بسم الله الرحمن الرحيم
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سلاما مباركا فيه كثيرا كما يرضيك ويرضيه وترضى به عنا يا رب العالمين
الجوانب الخلقية للعولمة من منظور إسلامي
كتبه محمد المختار السلامي

نشأة فكرة العولمة وتطورها 0
سادت أوروبا العالم بعد نهضتها الكبرى في الميادين الأدبية والفنية والعلمية ، وفي الميادين الاقتصادية والاجتماعية ، وقارن تلك النهضة وتبعها الاكتشافات الهامة التي أعدت لظهور النظام الرأسمالي0

والنظام الرأسمالي هو في حقيقته منهج حياة يشمل جميع مقوماتها ، وليس كما يدل عليه اشتقاقه منهج إيجاد الثروة ، وتحديد رواجها وطرق تملكها0

ولكنه نظام نشأ من الثورة على سلطان الكنيسة حتى تم التحرر من سلطانها ومما كانت تدعيه من امتلاكها للمعرفة والحقيقة 0فتولد عن هذا الانعتاق0 وقام على ركائز أهمها :
  • أولا : أنه لا حق إلا ما يولده العقل ، وتصدقه التجربة 0وأن الإنسان هو الذي يمتلك وحده القدرة على ضبط معايير الخير والشر ومنابعهما ، وعلى تحديد توجهاته من خلال ما ينتجه البحث والتعمق العقلاني ليضفي على العالم المعنى الذي ينبغي أن يضفيه عليه 0وهذا مركب ثلاثي من :
    1. الحرية في تناول كل ما هو مسلم به وغير مسلم على حد سواء وان شئت هو رفع القداسة عن كل المسلمات السابقة
    2. وأنه لا يعتمد إلا ما يقره العقل فلا غيب ولا سلطان إلا للعقل وحده فهو الذي يثبت أو ينفي .
    3. وأن الحق هو ما يثبته العلم وأن الثقة منحصرة في مناهجه وما يكشف عنه وأنه يجب رفض كل ما لم يعتمد الطريقة العلمية 0
  • ثانيا: أن العالم يسير في تطور متلاحق نحو الكمال 0 فالتغير هو قاعدة الحياة والكون 0 وأن العالم يسير في ثبات من وضع أدنى إلى وضع أكمل وأفضل 0فاستقر الإيمان بالتقدم المتواصل في هيكلية التفكير والمشاعر ، ويبرز إلى الخارج في التحدي الفعلي المتواصل وفي التخطيط للمستقبل0
  • ثالثا: قدس النظام الرأسمالي الفردية تقديسا كان رد فعل قوي لنظام الطبقات الذي تعاونت معه الكنيسة وباركته0 وبعد أن كان الفرد مسحوقا تحت سلطان الإقطاع والكنيسة،انطلق يبني مستقبله بنفسه غير محجور عليه 0 بل إن النظام الرأسمالي يوفر للفرد كل الضمانات للسعي نحو تحقيق ما هو أصلح له 0 ومصالحه تبرر الوسائل التي تبلغه غاياته 0 وعلى المجتمع أن يساعد الفرد ويزيح كل المعوقات التي توقف انطلاقته0 ومصلحة الفرد دائما مقدمة 0

طبع هذا التمجيد والتقديس للفرد الحضارة الغربية الرأسمالية ، وتبع ذلك كل القيم المتعلقة بالحرية الفردية ، وحقوق المرأة ، وحقوق الإنسان بصفة عامة ، وحقوق الملكية الأدبية ، وبراءة الاختراع ، وفتح الأبواب مشرعة أمام المبادرة الفردية 0 كما تفرع عنها كل مقومات الدولة المدنية والمجتمعات الحديثة ، وذلك بالرجوع إلى الفرد بواسطة صندوق الاقتراع ، وتغلغل الديموقراطية في المؤسسات جميعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية0

عمت هذه القيم الرأسمالية دول القارة الأوروبية وتأثر بعضها ببعض 0 ولما اكتملت قوتها واستقرت أنظمتها السياسية ، وأحست بتفوقها العلمي والتقني والحربي،نظرت إلى البلدان الإفريقية والآسيوية وحتى الأمريكية نظرة التعالي ،وبررت لنفسها التحكم فيهاوتأيدت بطروحات " أن البقاء للأصلح " داروين وأن " الحق للقوة " نيتشه، فبعثت بجيوشها غازية للقارات الثلاث، واقتسمت تلكم الأوطان بينها ، كأسواق لمنتجاتها ، وكمصادر للمواد الأولية التي تفتقدها في أرضها ، وكقوة بشرية تجند شبابها في حروبها المتلاحقة ، وتستعين بهم في بناء صناعتها وتجهيزاتها ، وخاصة الأعمال الشاقة أو الخطرة 0وامعانا في هذه السبيل الظالمة المتسلطة مع الخداع ، زعموا أنهم يتحملون مسؤولية نهضة هذه الشعوب والوصول بها إلى المستوى الذي ينبغي للإنسان 0 واقترن النظام الرأسمالي منذ نشأته بالحقيقة التالية : ( أن كل ما يساعد على تنمية الثروة وحق الفرد الأوروبي في الرفاه أمر مشروع ) .

استمر الأمر على هذه الحال إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية 0 فاستعرت نارها في أوروبا وفي كثير من مستعمراتها الإفريقية والآسيوية، وتسارعت الدول الغربية المغزوة من المحور إلى السقوط ، كما تمكنت القوات اليابانية من التهام مساحات شاسعة ، وفزع العالم الرأسمالي والشيوعي معا وبدا لهما المصير المرعب المنتظر لو بلغت الانتصارات الأولى للمحور غايتها0

عندها قررت الولايات المتحدة الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء بقوتها الحربية الضخمة في الجو والبحر والأرض0 فانقلبت موازين القوى وانتصر الحلفاء وانهزم المحور هزيمة نكراء واستسلم للغازي المنتصر استسلاما بدون قيد ولا شرط 0

لم تكن هذه أول مرة تنضم فيها الولايات المتحدة الأميركية إلى الحلفاء ، بل كان لها نفس الدور في الحرب العالمية الأولى ، إذ كان دخولها المنقذ للحلفاء من الجيش الألماني0 لكنها في تلكم الحرب رجعت بعد النصر بجيوشها وعتادها إلى بلدها، و تركت غنيمة الحرب نهبا للدول الأوربية الجشعة 0فزاد الاستعمار انتشارا بمعاهدة سايكس بيكو0 وتواصل القمع للحركات التحريرية ، وتوالى امتصاص خيرات العالم من أوروبا، سالبة الشعوب مذلة لها ،تحول بينها وبين امتلاك التكنولوجيا الحديثة أو إنشاء المصانع التي تعتبرها منافسة لها تعجل بانفصالها عن سلطانها0

أما في الحرب العالمية الثانية فقد استفادت الولايات المتحدة من تجربتها السابقة ولم يتكرر الخطأ الأول 0بنت استراتيجيتها على أنه لما كان لها النصيب الأوفر في الانتصار الذي سحق المحور؛ فانه من المنطق أن يكون لها الحق في أن تجني ثمرات النصر ، وأن تفوز بغنائمه على نسبة ما قدمت في سبيل ذلك من رجال وعتاد 0 وأن مركزها الذي تستحقه عن جدارة بعد تدخلها في الحرب وتحقق الفوز،هو قيادة هذا العالم المهشم بالحرب0

أحدثت لقيادة العالم ثلاث مؤسسات كبرى يتم لها بواسطتها تبوأ هذا المركز القيادي،والتحكم في مصير العالم 0 وهي
  1. منظمة الأمم المتحدة
  2. صندوق النقد العالمي
  3. البنك العالمي


يقول جاري بيرتلس وأصحابه ناقدين موقف الكونجرس الأميركي لامتناعه من دعم البنك الدولي وصندوق النقد : ويرفض الكونجرس حاليا سنة 1997بصورة روتينية الطلبات المقدمة بتقديم مساعدات أميركية إضافية في رأس مال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، حتى على الرغم من أن هاتين المؤسستين تلعبان دورا حاسما في الحفاظ على استقرار النظام العالمي ، الذي تعد الولايات المتحدة مشاركا ومستفيدا رئيسيا منه 0 < جنون العولمة ص 165>تعريب كمال السيد والمنظمات الثلاث اتخذت مراكزها التي تعمل فيها على أرض الولايات المتحدة رغم المسافة الشاسعة التي تفصلها عن التجمعات السكنية الكبرى للعالم 0 وفي ذلك دلالة واضحة على أن دور أوروبا أصبح دورا ثانويا ، وأن سياسة العالم قد انتزعته الولايات المتحدة لأنها المنتصرة ، ولأنها القوة المالية الأعظم في العالم 0 ولأن بنيتها الاقتصادية والتحتية لم تمس بأذى من الحرب عكس البلدان الأوروبية 0ولامتلاكها للسلاح الذري ، وللتكنولوجية المتطورة في قدراتها العسكرية المتنوعة 0ولأن مراكز البحث فيها والمستوى العلمي لجامعاتها يكاد ينفرد بالطليعة 0

وبتجمع ذلك بين أيديها تمكنت بذكاء ودراسة عميقة وتحليل للمجتمعات والأحداث من إحكام قبضتها على المسيرة العالمية ، وانصاعت معظم الدول للسيطرة الأميركية 0 ولإنقاذ النظام الرأسمالي باعتبارها المتزعمة له من ناحية ، ولفتح الأسواق أمامها من ناحية أخرى قامت :
  1. بمساعدة أوروبا على النهوض بواسطة مشروع مرشال حتى تنتشلها من مخالب التعاسة التي هي عليها بعد الحرب 2) و لتنقذ أنظمتها من ذلكم الواقع الذي يعتبر مناخا تخصب فيه الأفكار الشيوعية 0فجرى دم الحياة متدفقا في عروق الاقتصاد الغربي0 وانتشله مشروع مرشال من الانهيار الذي خلفته الحرب وأنقذه من العسر والجمود الذي كان يخنق أنفاسه0
  2. إن تزعمها للنظام الرأسمالي الحر فرض عليها أن توسع دائرة هذا النظام وتحميه في معاقله الأولى ، وأن تقطع على المد الشيوعي ما كان يحلم به من اكتساح العالم لما تصور أنه هو المستقر النافي للتناقضات الإيديولوجية الأخرى0
  3. من ناحية أخرى ساعدت الشعوب على التحرر من إسار الاستعمار ، دون أن تواجه الدول المستعمرة مواجهة صريحة وعنيفة 0 وبحركة التحرر هذه انفتحت القناة الأولى أمام المبادلات الاقتصادية ، وهوت الأسوار العازلة التي كانت تحمي بها الدول الاستعمارية مناطق نفوذها من التبادل الاقتصادي مع غير البلد المستعمر 0 وانكمشت الدول التي مدت حدودها إلى ما وراء البحار ، فرجعت إلى حدودها الأصلية ، وفقدت سيطرتها الغاشمة 0 وقد صاحب هذا الوضع الذي كان إرهاصا للعولمة أمرا ن أثرا في تواصل المد العولمي 0
  4. الأمر الأول هو تسارع الاكتشافات العلمية في ميدان المواصلات0هذه الاكتشافات التي اختصرت الأبعاد اختصار ما كان متخيلا في النصف الأول من القرن العشرين 0فالبث التلفزي الذي خرج من قمقم الأرض إلى الأقمار الصناعية في الفضاء الرحب اخترق الجدران والأبواب والحدود الوطنية وحمل معه الخير والشر وعرف بالصورة والكلمة ما يحدث في أقصى نقطة من الأرض من مخترعات ومواد استهلاك ومفاهيم وقيم ، وعادات وتقاليد ، وفنون وعلوم 0000ثم الإنترنت والفاكس والبريد الإلكتروني 0 والتواصل يقترن به حتما يسر التبادل الاقتصادي والتبادل أو التأثير الثقافي0 فكانت هذه الاكتشافات دوافع لسير العولمة في طريقها متسارعة إلى تحققها الفعلي الواقعي 0
  5. أما الأمر الثاني فقد كان له أثر عكسي ، لأنه عطل العولمة عن بلوغ ما تهيأت لبلوغه ، أعني بذلك الحرب الباردة التي كانت قائمة بين النظام الرأسمالي الذي تتزعمه الولايات المتحدة ،و النظام الشيوعي الذي تتزعمه روسيا 0 والتقابل بينهما كبير سواء في الإيديولوجيات أوفي التزعم والسيطرة على مناطق النفوذ لكل منهما 0ويستند كل منهما إلى قوة عسكرية وسلاح مدمر للكون ، يحمي به كل واحد من العملاقين مناعة مناطق نفوذه ، ويحد من تطلعات الآخر إلى الهيمنة المطلقة على العالم 0 ويفرض على كل منهما أن يحترم الخطوط الحمراء ولا يتجاوزها 0 وتهديد الولايات المتحدة في عهد كيندي لروسيا بقيادة كروت شاف عندما أراد نشر الصواريخ في القارة الأميركية ، صورة من تلك الحساسية البالغة لحدود كل طرف 0

وتراكمت أخطاء النظام الشيوعي بغلظ تعامله ، وقيام أجهزته على بيروقراطية معطلة ، وتدخله في حرب أفغانستان التي أنهكت قواه وخربت اقتصاده ، فأعلن من جانب واحد انتهاء الحرب الباردة وكان مظهر ذلك في سقوط حائط برلين 0

وبانهيار الاقتصاد الروسي وإنحلال الاتحاد السوفياتي زال المعوق الذي كان يوقف تدفق المد العولمي الذي مهدت له الولايات المتحدة بالمنظمات الثلاث التي أشرنا إليها آنفا ، وبقوتها التكنولوجية ثم الاقتصادية ؛ فتجمعت للعولمة كل المقومات التي تدفع لإعلانها كهدف وحيد على العالم كله أن يسير فيه ، ومن يأبى تسحقه المسيرة الشاملة انه بما تجمع من مرتكزات سياسية وتكنولوجية وثقافية أصبحت العولمة حقيقة دخلت في حياة الشعوب أفرادا ومجتمعات ودولا وحكومات ، يتفاعل الجميع معها ، إما تفاعل التأثير والتطوير للتمكن من التحكم في توجهاتها ، ثم قيادتها إلى المسار الذي يمكن من اغتنام أكبر حظ من ثمراتها وأعظم نصيب مما تولده من خيرات، وإما تفاعل التقبل الغبي الذي تمر أمامه المشاهد تلهيه دون أن يدرك لها سرا أو أن تصل بصيرته إلى ما وراء الظواهر ، أو التقبل المدرك العاجز كالذي جرفه السيل العاتي لا يدري إلى أين يصير ولا سبيل له في الخلاص 0

ومما زاد في قوة اندفاع العولمة وتأكيد مسك الولايات المتحدة بأزرار التحكم فيها حادثتان :
  • الحادثة الأولى : هي حرب الخليج 0 فقد تجمعت فيها من الظروف ما جعل العالم يسير في ركب الولايات المتحدة 0 فهي التي خططت للحرب ، وهي التي نفذت ما خططت، وكست مخططها براية العولمة 0 فباسم العالم كله ، وبمشاركة دول عدية من الشرق والغرب ومن الشمال ومن الجنوب،جمعت تلكم الحشود الهائلة تحت قيادتها ، فبرزت العولمة في أول تجربة معلنة لها في الواقع الحي 0 وتعزز بذلك مركزها ، وخضع العالم في حقيقة الأمر خضوعا مستساغا تحت غطاء خادع من المشاركة والتشاور كما هو الأمر في صلتها ببريطانيا، أو ملزما به مقبولا قبول المغلوب على أمره كما هو الحال في كثير من الدول التي شاركت في الحرب 0 ونجحت الولايات المتحدة في زعامتها ، ودعت بإثر انتصارها أمم العالم إلى النظام الجديد العالمي ، وهو النظام الذي يرعى أولا وبالذات مصالحها ، ويوجه العالم إلى الاستلهام من نمط الحضارة الأميركية ، لتنسج على منوالها في جميع ميادين الحياة السياسية والفكرية والثقافية والاجتماعية ، وليعدل العالم مواقفه من الخير والشر والعدل والظلم بمعيار القيم السائدة فيها 0
  • الحادثة الثانية : حرب أفغانستان ، أو ما يسمى بالحرب على الإرهاب ؛هذه الحرب التي عرفنا بدايتها ولا نعرف الأطوار التي ستدخل عبها ، كما نجهل نهايتها 0

إن كل الشعوب والدول وقد انساقت في ركب الولايات المتحدة تجهل إلى أين ستقاد في هذه الحرب 0 ولكن الظاهرة المعلنة والمجمع عليها والتي تردد في وسائل الأعلام المختلفة وعلى ألسنة الناطقين باسم الحكومات ، ومن بلاغات المنظمات المدنية في مختلف بقاع العالم هي < تأييد الحرب على الإرهاب > كأن الإرهاب كان شيئا مضمرا لم يظهر إلى الوجود إلا يوم ( 11 سبتمبر 2001) ثم إن الولايات المتحدة هي التي تحدد مفهوم الإرهاب ، كما تحدد المجموعات الإرهابية وأماكنها 0 انه في الحربين حرب الخليج ، وحرب أفغانستان ،تحقق التضامن العالمي كما تحدد مواصفاته الدولة المنفردة بقيادة العالم0

وبما أن هاتين الحربين قد تجلت فيهما مفاهيم العولمة وصورة من تطبيقاتها ، وانكشفت فيهما جوانب أخلاقية ، فقد اخترت أن أنطلق منهما لتفصيل ما كنت أشرت إليه إجمالا فيما سبق وأعرض بعض التفصيل للموضوع ( الجوانب الأخلاقية للعولمة من منظور إسلامي )

العولمة والإعلام :

كما أشرنا إليه في المقدمة من أن العولمة ليست إسقاطا منعزلا ، ولكنها تطور للحداثة جرى على السنن التي تنمو بها الظواهر جميعها0 وجوهر ذلك هو التفاعل بين مجموعة من الظواهر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية والعلمية والتكنولوجية في كوكبة مترابطة يتأثر كل واحد منها بالآخر ويؤثر فيه ، رابطة بين مناطق العالم وبين الأفراد والشعوب والحكومات ، موهنة صفاقة الحدود العازلة بينها 0

وبما أن الإعلام من أشد تلك الظواهر تأثيرا واندماجا وتغلغلا فيها ، وبما له من التأثير على حياة الأفراد والمجتمعات في الفكر والمشاعر والميول والرغبات والعواطف ، فانه يتحتم أن يخضع لمعايير الأخلاق 0

لقد تطور الإعلام تبعا لتطور التكنولوجيا التي كانت لها مكاسب فسيحة وعميقة في التغلب على حدود المكان وعوازله الحقيقية والمصطنعة ، كما اختصرت الزمان اختصارا كبيرا ؛ فتنوعت طرق الاتصال وبالتالي تضاعفت القدرة على صياغة الفكر والمشاعر الإنسانية والرغبات والمثل .

ففي المجال السياسي عمل الإعلام على تطويع الرأي العام العالمي لقبول سياسات معينة 0 تم هذا التحكم أولا= بالاعتماد على دراسات نفسية واجتماعية ،وعلى أن النجاح في تثبيت ما يراد تثبيته أو نفي ما يراد نفيه هو معيار القبول ، وأن الحقيقة لاتهم القائمين عليه ، وثانيا بالتطور التكنولوجي الذي تجاوز الحواجز الحقيقية والمصطنعة ، واخترق جدران البيوت كما اخترق الحدود الدولية 0

واستبدت شركات عملاقة بالمعلومة تكيفها باللفظ والصورة تكييفا تؤثر به على المشاهد بالرضا أو السخط والحماس أو اللامبالاة ، وبالتالي تكتيل العالم لقبول الخطة التي تقررها القوة المتزعمة للعالم 0

انه إذا ما قومنا هذا بميزان الأخلاق فانا نجد فيه أبشع أنواع التعدي على الفكر البشري ؛ إذ يحقنه بمواد مغشوشة تفسد الميزان، وتضلل الانسان0

لقد تحدث الإعلام قبل بداية حرب الخليج وكرر أن الجيش مجهز بقنابل ذكية لا تدمر إلا تحصينات العدو0 وانطلى ذلك على عدد غير قليل من الناس فرددوا في مجالسهم عبارات الإعجاب بما وصلت إليه صناعة الأسلحة من تقدم 0

وفي هذه الحرب التي نعيش أيامها ضد الإرهاب يصنف حزب الله كحزب إرهابي 0وما صنع هذا التنظيم إلا أنه شيئا واحدا هو استطاع أن يساعد الأمم المتحدة على تطبيق قرارها ويرغم المحتل الغاصب على الرحيل عن أرض لبنان0

وكذلك حركة المقاومة الكشميرية التي تكافح من أجل تطبيق قرارات الأمم المتحدة في حق هذا الشعب في تقرير المصير،نظمها الإعلام في قائمة الارهابيين0

والشعب الفلسطيني الذي أخرج من دياره وأمواله ، وتهدم جرا فات الاحتلال بيوته التي يأوي إليها وتترك الأطفال الأبرياء والنساء والشيوخ نهبا للعواصف والثلوج والبرد القارس ، أو الحر الخانق تحت أشعة الشمس اللاهية ،والمخططات الدقيقة بالتكنوليجية المتطورة لاغتيال رجاله الأحرار ، الشعب الفلسطيني يصوره الإعلام : جماعة من الإرهابيين 0 والغاصب المحتل المستهتر بجميع قرارات الأمم المتحدة المدجج بالسلاح تصوره أجهزة الإعلام على أنه هو المستهدف الضعيف 0

ووجه آخر للعولمة الاعلامية يتمثل في تهرية قوة الحكومات على تحديد نمط التوجيه السياسي داخل حدودها الوطنية 0ان الاختراق الكاسح لتلكم الحدود بواسطة البث التلفزي أو بواسطة الإنترنت قد سلب من الدول كثيرا من الخصائص التي كانت تنفرد بها 0 ولا شك أن هذا الاختراق يعمل على توحيد نمط المفاهيم السياسية وإدماجها في سير الخط التي تكون فيها أجهزة الإعلام للقوى العظمى معتمدة على الدراسات النفسية والاجتماعية كاعتمادها على التكنولوجيا المتطورة ، فتسرق من الحكومات شعوبها لتجعلهم تابعين في تحليلهم السياسي وتصوراتهم مندمجين في النسق المتحكم في العالم سياسيا ،ويكون كل نمط خارج عن ذلكم النسق نشازا مهملا ، وان كان على حق ملتزما الصواب 0

إن العولمة تتحدى العالم النامي الذي تحشر الدول الإسلامية والعربية في بوتقته ، الأمر الذي يحتم عليه للتحرر من ذلك ، أن يعيد النظر في طرقه الإعلامية 0 انه وان كان يمكنه أن يستفيد من التكنولوجيا المتطورة إلا أن التكنولوجيا لا تضمن له المناعة من الاختراق الذي يهري سلطة الدولة و يضعف قدراتها على المسك بزمام الأمور 0

انه يتحتم أن يحور الإعلام تحويرا جذريا ، يصل إلى المعلومة ويقدر على تكييفها تكييفا مؤثرا في المتابع ، الأمر الذي يفرض عليه أن يقلع عن التمجيد والنرجسية، وأن يكون الصدق مع الشجاعة والإيحاء المتخفي هو المنهج السالك إلى النفاذ إلى القلوب والعقول والمشاعر 0

فهل تستطيع الحكومات العربية والإسلامية أن تجتهد بما يتطلبه الاجتهاد من ذكاء وخبرات لبناء استراتيجيات تنظر إلى المآل البعيد لا إلى تعمير ساعات البث مع النظر القصير الذي لا يتجاوز القريب المفصول عن التغير الذي هو سنة الكون الثابتة ؟

هذا وإني أعتقد أن الإعلام المعولم ليس شرا كله ، بل إن العولمة قد استطاعت أن تكشف فظائع الأنظمة المستبدة، وفضحت المظالم التي كانت تسلطها على شعوبها؛ وأجبرتها تبعا لذلك على التقصير في التعسف و على عدم الإمعان في الظلم وانتهاك كرامة الانسان0

وفي المجال الاقتصادي الملاحظ أن الإعلام يمثل ركيزة من عولمة الاقتصاد ،عظمت آثاره في الترويج، فقد أخذت الإعلانات عن المستجدات الصناعية وعن الخدمات ،حيزا كبيرا في الساحة الإعلامية، وخدعت النظارة من جوانب عديدة 0 يقطع تواصل عرض مناقشة علمية أو سياسية ، أو عرض تاريخي ، أو مشاهد طبيعية ، أو مباراة رياضية ، لتقدم صورة وقحة للكوكاكولا أوللمجة هام برق ،أو لمعجون أسنان أو سيارة أو جهاز تبريد أو ثلاجة 0000

وتخدع المتابع خداعا مرا ، إذ تجعله يحس بالحاجة إلى تملك ما هو غير محتاج إليه في حقيقة الأمر 0 تغزوه غزوا عنيفا لتقتلع منه قرار الإقبال على الشراء بناء على وهم، بتخييل أن سعادته منقوصة بدونها 0 وتلهيه عما يتبع ذلك من اختلال قدرته المالية بتراكم الديون 0

وتخدع المتابع فتجعله يعتقد أن ما يعرض قد جمع الجودة والقوة والكفاءة ، وأنه يلبي جميع رغباته ورغبات أسرته ، والحقيقة غير ذلك 0

هل إن الإعلام إذا دخل ميدان الإعلان يتحرر من الصدق ، والأمانة ، رعاية مصالح الأسر؟وهل يمكن للعولمة الإعلامية الاقتصادية أن تسمو إلى مستوى خلقي يرعى الحقيقة ، ويمنع الخداع فلا يفرق بينه وبين الإرهاب باعتبار أن كل واحد منهما يستهدف حرية الإنسان في أخذ القرار الذي يناسبه : الإرهاب ضغط عنيف ،والإعلام المزيف ضغط غيرمنظور0

وفي المجال الثقافي يعمل الإعلام المعولم على سلخ الهوية ، وسيطرة نمط معين من الثقافة 0 إن شركات هوليود مثلا بسلطانها المالي والتكنولوجي ، وبرفع الحواجز التي كانت تحصن الشعوب من ترويج ما يعاكس ذاتيتها ، ويوهن ترابط أعضائها،إن هذه الشركات قد تمردت غازية أسواق الإعلام ، تغير أنماط الحياة كلها في اللباس والمأكل والسكن والحديث وطريقة التعامل الاجتماعي والعلاقات الأسرية وعلاقة الفرد بالمجموعة التي ينتسب إليها ويشترك معها في الميراث الثقافي 0

إنها تفرض واقعا جديدا ، وتخلق صورا وهمية تكسوها بواسطة الإحكام الفني ثوب الحقيقة ، فتحول المتابعين من العالم الحقيقي إلى عالم آخر مصنوع غير واقعي فينتهي المتلقي بالخروج من الحقيقة إلى المتوهم ، فهي بذلك مرتبة من مراتب الاختلال العقلي0

إن هذا التأثير لا يكاد يسلم منه أحد ، فكل البشر على درجات متفاوتة عمر عقولها وثبت في تصوراتها ،عالم التلفزيون أو السينما، البعيد عن الإدراك الحقيقي والسليم للواقع 0 ولما كانت الشركات الثقافية الكبرى داخلة في النسق العام للدولة الأعظم ، فإنها بذلك تنسخ المشاهد من جلدته وتزيده إحساسا بتفاهة مميزاته القومية بجانب الثقافة المهيمنة 0 وتؤول العولمة الثقافية الإعلامية إلى تسلط نمط واحد وذوبان الأنماط الأخرى شيئا فشيئا 0

انه لما كانت الثقافة نتاج تاريخ صنعته الأجيال عبر العصور ، وأثر بيئة حاضرة مادية وفكرية واجتماعية ، وتعامل مع كل ذلك بطريقة فيها إبداع يكيفها ويؤثر فيها، فيتشربها ليتألف منها نسق متميز عن غيره من الأنساق ،فان الثقافة حسب طبيعتها تلك لاتكون إلا متعددة ومتنوعة0فالعمل على صب الثقافة الإنسانية في قالب واحد قالب ثقافة الدولة المهيمنة يعتبر جناية على الثروة الإنسانية ، وعكسا لطبيعة الأشياء استنادا إلى القوة 0

العولمـــة الاقتصاديــة :

تكاد تستبد العولمة الاقتصادية لتنفرد وحدها بمصطلح العولمة ، فلا يسبق من كلمة العولمة في تصور كثير من الناس إلا العوامة الاقتصادية 0 وذلك لأن الظاهرة الاقتصادية تدخل في حياة البشر من جوانبها المادية ، فهي كما سنرى خبزهم ، وهي عملهم الذي يحقق ذواتهم ، وهي أمنهم في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد ولكن اختزال العولمة في الظاهرة الاقتصادية وآثارها هو كالشجرة التي تستر وراءها الغابة الكثيفة المترامية الأطراف ، المتعددة الأشكال والألوان 0

إن العولمة كما يبدو لنا من مقدمة هذا البحث ،هي تطور للحداثة التي هي حصيلة النهضة الأوروبية ، وما قامت عليه من أسس حققت لها ما حققته من تقدم علمي وفكري وثقافي ، وما ولدته من قوة مادية كبرى ، وسلطان لرأس المال ، وحرية للفرد وإبداع في مختلف مجالي الحياة 0

والعولمة الاقتصادية بصفة مختصرة تمثل :
  1. فتح الأبواب لتتدفق التجارة عبر العالم في السلع والخدمات، مما يضاعف معدلات التجارة العالمية .
  2. حرية انتقال رأس المال التي ضمنتهاله الاتفاقيات الدولية العالمية لينزل حسب ما تقتضيه مصلحته التي لا ترعى إلا نماء الثروة واتساع النشاط ،كما يهجر مكانه متحولا إلى مكان آخر 0 فلا الأرض التي استقر فيها مدة ولا الوطن ولا العمال الذين ارتبطت حياتهم به ولا السيادة الوطنية ولا ما يترتب على هجرته من قلاقل واهتزازات تعيق حركته أو تؤثر في اختياراته 0
  3. التكنولوجيا المتطورة التي تساعد الإنتاج على بلوغ مواصفات أقدر على مضاعفة سوق الاستهلاك ، والضغط على التكاليف مما يمكن النشطين في الاقتصاد العالمي على توفير مكاسب تتضخم مع الزمن 0
  4. الشركات الكبرى متعددة الجنسيات التي تتجاوز حدود الدول والقارات 0 فهي متعددة الجنسيات متعددة الاختصاصات متسعة القاعدة 0 لقد تضخمت قدراتها المالية ففاقت ميزانية الواحدة منها ميزانية دول عديدة في إفريقيا 0ونمت قوتها باتجاهها إلى الاندماج والتكتل، لتضاعف عظمتها الاقتصادية ، وصمودها للاهتزازات الظرفية، ولتحكم قبضتها على الأسواق والقرارات السياسية وغيرها0 وقد تم ضبط حقوقها بواسطة الاتفاقيات العالمية ، وخاصة باتفاقية القات ثم اتفاقية التجارة العالمية التي قام على تحرير بنودها خبراء عالميون في الاقتصاد الذين نشأوا ونبغوا في النظام الرأسمالي 0فتم تحرير الاتفاقية تبعا لخلفية اقتصادية جرت في عروقهم ، وعملوا على ضمان المصالح الرأسمالية 0 ثم إن هذه القرارات أخذت بمعزل عن مشاركة الشعوب التي تعرف بالنامية
  5. التكتلات الاقتصادية بين الدول 0فالعالم المتيقظ تنبه إلى أن هذا التطور (العولمة) يحمل في طيا ته مكاسب وسلبيات ، وأنه لا يصمد أمام تياره إلا القوى الضخمة ، فأمنت نفسها من مستقبل تطوراته المتسارعة بتكتل بين الدول التي تربطها روابط جغرافية وإيديولوجية في آن واحد كجزء من إستراتيجيتها للتكيف مع عصر العولمة 0 فالولايات المتحدة وان كانت حسب قوتها الاقتصادية ، وعدد سكانها ، وثروتها الكبرى وتقدمها التكنولوجي، هي الدولة الأعظم إلا أنها سعت لتكوين كتلة تجمع بينها وبين دول القارة بتأسيس < النفاتا> التي تضم لحد الآن كندا والمكسيك 0 وأوروبا الغربية بلغت في مفتتح هذا الشهر يناير 2002في تطوير تكتلها الاقتصادي إلى توحيد العملة بين معظم أعضاء الوحدة الأوروبية0 وعملت اليابان على تكوين وحدة آسيوية 0 إن هذه التكتلات تنم عن ظاهرة هو أن الدول الأكثر ثراء وتطورا تشعر بالحاجة الأكيدة إلى التكتل فيما بينها لتتمكن من الاستفادة من العولمة

إننا إذا عمقنا النظر في هذه المرتكزات التي تقوم عليها العولمة الاقتصادية فانه تنكشف لنا الانعكاسات التالية التي ستنشأ عنها 0
  1. 1 ) حرية التجارة في السلع والخدمات
    • - يؤدي هذا المبدأ إلى دفع الاستهلاك دفعا قويا يضمن أمرين معا 0اطراد تراكم الثروة بين يدي %20 من سكان العالم 0 إذ أن الدول الغنية تستحوذ على %84,8 من الناتج الإجمالي العالمي تبعا لإدارتها 84,20 من التجارة العالمية فإذا ما زاد استهلاك العالم النامي تكون مرشحة بعد رفع الحواجز لالتهام السدس الباقي الذي تعيش منه خمسة أسداس العائلة البشرية ولكنها لاتستنفده رحمة ولا شعور نبيل يلي تضخ فى أودته ما يبقي على حياته لضمان رواج منتجاتها وتقتصر مما زاد على الحاجة الضروية 0
    • - كما يؤدي إلى بروز دور مروجي السلع والخدمات وصعودهم إلى السطح ليلتئم نشاطهم مع دور الإعلام في الهاب الرغبة في الاستهلاك لحاجة أو بدونها 0
    • كما يؤدي إلى نمو ضغط الماسكين بالتجارة العالمية على أصحاب القرار السياسي ، مما حول اهتماماتهم من الاقتصار على تنظيم البيت السياسي والعلاقات الرابطة بين الأمم ، إلى مروجين للسلع يعقدون الصفقات ، ويقومون نجاح أسفارهم عبر العالم بمقدار ما فتحوه للشركات الكبرى من أسواق 0
  2. حرية انتقال رؤوس الأموال :
    • هذا المبدأ هو كالسور الذي عبر عنه القرآن ( ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب )يروج المنتفعون من العولمة لذلك بأن التدفقات المالية ستنعش اقتصاد دول العالم النامي ، وتمكنه بالتالي من الخروج من التخلف والفقر إلى الرقي والثراء 0 نعم لو كان هذا التدفق مصبوغا أو حتى مراعيا للنواحي الإنسانية لكان خيرا وبركة على العالم النامي؛ ولكن التجربة كشفت عن شراسة أصحاب رأس المال ، إذ أن معظمهم يتلاعبون بأسواق المال ، لا يهمهم خراب اقتصاد الدول ولا البطالة ولا الثورات الداخلية إذا كانت حصيلة مضارباتهم وعبثهم بالأسواق المالية يمكنهم من تضخيم ثرواتهم الفاحشة ، كما تم في المكسيك 0وكما حطموا اقتصاد بلدان جنوب شرق آسيا العبر عنهم قبل نسفها من هؤلاء المضاربين < بالنمور > فقلبوها إلى نمور من ورق مقوى 0 فانهارت قيمة عملاتهم وانتشرت البطالة واهتز المجتمع،وبدا داء الانتساب القبلي والعرقي والديني في الجسم الذي وهنه الصيرفيون المالكون لرؤوس الأموال 0
  3. التكنولوجيا المتطورة 0
    • هي قاعدة التحول من الاقتصاد التقليدي العاجز إلى الاقتصاد الحديث القوي الفاعل فهل تنتقل فعلا للعالم النامي التكنولوجيا المتطورة ليلتحق بالركب ؟
      تنفق قوى الإنتاج في العالم المتقدم بسخاء على الدراسات وتقيم المختبرات وتحشد لها النابهين من العلماء الذين تغريهم بالمرتبات والامتيازات الضخمة ؛ وكلما وصلت إلى الجديد عملت على حمايته بتسجيل براءة الاختراع محتفظة بالأسرار التي وصلت إليها 0 وتسابقت الشركات تغزو الأسواق بما تتميز به من رصيد تكنولوجي 0وبذلك يكون تصور أن التكنولوجيا ستنتقل إلى العالم الثالث ضرب من أحلام اليقظة مع السياسة الحمائية الحديدية الستائر والمنافسة الشرسة للتفرد بالمغانم
  4. الشركات المتعددة الجنسيات
    • انقلبت الموازين بسبب هذه الشركات العملاقة التي تزداد كل يوم ضراوة وتتسع دائرة تأثيرها لتدخل حتى في النظام السياسي للدول التي لها فيها نشاط0 هي شركات لا تنتسب لدولة واحدة ولا لكتلة من الكتل 0 وتطالعنا الأخبار الاقتصادية عن الاندماج الذي اصبح استراتيجية لها 0 فشركة في ألمانيا تندمج مع شركة في إسبانيا أو في الولايات المتحدة 0ثم إن عموم نشاط هذه الشركات تجعل تأثيرها شاملا لكل ناحية من نواحي الحياة الإنسانية 0 وهي في معاملاتها لا يهمها إلا ما تحققه من أرباح ولو كان ذلك على حساب حياة البشر وآلام المرضى 0

لقد اندمجت شركات إنتاج الدواء العملاقة 0 وتمكنت بفضل مخابرها من الاستئثار بمعظم البراءات في مختلف الاختصاصات ، وتحكمت في السوق تحكما مبالغا فيه أعجز الدول النامية عن علاج مرضاها 0 وأصبحت الحياة بذلك حقا لمن توفر له المال الذي يشبع نهم هذه الشركات ولا قيمة لحياة الفقراء 0 واتفاقية القات تحميها والمحاكم تستند إلى تلكم الاتفاقيات لتسلط العقوبات الرادعة على من يحاول إنقاذ حياة المستضعفين من مواطنيه0

انه كثيرا ما أهمني أمر براءة الاختراع باعتبارها إحدى المسلمات التي لا تقبل النقاش باستنادها إلى حقوق الإنسان الأدبية وبالتالي المالية 0 وانه رغم هذا الإجماع ما تزال تتنازع في خاطري الحقائق التالية :
  • أولا : أن المخترع لم يصل إلى ما وصل إليه إلا باعتماده على الاكتشافات العلمية التي وصل إليها العلماء السابقون والمعاصرون ، وهي التي بنى عليها بحثه 0 فهو في الحقيقة حلقة في سلسلة التقدم العلمي 0
  • ثانيا : إن تأليه الفرد في النظام الرأسمالي هو الذي أسبغ على براءة الاختراع هذه القداسة ، حتى جعلها مقدمة على حق الحياة الإنسانية 0ومن أمثلة ذلك أن مرض نقص المناعة ( السيدا)قد انتشر انتشارا فاحشا في القارة الإفريقية 0 وقد انفردت شركة بإنتاج الدواء المعالج للإصابة ، وحددت له ثمنا مبالغا فيه لا يقدر على شرائه إلا الأغنياء ، كما أنه لا تسمح ميزانيات الصحة في الدول الإفريقية أن توفره لمرضاها 0 والمرض قتال لا شك فيه 0 وقيمته الحقيقية تسمح بتمكين المصابين منه دون إرهاق لميزانيات الدول ولا الأفراد 0والحماية < القاتية>تقوم حارسا يمنع أمل الحياة 0

قد يكون من الحلول التي أقترحها و التي يجند لها الرأي العالمي أن تتولى منظمة الصحة العالمية شراء براءة الاختراع لكل دواء يتوقف عليه حياة البشر ،بعد أن تقوم جهود صاحب البراءة بقيمة مجزية ولا يمكن أن يقبل الاحتكار في مثل هذا 0

وأمر آخر هو أن هذه الشركات أصبحت قوة ضغط على الحكومات0فبواسطة قدراتها المالية تدخلت ممولة للانتخابات 0 لا تفعل ذلك إلا لتحقيق مصالحها 0 كما أن قدرتها على الخروج من القطر الذي انتصبت فيه متى أرادت هي قوة ضغط أيضا لابتزاز ما ترغب أن تحصل عليه من السلطة ، لأنها عندما تنتقل تترك فراغا في ميدان التشغيل يتحول معه البطالون إلى ما يثير الشغب وربما الثورة 0

والشركات العابرة أضافت بتقنياتها قدرة لشركات الإجرام على الإمعان في شرها كعصابات المخدرات والمتاجرة بالجنس ، والمتاجرة بالأطفال0 تفاقم شرها في أنحاء العالم 0 وساعدها على تبييض أموالها الضخمة شراؤها لشركات تم خصخصتها اتباعا للإصلاح الهيكلي الذي يفرضه صندوق النقد العالمي0

إن العولمة كما أخذت تتشكل سماتها ،وهذه الملامح تنبئ بأن آثارها في عالم الفقراء ومنه العربي والإسلامي تختلف عن آثارها في العالم الغني المترف 0 وهذا ما يتبعه التحديات التالية
  • أولا : لقد استعد العالم الغني لتجاوز سلبيات العولمة واغتنام إيجابياتها بما أقامه من تكتلات قوية تصمد أمام ما يمكن أن يصحب العولمة من اهتزازات اقتصادية ومالية واجتماعية ، الأمر الذي يمكنه من تفسير وتسيير التطبيقات بما يحقق مصالحه 0 أما العالم العربي والإسلامي فهو يعيش عصر العولمة في شكل دول صغيرة ، خفيفة في وزنها الاقتصادي والمالي 0 ليس لأي دولة منها إلا خيار واحد هو الرضا والاستسلام لسيطرة القوى العالمية 0 وان رفضت هذا الموقف الزري همشت دون أن يضير تهميشها اقتصاديات وثقافة الآخرين 0
    إن تكتل العالم العربي والإسلامي أمر حيوي لتمكين الحاضر والأجيال القادمة من وجود مكانها المحترم في المسيرة العالمية الكبرى كعنصر فاعل فيه لا مكانة المتقبل المتفرج 0
  • ثانيا : على الدول والحكومات في عالمنا العربي والإسلامي أن تعي التطور الهائل في الاتصال وانتقال المعلومات وسيادة حقوق الإنسان وانتشار النظام الديمقراطي ، فتراجع سياساتها لتنسجم مع الأنساق العالمية ، فان العولمة كل مترابط كما بيناه على الدول الإسلامية والعربية أن تتكل مع دول العالم الثالث للعمل على حل المعضلة الكبرى التي تعوق كل تقدم : مشكلة الديون 0 انه لا أمل في الخروج من الفقر وما يرتبط به من تخلف ما دام جزء هام من الدخل القومي تلتهمه الديون وفوائدها 0 وعلى العالم الغني أن يرد إلى إفريقيا وآسيا ما سلبه منها عبر القرون الماضية من خيرات 0 أعتقد أن التنازل عن هذه الديون هو المعيار الذي يكشف عن صدق ما يدعو إليه منظرو العولمة من الأخوة في القرية العالمية 0

أما التحديات الكبرى التي أريد أن أختم بها كلمتي فهي التالية :
  • أولا : جشع الشركات المتعددة الجنسيات
    إن جشع هذه الشركات وقدرتها على توجيه المسار إلى ما تعظم به أرباحها سيزيد من عمق الهوة الفاصلة بين الفقراء والأغنياء من الأفراد والشعوب ، ودول الشمال ودول الجنوب 0والخصاصة إذا عضت بدون رحمة فردة الفعل ستكون الرفض للعولمة والثورة عليها0 والثورة لا تكون إلا محطمة 0 فهل يتسطيع قادة العولمة كسب الرهان ؟
  • ثانيا : الهيمنة الثقافية
    يخطئ من يظن إن الهيمنة الثقافية تؤدي إلى توحيد ملامح العالم وبالتالي إلى تأكيد الترابط بين بني البشر 0 ذلك أن الهيمنة تدفع إلى التمسك بالهوية الخاصة والتعصب للمظاهر فضلا عن الجواهر ، ومعاداة الآخر والحذر منه ، فهي تربة تخصب العنف والتطرف اليميني المتعصب فهل تعي القوة المسيطرة بثرائها وتكنولوجيتها فتعمل على احترام تنوع الثقافات وتقلع عن غزوها ؟


الديموقراطية :
الديموقراطية كمبادئ أو كممارسة للسلطة أو كنظام حياة ، في هذه المستويات الثلاثة هي القاعدة التي تنشر الأمن والكرامة ،و تقرب بين الشعوب، وتتغلب على الأزمات 0 ولذا فان تطبيقها بميزان واحد والعمل على مساعدة كل شعب على أن تسود تلك المبادئ وعلى ممارستها وإشاعة نظامها هو الذي يمكن للعولمة أن تكون إنسانية وتغسل نفسها من درن وقسوة الحداثة وتصمد وتحقق للعالم الرفاه 0فهل تنجح العولمة في هذا التحدي ؟

والله أعلم وأحكم ، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم0

ملخص الجوانب الخلقية للعولمة من منظور إسلامي


العولمة هي الطور الذي يراد أن تستقر عليه الإنسانية 0 وهي امتداد للحداثة المتولدة عن النظام الرأسمالي 0 وجوهر ذلك هو التفاعل بين مجموعة من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والتكنولوجية في كوكبة مترابطة يتأثر كل واحد منها بالآخر ويؤثر فيه 0 هدفها الربط المحكم بين مناطق العالم جميعها لتسير في موكب واحد0

ومن مقوماتها

الإعلام : اعتمد الإعلام ،على التقدم التكنولوجي الضخم فتغلب على حدود الزمان والمكان والعوازل الحقيقية والمصطنعة ، وعلى الدراسات النفسية والاجتماعية ، فتمكن من صياغة العقول والمشاعر الإنسانية والرغبات، وأثر في التوجيه السياسي والمسيرة الاقتصادية 0 وتولت ذلك مع الدول العظمى شركات عملاقة لتجعل العالم لا يتصور الحق إلا ما تقرره القوة الأعظم .

ويحقن هذا الإعلام الفكر البشري بمواد مغشوشة مضللة 0 كما إن هذا الإعلام المعولم قد هرى قدرات الحكومات على تحديد نمط التوجيه السياسي داخل حدودها الوطنية فسلبها أخص خصائصها0

وهذا ما يحتم على العالم النامي المغزو - والدول الإسلامية والعربية منه- أن يتنبه لخطر اقتحام حدوده رغم أنفه ويعمل على تغيير أساليبه التمجيدية ، ويكيف إعلامه بما يضمن اطمئنان مواطنيه لصدقه0

فهل تستطيع تلكم الدول النجاح في هذا التحدي ؟

وبجانب التأثير السياسي فللإعلام كبير التأثير في الاقتصاد والثقافة ، إذ جمع الإعلام المعولم بينهما، فنشر ثقافة الاستهلاك 0 وهو يعمل على تغيير أنماط الحياة كلها، فخلق من الوهم عالما مصنوعا 0 سلخت مشاهد التلفاز والسينما الإنسان من جلدته ، ورسخت إحساسه بتفاهة مميزاته القومية وثقافته، وما هو بين يديه من أشياء تدفق التجارة = العولمة كما تريده لها الولايات المتحدة والدول الدائرة في فلكها من أخص خصائصها فتح الأبواب لتدفق التجارة العالمية في السلع والخدمات ، وحرية انتقال رؤوس الأموال ، واعتماد التكنولوجيا المتطورة لمضاعفة الإنتاج ، وبالتالي الاستهلاك، وإطلاق أيدي الشركات متعددة الجنسيات لتزداد تضخما في نفسها وفي تكتلها فيما بينها 0

والدول الغنية قد حصنت نفسها من سلبيات العولمة بواسطة التكتلات الكبرى0 بينما الدول النامية ما تزال متفرقة ،اقتصادها مهمش، ومغيب أي واحدة منها يمر دون أن يشعر به أحد 0

كما أن حرية التجارة وما يصحبها من الاندفاع نحو الاستهلاك يزيد في أبعاد الهوة بين الشمال والجنوب والأغنياء والفقراء 0 وحرية انتقال رؤوس الأموال يعرض الدول النامية إلى أزمات في التشغيل ، وفي القوة النقدية ،والى قبول التدخل في شؤونها الداخلية إذا ما هدد أصحاب رؤوس الأموال بأخذ أموالهم وتحويل نشاطهم

أما التكنولوجيا المتطورة فأمل انتقالها إلى الدول النامية ضرب من أحلام اليقظة ، إذ تحرص الدول والشركات العملاقة على سرية ما تمتلكه من أسرار تكنولوجية وتحميه ببراءة الاختراع 0

والشركات المتعددة الجنسيات هي فوق سيطرة الدول بل لعلها هي التي تسيطر على اتخاذ القرارات بما يضمن لها مصالحها المادية ولو كان ذلك على حساب حياة الفقراء والمحاويج 0

يتبين من التعمق في العولمة كما أخذت تتبين ملامحها الأولى أنها تتحدى العالم النامي تحديا إن لم يستيقظ ويعمل العمل الجاد فتسحقه 0وذلك مما يحتم عليه كضرورة لا خيار له فيها أن يتكتل في وحدات تستطيع أن تفسر قرارات< القات> وما لحقها وتسير التطبيقات بما يمكنها من التطور الإيجابي

وعلى الدولة الأعظم أن تقدر أن الهيمنة الثقافية والعمل على توحيد ملامح العالم لا يؤدي إلا إلى بروز ظاهرة التعصب للمظاهر فضلا عن الجوهر ، ونشر العنف ، ورفض الآخر 0

وعليها أن تطبق الديموقراطية تطبيقا صادقا بميزان واحد بدون انحياز ،وذلك ما يعطي للعولمة وجها إنسانيا فقدته الحداثة ففشلت من تمكين البشر من الرخاء والأمن ، وقتلت المشاعر النبيلة من الأخوة والتكامل .