث العلمى دون أن يعد ذلك اعتداء على حقوق مالك البراءة :
- وتجيز ذلك المادة ( 11/1 ) من مشروع القانون بما يسمح لشركات الأدوية بدراسة المنتجات المشمولة بالحماية عن طريق البراءة وتحليلها لاكتشاف النظريات العلمية التى تقوم عليهـا ومكوناتهــا الكيمائيـة واستغلال نتائج ذلك فى البحث والتطوير ( الهندسة العكسية ) .
- جواز قيام الشركات المنافسة للشركة التى تستغل البراءة بتصنيع الأدوية المشمولة بالحماية خلال فترة الحماية أو تركيبها أو استخدام أو بيع المنتج طالما أن هذه الأعمال لازمة للحصول على ترخيص بتسويقه :
- تجيز المادة (11/5) قيام الغير بصنع أو تركيب أو بيع المنتج أثناء فترة حمايته بهدف استخراج ترخيص لتسويقه على ألا يتم التسويق إلا بعد إنتهاء تلك الفترة .
- وضع ضوابط للحد من استفادة الدول المتقدمة بمفردها بالثروات البيولوجية للدول النامية :
- ألزم مشروع القانون بموجب المادة (14/3) مقدم طلب البراءة أن يرفق به وصفاً تفصيلياً للاختراع يتضمن بياناً كاملاً عـن موضوعه ، وعن أفضل أسلوب يمكن ذوى الخبرة من تنفيـذه ، وذلك بالنسبة لكل واحد من المنتجات والطرق محل الطلب ، فإذا ما تعلق الطلب باختراع خاص بمواد بيولوجية نباتية أو حيوانية أو بمعارف تقليدية طبية أو زراعية أو بالتراث البيئى وجب إرفاق ما يدل على موافقة دولة المنشأ على قيامه بالأنشطة التى أدت إلى هذا الاختراع .
- إلزام مقدم طلب الحصول على البراءة ـ إذا تعلق طلبه بكائنات دقيقة ـ بالإفصاح عن هذه الكائنات وإيداع مزرعة حية منها لدى الجهة التى تحددها اللائحة التنفيذية :
- تضمنت هذا الإلزام الفقرة الرابعة من المادة (14) من مشروع القانون على تقدير بأنه من المعلوم أن الكائنات الدقيقة تستخدم على نطاق واسع فى مجال الصناعات الدوائية .
- الاستفادة من فترة السماح الإضافية :
- أجازت المادة ( 65/4 ) من اتفاقية ( TRIPS ) للبلدان النامية الاستفادة منها عن طريق تأجيل تطبيق الأحكام المتعلقة بحماية المنتجات التى لم تكن مشمولة بالحماية عن طريق البراءة فى تشريعاتها ( ومن بينها المنتجات الكيمائية المتعلقة بالأغذية والمنتجات الكيميائية الصيدلية ) لفترة خمس سنوات إضافيـة تنتهـى فـى 31 ديسمـبر سنة 2004 وهو ما أخذ به المشروع ( المادة الرابعة من مواد إصداره ) .
- التنظيم الدقيق لتلقى طلبات براءات الاختراع الخاصة بالمنتجات الكيمائية المتعلقة بالأغذية والمنتجات الكيمائية الصيدلية خلال فترة السماح الإضافية :
- تتضمن أحكام هذا التنظيم المادتان 44 و 45 من مشروع القانون ، وقد عنى المشروع بالنص على حساب مدة الحماية المقررة لهذه المنتجات ـ فى حالة منح البراءة ـ اعتباراً من تاريخ تقديم الطلب ، بحيث تستمر لما تبقى من مدة البراءة المقررة قانوناً ( عشرون سنة ) ، وبحسب نص المادة (45) كما انتهى إليه مجلس الشورى ، فإنه يشترط لطلب منح حقوق تسويقية استئثارية للمنتج فى مصر ما يلى :
- أن يكون المتقدم قد أودع طلباً لهذا المُنْتَج بمكتب البراءات المصرى اعتباراً من أول يناير سنة 1995 .
- أن يكون المُنْتَج ذاته قد نال براءة اختراع لحمايته فى دولة عضو فى منظمة التجارة العالمية بناء على طلب قُدم فى تلك الدولة اعتباراً من أول يناير سنة 1995 .
- أن يكون المتقدم قد حصل على موافقة بتداول هذا المُنْتَج فى دولة عضو فى منظمة التجارة العالمية على أن تكون الجهة المانحة لهذه الموافقة جهة مرجعية .
- أن يكون المتقدم قد حصل على موافقة من الوزارة المختصة بتداول هذا المُنْتَج داخل جمهورية مصر العربية .
كما لا يجوز منح شهادة حق التسويق الاستئثارى إلا بعد موافقـة لجنة وزارية تشكل لهذا الغرض بقرار من مجلس الوزراء ، وبحيث لا يمنح حق التسويق الاستئثارى إذا كان هذا المنتج قد أشهر قبل سنة من تاريخ تقديم الطلب ، ويتمتع المتقدم بالحقوق التسويقية الاستئثارية لمنتجه التى توافق السلطة الحكومية المختصة على منحها له ، وذلك إلى أن يبت مكتب براءات الاختراع المصرى فى طلب الحصول على البراءة ، أو لمدة خمس سنـوات تحسب من تاريخ الموافقة على منحه تلك الحقوق أى الأجلين أقرب .
فإذا ثبت عدم فعالية المنتج أو أنه تسبب فى حدوث أضرار للإنسان أو الحيوان أو البيئة أُلغى حق التسويق الاستئثارى السابق منحه ، وإذا ما تبين عند فحص طلب البراءة أن المنتج لا يرقى إلى مستوى الحصول على براءة اختراع داخل جمهورية مصر العربية يحق للدولة أن تطالب الحاصل على حق التسويق الاستئثارى بكل ما عاد عليه نتيجة منحه هذا الحق ، بالإضافة إلى تعويض مناسب عن الأضرار الناجمة عن ذلك .
ثالثاً : إعلان الدوحة فى شأن اتفاقية ( TRIPS ) فى نطاق الصحة العامة تأكيد على صدق توجه مشروع القانون المصرى :
تقضى اتفاقية إنشاء منظمة التجارة العالمية ( WTO ) بعقد مؤتمر وزارى للوزراء المعنيين بالتجارة فى الدول الأعضاء مرة على الأقل كل سنتين وذلك بهدف اتخاذ أية قرارات ضرورية تستهدف تحقيق مزيـد من التحرر للتجارة وضمان قيام المنظمة بدورها على الوجه الأكمل ، وتعتبر المؤتمرات الوزارية أعلى سلطة فى أجهزة المنظمة .
وقد عقدت حتى إعداد هذا البحث أربعة مؤتمرات كان أولها فى سنغافورة ديسمبر سنة 1996 والثانى فى جنيف ـ مايو سنة 1998 ، أمـا المؤتمـر الثالـث فقد عقد فى سياتل فى نوفمبر سنة 1999 ، وقد عقد المؤتمر الرابع والأخير فى الدوحة بدولة قطر فى الفترة من 9 إلى 14 نوفمبر سنة 2001 حيث اجتمع ممثلو 142 عضو فى المنظمة لدراسة عديد من الموضوعات كان من أهمها مشكلة إتاحة الدواء دون إخلال بحقوق الملكية الفكرية .
وقد صدر عن هذا المؤتمر إعلانان :
- إعلان عام تحت مسمى ( الإعلان الوزاري ) يتعلق برؤية المؤتمرين للموضوعات التى طرحت من زاوية التطبيق وما يثيره من قضايا ومشاكل بما فى ذلك ما يتعلق بالملكية الفكرية كما وردت فى ( TRIPS ) .
وبشأن ما ورد عن الملكية الفكرية فى هذا الإعلان الوزاري العام ـ وفى حدود ما يتناوله هذا البحث ـ فقد أكد المؤتمرون فى البند (17) من هذا الإعلان على " الأهمية التى يولونها لتطبيق وتفسير اتفاقية ( TRIPS ) على نحو يدعم الصحة العامة بتطوير وإتاحة الوصول إلى الأدوية القائمة بالفعل ومن أجل البحث والتطوير وصولاً لأدوية جديدة ، وفى هذا الخصوص فقد أصدر المؤتمـر إعلاناً منفصلاً تحت مسـمى إعـلان فى شـأن اتفاقية ( TRIPS ) والصحة العامة عولج فيه الموضوع فى سبعة بنود تم التأكيد فيها على ما يأتى :
- خطورة مشكلات الصحة العامة التى تتعرض لها العديد من الدول النامية والأقل نمواً لاسيما ما يتعلق منها بأمراض نقص المناعة والسل والملاريا والأوبئة الأخرى ومفاد ذلك أن هذه الأمراض وردت على سبيل المثال وليس الحصر بما يفتح الباب أمام الدول النامية والأقل نمواً لإضافة أمراض أخرى ، وقد أخذ مشروع القانون المصرى بهذا النظر عند تنظيمه للتراخيص الإجبارية فى المادة 25 ( ثانياً ) على نحو ما سبق إيضاحه .
- الحاجة لأن تكون اتفاقية ( TRIPS ) جزءً من عمل وطني ودولى يستهدف مواجهة هذه المشكلات ، ويتيح ذلك للدول النامية والأقل نمواً مكنات كبيرة عند مراجعة الاتفاقية فى مناسبة تفاوض لإدراج ما تراه من تعديلات لحماية الصحة العامة .
- أهميـة حماية حقوق الملكية الفكرية لتطوير الأدوية الجديدة ، مع التعبير عن المخاوف من تأثير ذلك على أسعار هذه الأدوية .
وفى هذا ولا شك إشارة ضمنية إلى الأثر الذى يمكن أن ينتج عن حماية هذه الأدوية الجديدة ببراءات اختراع بحسبانها احتكاراً قانونياً مؤقتاً للتكنولوجيا على أسعارها ، الأمر الذى يفرز حق الدول النامية والأقل نمواً فى اتخاذ التدابير اللازمة لمجابهة الزيادة فى هذه الأسعار .
وقد سبق بيان ما اعتنقه مشروع القانون فى شأن أحكام التراخيص الإجبارية ، وما تضمنه من إنشاء صندوق دعم الدواء لمواجهة الزيادة المحتملة المشار إليها .
- الاتفاق على أن اتفاقية ( TRIPS ) لا تحول ولا يجب أن تحول بين الأعضاء واتخاذ التدابير لحماية الصحة العامة ، وهو ما يوجب أن تفسر أحكام الاتفاقية وتطبق بأسلوب مؤيد لحق الأعضاء فى حماية الصحة العامة وبوجه خاص لدعم إتاحة الأدوية للجميع ، وأن تستخدم أحكام الاتفاقية لاقصى مدى فى نطاق ما توفره من مرونة فى هذا الشأن .
وجدير بالإشارة أن المادة ( 8 من اتفاقية TRIPS ) تنص على حق الأعضاء فى اتخاذ هذه التدابير لحماية غذائها وصحتها العامة ، وهو ما فعلـه مشروع القانون المصرى إلى آخر مدىّ متاح على نحو ما سلف إيراده .
وفى مجال بيان حدود المرونة المشار إليها فى البند السابق ومداها وما تسمح به أكد المؤتمر أنه " طبقاً لما ورد فى البند الرابع وفى ضوء أحكامه ، ومع الالتزام بأحكام الاتفاقية ، فإن هذه المرونة تسمح بما يلى :
- فى مجال إعمال القواعد الدارجة فى التفسير الخاصة بالقانـون الدولـى العام فإن كل بند من بنـود اتفـاقـية ( TRIPS ) يجب أن تقرأ فى ضوء الهدف والغرض من الاتفاقية حسبما هو موضح بوجه خاص فى الجـزء الخـاص بالأهــداف والمبـادئ ( مادة 7 ( TRIPS .
- يحق لكل عضو أن يصدر تراخيص إجبارية ، وله حرية تحديد الأسس ( grounds ) التى تمنح هذه التراخيص استناداً إليها .
- كما يحق لكل عضو أن يحدد ما يعتبر طوارئ قومية أو الظروف الأخرى للضرورة القصوى وأنه من المفهوم أن أزمات الصحة العامة ـ بما فى ذلك أمراض نقص المناعة والسل والملاريا والأوبئة الأخرى ـ يمكن أن تمثل مصلحة قومية أو ظروفاً تتوافر بها الضرورة القصوى .
ومما لا شك فيه أن مشروع القانون المصرى قد أخذ بهذا التفسير عند معالجته لأحكام التراخيص الإجبارية ، وقد ورد الإعلان مؤكداً صحة هذا المنهج .
- فيما يتعلق باستنفاد حقوق الملكية الفكرية أكد المؤتمر أن أحكام اتفاقية (TRIPS) تترك الحرية لكل عضو فى إقامة نظامه الخاص بالاستنفاد دون إخلال بمبدأى الدولة الأولى بالرعاية والمعاملة الوطنيـة الواردين فى المادتين (3)، (4) ( البند الخامس من الإعلان ) .
ومفاد ما تقدم أن الاتفاقية لا تنكر فكرة الاستنفاد الدولى لحقوق الملكية الفكرية وأنه من حق الدول أن تأخـذ بهذه الفكرة وتحولها إلى نصوص تشريعية ، وهو ما أخذ به مشروع القانون المصرى على نحو ما سلف .
( 13 ) وفى مجال تفعيل استخدام التراخيص الإجبارية أقر المؤتمر بضرورة أن يوجد مجلس ال ( TRIPS ) حلاً عاجلاً لمشكلات الأعضاء الذين ليست لديهم قدرات تصنيعية كافية أو ليست لديهم قدرات تصنيعية إطلاقاً فى المجال الصيدلى والدوائى والذين يواجهون صعوبات فى الاستخدام الفعال للترخيص الإجبارى طبقاً لاتفاقية (TRIPS) وبحيث يقدم تقرير بذلك إلى المجلس العام قبل نهاية عام 2002 .
ولا شـك أن المجلس الوزارى بإصداره هذا التكلـيف لمجلس ال (TRIPS) يكون قد أدرك المشكلة تماماً ، وإلى أن يصل المجلس الأخير إلى الحل المطلوب فإن مسلك الدول فى شراء الدواء من دولة ثالثة تصنعه بأسعار أرخص من صاحب البراءة التى صدر بشأنها ترخيص إجبارى يكون مسلكاً عملياً لا سبيل إلى مراجعتها فيه .
وفى شأن الدول الأقل نمواً ( ومصر ليست من بينها ) فقد انتهى المؤتمر إلى ما يأتى :
- ( ) التأكيد على التزام الدول المتقدمة الأعضاء بتوفير حوافز لمنشآتها ومؤسساتها لدعم وتشجيع نقل التكنولوجيا إلى الدول الأعضاء والأقل نمواً إعمالاً لحكم المادة 66/2 .
- ( ) الموافقة على مد الفترة الانتقالية للدول الأقل نمواً فيما يتعلق ببراءات الاختراعات الخاصة بالمنتجات الصيدلية إلى أول يناير سنة 2016 مع حقها فى أن تسعى للحصول على تمديدات أخرى لهذه الفترات الانتقالية طبقاً للمادة 66/1 من اتفاقية (TRIPS) مع تكليف المجلس باتخاذ ما هو ضرورى للإعمال الفعال لكل ما تقدم طبقاً للمادة المتقدمة .
وليس ثمة شك فى أن ما انتهى إليه المؤتمر على هذا النحو يعكس إدراكاً واعياً لحجم المشكلة لدى الدول الأقل نمواً ، والتى قد لا تتوافر لديها قدرات حقيقية لتصنيع الدواء فضلاً عن عدم توافرها ـ من باب أولى ـ على إمكانيات أساسية فى مجال البحث العلمى بوجه عام .
00وبعد 00 ، فإنه يتضح من العرض المتقدم أن ما انتهى إليه الحال فى المؤتمر الوزارى الرابع من توافق أعضاء منظمة التجارة العالمية (WTO) على تفسير وفهم متوازن للأحكام المتعلقة بقضية الصحة العامة فى اتفاقية (TRIPS) هو فهم وتفسير لم يكن غائباً عن المشرع المصرى لدى إعداد مشروع القانون المصرى لحماية حقوق الملكية الفكرية الذى استغرق إعداده نحو ثلاثة أعوام بمعرفة لجنة رفيعة المستوى وعلى نحو يعد مثلاً يحتذى ، والجدير بالذكر أن المشروع قد أحيل إلى مجلسى الشعب والشورى ، وقد تمت مناقشته فى اللجنة العامة واللجنة المشتركة واللجان النوعية والتحضيرية ولجنة الصياغة فى مجلس الشورى على مدى عشرين اجتماعاً ، ثم ناقشه المجلس فى الجلسات العامـة على مدى جلسات طويلة ، وقد وافق عليه مجلس الشعب من حيث المبدأ ، وتجرى الآن مناقشته مناقشة واعية عميقة متأنية فى مجلس الشعب حفاظاً على المصالح القومية لمصر ، ووصولاً إلى أعلى مراتب صونها ، وهو غاية الغايات .
|