|
الدكتور محمد هيثم الخياط يجدر بنا - كمسلمين - أن ننطلق دائماً في مواقفنا وأحكامنا، من قيمة من أهم قِيَم الإسلام، ألا وهي العدل، الذي هو الغاية الأساسية من إرسال الرُّسُل: ]لقد أرسَلْنا رُسُلَنا بالبيِّنات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناسُ بالقسط[ ]الحديد: 25[؛ فقد أمَرَ اللهُ الناسَ به أمراً عاماً: ]إن الله يأمر بالعدل[ ]النحل: 90[؛ ]أمر ربي بالقسط[ ]الأعراف: 29[؛ ]اعدلوا؛ هو أقرب للتقوى[ ]المائدة: 8[؛ ]أقسطوا؛ إن الله يحب المقسطين[ ]الحجرات: 9[. وأثنى على فئة صالحة من الناس ]يهدون بالحق وبه يعدلون[ ]الأعراف: 159، 181[. وذكر في كتابه الكريم ما يدل على أنه ينبغي أن يتخلَّل كل شيء: ? في القول: ]وإذا قلتم فاعدلوا[ ]الأنعام: 152[؛ ? في الحكم: ]وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل[ ]النساء: 58[؛ ? في الإصلاح: ]فأصلحوا بينهما بالعدل[ ]الحجرات: 9[؛ ? في القوامة: ]وأن تقوموا لليتامى بالقسط[ ]النساء: 127[؛ وحذَّر مِنْ كل ما يمكن أن يُخِلَّ بالموقف العادل: ]فلا تتَّبعوا الهوى أن تعدلوا[ ]النساء: 135[؛ ]ولا يجرمنَّكم ]يحملنّكم[ شَنَآنُ ]بغض[ قومٍ على أن لا تعدلوا[ ]المائدة: 8[. ]كونـوا قوَّامـين بالقسـط شهـداء لله ولـو على أنفسكـم[ ]النساء: 135[. فحريٌّ بنا أن نلتزم بهذه القيمة العظيمة من قِيَم الإسلام في حديثنا عن العَوْلـَمَة، حتى نَقِفَ منها الموقف الصحيح الذي يُرْضي الله ويحقِّق مصالح العباد. * والعَوْلـَمَة ليست عفريتاً من الجنِّ خرج فجأة من القمقم، وليست خَلْقاً جديداً عجيبـاً لا عَهْدَ لنا به ولا قِبَل لنا به، ولكنها وَضْعٌ ألِفْناه منذ مولد حضارتنا وعشنا معه. فقد مارست الحضارة العربية الإسلامية ضرباً فريداً من العَوْلـَمَة، ولكنها عَوْلـَمَةٌ على كلِّ حال. وعَوْلـَمَةُ اليوم ضربٌ آخر ولكنها عَوْلـَمَةٌ كذلك ! صحيحٌ أنَّ العَوْلـَمَةَ اليوم قد تغيَّر اتجاهُها، فأصبحت متَّجهةً من الغرب إلى الشرق بعد أن كانت عَوْلـَمَةُ الأمس متَّجهةً من الجنوب إلى الشَّمال… وصحيحٌ أنها قد تغيَّرت سرعتُها، فأصبحت اليومَ تنتشر بسرعة لا يكاد يلحق بها الخيال… ولكن تغيـيرَ الاتّجاه أمرٌ ينطلق من فِطْرة هذا الكون: ]وتلك الأيام نداولها بين الناس[ ]آل عمران: 14…[ و(( تغيـيرُ السرعة لا يغيِّر من طبيعة العملية أو من طبيعة الـحَدَث، ولكنه )) - كما يقول أخونا العزيز الدكتور مراد هوفمان - (( يجعلها مخيفة أكثر )). فالسيارة التي تسير في العادة بسرعة أربعين ميلاً في الساعة، إذا ضاعفت سرعتها ثلاثة أضعاف أو أربعة، أصبحت مخيفة حقاً، وزادت حوادثها وصَدَمَاتُها، وزَلْزَلَتْ ما تصادفه في طريقها، ولكن ذلك كلَّه لا يغيِّر شيئاً من كونها سيّارة كسائر السيّارات، تجري لـمُسْتَقَرٍّ لها يعلمه الله. * وأكثرُ ما يخيف الناس من العَوْلـَمَة، ما تفعله بثقافتهم. والثقافةُ أمرٌ عزيزٌ على (( الإنسان )) لَصيقٌ بذاته، فهي تلك الأصول الثابتة التي تنغرس في نفسه منذ مولده ونشأته الأولى، حتى يشارف حدَّ الإدراك البيِّن، جِماعُها كلُّ ما يتلقَّاه عن أبويه وأهله وعشيرته ومعلِّميه ومؤدِّبيه، حتى يصبح قادراً على أن يستقلَّ بنفسه. فإذا استقلَّ، استبدَّ عقله بتقليب النظر، وإعمال الفكر، وممارسة التنقيب والبحث، ومعالجة التعبير عن الرأي. وثقافةُ الأمَّة، هي حصيلة ثقافات أبنائها، المثقَّفين بقَدْر مشترك، وهي مرآةٌ جامعةٌ - في حيّزها المحدود - كلَّ ما تَشَعَّثَ وتشتَّت وتباعَدَ من ثقافة كل فرد من أبنائها، على اختلاف مقاديرهم ومشاربهم ومذاهبهم ومداخلهم ومخارجهم في الحياة. والحضارة هي المظهر المادي لهذه الثقافة. هي نتيجة استعمال المثقّفين بثقافة معينة لمعطيات العلم والتِّقانة (أو الصنائع - بتعبير ابن خلدون -) للارتقاء بالوضع المعاشي للإنسان. والثقافة تختلف عن الحضارة بأنها تناقش وتحاور وتؤثـِّر، ولكنها تبقى متمسكة بذاتيّتها، أما الحضارة فتنزع إلى تعميم نفسها ما استطاعت. ولذلك رأينا الحضارات الكبرى تتجلى في شكل عوالم: العالم الروماني والعالم الصيني… والعالم الإسلامي. ولقد مارست الحضارة العربية الإسلامية على طريقتها ضرباً من (( العَوْلـَمَة )) - كما يقول الأستاذ جورج طرابيشي - إذ دَمَجَتْ بهـا ما لا يقل عن عَشْر من الثقافات الكبرى (القبطية والبربرية والنوبية مغرباً، والسريانية واليونانية والفارسية والخراسانية مشرقاً مع قطاعات من الثقافتين الهنديـة والصينية، فضلاً عن الثقافتين العربية المسيحية والعربية اليهودية اللتين عاشتا في كَنَفها). بل إنها تعدّت أفاعيل العَوْلـَمَة المعاصرة بما استحدثته من انقلابات جذرية ونهائية في ديانات شعوب تلك الدائرة الكبرى، وفي لغاتهم، وحتى في طبيعة تكوينهم البشري. وهكذا فإن الثقافة تسعى إلى التفرُّد، والحضارة تسعى إلى توحيد الثقافات ودمجها. والعالم الحديث ينزع أكثر فأكثر إلى أن يكون موحّد الحضارة متعدّد الثقافات. وهذه الثقافات تُغني الحضارة الكبرى وترفدها بأصالاتها وخصوصياتها ولكنها تندمج بها في الوقت نفسه. والمؤسف أن كثيراً ممن ينتمون إلى الإسلام اليوم ينزلقون إلى موقف مُنْغَلق، ظانّين أنهم إنما يحققون ذاتهم بالقطيعة مع الحضارة "الأجنبية". وفي رأينا أن هذا موقف يحتاج إلى تصحيح. فالهجوم على الحضارة العالمية أو الانغلاق عليها، هو هجومٌ أو انغلاق على حضارة ورثت من الحضارة العربية الإسلامية الكثير. وإذا كنا نستنكر أو نضيق ذرعاً ببعض مساوئها، بل بكثير من مساوئها، فإن هذا لا يعني أن نتنكر لها ونحاربها وإنما ينبغي أن يدفعنا ذلك إلى إصلاحها من الداخل. ويبدو أننا نميل إلى رفض كثير مما أنتجته هذه الحضارة، لارتباطها في أذهاننا بالثقافة الأمريكية أو الغربية بوجه عام. فنحن نرفع عقيرتنا ساخرين من "الكَوْكَلَة" و"الـمَكْدَلَة" أي ما يسمونه عَوْلـَمَة الكوكاكولا والماك دونالد، لأنها ترتبط في أذهاننا بالثقافة الأمريكية ونمط الحياة الأمريكي. وإلا فعَوْلَمَة الكوكاكولا قد سبقتها عَوْلـَمَة القهوة والشاي، وعَوْلـَمَة الماك دونالد قد سبقتها عَوْلَمَةُ "الشاوُرمة" و"البيتسا"، ولم نجد في ذلك مِنْ قَبْلُ أيَّ حَرَج. وقد زاد من عدائنا للعَوْلـَمَة المنطلقة من الغرب، أن الأمر يتعدَّى عالمَ الأشياء، وهو عالم لا انتماءَ له في حقيقة الأمر، إلى عالمَ القِيَم. فالغربيون يؤمنون إيماناً لا يقبل المناقشة، بأنهم دائماً على صواب، وبأن المستوى الصَّوَابيَّ للقِيَم هو المستوى الذي حدّدوه هم. أما قِيَم الآخرين فإنهم يجهلونها أو يَزْدَرُونها، بل يحاولون أن يفرضوا قِيَمهم على الآخرين. وما حصل في مؤتمر السكان في القاهرة وفي مؤتمر المرأة في بكين، ماثلٌ في الأذهان. ويهمني في هذا الصدد أن أشير إلى موقف من المواقف الواعية في هذا المقام. ففي الوقت الذي نجد فيها بعض غلاتنا يريدون أن يبرؤوا إلى الله من "فتنة" التكنولوجيا الحديثة بخيرها وشرها، نجـد الدكتور يوسـف القرضـاوي فقيهَ العصر، لا يتردد في الاستفادة من الثورة الإلكترونية التي هي جزء من العَوْلـَمَة العلمية. ويقول عن مشروع خدمة الإسلام على الإنترنت Islam on line: "إن هذا المشروع الذي ننشده ونحشد له الجهود والجنود والنقود هو في رأيي جهاد هذا العصر… ونحن بهذه الآليات الحديثة - وعلى رأسها الإنترنت - نستطيع أن نصل إلى الشعوب ونخاطبها بألسنتها المختلفة في أنحاء الأرض" … "وواجب المسلمين أن يستخدموا هذه الأداة للدعوة إلى هذا الدين العظيم وعلى الأمة الإسلامية أن تهيء رجالاً يقومون بذلك". العَوْلـَمَة إذن ينبغي أن لا تخيفنا. ومادمنا نؤمن بأصالتنا ونَعي ثقافتنا، ونؤمن في الوقت نفسه بالحوار والانفتاح على الآخر، ونؤمن بالعلم النافع إيماناً ليس له حدود، فإن هذه العَوْلـَمَة تمثل بالنسبة إلينا - إذا أحسنّا الاستفادة منها - جواً صحياً يتيح لنا تعريف الناس بأفكارنا وقِيَمنا وأخلاقنا، كما يتيح لنا مجالاً نحقق فيه ذاتنا من خلال رَفْدِ العلم العالمي والحضارة العالمية بما نستطيع. نحن لا نعادي الثقافات الأخرى وإنما نناقشها ونجادلها ونحاورها. ولا يجوز لنا ونحن نشكو من الاستشراق أن نمارس استشراقاً معكوساً يفضي بنا إلى أن نخرج على حضارة العصر، ونخرج منها إما إلى اللاحضارة وإما إلى حضارتنا العربية الإسلامية القديمة التي مازالت - في رأيي - ماثلةً في حضارة العصر بما صَلَحَ أن يبقى منها في حضارة العصر. وسوف يكون موقفاً مشرِّفاً لنا، أن نضيف إلى هذه الحضارة العالمية ما ينقصها من روح وخُلُق ومُثُل وقِيَم. * أرجو أن أنتقل بعد هذه المقدِّمة العامة إلى المجال الصحي. وسوف ألْفِتُ النظر أولاً وقبل كل شيء إلى عَوْلَمَة المرض، إن صَحَّ التعبير. فالمرض لا يعرف الحدود ولا يعترف بالحدود. والوسائل التي واكبت التحضُّر قد أسهمت كثيراً في هذا النوع البغيض من العَوْلَمَة! أصبح هنالك نوع من (( الغزو البيولوجي )) bioinvasion للكوكب الأرضي، كما يقول كريستوفر برايت C. Bright. فكل سفينة أو قطار أو طائرة تحمل نباتاً أو حيواناً أو أي محصول زراعي، تحمل معها بالإضافة إلى ذلك آلافاً مؤلفة من الجراثيم والطفيليات والفَيْروسات والحشرات الوافدة، تَفِدُ إلى بيئة، أو قُلْ: مَبَاءَةٍ ecosystem لا عَهْدَ لها بها من قَبْل. وحَدِّثْ ولا حَرَج عمَّا يكون بعد ذلك من آثار اقتصادية وصحية. وأنا أذكر الآثار الاقتصادية هنا، لأن ارتفاع المستوى الاقتصادي يحسِّن الوضع الصحي برمَّته، وانخفاض المستوى الاقتصادي يسيئ كثيراً إلى الوضع الصحي - شئنا أم أبينا -، كما يدلُّ على ذلك بوضوح تقريرُ الصحة العالمي لسنة تسع وتسعين مثلاً، وتقريرُ البنك الدولي حول الاستثمار في الصحة سنة ثلاث وتسعين. ويقدّرون أن خسائر العالم في الميدان الزراعي قد تصل إلى قرابة مئتين وخمسين بليون دولار سنوياً، حصَّةُ الولايات المتحدة منها قرابةُ النصف. كما يذكرون أن النمو الكبير في زراعة المحاصيل في أمريكا الوسطى والجنوبية، قد تَرَافَق بانتشار الذبابة البيضاء التي تستطيع أن تنقل ستين فَيْروساً من فيروسات النبات على الأقل. وقد نجم عن انتشار هذه الفَيْروسات تعطيل أكثر من مليون هكتار من الأرض الزراعية في أمريكا الجنوبية. وحدثت آثار مماثلة في حوض الهاديجيا نغورو في نيجيريا، وحوض الكوفَري في الهند، كما أن تسرُّبَ نوع وافد من قناديل البحر الأمريكية إلى البحر الأسود، قد أدى إلى خسائر في مصايد الأسماك تصل إلى ثلاثمائة وخمسين مليون دولار. هذا ونحن لم نذكر شيئاً عمَّا لتعويض أشجار الأحراج والغابات - وهو عملية نافعة جداً بلاريب - من آثار على استنضاب المياه الجوفية، إذا كان التعويض بأشجار غريبة عن البيئة تمتصّ أضعاف ما تمتصه الأشجار البالدة native من ماء؛ ولا عن مغبّة استعمال المبيدات الحشرية في الزراعة، أو استخدام الهرمونات في تغذية الدواجن، ولا عن الزراعات أو الصناعات التي يختارها الناس عشوائياً، دون دراسة لملاءمتها لمجتمعاتهم وبيئتهم، أو لما يواكب إدخالها من مخاطر ومشاكل. فقد أصبح كوكب الأرض بفضل العَوْلَمَة ضرباً من (( الأسواق الكبرى للكائنات الحية )) species supermarket، فأيُّ نوع من هذه الأحياء يبدو واعداً بمردود مناسب، يتم سحبه من على الرَفُّ واصطحابه إلى البيت! ثم هنالك التأثير البيئي للعَوْلَمَة. فالولايات المتحدة التي هي الملوِّثُ الأكبر the biggest polluter - كما يقول جوزيف ناي J.S.Nye, J. من جامعة هارفارد - مسؤولة عن كثير من التغيُّرات المناخيَّة على هذا الكوكب، بما في ذلك ظاهرة الدَّفيئة greenhouse، التي بتغييرها حرارة الأرض غيَّرت مسار كثير من الطيور والحشرات، فعَوْلَمَتْ كثيراً مما تحمله هذه الطيور والحشرات من عوامل المرض. ألَمْ يأتكم نَبَأُ ذلك السِّرب من البعوض الذي ساقَتْهُ التيارات الحرارية - والله أعلم - من غربيِّ البحر الأحمر إلى شرقيِّه، حاملاً معه ما ينقله من فَيْروسات حمى غَوْر الانهدام - أو قُلْ حُمى الوادي المتصدّع - rift valley fever، وبذلك انتقلت هذه الحمى من القارَّة الإفريقية إلى القارَّة الآسيوية بِجَرَّة حرارة! * والحديث في ذلك يطول. ولكن، لماذا نركِّز فقط على الجانب المظلم؟ ولماذا لا نتحدث عن عَوْلَمَة الصحة وعَوْلَمَة الوقاية وعَوْلَمَة العلاج. عَوْلَمَة استئصال الجُدَري مثلاً، التي تَبَلْوَرَت في استئصال شأفة هذا المرض الوخيم من على وجه الكرة الأرضية قبل قرابة ربع قرن. أو عَوْلَمَة استئصال شلل الأطفال، التي نتوقَّع معها أن يختفي هذا المرض الوبيل من سطح البسيطة في غضون عامين أو ثلاثة إن شاء الله. أو عَوْلَمَة (( الرؤية 2020: الحقُّ في الإبصار ))، والتي يؤمَّل أن تعالج عشرات الملايين من المصابين بالعمى أو ضعف الرؤية. أو عَوْلَمَة (( المعالجة القصيرة الأمد للسُلّ تحت الإشراف المباشر ))،التي يُنتظر أن تشفي الملايين والملايين من البشر - ولاسيَّما في البلدان النامية - ممن أصابتهم جرثومة السُلّ اللعينة، التي انبعثَتْ من مرقدها، بعد أن ظن المجتمع الصحي الدولي أنها قد قُضِيَ عليها إلى الأبد. والقائمة طويلة؛ ولكن هذه المنجزات الحاصلة والمتوقعة، ما كان يمكن لها أن تتم، لولا ذلك التجميع المنقطع النظير للموارد العالمية والجهود العالمية في برامج (( مُعَوْلَمَة )) ومشاريع (( مُعَوْلَمَة ))، والمستقبل كفيلٌ بالمزيد إن شاء الله. * وبعد، فما هي القضايا الكبرى التي تواكب العَوْلَمَة من وجهة النظر الصحية؟ إنها تتلخص في عدد لا يتجاوز أصابع اليد. فمنها، تلك الاحتياجات الإضافية التي لابُدّ منها لتحسين نوعية الحياة. وتحسينُ نوعية الحياة أمرٌ في غاية الأهمية بالنسبة لكل إنسان، لأن (( من أصبح مُعافىً في جسده، آمناً في سربه، عنده قوتُ يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها )) كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام ]رواه ابن ماجه عن عبد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه [. ومن هذه القضايا، تلك الثورة الهائلة في التكنولوجيا الطبية، وتلك الوسائل الضخمة التي لا يكاد يُستغنى عنها في عالم اليوم، في التشخيص والمعالجة والتأهيل. العدالةُ تقتضي أن تكون متاحة للجميع، ولكن أثمانها وتكاليف تشغيلها وصيانتها قد تنوء بقدرة كثير من البُلدان، ولاسيَّما البُلدان النَّامية، فما الذي يمكن عملُه؟ وتندرج تحت هذا العنوان كذلك وسائل الطب البُعادي telemedicine أو التطبيب عن بعد. وهي وسائل إذا أمكن أن (( تُعَوْلَم ))، أي أن يعمَّم استعمالها في العالم كله، وفي البلدان المتقدمة والنامية على حد سواء، فإنها تمثِّل تجسيداً لمفهوم العدالة في تقديم الرعاية الصحية، لأنها تجعل في متناول الناس جميعاً، غنيِّهم وفقيرهم، قادرهم وعاجزهم، متقدِّمهم ومتخلِّفهم، أرفَعَ ما يمكن للطب أن يقدِّمه من رعاية، وأفضل ما يقوم به كبار الاختصاصيين في أكبر مراكز العالم ومستشفياته، من تشخيص وعلاج وتأهيل. ثم هنالك تلك الثورة الهائلة في تقانة الاتصالات، وما أتاحتْهُ ويسَّرتْهُ من توصُّل الأطباء جميعاً، حيثما كانوا، إلى آخر المستحدثات في الحقول الطبية، بل ومن توصُّل العامَّة إلى كثير من معلومات التثقيف الصحي والتغذوي المتاحة على الإنترنت. ومن القضايا المهمَّة التي واكبت العَوْلَمَة، قضيةُ تحسُّن الوضع الصحي للناس بشكل عام. فقد أمكن إنقاص وفيات الأطفال والأمهات إنقاصاً ملحوظاً. وأمكن علاج كثير من الأمراض الفتاكة التي كانت تقضي على الناس وهم بَعْدُ في مقتَبَل العمر. وقد أدى ذلك إلى ما يُقال له (( تشيُّخ الأمم ))، إذ زادت نسبة الذين يبلغون الأعمار المتقدمة - قبل أن يُرَدُّوا إلى أرذل العمر - زيادة كبيرة. وقد تَرَافَقَ هذا التحوُّل الديموغرافي بتحوُّل وبائي، حتى في البلدان الفقيرة، تمثَّل في ازدياد حدوث الأمراض غير السارية، كالسكري، والأمراض القلبية الوعائية، وتخلخل العظام، وارتفاع ضغط الدم، مع ما يصاحب ذلك من احتياجات جديدة ومُتَنَامية، في مجالات التشخيص والمعالجة والتأهيل. وليس عجيباً بعد ذلك، أن يكون النقاش دائراً على قدم وساق، بين أصحاب القرار ومؤسَّسات المجتمع المدني، حول أفضل السُبُل لتحسين مردود الرعاية الصحية، أي تقديم أفضل ما يمكن تقديمه من خدمات بأقل ما يمكن من تكاليف. * على أن من أهم القضايا التي تشغل بال الناس في ظلال العَوْلَمَة قضيّتان ذواتا شأن كبير على الصعيد الصحي. أولاهما: تشميل الأدوية التي تحظى ببراءة اختراع، بالقواعد والتنظيمات التجارية التي تَضْمَنُها منظمة التجارة العالمية WTO. وتمثِّل هذه القضيّة معضلة من أهم المعضلات التي تواجه القائمين بالرعاية الصحية. وقد يكون مباحاً لي هنا أن أفتح قوسين لأذكر مفارقة طريفة. فقد وقفت الدولة العظمى بقوّة وحزم في وجه محاولة الدول النامية لإخراج أدوية الإيدز - وهي أدوية غالية الأثمان جداً - من دائرة الحماية التي تقدمها قوانين التجارة العالمية. ثم كان ما كان، وأخذت تظهر حالات متفرقة من الجمرة الخبيثة. فإذا بالدولة العظمى نفسها تضرب بقوانين التجارة العالمية عرض الحائط، في ما يتعلّق بدواء السيبروفلوكساسين الذي تمتلك شركة باير براءة اختراعه. أما القضية الثانية، فهي قضية خَصْخَصة الرعاية الصحية، وانسحاب الدولة التدريجي من دورها في تزويد المواطنين جميعاً بالخدمات الصحية. صحيحٌ أن ثـمَّةَ كثيراً من حالات إساءة استعمال الخدمات الصحية من قِبَل المواطنين، وصحيحٌ أن شعور المواطن بأنه قد دفع ولو مبلغاً رمزياً يجعله يشعر بأهمية الخدمة الصحية التي تُقَدَّم إليه وبقيمتها، ولكن مشكلة أخلاقية تقفز إلى الواجهة، وهي أن الأطباء جميعاً قد أقسموا أن لا يُحجموا عن معالجة أيِّ مريض لأيِّ سبب. فضلاً عن أن الدولة ملتزمة التزاماً أخلاقياً كذلك بموجب العقد الاجتماعي الذي بينها وبين الأمة، بتوفير الرعاية الصحية توفيراً عادلاً لجميع المواطنين. وقد يكون مباحاً لي مجدداً أن أفتح قوسين لأورد أمثلة ثلاثة تبيّن ما كانت تلتزم به الدولة الإسلامية الراشدة تجاه مواطنيها: ( أ) للمرضى حق الرعاية على المجتمـع ممثَّلاً في الدولة. ومن الأمثـلة على ذلك ما ذكره البلاذُري في (( فتوح البلدان )): (( أن عمر رضي الله عنه مرّ عند مَقدَمه الجابيةَ من أرض دمشق على قوم مجذّمين ]مصابين بالجذام[ من النصارى، فأمر أن يُعْطَوا من الصَدَقات ]الزكاة[، وأن يُجرى عليهم القوت )). ( ب) للطفل - أيِّ طفل - حقُّ الرعاية على المجتمع ممثلاً في الدولة؛ كالذي ورد في (( طبقات )) ابن سعد: (( أن عمر رضي الله عنه كان يفرض للمنفوس ]الوليد[ مئة درهم، فإذا ترعرع بلغ به مئتي درهم، فإذا بلغ زاده … وكان إذا أتِيَ باللقيط فرض له مئة درهم، وفرض له رزقاً يأخذه وليُّه كل شهر بما يصلحه، ثم ينقله من سنة إلى سنة، وكان يوصي بهم خيراً ويجعل نفقتهم ورضاعهم من بيت المال )). ( ج) للضعيف والمعوق والمسن حقُّ الرعاية على المجتمع ممثلاً في الدولة؛ كما ورد في عقد الذمة بين خالد بن الوليد رضي الله عنه بين أهل الحيرة: (( وجعلتُ لهم: أيُّما شيخ ضعف عن العمل أو أصابته آفة من الآفات، أو كان غنياً فافتقر وصار أهل دينه يتصدقون عليه: (1) طرحت جزيته ]يعني أعفي من الضرائب[، و(2) عِيلَ من بيت مال المسلمين وعيالَه ما أقام بدار الهجرة ودار الإسلام ]أي في الدولة الإسلامية[ )). ذكره الإمام أبو يوسف في كتاب (( الخراج )). ويتضح من هذه الأمثلة أن الدولة الإسلامية الراشدة تعتبر حق الصحة هذا حقاً (( للإنسان ))، دون تمييز بسبب اللون أو الجنس أو الدين، وأن رعاية الدولة الإسلامية للإنسان تبدأ منذ الولادة بتأمين الرضاع الصحي، وتستمر حتى الشيخوخة بتأمين ما يكفل العيش الصحي، وأنها بين هذا وذاك لا تغادر مريضاً ولا عاجزاً ولا مقعداً ولا مصاباً إلا غمرته بالرعاية اللازمة. ومن أجـل ذلك وُضعـت للطب منذ عهـد الرسالة، ضوابطُه ومبادئُه الأخلاقية التي تحكم سلوكيات الأطباء. ولا تكاد ترى كتاباً في الطب إلا مشتملاً على أخلاقيات هذه المهنة الشريفة. مثال ذلك ما أورده صلاح الدين بن يوسف الكحال الحموي ]الكحال: طبيب العيون[، قبل سبعة قرون، في كتابه (( نور العيون وجامع الفنون )) - وهو كتاب في طب العين - يوصي كل تلميذ من تلاميذه يأخذ عنه صناعة الطب بقوله: (( … واعلم أنَّ هذه الصناعة منحة من الله تعالى، يعطيها لمستحقها؛ لأنه يصير واسطة بين المريض وبين الحق سبحانه وتعالى في طلب العافية له، حتى تَجري على يديه، فتحصل له الحرمة الجزيلة من الناس، ويَمْثُل عندهم، ويشار إليه في صناعته، ويُطْمَأنّ إليه في ما يعتمده، وفي الآخرة الأجر والمجازاة من رب العالمين، لأن النفع المتعدي لخلق الله عظيم، خصوصاً للفقراء العاجزين، مع ما يحصل لنفسك من كمال الأخلاق، وهو خلق الكرم والرحمة، فيجب عليك حينئذ أن تلبس ثوب الطهارة والعفّة، والنقاء، والرأفة، ومراقبة الله تعالى، وخاصَّة في عبورك على حريم الناس، كتوماً على أسرارهم … محبّاً للخير والدين، مكبّاً على الاشتغال في العلوم، تاركاً للشهوات البدنيّة …، معاشراً للعلماء، مواظباً للمرضى، حريصاً على مداواتهم، متحيّلاً في جلب العافية إليهم. وإن أمكنك أن تُؤْثِرَ الضعفاء من مالك فافعل )). أين ذلك من موقف شركات الأدوية في عصرنا الحاضر التي تتجاهل أهمية الأدوية الأساسية التي تلزم كلَّ مريض، لمجرّد أنها رخيصة الثمن، لا تُتخم خزائنها بالأموال الكثيرة، وتتعامى عن احتياجات البلدان النامية التي تفتك بها الأمراض الوخيمة، حتى إن تقديرات هذا العام (2002) التي تدل على أن الحجم العالمي للسوق الدوائية يصل إلى ستمئة بليون دولار، تدل أيضاً على أن أفريقيا لا تمثل أكثر من واحد بالمئة من هذه السوق الهائلة، وعلى أن قارّتَيْ أفريقيا وآسيا معاً، اللتين تمثلان خمسة وسبعين بالمئة من سكان العالم، لا تمثلان أكثر من ثمانية بالمئة من السوق الدوائية! * وبعد، فإن عَوْلَمَة القرن الحادي والعشرين هي امتدادٌ لعَوْلَمَات سابقة، أهمُّها عَوْلَمَة حضارتنا العربية الإسلامية. وكلُّ ما حدث - كما ذكرنا - أن اتجاهها قد تغيَّر وتغيَّرت معه المنظومة القِيَميَّة التي تنطلق منها المواقف؛ وأن سرعتها قد تغيَّرت فأصبحت مندفعة بسرعة مهولة. ونحن لا نستطيع أن نوقف مسيرة العَوْلَمَة، بل ليس من مصلحة الجنس البشري أن نفعل ذلك. فلها من الحسنات والمنافع ما يبشِّر بالتقدُّم والرخاء. ولكننا لا نريد أن نعتنق ثقافة العَوْلَمَة بخيرها وشرها وحلوها ومُرِّها وما يحمد منها وما يُعاب، بل نريد أن نرشِّد هذه المسيرة من الداخل، ولا نأخذ منها شيئاً إلا بعد عرضه على أسلوبنا في التفكير والنظر والاستدلال، فما استجاب له قَبَسناه، ولم نجد في ذلك أيَّ حرج، وما استعصى عليه سَعَيْنا جهدنا في تصحيحه وتقويمه، ولم نكتف بمجرد نبذه واطراحه. ومرشدنا في ذلك ما رُوي عن النبي e: (( الكلمة الحكمة ضالّة المؤمن، أنـَّى وجدها فهو أحق الناس بها )). وما ورد عن سيدنا علي t: (( العلم ضالّة المؤمن، فخذوه ولو من أيدي المشركين )) ]رواه ابن عبد البر في جامع بيان العلم: 1/121 [. وتعجبني في هذا المقام عبارةٌ نفيسة لسلطان العلماء، العز ابن عبد السلام ]في كتابه: الفتاوى الموصلية، ص:134[ يقول فيها: (( وليس كلُّ ما فعلته الجاهلية منهيا عن ملابسته، إلا إذا نهت الشريعة عنه، ودلّت القواعد على تركه )). ومع هذا الموقف الموضوعي المبدئي، علينا أن نقوم بدراسات مستفيضة ومتواصلة، لكل ما أفرزته العَوْلَمَة، ونعرض كلاً من هذه الـمُفْرَزات على ما نتفق عليه مع الآخرين من مبادئ أخلاقية ينبغي أن تحكم كل هذه التصرّفات، فما انسجم معها قبلناه، وما خرج عليها قاومناه وعملنا على إفشاله بمختلف السبل المشروعة، ومنها مجموعات الضغط التي لم نهتمَّ بإنشائها حتى الآن، مع ما لها من سلطان في تصحيح المسار. ومن المبادئ التي لا مساومة فيها على الإطلاق، مبدأ العدالة في توفير الرعاية الصحية وإتاحتها للجميع، بما في ذلك العمل على توفير الدواء الناجع لكل العلل الوخيمة التي تشكو منها البشرية، ولاسيَّما في العالم الثالث والرابع وما دونـَهما، واتخاذ السُبُل التي تجعل السماح لشركات الأدوية التي تعالج الأمراض التي تصيب غالبية البشر، ولو لم يكن لها من الإغراء المادي ما يحفز على تصنيعها. وتبقى قضية السرعة في مسيرة العَوْلَمَة الحاضرة. وقد ذكرنا أنها سرعة مهولة، وهذه ليست عيباً في حدِّ ذاتها، ولكنها تصبح عيباً، وعيباً كبيراً، إذا لم تواكبها وتُساوِقْها سرعة مماثلة في مسيرة تحسين الوضع الصحي، وتجويد نوعية الحياة، وتوفير الرعاية الصحية الأساسية لكل إنسان على ظهر هذا الكوكب. * وبعد، فلا يجوز لنا، ونحن نشكو من الاستشراق أن نمارس استشراقاً معكوساً يُفضي بنا إلى أن نخرج خروجاً مطلقاً على حضارة العصر، التي احتفظت من حضارتنا العربية الإسلامية على ما صلح أن يبقى منها في حضارة العصر. وسوف يكون موقفاً مشرِّفاً لنا، أن نضيف إلى هذه الحضارة العالمية ما ينقصها من روح وخُلُق ومُثـُل وقِيَم. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون. * |