|
د. صقر أحمد صقر مستشار اقتصادى- الصندوق الكويتي للتنمية وبالإضافة إلى توضيح النصيب اليومي للفرد من إمدادات البروتين والدهون، فإن البيانات الواردة بالجدول 3 توضح أن متوسط نصيب الفرد اليومي من السعرات الحرارية اتجه للتزايد فيما بين عامي 1970، 1996 لكل البلاد الواردة بالجدول. ومع ذلك فتجدر ملاحظة أن هذه المتوسطات تجعل الموقف يبدو أفضل بالمقارنة بالحالة الواقعية، نظرا لأن الغذاء المتوافر لا يتم توزيعه بشكل عادل. فقد تكون هناك مجموعة قليلة من السكان تتمتع بغذاء طيب في حين أن أعدادا كبيرة من السكان قد تعاني من نقص السعرات الحرارية. كما أن اتجاه توزيع الدخل إلى التدهور قد يؤدي إلى اتجاه أعداد السكان الذين يعانون من سوء التغذية إلى التزايد في الوقت الذي يزيد فيه متوسط السعرات الحرارية التي يتم استهلاكها. ولتفادي هذه المشكلات قد يكون من الأفضل حساب نسبة الأطفال دون سن الخامسة الذين يعانون سوء التغذية، وهو ما يوضحه العمود الأخير من الجدول (3). وكما يتضح من الجدول فإن شيوع حالات سوء التغذية بين الأطفال، والآثار الضارة المترتبة عليها، تتجه نحو التزايد مع اتجاه دخل الفرد نحو التناقص. ويمكن الحد من سوء التغذية من خلال العمل على زيادة استهلاك الغذاء، والذي يتحدد، شأنه شأن استهلاك باقي السلع والخدمات الأخرى، من خلال تأثير ثلاثة عناصر: الدخل والأسعار النسبية والأذواق. وعند المستويات المنخفضة من الدخل للأسرة، فإن الدخل هو عامل هام محدد لمستويات استهلاك الغذاء. ويقرر قانون أنجل أن الأسر تنفق كمية متزايدة ولكن بنسب متناقصة، من دخولها على الغذاء مع اتجاه دخلها نحو التزايد. ومع ذلك فتجدر الإشارة إلى أن بعض الإنفاق الإضافي قد يذهب للحصول على كمية أكبر من الغذاء، ولكن معظمه، خاصة بعد المستويات الدنيا للدخل، سيخصص للحصول على نوعية أفضل. ولكن النوعية يتم تعريفها بصورة ذاتية بواسطة المستهلكين وفقا لأذواقهم. فأنواع الغذاء التي تعتبر ذات جودة عالية قد لا تكون مغذية بالضرورة بالمقارنة بأصناف الغذاء المماثلة والأقل تفضيلا، وربما تكون حتى أدنى في قيمتها الغذائية ـ مثل (إحلال الكوكاكولا والسفن أب محل الكركديه والخروب، أو إحلال غذاء الأطفال التجاري محل لبن الأم ..الخ.) ومع ذلك، وبصورة عامة، فإن الأشخاص ذوي الدخول المرتفعة يحصلون على سعرات حرارية أكبر ووجبة غذائية أكثر تنوعا، والتي تعد أفضل بدلالة مكوناتها الغذائية. كما أن الأسعار لها أيضا تأثير ملموس على استهلاك الغذاء من خلال أثري الدخل والإحلال. فالتغير في سعر المواد الغذائية الرئيسية مثل الأرز أو القمح أو الذرة يمكن أن يكون له تأثير كبير على القوة الشرائية للأسر الفقيرة. فإذا كانت الأسرة تنفق 30% من دخلها على القمح، واتجه سعر القمح للتزايد بمقدار 30%، فإن هذه الزيادة تشكل تخفيضا قدره 9% في القوة الشرائية الخاصة بالأسرة (3ر×3ر=09ر=9%). ولهذا السبب فإن أسعار المواد الغذائية الأساسية، وبصورة خاصة الحبوب، هي مؤشر لمستوى الرفاهية ـ والاستقرار السياسي أيضا ـ بين الفقراء في العديد من الدول منخفضة الدخل. ويمكن أن تكون آثار الإحلال ملموسة أيضا.فحتى لو كان السكان يفضلون بشدة أنواعا معينة من الغذاء، فإن الفروق السعرية الكبيرة يمكن أن تؤدى إلى انتقالهم إلى بدائل أرخص بالمقارنة بالأغذية الأكثر كلفة والتي كانوا يفضلونها - مثل انتقال الأسر الفقيرة جدا من استهلاك الأرز إلى استهلاك القمح، عندما ينخفض سعر هذا الأخير بالمقارنة بسعر الأرز. أخيرا، فإن الأذواق والمعتقدات يمكن أن تلعب دورا هاما في تحسين مستويات التغذية، وذلك من خلال توفير المعلومات اللازمة وتثقيف المستهلكين حول المحتوى الغذائي للسلع المختلفة، وامكان إحلال السلع مرتفعة القيمة الغذائية ومنخفضة الثمن، مكان السلع التي تكون قيمتها الغذائية أقل ولكنها أكثر تكلفة7. التدخلات الغذائية هناك أنماط عديدة مختلفة وممكنة من التدخل الغذائي المصمم لتحسين التغذية. وهذه البرامج تتراوح بين توفير الغذاء للأطفال الرضع والصغار من خلال تحقيق التكامل بين توزيع الغذاء وبين برامج رعاية صحة الأم والطفل، وتوفير الغذاء لطلاب المدارس، وتشجيع إقامة حدائق المنازل لكي يتم توفير الإضافات الغذائية اللازمة، والتعليم والتثقيف بطرق التغذية المفضلة، وتطوير أنواع جديدة من الغذاء التي ترتفع قيمتها الغذائية، وأخيرا دعم أسعار السلع الغذائية لمحدودي الدخل في الحضر. وهناك أمران هامان ينبغي الالتفات إليهما عند تصميم هذه البرامج هما كيفية حصر هذه البرامج على المستفيدين المستهدفين، والثاني هو كيفية تمويل هذه البرامج. فالبرامج التي تستهدف تحسين تغذية مستفيدين معينين مثل برامج تغذية طلاب المدارس قد تتطلب الكثير من الأعداد الإداري وتكاليف الاشراف لكل مستفيد ولكنها قد تتضمن نوعا آخر من مشكلات التكاليف: وهو تسرب المكاسب إلى أشخاص آخرين غير الفئات المستهدفة. 5 - كفاءة النظم الصحية يتراوح إجمالي ما يتم إنفاقه على قطاع الصحة ما بين 2% و 14% من الناتج المحلي الإجمالي في الدول المختلفة ـ انظر الجدول 4. وتقدر إحدى دراسات البنك الدولي أن العالم خصص نحو 9% من إنتاجه الكلي لقطاع الصحة. وهذه المبالغ الكبيرة التي يتم إنفاقها كانت استجابة للتحديات المتعددة الناجمة عن الانتقال الديموغرافي والانتقال الوبائي. وقد أشرنا إلى أن النظم الصحية لديها الآن القدرة على التخفيض الملحوظ للأمراض الزائدة عن الحد والتي يعاني منها الفقراء، وعلى ضرورة أن تتوافر لدى هذه النظم القدرة على التوقع والاستجابة لأنواع متعددة من الأمراض والإصابات. ومع أن بعض هذه الظروف يتحقق بدرجة أكبر من البعض الآخر، فإنه من الضروري أن تتوفر لدى النظم الصحية الأموال اللازمة، والهياكل الإدارية والتنظيمية للاستجابة بمرونة وكفاءة لهذا التنوع. والاختيارات المتعلقة بتمويل الخدمات الصحية لها تأثير علي عدالة توزيع الأعباء ،بحيث يمكن للأغنياء والأصحاء أن يدعموا الفقراء والمرضي .ولكي نضمن العدالة والحماية من المخاطر المالية ،لابد وأن يكون هناك مستوى مرتفع من الدفع المسبق ،كما ينبغي توزيع المخاطر (من خلال دعم ذوى المخاطر الصحية المنخفضة لذوى المخاطر الصحية المرتفعة ) ،ودعم الفقراء (من خلال دعم أصحاب الدخول المرتفعة لأصحاب الدخول المنخفضة )، وتحاشي تجزئة أموال الرعاية الصحية التي يتم تجميعها ، كما ينبغي القيام بالشراء الاستراتيجي ،بالتركيز علي أفضل التدخلات التي يتعين شراؤها ،وأفضل المعالجين للشراء منهم ،وأفضل آليات الدفع والتعاقد ،وذلك لتحسين نتائج النظام الصحي وعدالته ودرجة استجابته8 . وتجدر الإشارة إلى أن معظم دول العالم لا يوجد لديها نظام صحي وحيد، ولكن توجد نظم فرعية متعددة تتعلق بتوفير الخدمات الصحية وتمويلها. كما أن النظم الصحية تتفاوت في كفاءتها بين البلدان المختلفة. وهناك العديد من الدراسات التي حاولت تبيان أسباب هذا التفاوت. ومع ذلك، فإن الدروس المفيدة لأحد البلاد قد تكون محدودة القيمة لبلاد أخرى. كما أن الدلائل حول فعالية أو عدم فعالية بعض العوامل تشكل بعدا واحدا من الأبعاد المؤثرة على القرارات التي تشكل النظام الصحي. وسوف نناقش فيما يلي الكيفية التي يمكن من خلالها زيادة كفاءة النظم الصحية في توفير الخدمات الصحية، وما هي الطرق التي يمكن أن نتوصل من خلالها لمدى تدخل الحكومة وحدود دورها في توفير التمويل اللازم. والرسوم التي يمكن فرضها على المستفيدين، والدور الذي يمكن أن يقوم به القطاع الخاص في توفير الخدمات الصحية. ومع ذلك، فقد يكون من المفيد الإشارة في البداية إلى الأهداف التي ينبغي على النظم الصحية أن تعمل على تحقيقها: - تحسين الأوضاع الصحية، - الحد من التفاوت في توفير الخدمات الصحية، - تدعيم الاستجابة للتوقعات المشروعة، - حماية الأفراد والأسر والمجتمعات من الخسارة المالية، - تدعيم العدالة في توفير وتمويل الخدمات الصحية. الجدول 4 : الإنفاق على الصحة والخدمات الصحية في مجموعة من الدول لكل 1000 من السكان انفاق صحى للفرد الإنفاق على الصحة كنسبة من ن م ج
الدولة عدد الممرضين عدد الأطباء عدد الأسرة ت ق ش $ الإنفاق الكلي الإنفاق الخاص الإنفاق العام 1993 90-97 90-97 90-97 90-97 90-97 90-97 8ر8 5ر2 9ر5 3951 1ر14 5ر7 6ر6 أمريكا 9ر3 8ر2 9ر8 2086 8ر9 1ر2 7ر7 فرنسا 5ر3 3ر1 5ر2 221 8 6ر1 4ر6 سعودية 8ر2 1ر2 8ر1 227 8ر5 8ر2 0ر3 تونس 2ر2 8ر1 2 103 7ر3 1ر2 7ر1 مصر 9ر0 4ر0 1ر1 124 6ر3 4ر2 2ر1 المغرب 1ر1 1ر0 7ر2 38 9ر1 4ر0 4ر1 سريلانكا 5ر0 1ر0 8ر0 19 9ر5 6ر4 3ر1 اليمن * المصدر:البنك الدولي ،مؤشرات التنمية الدولية ،1999،ص 90-93 ،وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية لعام 1999 ،ص 172-175. الكفاءة الاقتصادية الكلية والجزئية تسرى قضية كفاءة النظام الصحية على مستويات عديدة. فإذا ناقشنا، أولا،الكفاءة الاقتصادية الكلية فسنجد أنها تشير إلى التكاليف الكلية للرعاية الصحية بالمقارنة بالمقاييس الإجمالية للأوضاع الصحية. فالدول المختلفة تنفق كميات متفاوتة من مواردها القومية على الصحة، كما تقوم بتخصيص هذه الموارد بطرق مختلفة، وتنجز إنجازات متفاوتة فيما يتعلق بالأوضاع الصحية، والحصول على الخدمة أو الشعور بالرضا. وبدون شك فإن هذه الاختلافات في النتائج تشير إلى اختلافات في كفاءة النظم الصحية. وكما يتضح من الجدول 4 فإن الإنفاق الكلي على الصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي يصل إلى 8ر9 % و 1ر14% في كل من فرنسا والولايات المتحدة على الترتيب - وكلاهما من دول الدخل المرتفع، في حين أن هذه النسبة تتجه للانخفاض في دول الدخل المتوسط والمنخفض حيث تصل إلى 8% في المملكة العربية السعودية و8ر5 في تونس، و 7ر3% في مصر، و 6ر3% في المغرب، و9ر1% في سريلانكا - وكل هذه الدول من دول الدخل المتوسط، في حين أنها تصل إلى 9ر5% في اليمن ـ وهي من الدول منخفضة الدخل. وإذا نظرنا إلى الإنفاق العام على الصحة سنجد أنه متدنى جدا بالنسبة لدول الدخل المتوسط والمنخفض (باستثناء السعودية)، حيث يتراوح الإنفاق العام على الصحة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بين 7ر1% في مصر و 2ر1% في المغرب خلال الفترة من 1990 حتى 1997. وبدلالة دخل الفرد، فإن الإنفاق السنوي على الصحة للفرد بالدولار (ت ق ش) غير ملائم بدرجة كبيرة حيث يصل إلى 227 في تونس و221 في السعودية، و 124 في المغرب، و103 في مصر و19 في اليمن و 38 في سريلانكا، وذلك بالمقارنة بنحو 3951 في الولايات المتحدة و2086 في فرنسا. والإنفاق المحدود على الرعاية الطبية في الماضي أدى إلى نصيب غير مناسب من كل من التسهيلات الطبية والأفراد المؤهلين في معظم الدول النامية، وبصورة خاصة في أكثرها فقرا، كما يتضح من الجدول 4. كما تجدر ملاحظة أن التدريب الطبي في كثير من الدول الأكثر فقرا قد لا يكون مفيدا بدرجة كبيرة للمجتمع، حيث يتمتع الأطباء والممرضون بقدرة كبيرة على الانتقال، وبمجرد تدريبهم فإن نسبة ملموسة تتجه للهجرة الخارجية للحصول على دخل أعلى في البلاد الأخرى. والمشكلة بالنسبة للدول الأقل نموا هي أن البعض منها ينظر إلى الإنفاق العام على الصحة على أنه إنفاق استهلاكي بحت، ولهذا فإنها تتجه إلى الحد منه. ومع هذا، فإن الإنفاق الكلي على الصحة قد يكون منخفضا للغاية ـ إلى أقل من 2% من الناتج المحلي الإجمالي في العديد من البلاد مثل سريلانكا بالجدول 4، وأيضا مثل السودان، والكاميرون، ونيجيريا، وإندونيسيا. وهذا التدنى في الإنفاق على الصحة يعنى عدم إمكان توفير الإجراءات الصحية الفعالة المنخفضة ـ التكلفة لكل السكان. ويحدد البنك الدولي المبلغ الضروري لتوفير حزمة أساسية من التدخلات الوقائية والعلاجية للفرد بنحو 12 دولار في السنة. وهكذا، فإن حقيقة الأمر أن تخصيص كميات غير كافية من الموارد العامة والخاصة للصحة يؤدى إلى الإبقاء على حلقة الفقر، وأن زيادة الدعم المالي الحكومي للخدمات الصحية التي تتسم بالعدالة وبفاعلية التكلفة هي مسألة تأخرت بشدة في بلاد كثيرة. وبالنسبة للدول متوسطة ومرتفعة الدخل، فإن سياسة تمويل الأنشطة الصحية عادة ما تهتم بالحاجة إلى زيادة التنسيق، والحد من التشرذم، واحكام الرقابة على إجمالي تكلفة الرعاية الصحية. وعادة ما يكون التخوف من أثر زيادة تكلفة الرعاية الصحية على زيادة تكلفة العمل مثار قلق هذه المجموعة، لما يؤدى إليه من تهديد للنمو الاقتصادي والتنافسية الدولية. وهكذا، فإنه بينما قد يشير إنفاق مبالغ أكبر بكثير من 9% من الناتج المحلي الإجمالي على الرعاية الصحية ـ مثل 14% في حالة الولايات المتحدة ـ إلى وجود عدم كفاءة على المستوى الاقتصادي الكلي، فإن الدول التي تنفق أقل من 2% تستثمر أقل بكثير مما ينبغي في توفير الرعاية الصحية للسكان في الحاضر والمستقبل. وفيما بين هذا المدى المتسع لا توجد نسبة واحدة للإنفاق على الرعاية الصحية يمكن وصفها بأنها "مناسبة" أو تحقق "الكفاءة الاقتصادية". ومن الناحية الأخرى، تشير الكفاءة الاقتصادية الجزئية، إلى إمكانية تحقيق كفاءة أكبر من الأنماط القائمة لاستخدام الموارد. ومن الطبيعي أن تعاني كل النظم الصحية من قدر من الضياع وعدم الكفاءة. وهناك أنواع متعددة من انخفاض الكفاءة التي تعاني منها النظم الصحية. فانخفاض الكفاءة الفنية يتحقق عندما يتم استخدام كميات أكبر من اللازم من الموارد لتحقيق هدف أو تدخل صحي محدد. كما أنه يتحقق أيضا عندما لا تتناسب الطاقة المركبة للنظام الصحي (المباني والمعدات والعمالة الفنية) مع الموارد الجارية اللازمة للتشغيل الملائم، مع ما يترتب على ذلك من زيادة العمالة الفنية عن الحد اللازم، وانخفاض استخدام قوة العمل بالمقارنة بمستوى التشغيل، خاصة في المراكز الطبية النائية. وفي هذا الصدد فإن تحليل فعالية التكاليف هو الأداة الرئيسية لتحقيق التحسينات في الكفاءة الاقتصادية الجزئية. كما يتحقق انخفاض في الكفاءة التخصيصية عندما لا يتم توزيع الخدمات الصحية في البلاد الفقيرة بعدالة بين السكان. فالعواصم والمدن الرئيسية الأخرى عادة ما يكون لديها أعداد كبيرة من الأطباء بالمقارنة بسكان المناطق الريفية. كما يسود هذا التفاوت أيضا بالنسبة لأسرة المستشفي ات ومسئولي الصحة الأساسيين. والموارد الطبية عادة ما يتم توزيعها بشكل غير كفء بين الفئات المختلفة من المرضى وبين الأنواع المختلفة من العلاج، حيث قد نجد أن نسبة كبيرة من ميزانيات العلاج المحدودة أصلا يتم تخصيصها للحصول على بعض التكنولوجيات الطبية الحديثة (مثل عمليات القلب المفتوح) للمستشفيات في العواصم أو كليات الطب، في الوقت الذي لا يكون فيه بوسع الدولة أن توفر الرعاية الصحية الأساسية للأطفال المرضى.كما أن القصور في الكفاءة الإدارية والتنظيمية يحتل مكان الصدارة في النظم الصحية لبعض الدول النامية. فعدد كبير من الأمصال تتم إدارته بشكل غير كفء نتيجة لمرور فترة كبيرة على صلاحيتها أو لتعرضها للحرارة، كما أن ظروف التعقيم بالنسبة للإجراءات الطبية تجعل من المستحيل المحافظة عليها. وأخيراً، وليس آخر فإن جانبا آخر من القصور في الكفاءة التخصصية التي تعاني منه برامج خدمات الصحة العامة بمعظم الدول النامية يتصل بالمغالاة في الإنفاق على الطب العلاجي مقارنة بالطب الوقائي. فلما كان علاج كل المرضى فوق قدرة كثير من الدول الفقيرة، فإن إمكانية تخفيض المرض والوفاة بطرق أرخص من خلال إجراءات الطب الوقائي (مثل التطعيم، والقضاء على الناموس والفئران.. الخ.) يستحق اهتماما خاصا. وهكذا يتضح لنا أن جودة الخدمة تتجه للانخفاض نتيجة لعدم توافر المدخلات اللازمة (المالية والبشرية)، أو عندما لا يتم استخدام الإجراءات المناسبة. والأعراض العامة للقطاع الصحي في الدول الأقل نموا هي عدم توافر الأدوية الأساسية، أو عدم إمكان التوصل لاستخدام التسهيلات الصحية القائمة، أو تغيب الأخصائيين، أو تعطل السيارات والمعدات، أو تهالك المنشآت. وهذه المشكلات تنتج من عدم كفاية وعدم ملائمة الخدمات الصحية، فضلا عن التوزيع السيئ لها في البلاد الفقيرة. وعندما توجد هذه الأعراض فإنها تؤدي في حد ذاتها إلى المساهمة في الأمراض والوفاة المبكرة9. والسؤال الآن هو ما الذي يمكن عمله لتحسين الخدمات الصحية في الدول الأقل نموا بالشكل الذي يمكن من امتداد التغطية لتشمل كافة السكان، وتوفير وتنمية أنماط الخدمة الملائمة للاحتياجات الصحية والموارد المتاحة في هذه البلاد؟. تحديد الأولويات حتى يمكن توفير الرعاية الصحية للجميع وبشكل فعال لا بد من مناقشة الأولويات، والاتفاق عليها، وتنفيذها. ويرجع السبب في ضرورة تحديد الأولويات تعذر توفير كافة التدخلات التي لها قيمة علاجية لكافة السكان حتى في أغنى البلاد. كما أن الاستناد إلى القدرة على الدفع كوسيلة لتحديد أعداد المستفيدين من العلاج الطبي، والذي اتجه نحو التزايد مؤخرا، معناه تحديد الأولويات بالشكل الذي يستبعد أعدادا كبيرة من السكان من الحصول على رعاية منظمة. ولتصحيح هذه الأوضاع فإنه من الضروري اختيار الأولويات العامة، بدلالة ما تستطيع، وما لا تستطيع، الحكومة أن تفعله. وبهذا الشكل تصبح الحقائق الاقتصادية جزءا متكاملا من تطوير وإصلاح النظام الطبي. وقد انصب تحديد الأولويات في البلاد الأقل نموا في المجال الطبي منذ الخمسينات وحتى الثمانينات على التركيز على علاج مرض واحد في وقت محدد، مثل الإسهال أو الملاريا. ومنذ أوائل التسعينات اتجه الاهتمام نحو التدخلات الجماعية لتحقيق نتائج أفضل، وتحسين جودة الخدمات الطبية. وقد أدخل البنك الدولي عام 1993 فكرة حزمة التدخلات التي تتسم بفاعلية التكلفة، والتي يتم تصميمها وفقا للأوضاع الفعلية للمالية العامة في أي دولة10. وعندما يتم تطوير هذه الحزم، فإنه من الممكن إعادة تنظيم الكيفية التي يتم بها تطوير الخدمات الطبية لضمان اختصار وقت الانتظار، وللتدفق الكفء للمرضى، ولصرف الأدوية بصورة أكثر نمطية، ولتحقيق اتصال أفضل مع المرضى. ولهذا فإن أولويات التدخل التي يتم تركيزها بهذا الشكل ستسمح بأن يكون للموارد المحدودة أقصى تأثير ممكن على جودة الخدمة والنتائج الصحية. إعادة النظر في الحوافز الخاصة بموفري الخدمة الطبية تعتمد كفاءة النظم الطبية وجودة الخدمات التي يتم توفيرها على عاملين إضافيين هما طريقة الدفع لموفري الخدمة (المعالجون)، ودور المؤسسات الحائزة لأموال العلاج الطبي بالنسبة لموفري الخدمة. فيما يتعلق بطريقة الدفع لموفري الخدمة، هناك أولا: طرق الدفع المستقبلية ـ مثل الموازنات أو ضريبة الرأس (مبلغ محدد يدفعه كل شخص) ـ والتي يتم من خلالها تحويل المخاطر المالية لتوفير الخدمة من الموازنة أو صناديق التأمين الطبي التجاري أو مشروعات التأمين الطبي على مستوى القرية، إلى موفري الخدمة الطبية. كما أن هناك، ثانيا، طرق الدفع الاسترجاعية حيث يتم تعويض موفر الخدمة مقابل الخدمات التي قام بتوفيرها ـ مثل رسوم الخدمة ـ أو المدفوعات على أساس التدخل العلاجي. وتوضح تجارب العديد من الدول عند المستويات المختلفة لدخل الفرد أن النظم التي تعتمد على طرق الدفع الاسترجاعي ـ خاصة تلك التي يتولى الدفع فيها طرف ثالث ـ تخلق حوافز للأسراف والرعاية غير المناسبة. فبدون ضوابط على حجم الاستخدام وجودة الخدمة، سيكون من العسير إدارة هذه النظم بما يتفق مع الصالح العام، حيث ستخلق حوافز للرعاية الفخمة المتسمة بالتبذير، من خلال توفير العلاج بشكل مغالى فيه، والاستخدام الزائد عن الحد للخدمات التشخيصية والتدخلات الجراحية. وفي هذا الصدد، هناك بدائل أفضل من أهمها طرق الدفع المقدم، أو تعزيز رسوم الخدمة ببعض الضوابط الإدارية البسيطة للحد من التسارع في التكاليف. وتتضمن طرق الدفع المقدم إنشاء مؤسسات لحيازة الأموال التي يتم تجميعها، مثلا من خلال حسابات التوفير الطبية للأفراد والعائلات، ومشروعات التأمين الطبي للقرى أو المجتمعات المختلفة، وأموال التأمين الطبي الخاص، والأموال المخصصة للصحة في الموازنة العامة للدولة. ولزيادة الكفاءة من الضروري أن تقوم هذه المؤسسات بدور فعال تستخدم فيه قوتها المالية من أجل تحقيق التغيرات اللازمة في سلوك موفري الخدمات الطبية. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال الاتفاقات التعاقدية التي تتم بين المشترين العامين والأنماط المختلفة من موفري الخدمة، والعمل على إدخال المنافسة فيما بين الموفرين أنفسهم للحد من التسارع في التكاليف. وقد اتجهت الكثير من شركات التأمين الطبي إلى القيام بدور نشط في إدارة توفير الخدمة للمستفيدين بهدف أحكام الرقابة على التكاليف وتحسين جودة الخدمات التي يتم توفيرها. كما تعمل هذه الشركات أيضا على إثارة المنافسة بين موفري الخدمات الطبية الممكنين، والاحتفاظ بسجلات لهم، والتعاقد فقط مع أولئك الذين يحققون مستويات معينة من الجودة والتكلفة، ووضع بروتوكولات للعلاج النمطي. 6 - مدى تغطية الرعاية الصحية ونظام السوق هناك مبررات هامة لقيام الدولة بدور ملموس في القطاع الصحي، يتمثل أولها، في أن العديد من الخدمات المتصلة بالصحة والرقابة على الأمراض المعدية هي سلع عامة. الثاني، هو أن توفير الخدمات الصحية للفقراء بتكلفة مناسبة يعد وسيلة فعالة ومقبولة اجتماعيا للحد من الفقر. وأخيرا، فإن التدخلات الحكومية قد تكون لازمة لمواجهة المشكلات الناجمة عن عدم التأكد والفشل في أسواق التأمين. فعدم التأكد الذي يحيط باحتمال المرض وفعالية العلاج يدفع إلى الطلب القوى على التأمين وإلى القصور في عمل الأسواق الخاصة حيث قد تلجأ شركات التأمين لرفض التأمين على الأفراد الأكثر حاجة للتأمين الصحي. كما قد تكون هناك "مخاطر معنوية" حيث يؤدي التأمين إلى تخفيض حوافز الأفراد لتفادي الخطر والإنفاق بالسلوك المتزن، وإلى خلق الحوافز والفرص أمام الأطباء والمستشفيات لإعطاء المرضى رعاية أكثر من اللازم. وأخيرا فهناك حالة من اللاتماثل Asymmetry في البيانات بين موفر الخدمة والمريض فيما يخص نتائج التدخل. فموفر الخدمة ينصح المريض باختيار العلاج، وعندما يرتبط دخل موفر الخدمة ينصح المريض باختيار العلاج ، فمن المكن أن يتحقق علاج أكثر من اللازم. ولهذا فإنه كنتيجة للاعتبارات المترتبة على وجود المخاطر المعنوية وعدم التماثل في البيانات المتوفرة لطرفي التعاقد، فإن التكاليف في الأسواق التي لا تخضع للرقابة قد تتزايد دون أن تتحقق مكاسب صحية للمرضي. فالحكومات إذن لها دور لكي تعلبه في ضبط وتوجيه النظم الصحية11. وتوضح الدروس المستفادة من تطور النظم الصحية خلال القرن العشرين أن النمو التلقائي غير المدار لا يمكن الاعتماد عليه لضمان الوفاء بمعظم الاحتياجات الصحية للسكان، خاصة السكان الفقراء الذين يتحملون العبء الأكبر لسوء الصحة والمخاطر القصوى الممكن تفاديها للمرض والوفاة. ولهذا فهناك ضرورة للتدخل الحكومي للتوصل للتغطية الشاملة للسكان. وفي الجزء الأخير من هذا الفصل ستتم مناقشة دور نظام السوق في توفير الخدمات الصحية، واختلاف توزيع مخاطر تكاليف الرعاية الصحية استنادا إلى الخطط المختلفة للتمويل والنظم المختلفة للدفع لموفري الخدمات الطبية، وشمول تغطية الرعاية الصحية الأساسية وخيارات السياسات الصحية المتاحة. الخدمات الصحية المتاحة أشارت دراسات البنك الدولي، إلى أن 7 % فقط من تكاليف الخدمات الصحية التي يتم توفيرها بصورة عامة في الدول النامية يتم الحصول عليه مرة أخرى كرسوم من المستفيدين. وهذه الملاحظات قادت إلى الاقتراحات الخاصة بزيادة الرسوم التي يتم تحديدها للخدمات الصحية، وفرض رسوم لبعض الخدمات التي يتم حاليا توفيرها مجانا.والدخل الذي سيتولد من هذه الرسوم سيتم استخدامه للتوسع فى الخدمات الصحية. وبالنسبة لإمكانية فرض أسعار أعلى على الخدمات الصحية والتعليمية،اقترح بعض الاقتصاديين التفرقة بين الخدمات التي تدر منافع شخصية يتمتع بها الأشخاص المستفيدون بمفردهم، وتلك التي يكون لها منافع خارجية ملموسة للمجتمع بأسره12. فعندما تكون المنافع الخارجية كبيرة، فإن السعر الذي يتم تحديده للخدمة ينبغي وأن يكون أقل من التكلفة، وإلا فإن المجتمع سيحرم من هذه المكاسب الملموسة.وبصورة عامة، فهناك اتفاق على عدم فرض أية رسوم على الخدمات الطبية الوقائية، ولكن البعض قد يرى فرض رسوم معتدلة على كثير من الخدمات العلاجية. ومع ذلك، فإن النقطة الهامة هي أن أنواع الخدمات التي ينبغي على حكومات الدول النامية أن تنفق الجانب الملموس من موازنتها الصحية لتوفيرها هي تلك التي تؤدى إلى مكاسب كبيرة للمجتمع بصورة عامة، وبصورة خاصة للسكان الفقراء في المناطق الريفية والحضرية. والمفروض هو التوسع في هذه الخدمات بصورة ملموسة في معظم البلاد، وليس الحد من استخدامها من خلال فرض رسوم باهظة. ولهذا فإن الخدمات الصحية يمكن أن تكون أحد الأشياء التي يكون فيها حدود لاحتمالات استخدام نظام السعر. المشاركة في المخاطر هناك ثلاثة أطراف محتملة يتم التعامل فيما بينها فيما يتعلق بتكاليف الخدمات الطبية. وهذه الأطراف هي: المرضى (الطرف الأول)، والمعالجون (الطرف الثاني)، وصناديق التأمين العامة أو الخاصة (الطرف الثالث) وأبسط نظم الدفع لموفري الخدمات الطبية (المعالجون) هي تلك التي يقوم فيها المريض بالدفع للمعالج من جيبه الخاص. وهذا هو نظام الدفع بواسطة "الطرف الأول" ـ أي أن عبء المخاطر بالكامل للآثار المالية المترتبة على المرض يتم تحمله بواسطة الفرد وربما بواسطة أسرته. وهنا لا يوجد توزيع للمخاطر فيما بين السكان. وهذا هو النمط الشائع الذي يميز معاملات الرعاية الصحية الأولية في البلاد الفقيرة حاليا، خاصة الرعاية التي يوفرها ما يطلق عليهم الممارسون التقليديون. أما نظام المشاركة الاختيارية في المخاطر بواسطة الأسرة أو مجموعات من العائلات فيتم فيه تقاسم المخاطر بين مجموعات أكبر من السكان. وتقوم بعض صناديق التأمين بالدفع لموفري الخدمة الطبية مباشرة، عادة بإعادة الدفع وفقا لجدول متفق عليه للمستحقات. ويعتبر عنصر الدفع المسبق مؤشرا لمكان انتقال المخاطر من الفرد إلى المجموعة أو الصندوق. وهذه الأنظمة التي توزع المخاطر بين أعداد كبيرة من السكان قد تتمثل في الشركات الخاصة للتأمين التي تقوم بإدارة الأموال نيابة عن أعداد كبيرة من السكان وتقوم بإعادة الدفع للمعالجين وفقا لذلك. كما تتضمن أيضا النظم القومية للتأمين الممولة من الضرائب العامة، أو نظم التأمين الصحي الاجتماعي الممولة من الضرائب على المرتبات. ويتم دفع معظم الخدمات الصحية بواسطة أحد هذه الصناديق الكبيرة والتي تعتبر "طرف ثالث". ويوجد مدى متسع من الخيارات للدفع للمعالجين في إطار هذا المدى من الترتيبات المؤسسية. كما يشيع أيضا وبشكل متزايد استخدام توليفات من طرق الدفع. وتقع المخاطر المالية على الطرف الثالث ( صندوق التأمين الصحي أو الحائز على الموازنة). ورغم ذلك فهناك طرق عديدة لكي تضمن قيام المريض أيضا بالمساهمة أو أن جزءا من المخاطر يتم نقله إلى المعالجين (موفري الخدمة)، سواء كأفراد أو كمجموعات. ومن المهم العمل على قيام المعالجين "كطرف ثاني" بالمشاركة في مخاطر تكاليف الرعاية الصحية بشكل متزايد. وعندما يقوم المعالجون (المستشفيات أو الممارسون الأفراد) بإدارة الاحتياجات الصحية للسكان من ميزانية معينة، فإن مكافآتهم ستتجه للتقلب وفقا لنوع ومستوى الخدمة التي يوفرونها. وبهذا الشكل، يصبح المعالجون أصحاب مصلحة في الإدارة النشطة للمخاطر الصحية واحتياجات السكان13. وتجدر الإشارة الي أن كفاءة التدخلات الصحية تقع أساسا علي عاتق المعالجين .ولكي يقوم هؤلاء المعالجون بأداء دورهم بفاعلية ،فإنهم بحاجة الي مدخلات ملائمة ،وترتيبات تنظيمية ،وحوافز متماسكة ،سواء داخليا أو خارجيا .وتلعب طريقة الشراء دورا مركزيا في ضمان ترابط الحوافز للمعالجين من خلال آليات التعاقد ،والموازنات ، وطرق الدفع . تغطية الخدمات الصحية نادى المؤتمر الدولي عن الرعاية الصحية الأولية والذي عقد في آلما ـ آتا (عاصمة كازاخستان) عام 1978 بضرورة التوصل إلى توفير الرعاية الصحية الأولية لكل الناس بحلول عام 2000 بالمستوى الصحي الذي يسمح لهم بحياة اجتماعية واقتصادية منتجة. وقد وقعت كافة الدول الأعضاء في منظمة الصحة العالمية على هذا البيان، ومع ذلك، ومع مرور أكثر من عشرين عاما على صدور بيان آلما ـ آتا فلم يتحقق التقدم السريع والمتواصل في الإتاحة الشاملة للرعاية الصحية الأساسية، حيث لا يزال هناك تفاوت كبير بين مختلف الدول. فمع اتجاه الدول الاشتراكية السابقة نحو اقتصاديات السوق فإنها اتجهت نحو ترك هذه الأنشطة للقطاع الخاص. كما أن الدول الأفريقية جنوب الصحراء اتجهت إلى فرض أو زيادة الرسوم على الرعاية الصحية. وغالبا ما عجزت هذه السياسات عن استخدام الموارد المترتبة على هذه الرسوم لتحسين الجودة وتوفير الخدمات بشكل متزايد. ومن الناحية الأخرى، فقد حافظت الدول الصناعية على نظمها الصحية التي توفر رعاية طبية مدفوعة مقدما وشبه شاملة. وعلى الرغم من اتجاه عدم المساواة في النتائج الطبية نحو التزايد بين الجماعات الفقيرة والغنية في عدد كبير من الدول الصناعية، فإن بعض هذه الدول حققت تقدما حقيقيا في اتجاه التغطية الشاملة14. خيارات السياسة توضح تجربة الصين وسريلانكا في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، أنه من الممكن تحقيق تحسينات مذهلة في توفير الرعاية الصحية والتوصل في نفس الوقت إلى تحسينات ملموسة في النتائج الصحية، مع الإبقاء على إجمالي الإنفاق العام على الصحة عند مستويات متواضعة. كما حقق انتقال كندا خلال عقد الستينات من سيادة التأمين الطبي الخاص، مع وجود أعداد كبيرة من السكان خارج مظلة التأمين، إلى التأمين الطبي القومي، إلى تحقيق تحسن ملموس في صحة السكان ومكاسب اقتصادية في نفس الوقت. فضمان انتفاع السكان الفقراء من التدخلات الطبية التعزيزية والوقائية والعلاجية المتاحة لا يحسن فقط من إمكان حصولهم على الرعاية الطبية، ولكنه يسهم أيضا في تخفيض العبء الكلي للمرض. وللتوصل إلى هذا الوضع الممكن، لابد وأن تصل البرامج التعزيزية والوقائية للفقراء، كما ينبغي أن يكون بإمكانهم الوصول إلى المراكز الصحية أو العيادات (الخاصة، أو العامة، أو غير الحكومية) حيث يتوافر لهم العلاج المناسب للأمراض الشائعة والتي يمكن معالجتها. كما ينبغي أن لا تكون هناك رسوم ملموسة تعوق حصول الفقراء على الخدمة. فالتغطية الشاملة تعني أن نظام الرعاية الصحية، بغض النظر عن مصدر الأموال، يعمل كنظام للتأمين الصحي القومي، حيث يتم الدفع له مسبقا من خلال الإيرادات الضريبية، أو من خلال أقساط التأمينات الاجتماعية على العاملين، وذلك لضمان أكبر تجميع ممكن للمخاطر. ويرجع ذلك إلى أن وجود صندوق واحد لتجميع المخاطر يسمح بتوافر بدائل كثيرة تسمح كل منها بوجود حوافز للمعالجين الأفراد، بما فيها البديل المتعلق بنقل المخاطر للمعالج. ويتجه كل من تجميع المخاطر في مجال الصحة، ونصيب الإنفاق العام من إجمالي الإنفاق على الصحة، نحو التزايد مع تحرك الدول بعيدا عن طرق دفع المرضى لتكاليف الرعاية الطبية من الجيب الخاص. وتتواجد بدائل مؤسسية عديدة لتحقيق التغطية الشاملة. وتوضح الدراسات الحديثة أن طريقة الدفع من الجيب الخاص هي أقل الطرق تنظيما وأكثرها في عدم المساواة، حيث يقع عبء التمويل بشكل متزايد على الفقراء (والذين يتحملون تكاليف أكبر للرعاية الطبية بالمقارنة بميسوري الحال)، كما أن العائق المالي يترتب عليه انخفاض استخدام الخدمات الطبية بواسطة فئات الدخل الأدنى على الرغم من أن احتياجاتهم عادة ما تكون كبيرة. وقد تمثلت استجابة نظام السوق لنظام يعتمد على فرض رسوم على المستخدمين في تطوير التأمين الخاص. فشركات التأمين ترى فرصة للربح، ويقوم الناس بالدفع المسبق من خلال أقساط التأمين حتى لا يواجهوا تكاليف باهظة للرعاية الطبية. وهذه الطريقة للتمويل تتضمن قدرا من تجميع المخاطر بين المؤمنين، ولكنها تخلق قدرا من عدم المساواة بين المؤمَنين وغير المؤمَنين. كما توضح التجربة مع أسواق التأمين الطبي التجاري أنها أسواق غير مستقرة ويصعب تنظيمها، حيث تلجأ كل شركة منها إلى تعديل نمط المخاطر للمؤمن عليهم لضمان زيادة الإيرادات على الإنفاق. وتوجد مشروعات التأمين الطبي الاجتماعي حيث يتم التامين على الموظفين وعائلاتهم بصورة إجبارية، وحيث تتناسب أقساط التامين مع دخول المؤمن عليهم بدلا من المخاطر المحتملة للمرض التي يواجهها كل منهم . ويتسم هذا النظام بقدر أكبر من العدالة بالمقارنة بالنظامين السابقين، سواء في ناحية التمويل أو في ناحية الرعاية الطبية التي يوفرها. ولكن هذا الاستنتاج لن يكون صحيحا بالضرورة في البلاد التي تعمل فيها نسبة صغيرة من السكان في القطاع المنظم. وتعد النظم التي يتم فيها تجميع المخاطر، والتي يتم فيها التمويل بالاستناد إلى الإيرادات الضريبية، أكثر النظم عدالة من ناحية المشاركة في عبء تمويل الخدمات الصحية، ومن حيث السماح بتوفير الخدمة لكل الناس ذوي الاحتياجات المتشابهة. وتسود هذه النظم حاليا في كندا، والدنمرك، والنرويج، والسويد، وكوبا، وإسبانيا، والمملكة المتحدة. فتجميع المخاطر يتضمن كافة السكان، كما تقوم الحكومة بتنفيذ قيام التأمين بتغطية تكاليف الرعاية الصحية، والتي يتم تمويلها من الضرائب، والتي تأخذ نصيبا أكبر من دخول الأغنياء بالمقارنة بالفقراء في ظل نظم الضرائب التصاعدية. والسؤال الآن هو ما الذي يتعين على البلاد النامية أن تفعله في هذا الصدد؟. والإجابة هي أن البديل الأكثر ملائمة لظروف هذه البلاد هو التوصل إلى نظم للدفع المسبق من خلال الجمع بين نظام التأمين الاجتماعي الصحي والمالية العامة. وبالطبع، فكل الدول تقريبا لديها عناصر من النظامين، ولكن نادرا ما يتم الربط بينها كجزء من سياسة صحية صريحة. وتطوير استراتيجية قومية للدفع المسبق يتطلب جعل مخصصات الموازنة العامة للصحة كجزء من إطار التمويل المتاح للتغطية الشاملة. وبهذا الشكل يتم الربط بين مشروعات التأمين الصحي الاجتماعي وبين الدعم الحكومي، كما سيتم تحديد التوجيهات المتعلقة بتوفير الرعاية الطبية للسكان لضمان العدالة والكفاءة التخصيصية. ولتعظيم المكاسب المتعلقة بالعدالة والكفاءة في البلاد الفقيرة التي تتزايد فيها أعباء المرض، لابد من اتخاذ خطوات للتوصل عملية إلى التغطية الشاملة. وعلى الرغم من عدم وجود خطوات محددة ينبغي على كافة الدول القيام بها للتوصل إلى هذا الهدف، فهناك خصائص أساسية لابد من العمل على توفيرها. وهذه تتمثل في: - تعريف العضوية بحيث تتضمن كل الناس، أي أن الاشتراك إجباري. - التغطية الشاملة تعني تغطية كل الناس، وليس تغطية كل شيء. فالخدمات ذات الأولوية المنخفضة، والتي ستختلف من دولة لأخرى، سيتم توفيرها مقابل الدفع. وينبغي أن يتم تحديد خدمة المنافع المتاحة بوضوح في ضوء الموارد المتاحة وتكلفة التدخلات ذات الأولوية المرتفعة، وتقدير للخدمات والمدخلات التي يرغب الأفراد ويستطيعون دفعها من جيوبهم الخاصة، وأيضا في ضوء الاختيارات الممكنة من الناحية السياسية. - لايتم الدفع للمعالجين بواسطة المرضى عند حصولهم على الخدمة. فالاعتماد الكبير على طرق الدفع من الجيب الخاص يضع الحوافز غير المناسبة لكل من المعالجين والمرضى، كما يترتب عليها عبء مالي غير متكافئ، وعوائق أمام الفقراء في الحصول على الخدمة. أما الدفع المسبق فيسمح بالعديد من الطرق والحوافز المناسبة للحصول على الخدمات. - إمكان توفير الخدمات بواسطة كافة أشكال المعالجين، طالما اتسمت طرق العلاج الطبي والتسهيلات الطبية بالحد الأدنى من معايير الجودة. ومثل هذه الترتيبات ستسمح بمشاركة العيادات والمستشفيات والمعامل الخاصة، والذين يشكلون النقطة الأولية للاتصال بالمرضى، بالشكل الذي يؤدى للاستفادة من الموارد المتاحة بها، وبشرط خضوعها للتنظيم والرقابة بواسطة الأجهزة العامة والمهنية. 7 - الهوامش والمراجع 1. يتحقق المستوى الاحلالى للخصوبة عندما تنجب كل أنثى بنت واحدة فقط خلال فترة حياتها الإنجابية. ولما كانت نسبة المواليد الإناث للذكور هي 1 إلى 05ر1، فإن المستوى سيتحقق عندما تنجب كل أنثى 05ر2 مولود، أو بالتقريب 1ر2 مولود في المتوسط . 2 . World Health Organization, 1999 World Health Report : Making a Difference, Geneva, 1999. 3 . Sen, A., "Critical Reflection" health & Development, "Bulletin of the World Health Organization, (77 - 1999), pp. 619-623. 4 . Gillis, M.,D. Perkins, M. Roemer, and D. Snodgrass, Economics of Development, 4th ed. W.W. Norton & company, 1996, Chapter 11, pp.279-281. 5 . من الطبيعي أن تنطوى المرحلة التالية من النمو السكاني في شرق آسيا علي نسب إعالة اقل ملائمة نظرا لاتجاه نسبة كبار السن الي إجمالي عدد السكان للتزايد . 6 . World Health Organization, "Malnutrition - the Global Picture", Nutrition for Health and Development, February 2000, pp.1-23. 7 . Gillis, M., et. al,op. cit, pp. 282-89. 8 . WORLD HEALTH ORGANIZATION, World HEALTH REPORT 2000,Health SYSTEMS :IMPROVING PERFORMANCE . 9 . Gillis,M., et.al., op. cit. pp. 289-295. 10. World Bank, World Development Report, Investing in Health, 1993. 11 . Meier, G, Leading Issues in Economic Development, 6th ed. (Oxford University press, 1995), Chapter VI.E., pp.305-312. 12 . Jimenez, Emmanuel, Pricing Policy in the Social Sector Cost Recovery for Education and Health in Developing Countries (Baltimore: Johns Hopkins Press for the World bank 1987). 13 . World Health Organization, 1999 World Health Report, op. cit. 14 . International Monetary Fund, Working Paper wp/00/136 by: William Hsiao, What Should Macroeconomists Know About Health Care Policy? A Primer, July 2000, pp. 1-69. |