|
الاستاذ الدكتور إبراهيم جميل بدران إن نظرة متعمقة لحالة الأمة العربية تؤكد قدرتها على أن تتخذ مكانا مرموقا فى ساحة القدرة على التقدم بما وهبها المولى من قيم وقدرات ومساحات وقوى بشرية . وهناك ظواهر مقلقة تتزايد آثارها فى تعقيد المشكلة الصحية يوما بعد يوم ، مثل الانفجار السكانى والتحول الديمغرافى وتوزيع الدخل والبطالة والفقر الجموعى ، إضافة إلى الهجرة وتأثير كل ذلك على الصحة وتدخل الوبائيات العالمية ، إضافة إلى التنازل فى التعليم والإعلام وأثر كل ذلك على مفهوم الحفاظ على النفس . إضافة إلى كل ذلك مفهوم تخطيط المدن والطرق وجدواها فى قضايا الحوادث والأمراض وتزايدها . إنه من منطلق التوجهات المطلوبة لتحسين مستوى الخدمات الصحية فى الوطن العربى فى إطار المتغيرات الدولية فإنه يرتجى تحديد المنظومة المناسبة لكى تنمو ويتحدد أسلوب العمل فيها ، إضافة إلى أهمية التركيز على التعليم الطبى والتكوين البشرى للفريق الصحى . إن تطور احتياجات المواطن العربى من الخدمات الصحية وما يؤثر فى الصحة خارج المسئولية الطبية ، إضافة إلى مشاكل الـدواء ، لهى قضايا حاكمة لتوفـير حياة سلـيمة له . ومن هنا كان التوجه لإنشاء منظومة للتأمين الصحى على المستوى العربى باعتبار ذلك الحل الأمثل والأقرب إلى العدل الاجتماعى فى توفير المتطلبات الصحية والحفاظ على الفرد والمجتمع ، ولن يتم ذلك فى إطار التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية إلا من خلال الشراكة بين الدول والمؤسسات العربية القادرة بفضل الله وكذلك رجال الأعمال والمستثمرين العرب . وتعتبر قضية تنمية الكوادر الطبية فى العالم العربى جزءا من منظومة الخدمات الصحية ، بل من أهم أسس الارتقاء بالمستوى الصحى ـ مع تقريب المستويات المنشودة فى مختلف الدول العربية فى كليات الطب والفريق الصحى عامة . أما صناعة الدواء فى المنطقة العربية ، فلا شك أنها تواجه تحديات شرسة سواء من التكتلات العملاقة فى صناعة الدواء ومخاطر تطبيق اتفاقية التربس ، ومن جهة أخرى تنازل القائمون على صناعة الدواء فى التركيز على البحوث والتطوير والبحث فى مجالات تفتح لها مجال فى الأسواق العالمية مثل المحتويات النباتية والعشبية الفاعلة فى الحقل الصيدلى . ولقد أصبح الحلم الذى راود الصيادلة العرب منذ أكثر من نصف قرن بإنشاء سوق دوائية عربية مشتركة ـ حتمية واجبة التحقيق اليوم . ولكن ذلك لن يتأتى إلا من خلال شراكة عربية عملاقة ( متعددة الجنسيات العربية ) حتى يمكن الحفاظ على ما قمنا على إنجازه والاستمرار فى توفير الدواء للمواطن العربى بسعر مناسب وحتى اليوم فمصانع الدواء العربية مكتفية بأشكال صيدلانية مكررة وتغطى ما لا يزيد عن 50% فقط من احتياج الأسواق العربية ومخاطر اعتماد هذه الصناعة الاستراتيجية على استيراد 90% من المواد الخام المطلوبة . إن مواجهة هذه المشكلة يتطلب عملا عربيا مشتركا تشارك فيه كل القدرات والمنظمات المعنية بالإنتاج الدوائى للأمة العربية ( مثل الاتحاد العربى لمنتجى الدواء واتحاد الصيادلة العرب والغرف التجارية واتحادات الصناعات ) . كذلك فإن هناك الكثير من الآليات التى يمكن باستخدامها تعظيم القدرات العربية لمواجهة الآثار السلبية لتطبيق اتفاقية التربس بمساندة مكاتب الخبرة القانونية العربية وتضافر المؤسسات الصحية بما يدعم قدرات الصناعة الدوائية العربية . وأخيرا فإن الفجوة الغذائية فى الوطن العربى تتزايد عاما بعد عام فى معظم البلدان العربية ، وعلاقتها بصحة الإنسان تتطلب العمل على توفير غذاء العرب من أرض العرب . تلك قضية تحتاج التكامل الإيجابى المخطط فى الأمة العربية حيث تتوفر مساحات شاسعة صالحة للزراعة تمكن من تحقيق الالتقاء الذاتى ، ذلك فى حالة توفر الاستثمارات اللازمة .. وهى متاحة . كل ذلك يتم بترشيد استخدام موارد المياه وتدريب الكوادر الزراعية على تكنولوجيات الزراعة الحديثة وتطوير البحوث لاستنباط سلالات جديدة غزيرة الإنتاج ومقاومة للآفات . ولا ننسى العمل على تنمية الثروة الحيوانية والسمكية . في إطار سوق عربية مشتركة لتوفير الوسائل الصحية والدوائية والغذائية أولاً : في ثورة نابعة من أحداث تأججت في المرحلة الحالية من قلق على مستقبل الأمة من تحديات قاهرة في إطار اتهام الإسلام بما قام به بعض المسلمين ومن تأثير نفس لوامة ناعية هم الأوضاع القائمة في الأمة العربية في ظروف عالمية بالغة الدقة والتعقيد ، فالعالم يتغير ، والرؤية تتطور ، والقدرات تتضاعف . هنا دعتني نفسي في هذه الظروف أن أقتحم مساحة حساسة تطلعا لرفعة الأمة التي ننتمي إليها ، إحساساً بواجب إنساني نحو مستقبل تعتريه عقبات كؤود وموانع شائكة . عقبات وموانع تفتعلها أيد خفية ، وتغذيها تصرفات سطحية نابعة عن جهل وتخلف من مجموعـات لا ترى ولا تحس بما هى إليه مدفوعـة ، تثير حرائق لا تصيب إلا الأنفس والأوطان ، ولا تعوق إلا القدرة على الانطلاق لملاحقة العالم فيما وصل إلية من تقدم وقدرة ونسوا قوله تعالى " واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة " . عشرات السنين أهدرت ، وأجيال حرمت ، وفرص ضاعت في متاهات التخلف والتناحر والسطحية والأنانية ، وقدرات استهلكت كان يمكن أن تضاف إلى رصيد هذه الأمة لبناء مستقبلها وتوفير متطلبات أجيالها القادمة التي لابد من حساب احتياجاتها ، وتوفير وسائل الحياة المرجوة لها بإخلاص القائمين على مقادير اليوم . ولقد انتهت ثورة القلق إلى الاهتداء إلى المعانى الكامنة فى ثلاث آيات بينات ، مما دعى إلى محاولة الاقتراب من مفهومها الذى يؤكد حتمية الفهم العميق لمحتواها ، وتناول توجيهاتها بعمـق لدرء المخاطر المحدقة بالأمة . أولها : توجيه رباني يبين قيمة الإنسان المؤمن : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتب لكان خيراً لهم " (110 آل عمران ) . ثانيها : " إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " ( 92 الأنبيـاء ) . ثالثها : " فليعبدوا رب هذا البيت * " الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خـوف " * ( 2،4 قريش ) . وألتمس الاقتراب بخشوع من هذه الآيات الكريمات المرشدات ، فأستلهم من خلالها أوامر وتكليفات ، أهاجت انفعالات نبعت مما يحدث في عالمنا اليوم . ففي الآية الأولى : توجيه إلاهى للأمة لهذه الخيرية المشروطة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والإيمان بالله ، وهذا يحقق التكامل فى منهج الحياة . ثم الآية الثانية : فالتوجه القرآنى إلى كلمة ( أمتكم ) أى لتجمعكم على ربوبية الله وعبادته ، تعظيما وتكليفا للأمة ، دعوة للتجمع والرعايـة والمشاركة . أما الآيتين الأخيرتين : ففيهما ثلاثة توجيهات : أمر بالعبادة بصيغة الجمع الدافع إلى التقوى الجموعية والمراقبة والتراحم ، ثم ذكر المولى أنه أطعمهم بالغذاء ، أغلى متطلبات الحياة ، والمجدد للقدرة على مواجهة الجوع والحرمان أو المرض حين تضعف القـدرة على المقاومة . أما تأمين الخوف فالمقصود به التأمين من غياب الأمن الذى ينحسر فيه الاستقرار اللازم كأساس لإعمار الأرض . لماذا هذه المنظومة ؟ ثانيا : لقد اجتبى المولى هذه الأمة بأنعم كثيرة ، فلقد حباها بمساحات شاسعة من الأراضى الخصبة القابلة للزراعة ، وبمياه غزيرة ووفيرة فى كثير من البلاد ، أنهارا وأمطارا ومياه جوفية ، إضافة إلى القدرة على استزراع الأراضى لتوفير الغذاء والشراب والملبس ، لدرء مخاطر الجوع ونقص التغذية والفقر والحرمان . والنظرة المتسعة للمنطقة العربية تؤكد القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتى من المنتجات الزراعية فى حالة تكامل الجهود والالتزام بالأساليب العلمية الحديثة لاستغلال ما وهبه الله لهذه الأمة من إمكانات لتوفير الكم الهائل من الإنفاق المتزايد لاستيراد الغذاء والدواء . كذلك وفر المولى لهذه الأمة الكثير من مصادر الطاقة ، أبسطها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ، كما وفـر فيها 50% من مصادر الطاقة الحفرية المتاحـة فى العالــم . وفوق ذلك كله حباها المولى بنزول الرسالات السماوية مصدراً للإيمان ، ومنبعا للسلوك القويم والخلق الحميد ، وهما مؤهلين أساسيين لحياة رغده مستقرة ، وتكوين مجتمع مترابط . ولقد استقلت معظم الدول العربية بعد ثورة 1952 فى مصر ، كما قفزت المنطقة العربية قفزات اقتصادية واجتماعية ، بل وسياسية ، بعد الانتصار فى حرب أكتوبر 1973م ، وقد حسب أنه أضيفت أربعة تريليونات دولار إلى التكوين الرأسمالي العربي ، وتزايد السكان فى المنطقة بسرعة مقلقة ، فبعد أن كانوا 50 مليونا عام 1948 ، وصلوا إلى 300 مليون عام 2000 ، ومن المنتظر أن يستقر التعداد عند 700 مليون عام 2035 ( أنطوان زحلان) . ولقد تطور التعليم ، وانتشر نسبيا ، ولكن نسبة الأمية مازالت تزيد عن 50% من المجموع السكانى ، مع تزايد نسبتها بين النساء واللائى يمثلن نصف المجموع السكانـى . والقوى العاملة مازالت متخلفة فى تعدادها ومستواها ، إذ لا تزيد عن 25% من مجموع السكان وتزيد فى النساء ، ونسبة الإعالة تؤكد أن كل عامل يعول 4 أفراد على أقل تقدير . كذلك فالتعليم العالى مازال فى تزايد فى العالم العربى ..
ثالثا : رغم كل ذلك فإن هناك سلبيات ملحوظة على الساحة العربية ، أخطرها أن سبل التقارب ـ ولا نقول التوحد ـ مازالت تعانى من عقبات صعبة الحل ، إضافة إلى الارتباط بثقافات قبلية وسلوكيات الانفرادية التى تعود إلى ما قبل عصر الصناعة . وهناك أيضا التباين وعدم التناسب فى توزيع الثروات ، والتى استهلك منها الكثير والكثير بعد حروب العراق وأفغانستان ، مما جعل الوضع الاقتصادى فى منعطف خطير . أما الحالة السياسية فى المنطقة فهى مؤسفة ، ففى فلسطني قمع واحتلال وقتل وتشريـد .. ومقاومة مذهلة ، وفى الجزائر والسودان والصومال قتل ومذابح وحروب أهلية طاحنة ، كما تقع بعض الدول تحت العقوبات الدولية والضغوط الاقتصادية المهينة غير ناسين ما وصلت إليه نسبة كبيرة منها فى غياهب التخلف . والأمة العربية عامة مندرجة تحت العالم النامى ، الذى تنازل كرها أو طواعية على مدى حقبات زمنية طويلة عن حقوقه ، خاصة فى حق التقدم والاستفادة من الطفرات العلمية والتكنولوجية على الساحة العالميــة ، مما أدى إلى التخلف عن مواكـبة المـد الحضارى سريـع التقدم والذى لا يسمح لمتخلف بالبقـاء . كل ذلك تسبب فى الآفـة التى يعانى منها عالمنا والمتمثلة فى تفاوتات ملحوظة على الصعـيد العالمى (World Discrepancies) حيث :
رابعا : من كل ما سبق يؤكد تباينات مقلقة فى الدول العربية التى تبدو وكأنها جزر منفصلة وكتل متفرقة ، تختلف فى دخولها ومستويات الحيـاة فيها ، بل وفى حالتها الصحية والغذائية رغم ما حباها الله بها من خيرات ونعم وموارد متعددة ، تؤكد خطورة الموقف الحالى للأمة العربية ، رغم أن ما لديها من إمكانات تكلفى لو أحسن استغلالها لتحقيق التقدم وضمان استدامته ، حتى لو استهلكت بعض الموارد غير المستمرة ، فلديها مساحات مزروعة أو قابلة للزراعة ولديها المياه والبيئة الحانية والثروات مع إحراز بعض التقدم فى التعليم والبحث العلمى فى المرحلة الحالية . خامسا : من كل ما سبق تتجلى قضية التكامل كقضية حتمية وملحة فى إطار منظومى للحفاظ على الإنسان العربى صحيا وغذائيا ودوائياً بـل وبقاءاً ، تلك مسئولية إسلامية وإنسانية حاكمة لمستقبل الأمة . قضية مطلوب مواجهتها اليوم قبل الغد ، تتلخص فى توفير الأمن الجموعى بكل أبعاده كمسئولية مباشرة لكل من استخلفه الله فى هذه المنطقة من أهل الكتاب ، مواطنين على اختلاف عقائدهم التى نعترف بها ، ونقطع السبل أمام كل من يسعى لإفشاء الوقيعة وبث الفرقة بين المواطنين والأشقاء ، فالعدو رابض وقادر على إحداث الفرقة للانفراد بالفرقاء قبل الإجهاز على المجموع مستغلا أوضاعنا المأساوية وشكوكنا فى بعضنا البعض . من هنا فإن قضايا الحفاظ على الإنسان العربى صحة وغذاء ورعاية ، كلها قضايا حاكمة لمصير الأمة العربية ، والموقف لا يسمح بالتنازل فيها ، إعمالا لقيمة الإنسان وإعلاء لدوره فى إحداث التنمية فى الأرض التى استخلفه الله فيها لعمارتها ، وإلا فإن قوى الغدر والشر ستحسم الأمر لمصلحتها ، وتنهى دور صاحب الحق ، بل وتمنعه عن القيام بما هو منوط به بالضرورة للحفاظ على الدين والنفس والمستقبل ، والأمل يتمثل فى إنشاء تكتل عربى متكامل ، مناظر للتكتلات العالمية المتربصة بثروات هذه المنطقة ومقدراتها ، بل وببقائها ، ذلك موضوع هذه الدراسة . ونظرة إلى الواقع تؤكد أن الدول العربية الغنية بل والمتوسطة الدخل لم تبخل فى إعانة الدول المحتاجة ، ولكن الأمر يحتاج لتحويل الجهود الفردية غير المستمرة إلى منظومة تكفل الأمن الصحى للكافة ، توطئة لتأكيد معنى التكافل والتكامل وليس الوحدة التى تعطل المفهوم المقبول للشراكة والتعاون ، التزاماً بالأسس التى تقوم عليها الشريعة والسنّة . وهى التوحيد والتوحد . والتوحد يتأكد فى صيغة الخطاب والتوجيه بالجمع فى القرآن . القضـية المنظورة اليـوم المتغيرات المنظورة على الساحة العالمية فى بداية القرن الـ 21 لقد اتضح اليوم أن العالم يعاد رسمه فى خريطة سياسية اقتصادية بل واجتماعية ، خاصة بعد أن انتهت ازدواجية القطبية بانحسار الشيوعية ، وانفراد قطب واحد فى ريادة السيادة العالمية ـ ولسوف تستمر تلك الريادة حتى يظهر قطب آخر فى أوروبا الموحدة أو الصين البازغة أو غيرهم . كذلك تطور العالم اقتصاديا بظهور دور البنك الدولى وصندوق النقد الدولى انتهاءً بقوانين الجات التى تمخضت فى تكوين منظمة التجارة العالمية وما تحتويه من اتفاقيات ملزمة لكل من وافق عليها منذ عام 1994 ، وما وصلت إليه من أساليب لانتقال رؤوس الأموال والسلع ووسائل الإدارة والقوى العاملة ، مما قد يؤثر على حرية الدول بل وسيادتها وسياساتها وبالتالى صحة سكانها بل وبقائهم . إضافة إلى كل ذلك هناك ظواهر عديدة مؤثرة : أولها : النظام العالمى الجديد والعولمة وقضايا حقوق الإنسان وحقوق الفرد فى الصحة والتعليم . ثانيها : ظهور التكتلات العالمية العملاقة التى احتوت 85% من سكان العالم النامى فى شراكات ، ومازال العالم العربى بعيداً عنها حالياً . ثالثها : التطور الانقلابى فى مفاهيم الملكية الفكرية والصناعية ومخاطر تطبيقها خاصة على مجالات الغذاء والدواء . رابعها : اختلاط الحضارات واللغات والثقافات وتداخل التكنولوجيات ، مع انحسار الذاتية وشحوب الهوية . خامسها : الاهتمام بعالمية الصحة والتعليم والتغذية وهؤلاء قضايا تحتاج وقفة ..
من كل هذه المتغيرات برزت اتفاقيات دولية ملزمة انضمت إليها معظم الدول العربية ، واليوم ليس أمامنا خيار غير دراسة هذه الاتفاقيات دراسة متأنية استخراجية لما فيها استعدادا للتعايش مع التحديات الواردة فيها ، والاستعداد لاقتحام مضمار التنافس العالمى المنتظر ، بالتقدم الصحى والتعليمى والعلمى مع التطور المنافس فى الإنتاج والخدمات ، وإلا فالتقهقر والقهر والفقر فى زمن أصبح من المنتظر فيه أن المتكامل القادر العالم سيزداد غـنى ، ويتحول إلى غول يفترس الفقير والمتخلف والمنفرد ، وهنا لابـد أن نتذكر أن خمس سكان العالم أو أكثر يقعون فى مستوى الفقر المدقع (Extrem Poverty) وبعضهم فى العالم العربى والاسلامى . والفقـير معروف أنه غير القادر على الحصول لكميـة من الغـذاء توفـر له سعرات تكفيه العمل 8 ساعات . والفقر هو القاتل الأول المدمر للحياة ، إذ أنه منبع الآفات المدمرة التى تصيب الإنسان ، إذ المرض ونقص التغذية يترعرعان مع الفقر والجـوع . وإن التخلف المصاحب للفقر ينتهى إلى الحروب الصغيرة التى تسببت فى وفاة ما لا يقل عن 150 مليون نسمة فى العالم النامى ( ومنها أفغانستان والصومال والسودان ) . إضافة إلى كل ذلك لابد أن يذكر أن المرأة فى العالم النامى ، وخاصة فى عالمنا العربى كانت ومازالت أضعف حلقات المجتمع صحة وتعليما ، رغم دورها الهام فى المجتمع ، مع أنها تتحمل أعباء الأسرة ومخاطر الإنجاب فى العالم الفقير ( وهذا يتأكد فى إحصاءات وفيات الأمهات والمواليد ) ، وكذلك تتحمل عبء الرضاعة ورعاية الأبناء والعمل فى البيت والحقل دون أجر محدد مع نقص تغذيتها ، وهذا يتأكد فى زيادة نسبة الإصابة بالدرن عالميا فى المرأة عن الرجل . العوامل المؤثرة في الحالة الصحية في العالم
تحليل المؤثرات الديمغرافية والاقتصادية والصحية للدول العربية : ( التي أمكن الحصول عليها في الجداول المرفقة ) تنقسم الدول العربية إلى ثلاث مجموعات أساسية : مجموعة الغني : ينتمي إليها: الكويت ـ الإمارات ـ قطر ـ البحرين ـ ليبيا ـ السعودية ـ عمان .. وتعدادها 31.6 مليون نسمة مجموعة متوسطة : ينتمي إليها:العراق ـ تونس ـ الأردن ـ سوريا ـ المغرب ـ مصر ـ الجزائر ـ لبنان .. وتعدادها 141 مليون نسمة مجموعة الفقــر : ينتمي إليها : السودان ـ اليمن ـ الصومال ـ جيبوتي ـ جزر القمر ـ موريتانيا ـ فلسطين .. وتعدادها 53.6 مليون نسمة ويختلف الوضع الاقتصادي ومعدلات النمو السكاني والدخل ، كما تختلف المعدلات الديمغرافية والموارد البشرية والمادية ومؤشرات الوضع الصحي والوضع المرضي في كل شريحة . والأرقام المرصودة هنا تمثل نصيب الفرد من الناتج الوطني الإجمالي ( أي الناتج الوطني مقسوماً على عدد السكان ) ، وهنا لابد من ملاحظة أن هذه الأرقام لا تمثل دخل جميع الأفراد بالتساوي ، ولكنها متوسط حسابي ، إذ أن المجموع ينقسم إلى شرائح وفئات يختلف دخلها ، وفيها الغني والمتوسط والفقير ، وتحتوي تباينات واضحة في مستوى الثقافة والتعليم وأسلوب الحياة وفرصتها في الحصول على الغذاء والخدمات الصحية المعقولة . ( أنظر ملحق (1) جداول المؤشرات الإحصائية لدول المنطقة العربية ، وتحليلها ديمغرافياً واقتصادياً ومالياً وصحياً ومرضياً ) . قضايا حاكمة للمستوى المطلوب من الخدمات الصحية لقد أضيفت إلى ساحة المشكلة الصحية ظواهر متزايدة تحتاج وقفة :
كل ذلك انتهى إلى طلب خدمات أوفر ومستويات أرقى ، أملاً في صحة أحسن برعاية أرقى ، هنا تبقى سمة حاكمة اليوم في علاج الحالات المزمنة ، من منطلق، هل نطيل عذاب المريض بعلاج مكلف غير مضمون النتيجة ، أم نضيف حياة مقبولة إلى السنين التي يعيشها المريض أي كما يقولون : Do we add years of mysery to life or Do we add useful life to the years to live أما السمة الأخرى المنظورة هي قتل الرحمة للمرضى الميئوس من شفائهم، تلك قضية مطروحة اليوم،وقد طبقت في استراليا وهولندا وبعض ولايات أمريكا ـ ولكن العرف والدين والقيم خاصة الإسلامية ترفض ذلك تماماً . المؤشرات الأساسية لرصد الحالة الصحية لقد ظهرت في السنوات الأخيرة قضايا جديدة من أهمها تقييم الحمولة المرضية وتحديد أولويات المشاكل الصحية وتخليق مراكز جديدة للبحوث الوبائية الكاشفة في أطر محددة لتوجيه الإنفاق الصحي على البحوث والخدمات الصحية مثل :
كل هذه المتطلبات تقتضي تكوين كتلة بشرية قادرة لرصد الأداء الصحي ، وتوفير متطلبات البحوث الراصدة للحالة الصحية التي تسمح بالاكتشاف المبكر للأمراض ، من هنا كان : الاهتمام بالإحصاءات الوبائية ، وإنشاء مراكز متخصصة ، وإحداث تنمية بشرية قادرة على :
المؤشرات غير الطبية المؤثرة على الصحة ( وتلك لا تقع تحت رقابة الأطباء ، ولكنها تؤثر على الصحة والحياة )
قضية الوبائيات العالمية المستحدثة Global Merging Epidemiology مع التطور العالمي المنتهى إلى العولمة أو الكوكبية ، وانحسار الحدود ، مع سهولة المواصلات وانتقال الإنسان والحيوان ، ظهرت مشاكل جديدة سميت الوبائيات العالمية ، فيها متغيرات أضافت الكثير على الخريطة المرضية العالمية لعدة أسباب :
قضية التنمية البشرية للكوادر العاملة في المجال الطبي والصحي وقيمة ذلك فيما يتعلق بالمستوى العلمي المطلوب مع تطور نظم وتكنولوجيات الوقاية والعلاج وتقييم الكفاءة المهنية والسلوكية ، وأهمية استمرار التعلم والتعليم عن بعد ، وكذلك قضية تكويـن كوادر مسئولة عن الانضباط الإداري والتخطيط الصحي والطبي (ونفرد تحليل خاص بذلك في الملحق رقم2) . الخدمات المطلوب توافرها تتعدد الأسس المفترضة لتوفير الخدمات الصحية في العالم العربي ، في إطار المتغيرات العالمية ، إذ أن هناك مساحة شاسعة من المجالات تؤثر في صحة الإنسان وسلامة حياته تحتاج إلى الدراسة مسترشدين بالنتائج التي أوصلت العالم المتقدم إلى مستويات صحية نصبو إليها 0 وهناك أبعاد محددة تحتاج التحليل قبل التوصل إلى ملامح المنظومة المرجوة:
تحديد المنظومة المناسبة نظرة إلى المنطقة العربية فإن الإمكانات المتاحة تختلف من دولة إلى أخرى، في حجمها ونوعها وكفاءتها وتكاليفها. وتختلف بعض الدول في مستواها من إمكانات متخلفة في بعض الدول إلى أخرى متطورة لكن بأقل التكاليف ، رغم أنها تتسم بالجودة . كذلك هناك مناطق تتسم بالتقدم التكنولوجي والتطور السريع دون تكاليف باهظة ، اعتمادا على كفاءة الأداء. في حين أن هناك دول التزمت بالتغالى في الاعتماد على التكنولوجيات باهظة التكاليف قصيرة العمر مما يستهلك الميزانيات بسرعة وقد لا تؤثر على مستوى الخدمات الصحية بالمرة 0 من هنا فإنه من المقبول أن نركز على عدة أبعاد حاكمة : أولها : الوقايــة : كخط الدفاع الأول لوقاية الوطن والمواطن من الغزو المرضى ، وذلك :
إضغط هنا لتكملة البحث |