|
اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم سلاما مباركا فيه كثيرا كما يرضيك ويرضيه وترضى به عنا يا رب العالمين الجوانب الخلقية للعولمة من منظور إسلامي كتبه محمد المختار السلامي سادت أوروبا العالم بعد نهضتها الكبرى في الميادين الأدبية والفنية والعلمية ، وفي الميادين الاقتصادية والاجتماعية ، وقارن تلك النهضة وتبعها الاكتشافات الهامة التي أعدت لظهور النظام الرأسمالي0 والنظام الرأسمالي هو في حقيقته منهج حياة يشمل جميع مقوماتها ، وليس كما يدل عليه اشتقاقه منهج إيجاد الثروة ، وتحديد رواجها وطرق تملكها0 ولكنه نظام نشأ من الثورة على سلطان الكنيسة حتى تم التحرر من سلطانها ومما كانت تدعيه من امتلاكها للمعرفة والحقيقة 0فتولد عن هذا الانعتاق0 وقام على ركائز أهمها :
طبع هذا التمجيد والتقديس للفرد الحضارة الغربية الرأسمالية ، وتبع ذلك كل القيم المتعلقة بالحرية الفردية ، وحقوق المرأة ، وحقوق الإنسان بصفة عامة ، وحقوق الملكية الأدبية ، وبراءة الاختراع ، وفتح الأبواب مشرعة أمام المبادرة الفردية 0 كما تفرع عنها كل مقومات الدولة المدنية والمجتمعات الحديثة ، وذلك بالرجوع إلى الفرد بواسطة صندوق الاقتراع ، وتغلغل الديموقراطية في المؤسسات جميعها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية0 عمت هذه القيم الرأسمالية دول القارة الأوروبية وتأثر بعضها ببعض 0 ولما اكتملت قوتها واستقرت أنظمتها السياسية ، وأحست بتفوقها العلمي والتقني والحربي،نظرت إلى البلدان الإفريقية والآسيوية وحتى الأمريكية نظرة التعالي ،وبررت لنفسها التحكم فيهاوتأيدت بطروحات " أن البقاء للأصلح " داروين وأن " الحق للقوة " نيتشه، فبعثت بجيوشها غازية للقارات الثلاث، واقتسمت تلكم الأوطان بينها ، كأسواق لمنتجاتها ، وكمصادر للمواد الأولية التي تفتقدها في أرضها ، وكقوة بشرية تجند شبابها في حروبها المتلاحقة ، وتستعين بهم في بناء صناعتها وتجهيزاتها ، وخاصة الأعمال الشاقة أو الخطرة 0وامعانا في هذه السبيل الظالمة المتسلطة مع الخداع ، زعموا أنهم يتحملون مسؤولية نهضة هذه الشعوب والوصول بها إلى المستوى الذي ينبغي للإنسان 0 واقترن النظام الرأسمالي منذ نشأته بالحقيقة التالية : ( أن كل ما يساعد على تنمية الثروة وحق الفرد الأوروبي في الرفاه أمر مشروع ) . استمر الأمر على هذه الحال إلى أن اندلعت الحرب العالمية الثانية 0 فاستعرت نارها في أوروبا وفي كثير من مستعمراتها الإفريقية والآسيوية، وتسارعت الدول الغربية المغزوة من المحور إلى السقوط ، كما تمكنت القوات اليابانية من التهام مساحات شاسعة ، وفزع العالم الرأسمالي والشيوعي معا وبدا لهما المصير المرعب المنتظر لو بلغت الانتصارات الأولى للمحور غايتها0 عندها قررت الولايات المتحدة الدخول في الحرب إلى جانب الحلفاء بقوتها الحربية الضخمة في الجو والبحر والأرض0 فانقلبت موازين القوى وانتصر الحلفاء وانهزم المحور هزيمة نكراء واستسلم للغازي المنتصر استسلاما بدون قيد ولا شرط 0 لم تكن هذه أول مرة تنضم فيها الولايات المتحدة الأميركية إلى الحلفاء ، بل كان لها نفس الدور في الحرب العالمية الأولى ، إذ كان دخولها المنقذ للحلفاء من الجيش الألماني0 لكنها في تلكم الحرب رجعت بعد النصر بجيوشها وعتادها إلى بلدها، و تركت غنيمة الحرب نهبا للدول الأوربية الجشعة 0فزاد الاستعمار انتشارا بمعاهدة سايكس بيكو0 وتواصل القمع للحركات التحريرية ، وتوالى امتصاص خيرات العالم من أوروبا، سالبة الشعوب مذلة لها ،تحول بينها وبين امتلاك التكنولوجيا الحديثة أو إنشاء المصانع التي تعتبرها منافسة لها تعجل بانفصالها عن سلطانها0 أما في الحرب العالمية الثانية فقد استفادت الولايات المتحدة من تجربتها السابقة ولم يتكرر الخطأ الأول 0بنت استراتيجيتها على أنه لما كان لها النصيب الأوفر في الانتصار الذي سحق المحور؛ فانه من المنطق أن يكون لها الحق في أن تجني ثمرات النصر ، وأن تفوز بغنائمه على نسبة ما قدمت في سبيل ذلك من رجال وعتاد 0 وأن مركزها الذي تستحقه عن جدارة بعد تدخلها في الحرب وتحقق الفوز،هو قيادة هذا العالم المهشم بالحرب0 أحدثت لقيادة العالم ثلاث مؤسسات كبرى يتم لها بواسطتها تبوأ هذا المركز القيادي،والتحكم في مصير العالم 0 وهي
يقول جاري بيرتلس وأصحابه ناقدين موقف الكونجرس الأميركي لامتناعه من دعم البنك الدولي وصندوق النقد : ويرفض الكونجرس حاليا سنة 1997بصورة روتينية الطلبات المقدمة بتقديم مساعدات أميركية إضافية في رأس مال البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ، حتى على الرغم من أن هاتين المؤسستين تلعبان دورا حاسما في الحفاظ على استقرار النظام العالمي ، الذي تعد الولايات المتحدة مشاركا ومستفيدا رئيسيا منه 0 < جنون العولمة ص 165>تعريب كمال السيد والمنظمات الثلاث اتخذت مراكزها التي تعمل فيها على أرض الولايات المتحدة رغم المسافة الشاسعة التي تفصلها عن التجمعات السكنية الكبرى للعالم 0 وفي ذلك دلالة واضحة على أن دور أوروبا أصبح دورا ثانويا ، وأن سياسة العالم قد انتزعته الولايات المتحدة لأنها المنتصرة ، ولأنها القوة المالية الأعظم في العالم 0 ولأن بنيتها الاقتصادية والتحتية لم تمس بأذى من الحرب عكس البلدان الأوروبية 0ولامتلاكها للسلاح الذري ، وللتكنولوجية المتطورة في قدراتها العسكرية المتنوعة 0ولأن مراكز البحث فيها والمستوى العلمي لجامعاتها يكاد ينفرد بالطليعة 0 وبتجمع ذلك بين أيديها تمكنت بذكاء ودراسة عميقة وتحليل للمجتمعات والأحداث من إحكام قبضتها على المسيرة العالمية ، وانصاعت معظم الدول للسيطرة الأميركية 0 ولإنقاذ النظام الرأسمالي باعتبارها المتزعمة له من ناحية ، ولفتح الأسواق أمامها من ناحية أخرى قامت :
وتراكمت أخطاء النظام الشيوعي بغلظ تعامله ، وقيام أجهزته على بيروقراطية معطلة ، وتدخله في حرب أفغانستان التي أنهكت قواه وخربت اقتصاده ، فأعلن من جانب واحد انتهاء الحرب الباردة وكان مظهر ذلك في سقوط حائط برلين 0 وبانهيار الاقتصاد الروسي وإنحلال الاتحاد السوفياتي زال المعوق الذي كان يوقف تدفق المد العولمي الذي مهدت له الولايات المتحدة بالمنظمات الثلاث التي أشرنا إليها آنفا ، وبقوتها التكنولوجية ثم الاقتصادية ؛ فتجمعت للعولمة كل المقومات التي تدفع لإعلانها كهدف وحيد على العالم كله أن يسير فيه ، ومن يأبى تسحقه المسيرة الشاملة انه بما تجمع من مرتكزات سياسية وتكنولوجية وثقافية أصبحت العولمة حقيقة دخلت في حياة الشعوب أفرادا ومجتمعات ودولا وحكومات ، يتفاعل الجميع معها ، إما تفاعل التأثير والتطوير للتمكن من التحكم في توجهاتها ، ثم قيادتها إلى المسار الذي يمكن من اغتنام أكبر حظ من ثمراتها وأعظم نصيب مما تولده من خيرات، وإما تفاعل التقبل الغبي الذي تمر أمامه المشاهد تلهيه دون أن يدرك لها سرا أو أن تصل بصيرته إلى ما وراء الظواهر ، أو التقبل المدرك العاجز كالذي جرفه السيل العاتي لا يدري إلى أين يصير ولا سبيل له في الخلاص 0 ومما زاد في قوة اندفاع العولمة وتأكيد مسك الولايات المتحدة بأزرار التحكم فيها حادثتان :
إن كل الشعوب والدول وقد انساقت في ركب الولايات المتحدة تجهل إلى أين ستقاد في هذه الحرب 0 ولكن الظاهرة المعلنة والمجمع عليها والتي تردد في وسائل الأعلام المختلفة وعلى ألسنة الناطقين باسم الحكومات ، ومن بلاغات المنظمات المدنية في مختلف بقاع العالم هي < تأييد الحرب على الإرهاب > كأن الإرهاب كان شيئا مضمرا لم يظهر إلى الوجود إلا يوم ( 11 سبتمبر 2001) ثم إن الولايات المتحدة هي التي تحدد مفهوم الإرهاب ، كما تحدد المجموعات الإرهابية وأماكنها 0 انه في الحربين حرب الخليج ، وحرب أفغانستان ،تحقق التضامن العالمي كما تحدد مواصفاته الدولة المنفردة بقيادة العالم0 وبما أن هاتين الحربين قد تجلت فيهما مفاهيم العولمة وصورة من تطبيقاتها ، وانكشفت فيهما جوانب أخلاقية ، فقد اخترت أن أنطلق منهما لتفصيل ما كنت أشرت إليه إجمالا فيما سبق وأعرض بعض التفصيل للموضوع ( الجوانب الأخلاقية للعولمة من منظور إسلامي ) العولمة والإعلام : كما أشرنا إليه في المقدمة من أن العولمة ليست إسقاطا منعزلا ، ولكنها تطور للحداثة جرى على السنن التي تنمو بها الظواهر جميعها0 وجوهر ذلك هو التفاعل بين مجموعة من الظواهر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية والعلمية والتكنولوجية في كوكبة مترابطة يتأثر كل واحد منها بالآخر ويؤثر فيه ، رابطة بين مناطق العالم وبين الأفراد والشعوب والحكومات ، موهنة صفاقة الحدود العازلة بينها 0 وبما أن الإعلام من أشد تلك الظواهر تأثيرا واندماجا وتغلغلا فيها ، وبما له من التأثير على حياة الأفراد والمجتمعات في الفكر والمشاعر والميول والرغبات والعواطف ، فانه يتحتم أن يخضع لمعايير الأخلاق 0 لقد تطور الإعلام تبعا لتطور التكنولوجيا التي كانت لها مكاسب فسيحة وعميقة في التغلب على حدود المكان وعوازله الحقيقية والمصطنعة ، كما اختصرت الزمان اختصارا كبيرا ؛ فتنوعت طرق الاتصال وبالتالي تضاعفت القدرة على صياغة الفكر والمشاعر الإنسانية والرغبات والمثل . ففي المجال السياسي عمل الإعلام على تطويع الرأي العام العالمي لقبول سياسات معينة 0 تم هذا التحكم أولا= بالاعتماد على دراسات نفسية واجتماعية ،وعلى أن النجاح في تثبيت ما يراد تثبيته أو نفي ما يراد نفيه هو معيار القبول ، وأن الحقيقة لاتهم القائمين عليه ، وثانيا بالتطور التكنولوجي الذي تجاوز الحواجز الحقيقية والمصطنعة ، واخترق جدران البيوت كما اخترق الحدود الدولية 0 واستبدت شركات عملاقة بالمعلومة تكيفها باللفظ والصورة تكييفا تؤثر به على المشاهد بالرضا أو السخط والحماس أو اللامبالاة ، وبالتالي تكتيل العالم لقبول الخطة التي تقررها القوة المتزعمة للعالم 0 انه إذا ما قومنا هذا بميزان الأخلاق فانا نجد فيه أبشع أنواع التعدي على الفكر البشري ؛ إذ يحقنه بمواد مغشوشة تفسد الميزان، وتضلل الانسان0 لقد تحدث الإعلام قبل بداية حرب الخليج وكرر أن الجيش مجهز بقنابل ذكية لا تدمر إلا تحصينات العدو0 وانطلى ذلك على عدد غير قليل من الناس فرددوا في مجالسهم عبارات الإعجاب بما وصلت إليه صناعة الأسلحة من تقدم 0 وفي هذه الحرب التي نعيش أيامها ضد الإرهاب يصنف حزب الله كحزب إرهابي 0وما صنع هذا التنظيم إلا أنه شيئا واحدا هو استطاع أن يساعد الأمم المتحدة على تطبيق قرارها ويرغم المحتل الغاصب على الرحيل عن أرض لبنان0 وكذلك حركة المقاومة الكشميرية التي تكافح من أجل تطبيق قرارات الأمم المتحدة في حق هذا الشعب في تقرير المصير،نظمها الإعلام في قائمة الارهابيين0 والشعب الفلسطيني الذي أخرج من دياره وأمواله ، وتهدم جرا فات الاحتلال بيوته التي يأوي إليها وتترك الأطفال الأبرياء والنساء والشيوخ نهبا للعواصف والثلوج والبرد القارس ، أو الحر الخانق تحت أشعة الشمس اللاهية ،والمخططات الدقيقة بالتكنوليجية المتطورة لاغتيال رجاله الأحرار ، الشعب الفلسطيني يصوره الإعلام : جماعة من الإرهابيين 0 والغاصب المحتل المستهتر بجميع قرارات الأمم المتحدة المدجج بالسلاح تصوره أجهزة الإعلام على أنه هو المستهدف الضعيف 0 ووجه آخر للعولمة الاعلامية يتمثل في تهرية قوة الحكومات على تحديد نمط التوجيه السياسي داخل حدودها الوطنية 0ان الاختراق الكاسح لتلكم الحدود بواسطة البث التلفزي أو بواسطة الإنترنت قد سلب من الدول كثيرا من الخصائص التي كانت تنفرد بها 0 ولا شك أن هذا الاختراق يعمل على توحيد نمط المفاهيم السياسية وإدماجها في سير الخط التي تكون فيها أجهزة الإعلام للقوى العظمى معتمدة على الدراسات النفسية والاجتماعية كاعتمادها على التكنولوجيا المتطورة ، فتسرق من الحكومات شعوبها لتجعلهم تابعين في تحليلهم السياسي وتصوراتهم مندمجين في النسق المتحكم في العالم سياسيا ،ويكون كل نمط خارج عن ذلكم النسق نشازا مهملا ، وان كان على حق ملتزما الصواب 0 إن العولمة تتحدى العالم النامي الذي تحشر الدول الإسلامية والعربية في بوتقته ، الأمر الذي يحتم عليه للتحرر من ذلك ، أن يعيد النظر في طرقه الإعلامية 0 انه وان كان يمكنه أن يستفيد من التكنولوجيا المتطورة إلا أن التكنولوجيا لا تضمن له المناعة من الاختراق الذي يهري سلطة الدولة و يضعف قدراتها على المسك بزمام الأمور 0 انه يتحتم أن يحور الإعلام تحويرا جذريا ، يصل إلى المعلومة ويقدر على تكييفها تكييفا مؤثرا في المتابع ، الأمر الذي يفرض عليه أن يقلع عن التمجيد والنرجسية، وأن يكون الصدق مع الشجاعة والإيحاء المتخفي هو المنهج السالك إلى النفاذ إلى القلوب والعقول والمشاعر 0 فهل تستطيع الحكومات العربية والإسلامية أن تجتهد بما يتطلبه الاجتهاد من ذكاء وخبرات لبناء استراتيجيات تنظر إلى المآل البعيد لا إلى تعمير ساعات البث مع النظر القصير الذي لا يتجاوز القريب المفصول عن التغير الذي هو سنة الكون الثابتة ؟ هذا وإني أعتقد أن الإعلام المعولم ليس شرا كله ، بل إن العولمة قد استطاعت أن تكشف فظائع الأنظمة المستبدة، وفضحت المظالم التي كانت تسلطها على شعوبها؛ وأجبرتها تبعا لذلك على التقصير في التعسف و على عدم الإمعان في الظلم وانتهاك كرامة الانسان0 وفي المجال الاقتصادي الملاحظ أن الإعلام يمثل ركيزة من عولمة الاقتصاد ،عظمت آثاره في الترويج، فقد أخذت الإعلانات عن المستجدات الصناعية وعن الخدمات ،حيزا كبيرا في الساحة الإعلامية، وخدعت النظارة من جوانب عديدة 0 يقطع تواصل عرض مناقشة علمية أو سياسية ، أو عرض تاريخي ، أو مشاهد طبيعية ، أو مباراة رياضية ، لتقدم صورة وقحة للكوكاكولا أوللمجة هام برق ،أو لمعجون أسنان أو سيارة أو جهاز تبريد أو ثلاجة 0000 وتخدع المتابع خداعا مرا ، إذ تجعله يحس بالحاجة إلى تملك ما هو غير محتاج إليه في حقيقة الأمر 0 تغزوه غزوا عنيفا لتقتلع منه قرار الإقبال على الشراء بناء على وهم، بتخييل أن سعادته منقوصة بدونها 0 وتلهيه عما يتبع ذلك من اختلال قدرته المالية بتراكم الديون 0 وتخدع المتابع فتجعله يعتقد أن ما يعرض قد جمع الجودة والقوة والكفاءة ، وأنه يلبي جميع رغباته ورغبات أسرته ، والحقيقة غير ذلك 0 هل إن الإعلام إذا دخل ميدان الإعلان يتحرر من الصدق ، والأمانة ، رعاية مصالح الأسر؟وهل يمكن للعولمة الإعلامية الاقتصادية أن تسمو إلى مستوى خلقي يرعى الحقيقة ، ويمنع الخداع فلا يفرق بينه وبين الإرهاب باعتبار أن كل واحد منهما يستهدف حرية الإنسان في أخذ القرار الذي يناسبه : الإرهاب ضغط عنيف ،والإعلام المزيف ضغط غيرمنظور0 وفي المجال الثقافي يعمل الإعلام المعولم على سلخ الهوية ، وسيطرة نمط معين من الثقافة 0 إن شركات هوليود مثلا بسلطانها المالي والتكنولوجي ، وبرفع الحواجز التي كانت تحصن الشعوب من ترويج ما يعاكس ذاتيتها ، ويوهن ترابط أعضائها،إن هذه الشركات قد تمردت غازية أسواق الإعلام ، تغير أنماط الحياة كلها في اللباس والمأكل والسكن والحديث وطريقة التعامل الاجتماعي والعلاقات الأسرية وعلاقة الفرد بالمجموعة التي ينتسب إليها ويشترك معها في الميراث الثقافي 0 إنها تفرض واقعا جديدا ، وتخلق صورا وهمية تكسوها بواسطة الإحكام الفني ثوب الحقيقة ، فتحول المتابعين من العالم الحقيقي إلى عالم آخر مصنوع غير واقعي فينتهي المتلقي بالخروج من الحقيقة إلى المتوهم ، فهي بذلك مرتبة من مراتب الاختلال العقلي0 إن هذا التأثير لا يكاد يسلم منه أحد ، فكل البشر على درجات متفاوتة عمر عقولها وثبت في تصوراتها ،عالم التلفزيون أو السينما، البعيد عن الإدراك الحقيقي والسليم للواقع 0 ولما كانت الشركات الثقافية الكبرى داخلة في النسق العام للدولة الأعظم ، فإنها بذلك تنسخ المشاهد من جلدته وتزيده إحساسا بتفاهة مميزاته القومية بجانب الثقافة المهيمنة 0 وتؤول العولمة الثقافية الإعلامية إلى تسلط نمط واحد وذوبان الأنماط الأخرى شيئا فشيئا 0 انه لما كانت الثقافة نتاج تاريخ صنعته الأجيال عبر العصور ، وأثر بيئة حاضرة مادية وفكرية واجتماعية ، وتعامل مع كل ذلك بطريقة فيها إبداع يكيفها ويؤثر فيها، فيتشربها ليتألف منها نسق متميز عن غيره من الأنساق ،فان الثقافة حسب طبيعتها تلك لاتكون إلا متعددة ومتنوعة0فالعمل على صب الثقافة الإنسانية في قالب واحد قالب ثقافة الدولة المهيمنة يعتبر جناية على الثروة الإنسانية ، وعكسا لطبيعة الأشياء استنادا إلى القوة 0 العولمـــة الاقتصاديــة : تكاد تستبد العولمة الاقتصادية لتنفرد وحدها بمصطلح العولمة ، فلا يسبق من كلمة العولمة في تصور كثير من الناس إلا العوامة الاقتصادية 0 وذلك لأن الظاهرة الاقتصادية تدخل في حياة البشر من جوانبها المادية ، فهي كما سنرى خبزهم ، وهي عملهم الذي يحقق ذواتهم ، وهي أمنهم في الحاضر والمستقبل القريب والبعيد ولكن اختزال العولمة في الظاهرة الاقتصادية وآثارها هو كالشجرة التي تستر وراءها الغابة الكثيفة المترامية الأطراف ، المتعددة الأشكال والألوان 0 إن العولمة كما يبدو لنا من مقدمة هذا البحث ،هي تطور للحداثة التي هي حصيلة النهضة الأوروبية ، وما قامت عليه من أسس حققت لها ما حققته من تقدم علمي وفكري وثقافي ، وما ولدته من قوة مادية كبرى ، وسلطان لرأس المال ، وحرية للفرد وإبداع في مختلف مجالي الحياة 0 والعولمة الاقتصادية بصفة مختصرة تمثل :
إننا إذا عمقنا النظر في هذه المرتكزات التي تقوم عليها العولمة الاقتصادية فانه تنكشف لنا الانعكاسات التالية التي ستنشأ عنها 0
لقد اندمجت شركات إنتاج الدواء العملاقة 0 وتمكنت بفضل مخابرها من الاستئثار بمعظم البراءات في مختلف الاختصاصات ، وتحكمت في السوق تحكما مبالغا فيه أعجز الدول النامية عن علاج مرضاها 0 وأصبحت الحياة بذلك حقا لمن توفر له المال الذي يشبع نهم هذه الشركات ولا قيمة لحياة الفقراء 0 واتفاقية القات تحميها والمحاكم تستند إلى تلكم الاتفاقيات لتسلط العقوبات الرادعة على من يحاول إنقاذ حياة المستضعفين من مواطنيه0 انه كثيرا ما أهمني أمر براءة الاختراع باعتبارها إحدى المسلمات التي لا تقبل النقاش باستنادها إلى حقوق الإنسان الأدبية وبالتالي المالية 0 وانه رغم هذا الإجماع ما تزال تتنازع في خاطري الحقائق التالية :
قد يكون من الحلول التي أقترحها و التي يجند لها الرأي العالمي أن تتولى منظمة الصحة العالمية شراء براءة الاختراع لكل دواء يتوقف عليه حياة البشر ،بعد أن تقوم جهود صاحب البراءة بقيمة مجزية ولا يمكن أن يقبل الاحتكار في مثل هذا 0 وأمر آخر هو أن هذه الشركات أصبحت قوة ضغط على الحكومات0فبواسطة قدراتها المالية تدخلت ممولة للانتخابات 0 لا تفعل ذلك إلا لتحقيق مصالحها 0 كما أن قدرتها على الخروج من القطر الذي انتصبت فيه متى أرادت هي قوة ضغط أيضا لابتزاز ما ترغب أن تحصل عليه من السلطة ، لأنها عندما تنتقل تترك فراغا في ميدان التشغيل يتحول معه البطالون إلى ما يثير الشغب وربما الثورة 0 والشركات العابرة أضافت بتقنياتها قدرة لشركات الإجرام على الإمعان في شرها كعصابات المخدرات والمتاجرة بالجنس ، والمتاجرة بالأطفال0 تفاقم شرها في أنحاء العالم 0 وساعدها على تبييض أموالها الضخمة شراؤها لشركات تم خصخصتها اتباعا للإصلاح الهيكلي الذي يفرضه صندوق النقد العالمي0 إن العولمة كما أخذت تتشكل سماتها ،وهذه الملامح تنبئ بأن آثارها في عالم الفقراء ومنه العربي والإسلامي تختلف عن آثارها في العالم الغني المترف 0 وهذا ما يتبعه التحديات التالية
أما التحديات الكبرى التي أريد أن أختم بها كلمتي فهي التالية :
الديموقراطية : الديموقراطية كمبادئ أو كممارسة للسلطة أو كنظام حياة ، في هذه المستويات الثلاثة هي القاعدة التي تنشر الأمن والكرامة ،و تقرب بين الشعوب، وتتغلب على الأزمات 0 ولذا فان تطبيقها بميزان واحد والعمل على مساعدة كل شعب على أن تسود تلك المبادئ وعلى ممارستها وإشاعة نظامها هو الذي يمكن للعولمة أن تكون إنسانية وتغسل نفسها من درن وقسوة الحداثة وتصمد وتحقق للعالم الرفاه 0فهل تنجح العولمة في هذا التحدي ؟ والله أعلم وأحكم ، وهو حسبي ونعم الوكيل، نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم0 العولمة هي الطور الذي يراد أن تستقر عليه الإنسانية 0 وهي امتداد للحداثة المتولدة عن النظام الرأسمالي 0 وجوهر ذلك هو التفاعل بين مجموعة من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والتكنولوجية في كوكبة مترابطة يتأثر كل واحد منها بالآخر ويؤثر فيه 0 هدفها الربط المحكم بين مناطق العالم جميعها لتسير في موكب واحد0 ومن مقوماتها الإعلام : اعتمد الإعلام ،على التقدم التكنولوجي الضخم فتغلب على حدود الزمان والمكان والعوازل الحقيقية والمصطنعة ، وعلى الدراسات النفسية والاجتماعية ، فتمكن من صياغة العقول والمشاعر الإنسانية والرغبات، وأثر في التوجيه السياسي والمسيرة الاقتصادية 0 وتولت ذلك مع الدول العظمى شركات عملاقة لتجعل العالم لا يتصور الحق إلا ما تقرره القوة الأعظم . ويحقن هذا الإعلام الفكر البشري بمواد مغشوشة مضللة 0 كما إن هذا الإعلام المعولم قد هرى قدرات الحكومات على تحديد نمط التوجيه السياسي داخل حدودها الوطنية فسلبها أخص خصائصها0 وهذا ما يحتم على العالم النامي المغزو - والدول الإسلامية والعربية منه- أن يتنبه لخطر اقتحام حدوده رغم أنفه ويعمل على تغيير أساليبه التمجيدية ، ويكيف إعلامه بما يضمن اطمئنان مواطنيه لصدقه0 فهل تستطيع تلكم الدول النجاح في هذا التحدي ؟ وبجانب التأثير السياسي فللإعلام كبير التأثير في الاقتصاد والثقافة ، إذ جمع الإعلام المعولم بينهما، فنشر ثقافة الاستهلاك 0 وهو يعمل على تغيير أنماط الحياة كلها، فخلق من الوهم عالما مصنوعا 0 سلخت مشاهد التلفاز والسينما الإنسان من جلدته ، ورسخت إحساسه بتفاهة مميزاته القومية وثقافته، وما هو بين يديه من أشياء تدفق التجارة = العولمة كما تريده لها الولايات المتحدة والدول الدائرة في فلكها من أخص خصائصها فتح الأبواب لتدفق التجارة العالمية في السلع والخدمات ، وحرية انتقال رؤوس الأموال ، واعتماد التكنولوجيا المتطورة لمضاعفة الإنتاج ، وبالتالي الاستهلاك، وإطلاق أيدي الشركات متعددة الجنسيات لتزداد تضخما في نفسها وفي تكتلها فيما بينها 0 والدول الغنية قد حصنت نفسها من سلبيات العولمة بواسطة التكتلات الكبرى0 بينما الدول النامية ما تزال متفرقة ،اقتصادها مهمش، ومغيب أي واحدة منها يمر دون أن يشعر به أحد 0 كما أن حرية التجارة وما يصحبها من الاندفاع نحو الاستهلاك يزيد في أبعاد الهوة بين الشمال والجنوب والأغنياء والفقراء 0 وحرية انتقال رؤوس الأموال يعرض الدول النامية إلى أزمات في التشغيل ، وفي القوة النقدية ،والى قبول التدخل في شؤونها الداخلية إذا ما هدد أصحاب رؤوس الأموال بأخذ أموالهم وتحويل نشاطهم أما التكنولوجيا المتطورة فأمل انتقالها إلى الدول النامية ضرب من أحلام اليقظة ، إذ تحرص الدول والشركات العملاقة على سرية ما تمتلكه من أسرار تكنولوجية وتحميه ببراءة الاختراع 0 والشركات المتعددة الجنسيات هي فوق سيطرة الدول بل لعلها هي التي تسيطر على اتخاذ القرارات بما يضمن لها مصالحها المادية ولو كان ذلك على حساب حياة الفقراء والمحاويج 0 يتبين من التعمق في العولمة كما أخذت تتبين ملامحها الأولى أنها تتحدى العالم النامي تحديا إن لم يستيقظ ويعمل العمل الجاد فتسحقه 0وذلك مما يحتم عليه كضرورة لا خيار له فيها أن يتكتل في وحدات تستطيع أن تفسر قرارات< القات> وما لحقها وتسير التطبيقات بما يمكنها من التطور الإيجابي وعلى الدولة الأعظم أن تقدر أن الهيمنة الثقافية والعمل على توحيد ملامح العالم لا يؤدي إلا إلى بروز ظاهرة التعصب للمظاهر فضلا عن الجوهر ، ونشر العنف ، ورفض الآخر 0 وعليها أن تطبق الديموقراطية تطبيقا صادقا بميزان واحد بدون انحياز ،وذلك ما يعطي للعولمة وجها إنسانيا فقدته الحداثة ففشلت من تمكين البشر من الرخاء والأمن ، وقتلت المشاعر النبيلة من الأخوة والتكامل . |