|
|
تحتل
البيئة في عصرنا الحاضر، مكانة لا تكاد تُدانيها مكانة، من حيث
تأثيرها على صحة الفرد و المجتمع، اللهم إلا أنماط المحياة التي
يعتنقها الإنسان والسلوكيات التي يتبعها في حياته.
ومن أجل ذلك اهتمت
منظمة الصحة العالمية منذ تأسيسها بموضوع الصحة والبيئة، وأفردت
له حيزاً كبيراً من اهتماماتها، وأنشأت له برنامجاً خاصاً يضم
عديداً من كبار الخبراء في مختلفة جوانب هذا الميدان المهم من
ميادين الصحة.
وليس يخفى أن البيئة
التي احتضنت الإنسان يوم خلق في هذه الأرض، كانت بيئة خفية به،
حانية عليه، رفيقة بصحته، ضامنة لأسباب حياته. وقد كان يمكن أن
يظل الأمر كذلك، كما استمر منذ آلاف السنين، لولا أن ما واكب التحضر
السريع والتصنيع اللاهث من تغير عميق وتبذل وخيم وبيل في بنية
هذه البيئة ونسيجها وتركيبها، قد جعل منها مصدر شر بدل أن تكون
مصدر خير، ومباءة مرض بدل أن تكون مثابة عافية. وسرعان ما أخذ
الإنسان يعاني ما جنت يداه، ويدفع غالياً جزاء ما اقترف من عدوان
على موازين هذه البيئة الخيرة المعطاء.
ومن أجل ذلك كان لابد
من أن يتنادى أولو الألباب إلى استنقاذ هذه البيئة الكريمة المنبت،
توطئة لاستنقاذ الإنسان نفسه من هذه الآثار الضارة، وتخليصه من
مغبة هذا الفساد الذي ظهر في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس. |
وليس
يخفى أن شرع الله الذي جاء لهداية الناس إلى خيرهم في دُنياهم وأُخراهم،
يمثل خير ضامن لإحجام الناس عن تدمير بيئتهم، والإضرار البليغ بأنفسهم
وبإخوانهم في الإنسانية بل وبأشكال الحياة كلها من حيوان ونبات وغير
ذلك من الأحياء.
وفي هذه الحلقة الجديدة
من حلقات سلسلة " الهدي الصحي " التي تقبلها أبناء هذا الإقليم جميعاً
بقبول حسن، نص محاضرة ألقاها الأخ الدكتور محمد هيثم الخياط في مؤتمر
اتحاد الأطباء العرب في أوروبا، الذي، عقد بمدينة فرانكفورت في ألمانيا
سنة تسع وثمانين.
وقد رأينا نشره في هذه
السلسلة، أملين أن يكون فيه بعض التذكرة (لقن أراد أن يذكر أو أراد
شكورا )، وأن يكون، فيه بعض العون لأولئك الذين (ينهون عن الفساد في
الأرض ) ، وأن يساهم في مسيرة الحفاظ على ما تبقى من البيئة السليمة،
والعودة بما تلوث وتشوه وانحرف إلى جادة السواء. وعلى الله قصد السبيل.
حسين
الجزائري
يوم
تواطأ رجالات الصحة في العالم أجمع سنة سبع وسبعين، على شعار "الصحة
للجميع بحلول عام ألفين "، عدوا ذلك فتحاً مبيناً..
وإنه لكذلك ، فهو تعبير
عن تحقيق العدالة الصحية التي هي من أهم أبعاد العدالة الاجتماعية،بل
هي أهمها على الإطلاق، لقول النبى علية الصلاة والسلام- ( في ما رواه
ابن ماجة عن أبي بكر ) ــ : " لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من المعافاة
".
ولقد
سبق ذلك سنة ثمان وأربعين وأعقبه سنة أربع وثمانين، تعريفان تكاملا
للتعبير عن الصحة بض ق. تحدث أولهما عن ثلاثة، أبعاد للصحة: بعد بدني
وبعد نفسي وبعد اجتماعي، وأضعاف إليهن التعريف الثاني بعدا رابعاً
هو البعد الروحي. فأصبح تعريف الصحة هو " المعافاة الكاملة؛ بدنياً
ونفسياً واجتماعياً وروحياً.. لا مجرد انتفاء المرض أو العجز ".
ومما
يلفت النظر في هذا التعريف،الحديث عن معافاة كاملة لا عن مجرد معافاة.
فمادة " ع ف و " التي تشتق منها المعافاة في لسان العرب، تدل على الكثرة
والفضل. و" عفو " كل شيء خياره وأجوده وما صفا منه وكثر..
وهذه
هي الصحة التي نريد: الإنسان في خير أحواله وأفضلها وأجودها وأرقاها:
بدنياً ونفسياً واجتماعياً وروحياً.
ومما
يلفت النظر في هذا التعريف أيضاً، الحديث من منطلق إيجابي. فلقد عهدنا
الناس يغرفون الصحة بأنها انعدام المرض، كالذي يعرف الحياة بأنها عدم
الموت وبهذا التعريف الإيجابي يكون العالم قد عاد إلى ما جاء به أطباء
الحضارة العربية الإسلامية. فالصحة كما قال الطبيب الفقيه ابن رشد
قبل ثمانمائة عام-:
" هي
حالة في العضو بها يفعل الفعل الذي له بالطبع، أو ينفعل الانفعال
الذي له "،
أو هي-- كما قال علي بن
العباس بل ألف عام-:"حال للبدن تتم بها الأفعال التي في المجرى الطبيعي"
أو
هي- كما قال ابن النفيس قبل سبعمائة عام-:
" هيئة بدنية تكون الأفعال
به لذاتها سليمة.. والمرض هيئة مضادة لذلك" .
فالصحة عندهم إذن هي الأساس،
والمنطلق، والمرض هو الهيئة المضادة للصحة. ولم تكن هذه هي العودة
الوحيدة إلى تراثنا العربي الإسلامي في هذا المجال.
فقد عاد العالم اليوم
في الحديث عن أركان الصف إلى مفهوم نحن أدخلناه، ثم طال على الناس
! الأمد فقست قلوبهم عنه "، ألا وهو مفهوم " الميزان الصحي"health
balance . وهو مفهوم استنبطه الطبيب العربي المسلم من كلام ربه عز
وجل، متحدثاً عن هذا التوازن أو الميزان الذي وضعه الله في طبيعة هذا
الكون بمختلف منظوماته ومنها الإنسان:
(والسماء رفعها ووضع الميزان:
أن لا تطغوا في الميزان، وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان
) ( سورة الرحمن: 7- 9 )
فلفت
سبحانه النظر إلى هذا التوازن الذي ينتظم كل شيء ، ونبه إلى أن أي
إخلال به أياً . كان اتجاهه، طغياناً كان أم إخساراً ، يمكن أن يخل
بهذا الميزان ويفضي إلى أسوأ العواقب: (يا أيها الناس إنما بغيكم على
أنفسكم ) [سورة يونس:23].
أقول:
الطبيب العربي المسلم فهم ذلك واستوعبه، وطبقه في مجال الصحة، معبرا
عن هذا " التوازن الديناميكى " بتعبير الاعتدال، فقالت علي بن العباس
مثلا بكل إيجاز:
" والصحة هي اعتدال البدن
"، عبر عن ديناميكية هذا التوازن ابن سينا- قبل ألف عام بقوله: "
الاعتدال الذي للإنسان له غرض (مجال).. وله في الإفراط والتفريط خدان
".
فهو إذن ميزان يتأرجح
بين حدين يحدان الاعتدال، وتمثله مختلف المتشابهات Parameters التي؟
نعرفها اليوم في البدن وهي تلك الخصائص الفيزيولوجية التي في تتثابت
، أي تحاول أن تثبت ضمن مجال معين ذي حدين أعلى وأدنى، مثل: سرعة
القلب، وضغط الدم، وإفراز الهرمونات، وسكر الدم، وموجات الدماغ، ومزاج
النفس..
وإذا
كان في وسع البدن أن يضمن تراوح مثل هذه القيم المهمة فيه ضمن حدود
معينة، فمعنى ذلك أنه يملك المقدرة على التلائم بنجاح مع كل أو جُل
التبدلات التي تطرأ عليه، من داخل: على خلاياه أو أنسجته (أوقُل: رطوباته
بتعبير الأقدمين ) ؛ أو من خارج من بيئته بأوسع معانيها. كل ذلك حفاظاً
على اعتدال هذا الميزان الصحي ، ووقاية له من الاختلال، وتصحيحاً لأي
خلل يطرأ عليه..
وهذا الرصيد الصحي health
poteneial يؤلف مميزة أساسية من مميزات الإنسان، والإشارة إليه، واضحة
في الحديث الشريف: " وخذ من صحتك لمرضك ".
( عزاه البخاري لابن عمر)
وهذا الرصيد الصحي قد
يعني على ا لصعيد الفردي حالة تغذوية جيدة، فالذي يتمتع بمثل هذه الذخيرة
التغذوية يكون في وسعه أن يصمد لكثير من المخاطر التي تهدده من المهد
إلى اللحد. وقد يعنى ذخيرة مناعية جيدة، بحيث يكون لديه من الأضداد
أو الأجسام المضادة ما يكافح به- وهو لا يكاد يشعر- كثيراً من الجراثيم
والأحياء الأجنبية التي تخزوه من خارج. وقد يعنى لياقة بدنية تمكنه
من التكيف تكيفاً ناجحاً مع الضغوط الخارجية التي يتعرض إليها البدن.
وقد يعنى طمأنينة أو استقراراً عاطفياً وانفعالياً بل قد يعني ثقافة
صحية ترشده إلى اتباع نمط صحي للحياة يجنبه الوقوع في كثير من الأمراض
أو التعرض لعديد من الأسقام .. ولعل القاريء الكريم يوافقني في أن
الرصيد الصحي إنما هو جماع ذلك كله .
وقد أطلق المحدثون عبارة
" تعزيز الصحة " على مجموعة الوسائل المتخذة لتقوية الرصيد الصحي وتنميته
للحفاظ على كفة الصحة راجحة. فأما من ثقلت، موازينه الصحية فهو في
خير صحة وعافية، وأما من خفت موازينه الصحية فهـ فريسة للأمراض والأسقام.
والذي يمكن أن يخفف موازين
الصحة إن ساء، ويثقل موازين الصحة إلى حسن، مجموعة من العوامل في الإنسان
والبيئة، أطلق عليها ابن سينا اسم " الأسباب، المغيرة أو الحافظة لحالات
بدن الإنسان "، وأدرج فريها العوامل التالية:
"... الأهوية وما يتصل
بها، والمطاعم (الأطعمة)،
والمياه والمشارب وما
يتصل بها، والاستفراغ والاحتقان، والبلدان، والمساكن رما يتصل بها،
والحركات والسكونات البدنية والنفسانية ومنها النوم واليقظة، والاستحالة
في الأسنان (الأعمار)، والاختلاف فيها وفي الأجناس، والصناعات، والعادات
".
وقد أضاف إلى ذلك علي
بن العباس " الرياضة، والدلك، والاستحمام، والجماع " وقال عن هذه الأسباب:
".. وذلك أن هذه الأمور..
متى اسئعملت على ما يجب أن يستعمل، وعلى حسب الحاجة إليها في كل واحد
من الأبدان، في الكمية والكيفية والوقت والترتيب، حفظت الأمور الطبيعية
على حالها، ودامت بذلك صحة البدن! ".
وليس يخفى أننا نستطيع
أن نقسم هذه العوامل إلى مجموعتين اثنتين، متصرفين بعض التصرف في المصطلحات
لنستعمل تعابير العصر الحاضر.
المجموعة الثانية هي البيئة،
وتضم عناصر تعم أفراد المجتمع كلهم أجمعين: كالماء، والهواء، والغذاء،
والمفرغات؟ وعناصر تختص بكل فرد علا حدة: كالمسكن والصنعة.. والمجموعة
الثانية هي السلوك المتعلق بالصحة أو قُل: "العادات " متابعة لا بن
سينا وابن العباس، وهي أنماط الحياة المتبعة في الأكل والشرب، والنوم،
واليقظة، والرياضة أو الدعة، والكربات أو المرفهات، والعزلة أو الاجتماع،
( ويضم هذه الثماني الأخيرة جميعاً ؟ رأيت اسم الحركات والسكونات البدنية
والنفسانية)، ثم السلوك الجنسي، والمعالجات الفيزيائية (العلاج الطبيعي)،
وأخيراً تطور هذا السلوك المتعلق بالصحة مع العصر اختلافه بحسب الجنس.
وعن أنماط الحياة هذه يقول علي بن العباس:
" ينبغي أن يستعان في
سائر أبواب حفظ الصحة بالنظر في العادات، إذ كان النظر فيها باباً
كبيراً في حفظ الصحة ومداواة الأمراض، لأنها إذا طالت مدتها صارت كالشيء
الطبيعي.. ".
فهاتان المجموعتان من
العوامل، تؤثران في حقيقة الأمر في الرصيد الصحي فتنميانه أو تخسرانه:
أنماط الحياة --------->
الرصيد الصحي ----------> البيئة
أرجو
أن أكون قد أفلحت في آن أسترعي انتباه القارىء الكريم إلى البيئة،
وإلى شأنها العظيم في المحافظة على صحة الإنسان. وأنا أريد ني هذا
المقام، أن أقصر مفهوم البيئة كلى البيئة الفيزيائية فحسب، وإلا فإن
الحديث يطول لو شئنا التعرض إلى البيئات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية،
وأثرها جميعاً في صحة الإنسان.
وقد خلق الله سبحانه هذه
الأرض وجعلها على وجه صالح لمعيشة الإنسان. في كل شيء بكل ما يضمن
له حياته: فهي تحتوي على مجموعة من الأحياء وغير الأحياء (من المواد
العضوية وغير العضوية) مما هو ضروري لحياة الإنسان : ألم نجعل الأرض
كفاتاً أحياء وأمواتاً ) [سورة المرسلات: 25- 126 ] .
وهي تحتوي على الماء الذي
لا تقوم الحياة بدونه: (أخرج منها ماءها ومرعاها ) [سورة النازعات
: 31 ] .. ثم .. (أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة ) [سورة الحج:63
] .
وهي، تحتوي على سائر ما
يعيش به الإنسان ويكون به قوائم حياته: (وجعلنا فيها معايش لكم ) [
سورة الأعراف:10 ] .
والله غر وجل قد (بارك
فيها وقدر فيه أقواتها ) [ سورة فصلت: 10] ، ومن أسمائه الحسنى- سبحانه
وتعالى:- " المقيت " وهو المقتدر والمقدر والحفيظ الذي يعطي الشيء
بمقدار ما يلزم للحفظ.. وهذا التقدير نوع من التوازن العجيب الذي يتخلل
الكون كله:
} ووضع الميزان: أن لا
تطغوا في الميزان! وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ! [ سورة
الرحمن: 7- 9 ]
والأرض مددناها ،وألقيتا
فيها رواسي، وأنبتنا فيها من كل شيء موزون {. [ سورة الحجر: 119]
وقد
سخر الله سبحانه. للإنسان كل مقومات البيئة الفسيحة وظواهر الكون الطبيعية،
ليستفيد منها وينتفع بها، فقال سبحانه: }سخر لكم البحر { سورة الجاثية
12]، وقال: }وسخر لكم الأنهار { [سورة إبراهيم:33]، وقال: }وسخر لكم
ما في الأرض{[ سورة الحج: 65]، وقال: }سخر لكم الشمس والقمر{ [سورة
: إبراهيم: 33 ] وقال: }سخر لكم الليل النهار { [سورة النحل: 12]،
بل قال }سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا { [سورة الجاثية
130 ]!
سخر للإنسان الشمس، فإذا
هي تقطر له كل عام أربعمئة ألف كيلو متر مكعب من الماء الذي جعل الله
منه كل شيء حي، وإذا هي تلقى ضرراً من الطاقة لا عدادها، تتلقفها الصانعات
الخضراء في النبات، فتحولها إلى شكل من الطاقة يستطيع أن يستعمله الإنسان؛
وإذا هي ترسل من إشعاعاتها المختلفة بمقدار موزون، ما يكون له أثر
في التدفئة والتطهير، دون أن يبلغ ذلك حد التخريب والتدمير.
وسخر للإنسان الأرض، بما
تشتمل عليه من أحياء: نبات يقتنص للإنسان طاق ، وحيوان يوفر للإنسان
موارد غذائه، وجراثيم تفكك الفضلات والأشلاء فتنظف البيئة مما قد يكون
مصدراً للأذى، ومواد عضوية وغير عضوية تدخل في تركيب الأحياء وأغذيتها:
(ألم نجعل الأرض كفاتاً أحياءً وأمواتاً ؟! { سورة المرسلات :[ 25-
26]
وسخر للإنسان }الجبال
أوتاداً { سورة النبأ: 17] .. فكما تثبت الأوتاد التي يعرفها الإنسان
خيام البدو البدو ومضارب الأعراب ، فكذلك تثبت له الجبال ــ والله
أعلم ــ تلك الخيمة الجوية وما بظاهرها من طبقة الأوزون، فتحميه من
الهلاك والبوار.
واذكر ما شئت بعد ذلك
من عجائب التسخير. ولقد علم الإنسان منذ القديم بما علمه الله، أن
حياته تعتمد على بيئته الفيزيائية، لتي تزوده بالهواء الذي يتنفسه
، وبالدفء والضوء اللذين يأتيانه من الشمس، وبالماء الذي يشربه، وبالمغذيات
التي يحصل عليها من عالم الحيوان وعالم النبات، وبالأملاح المعدنية
التي تدخل في تغذيته، وبالمواد التي يصنع منها ما يلبسه ويسكنه ويدفع
به عن نفسه عوادي: قي الأيام.
واستطاع الإنسان بما سخر
الله من هذه الأشياء ومكنه من التصرف فيها بحسب حاجته، أن يستنبط ينابيع
المياه، ويستغل موارد الطاقة، ويتخير من النبات ما يشاء لغذائه، ويدجن
الحيوانات لطعامه وركوبه وأعماله، ويتعاون مع أخيه ا لإنسان في تطوير
المعارف والثقافة بما يجعله يستثمر المزيد من خير الأرض وبركات الأسماء.
وقد كان في ذلك منسجماً
كل الانسجام مع الغاية من وجوده على هذه الأرض التي يشعر لها بالانتماء:
} أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها { [ سورة هود: 61 ] .
فالذي يحق له البقاء في
الأرض هو الصالح لعمارتها: } أن الأرض يرثها عبادي الصالحون { [ سورة
الأنبياء : 105 ] . وقد شهد تاريخ الإنسان كثيرا ممن } أثاروا الأرض
وعمروها { .[ سورة الروم : 9 ] ، ولكنه بدأ يشهد ، شيئا فشيئا ـ مع
تطور الإنسان وتقدمه ـ بعض آثار الفساد الذي واكب هذا الاستغلال المتزايد
لثروات الكون .
ولقد سبق أن تحدثنا عن
التوازن أو الميزان الذي وضعه الله في طبيعة هذ (الكون بمختلف منظوماته
ومنها الإنسان، واستطعنا أن نستنبط من ذلك وجود ميزان صحي يضبط للإنسان
أمور حياته ويحفظ عليه عافيته. وإنه لحري بنا أن نستنبط أيضاً وجود
ميزان بيئي لا يختلف عن الميزان الصحي في قليل ولا كثير ! ففي البيئة
ميزان دقيق وتوازن ديناميكي حرك، لابد من المحافظة عليه في- حالة اعتدال.
وللبيئة رصيد صحي يضمن
تصحيح كل اختلال، ويكون من الواجب تقوية هذا الرصيد وإغناؤه ، لأن
استنفاده يجعل الخلل يستمر والتوازن يضمحل.
وينطلق كل ذلك من القانون
الكوني الثابت: } ووضع الميزان أن لا تطغوا في الميزان! وأقيموا الوزن
بالقسط ولا ئخسروا الميزان{ [ سورة الرحمن : 7 ــ 9 ] .
فإذا كان الإنسان مأموراً
ومأجوراً بعمارة هذه الأرض، فإنه كذلك مأمور بعدم الإفراط في إنتاج
في استفاد البيئة، وعدم الإفراط في استنفاد رصيد البيئة مما يحفظ التوازن،
ذلك أنه سيدفع ثمن كل طغيان في هذا التوازن أو إخسار. وقد بدأ يدفع
الثمن بالفعل!
فقد " ظهر الفساد في البر
والبحر بما كسبت أيدي الناس ، ليذيقهم بعض الذي عملوا ، لعلهم يرجعون
! "
ذلك أن الإنسان لم يكتف
بالاعتدال في ما يتعامل ويستصنع ، ولا بالقصد في مايزدرع ويستثمر وإنما
أخذ ــ بعد الثورة الصناعيةــ يقفز قفزات لا يكاد يستوعبها الخيال..
وإذا بمصانعه في هذا الربع الأخير من القرن العشرين تنفث أبخرتها السامة
وسواكبها المؤذية، وتلفظ هياكلها المخيفة وأنسجتها الصناعية، وترذ
مبيداتها الحشرية وضبائبها المعطرة ، وتنثر إشعاعاتها المؤينة وأهوالها
النووية.. وهو لا يكف عن اللهاث، والجري وراء المزيد، والتكاثر في
كل قاصمة من هذه القواصم، حتى تحقق فيه قول ربه الحكيم العليم: } ألهاكم
التكاثر حتى زرتم المقابر ! { [ سورة التكاثر ا- 2 ] .
لنتخذ بعض الأمثلة على
هذا التكاثر .
1 ــ
الماء
إذا كان الإنسان في البادية
يكتفي بثلاثة ألتار من الماء يومياً لقضاء حوائجه جميعاً ، فإن الإنسان
الحضري في الأمصار يحتاج إلى ألفي لتر ، يستعملها في شرابه وتجمله
، وتنظيف نفسه ومنزله وما حوله ، وسقي حديقته ، وتؤلف قسطا مما يستعمل
في ري المزارع التي يأكل منها ، والمصانع التي ينتفع بمصنوعاتها ،
وفي الماشية التي يستفيد من لحومها وألبانها ، وما إلى ذلك ، ومن أجل
ذلك احتاج إلى حفر الآبار ، وشق الترع ، ومد شبكات توزيع المياه ،
وإقامة السدود والصهاريج .
ولكن الإنسان المتحضر
يلوث الماء ويدنسه في مختلف مراحل استعماله له : في مستوى الاستعمال
الشخصي بما قد يلقيه فيه من فيروسات وجراثيم وطفيليات وغير ذلك من
المفرغات العضوية ؛ وفي مستوى الاستعمال المنزلي بما يصبه فيه من منظفات
وغيرها من المواد الكيميائية بالإضافة إلى الأحياء الدنيا الآنفة الذكر
؛ وفي مستوى الاستعمال الزراعي بما يضيفه إليه من مبيدات حشرية وأسمدة
، ومن مفرغات حيوانية كثيرا ما تحمل عوامل المرض ؛ ثم في مستوى الاستعمال
الصناعي ، بما ينسكب فيه مباشرة من المصانع ، أو بما يتراسب فيه
مما ينطلق من المصانع من ملوثات الهواء .
وقائمة المواد الفتي تدنس
الماء قائمة طويلة لا يكاد يحصرها المرء، وأهمها ما يلي:
أ-- الفضلات العضوية:
ومصدرها القاذورات المنزلية في الريف والحضر على السواء وكذلك الفضلات
الصناعية ذات المنشأ الحيواني والنباتي وعلى الرغم من أن القاذورات
المنزلية هي المصدر الأهم للفضلات العضوية القابلة للتفكك، فإن الصناعة
تساهم بقدر لا يقل عن ذلك من هذه الفضلات، وأهمها الصناعات الغذائية
وصناعة الورق، التي تصب في الماء كميات كبيرة من الأجزاء النباتية
والحيوانية. وتفكك هذه الفضلات العضوية بفعل الجراثيم يستنضب الأكسجين
من الماء، مؤدياً إلى مشكلات كبيرة، ولاسيما بقضائه على الأسماك والحياة
المائية، وتوليده شروطاً مناسبة للتلوث الإنتاني.
ب- العوامل الحية: وأهمها
الجراثيم والفيروسات وسائر الأحياء المجهرية التي يمكن أن تحدث المرض.
وهى تدخل الماء مع القاذورات المنزلية أو مع بعض الفضلات الصناعية،
ولاسيما تلك التي تتعلق بالدباغة والمذابح. وإذا كانت الجراثيم المسببة
للهيضة(الكوليرا) والحمى التيفية (التيفود) قد كوفحت مكافحة فعالة
في معظم البلدان المتقدمة، فإنها لا تزال تمثل خطراً كبيراً في كثير
من البلدان النامية. والأصعب منها مكافحة بكثير، تلك الفيروسات التي
يمكن أن تحدث الالتهابات المعوية وغيرها أن الأخماج، مسببة مشكلة
صحية خطيرة.
ج- الأسمدة: إن المخصبات
النباتية، أي تلك المواد التي تنشط نمو النبات هي كذلك من مدنسات الماء
الرئيسية. وأهم عناصر التلويث فيها النتروجين والفسفور، ولو أنه قد
توجد آثار زهيدة من بعض العناصر الأخرى. وتنصب هذه العناصر في الماء
آتية مع القاذورات أو بعض الفضلات الصناعية أو ما ينزح من الأراضي
المسمدة والتربة الغنية بالنترات ولا تفلح معالجة الماء البيولوجية
للتخلص من الفضلات في إزالة هذه المغذيات النباتية من الماء. بل إنها
لتجعلها اكثر قابلية للاستعمال من قبيل النباتات المائية. وبذلك تقوم
بتخصيب هذه النباتات المائية من طحالب وما إليه ا، مما يولد مشاكل
جسيمة، ويجعل طعم الماء غير مستساغ ورائحته غير مقبولة، فضلا عما يحدثه
النمو البالغ لهذه النباتات من استهلاك للأكسجين .
د- الكيماويات العضوية
التركيبية: وتدخل فيها المنظفات وغيرها من وسائل التنظيف المنزلية
ومبيدات الحشرات والكيماويات الصناعية. ولعل أهمها المبيدات الحشرية،
كالـ د. د. ت، والدي إيلدرين والكلوردان ، وغيرها مما يستعمل في إبادة
الهوام (الآفات) الزراعية، ولكنها تصل في نهاية الأمر إلى الماء .
هـ- الكيماويات اللاعضوية:
ومن أهمها التلوث بالزئبق الذي يسبب مرض مكلات خطيرة في كثير من المجاري
المائية، وهو ينتقل منها إلى الأحياء المجهرية المائية، ثم إلى الأسماك
ثم طيور الصيد ثم إلى الإنسان . ومصدر هذه المواد المعدنية عمليات
التعدين والتصنيع، الري وكذلك عمليات حقول النفط. كذلك تنصب كميات
كبيرة من مختلف أنواع الحموض كجزء من الفضلات الصناعية.
و- المواد المشعة: وهي
تلوث المياه آتية من صناعات الطاقة النووية، سواء في مرحلة تعد. ين
الفلزات المشعة ومعالجتها ، أو استعمال المواد المشعة المكررة، والمفاعلات
النووية في الصناعة والتشخيص الطبي والبحوث. يضاف إلى ذلك ما ينهال
على الأرض ويتساقط من هيال ذري مصدره التفجيرات النووية المختلفة.
ز- الماء الساخن: وازدياد
استعمال الماء في عمليات التبريد الصناعية يؤلف نوعاً جديداً من التلوث.
فهذه الكميات الهائلة من المياه المستعملة للتبريد في محطات توليد
الكهرباء وتكرير النفط والصناعات البتروكيميائية، تعود إلى البحيرات
أو الجداول أو المياه الشاطئية التي اشتقت منها فترفع حرارة الماء
، وذلك يؤدي إلى إنقاص ذوبان الأكسجين في الماء مما ينقص تفكيك الملوثات
المستهلكة للأكسجين ويضعف من تغذية الأسماك والأحياء المائية؛ ومن
جهة أخرى قد يكون للماء الساخن تأثير مباشر على هذه الأحياء بتغيير
بيئتها الفيزيائية مما يضعف تكاثرها. ثم إن سخونة الماء تسرع التفاعلات
المستهلكة للأكسجين.
ح--
النفط: يمكن أن يتلوث الماء بالنفط المنسفح من البوارج أو السفن أو
من بعض الحوادث، أو من الإهمال حين نقل النفط الخام. ويقدر أن مليوناً
ونصف مليون طن من النفط تنسفح في المحيطات كل عام. والمياه الملوثة
بالنفط تحدث تخريباً كبيراً للأحياء المائية التي تعيش عليها،؟ أن
النفط يخرب كثيراً من غذاء الأسماك والمحار.
ولقد عرفت الآثار الضارة
لتدنيس الماء في صحة الإنسان منذ مدة ليست بالقصير ، وذلك من خلال
تلوث إمدادات مياه الشرب، ومياه السباحة الداخلية والساحلية، والمياه
المستعملة في الري وتربية الأسماك. ثم إن سوء الإصحاح ومعالجة القاذورات
في كثير من البلدان النامية مسؤول عن التدنيس! الجسيم للمياه السطحية
والجوفية. يضاف إلى ذلك ما تقدم ذكره مما يحدث بين حين وآخر، من انسفاج
بعض الملوثات الخطيرة في مياه البحار والأنهار، مما يؤدي إلى تلوث
وخيم يصيب الأحياء المائية والسلسلة الغذائية والسكان، الآدميين. وليس
يخفى أن القضاء على الأسماك وسائر الأحياء المائية يؤلف مشكلة صحية
كبيرة، لما يحدثه ذلك من خلل في تغذية أولئك الذين يعتمدون في غذائهم
على هذه الأحياء.
2-
الهواء
لم أجد في ما قرأت أجمع
ولا أدق ولا أوجز من هذا التعريف الذي رضعه ابن سينا للهواء قبل ألف
عام:
" نعني بالهواء: الجسم
المبثوث في الجو. وهو جسم ممتزج: من (1) الهواء الحقيقي، ومن (2) الأجزاء
المائية البخارية، ومن (3) الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار،
ومن (4) أجزاء نارية ".
فالجو يتألف- كما نعلم
اليوم- من مزيج من (1) غازات دائمة (أو قُل: الهواء الحقيقي) وهي على
الأخص الأكسجين والآزوت أو النتروجين، رمن (2) غازات متبدلة التركيز
ا أو قُل: الأجزاء المائية البخارية) وهي على الأخص الماء وثاني أكسيد
الكربون، ومن (3) مختلف الجسيمات الصلبة والسائلة المعلقة في الهواء
(أو قل: الأجزاء الأرضية المتصعدة في الدخان والغبار)، ومن (4) ضروب
مختلفة من الإشعاع (أو قل: الأجزاء النارية) تأتي من الفضاء الخارجي
(الأشعة الكونية) أو من الشمس. ولعله ينبغي لنا أن نخص بعض هذه المقومات
الهوائية بالذكر.
فمن الغازات نخص بالذكر
ثاني أكسيد الكربون، الذي يدخل الجو من زفر الحيوانات والنباتات ومحاصيل
الاحتراق، ويستبعد من الجو بفعل عملية التركيب الضوئي في النبات .
ولقد عدلت أنشطة الإنسان المستمرة مما يحتويه الهواء منه تعديلا كبيرا
، فزاد محتوى الجو من هذا الغاز بمعدل 25 بالمئة في القرن الأخير وهو
مستمر في الزيادة من جراء ما يقوم به الإنسان من حرق وقود المستحاثات
، وقطع أشجار الغابات وأعشاب المروج ، مما يزيد من إنتاجه ويقلل من
استهلاكه .
ومن الغازات أيضا الأوزون
، وهو ذلك الشكل من الأكسجين المؤلف من ثلاث ذرات (3 O) ، وهو غاز
عجيب ، فهو في طبقات الجو الدنيا مادة مهيجة مخرشة للأغشية المخاطية
ولا سيما في جهاز لالتنفس ، وهو في طبقات الجو العليا مادة حافظة واقية
بسبب قدرته الامتصاصية القوية للأشعة فوق البنفسجية الآتية من الشمس
؛ فهو يستبعد معظم الإشعاع فوق البنفسجي الذي تقل أطول موجاته عن 310
نانو مترات ، وهو الإشعاع الذي يمكن أن يخرب المادة الحية .
والأوزون يتولد في طبقات
الجو العليا عندما يتم امتصاص الأشعة الشمسية القصيرة الموجه من قبل
الأكسجين الجزيئي ، ولكنه يتحول ثانية إلى هذا الأكسجين الجزيئي في
تلك الطبقات الجوية العليا نفسها بفعل التفاعلات الكيميائية الضوئية
التي يحفزها عدد من الغازات ولا سيما النتريك (NO) وثاني أكسد النتروجين
(NO2) وكذلك الكلور (CI) .وأكسيد الكلور (CIO) وتزداد مقادير الحفازات
النتروجينة بزيادة انطلاق الغازات من عوادم محركات الطائرات التي تحلق
في الجو العلوي ، وبزيادة استعمال الأسمدة الآزوتية ، كما تزداد مقادير
الحفازات الكلورية بزيادة استعمال الغازات المحتوية على الكلور ولا
سيما الفلورو كربونيات CFCI3 و CF2 CI3 ، وهي ثابتة في الطبقات الجوية
السفلى ، ولكنها سرعان ما تتفكك في الطبقات الجوية العليا بفعل الإشعاع
فوق البنفسيجي مطلقة كلورها الفعال . ويتزايد استعمال هذه المواد في
البخاخات وأجهزة التبريد . واستنضاب الأوزون من الطبقات الجوية العليا
كما بدأنا نلاحظ في هذه الأيام بفعل الآليات الآنفة الذكر ، يزيد من
تعريض الأحياء جميعاً ( ومن بينها الإنسان نفسه ) إلى الآثار المضرة
للأشعة فوق البنفسجية .
ويوجد الأوزون في الأصل
في مستوى صعيد الأرض بتراكيز غير مؤذية ( 10 ــ 30 جزء بالبليون )
، من جراء تسلله من الطبقات الجوية العليا ، ولكن الحفازات النتروجينية
التي تفككه في الجو العلوي تساعد على توليده في الجو السفلي ، ولا
سيما تلك الأكاسيد الآزوتية والهدروكربونيات التي تصدرها عوادم السيارت
، فتبدأ آثاره الضاره بزيادة هجمات الربو ( عندما يبلغ 150 جزءاً بالبليون
) وتهييج الحنجرة ( 300 بالمليون ) بالإضافة إلى تخريبه وتأخيره لنمو
النبات .
ومادمنا قد تطرقنا إلى
نوع مما يسميه ابن سينا " الأجزاء النارية " فذكرنا الأشعة فوق البنفسجية،
فلنذكر نوعاً آخر من الإشعاع الشمسي ألا وهو الأشعة تحت الحمراء، وهي
أشعة تسقط من الشمس على سطح الأرض فيمتصها ثم يعيد إصدارها إلى الأعلى،
فيمتص معظمها ثاني أكسيد الكربون وبخار الماء اللذان في الجو، ثم آ
لا يلبثان أن يعيدا إصدارها في اتجاه الأرض وفي اتجاه الفضاء الخارجي.
وهكذا يقوم بخار الماء وثاني أكسيد الكربون بدور ملاءة تحافظ على دفء
سطح الأرض، بحيث حصون أدفأ بست وثلاثين درجة مما لو لم يوجد هذا التأثير.
وتعرف هذه الظاهرة إجمالاً بتأثير الدفيئة (البيت الزجاجي) ولو أنها
تسمية خاطئة لأن البيت الزجاجي يحافظ على حرارة ما يغطيه بمنعه نقل
الحرارة عن طريق حمل هذه الحرارة، في حين أن الملاءة الجوية تمنع نقل
الحرارة عن طريق الإشعاع.
واحتراق الفحم والنفط
والغاز- ولاسيما في المدن- يزيد محتوى الهواء من ثاني أكسيد الكربون،
فيرفع درجة حرارة الهواء الموضعية، ويزيد من درجة حرارة العالم على
وجه الإجمال، مخلاً بالميزان الحراري heat balance الذي يضمنه سقوط
الأشعة تحت الحمراء، من الشمس وانعكاساتها المتكررة بين الأرض والجو.
وبعد، فإن الأمر لا يقف
عند هذا الحد من تغير في نسب مقومات الهواء، ونما يتعدى ذلك إلى تلوث
الهواء بمواد غريبة، تنافي تركيبه الطبيعي وتجد بموازينه. ومن قبل
قال ابن سينا:
" والهواء مادام معتدلاُ
وصافياً، ليس يخالطه جوهر غريب مناف لمزاج الروح، فهو فاعل للصحة وحافظ
إياها. فإذا تغير، فعل ضد فعله ".
وفصل في ذلك بعض الشيء
فقال:
" الهواء الجيد في الجوهر،
هو الهواء الذي ليس يخالطه من الأبخرة والأدخنة شيء غريب، وهو مكشوف
للسماء غير محقون بين الجدران والسقوف، اللهم إلا في حال ما يصيب الهواء
فساد عام، فيكون المكشوف أقتل له هن المغموم
و ا لمحجوب ".
وتلوث هواء الحضر يمثل
مشكلة أكبر بكثير من تلوث هواء الريف، ولا سيما ني الحواضر الكبيرة.
وقد لفت النظر إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته قبل خمسمئة عام فقال:
" ثم إن الأهوية في الأمصار
تفسد بمخالطة الأبخرة العفنة من كثرة الفضلات ".
وهذا مشكل بدأ يتفاقم
بعد الثورة الصناعية، وصار كثير من المدن الكبرى أو الأمصار معرضاً
لجو خانق فظيع، ومازال تلوث المدن في ازدياد مستمر،، لاسيما بفعل وسائل
النقل من سيارات وشاحنات تنفث عوادمها أكثر من نصف (56%) ما يدنس الهواء،
ثم من طائرات وقطارات وبواخر في أماكن وجودها. ويلي وسائل النقل في
الأهمية مصادر الاحتراق الأخرى الثابتة مثل محطات توليد الطاقة الكهربائية
وأجهزة التسخين (22 %)، تليها المصانع المختلفة (15%) ثم حرائق الغابات
محاصيل المزارع (5%) ثم محاصيل ترميد الفضلات الصلبة (2%).
وأهم هذه الجواهر الغريبة
المنافية لمزاج الروح [ كما يسميها ابن سينا]، ستة أصناف؛هي: أول أكسيد
الكربون، والجسيمات المعلقة، وأكاسيد الكبريت، و الهدروكربونيات الغازية،
وأكاسيد النتروجين، والأوزون. ويقدر ما ينطلق، في الهواء فوق الولايات
المتحدة وحدها من هذه الأصناف بمئة وأربعة وتسعين مليون طن متري. وثمة
صنف سابع من المدنسات يضم المواد السامة الخطرة التي تنفثها في الهواء
بعض المصانع لخاصة.
أما أول أكسيد الكربون،
ذلك الغاز السام المشهور، فمصدره الرئيسي هو الاحتراق غير الكامل
للوقود الكربوني ، و لا سيما في السيارت .
وأما الجسيمات المعلقة
في الهـواء (SPM ) فهي جسيمات صلبة أو سائلة، يتراوح حجمها بين ما
يمكن من دخان وسناج أو هباب، وبين ما لا يرى إلا بالمجهر الإلكتروني
.. وهذه الجسيمات الدقاق يمكن أن تبقى معلقة في الجو مدداً طويلة،
وأن تحمل إلى مسافات بعيدة.. تذروها الرياح ومصادرها الرئيسية أجهزة
احتراق الوقود الثابتة ، كأجهزة التدفئة وتوليد الطاقة ، التي تنتج
جل الجسيمات المرئية، كما تنتج جزءاً كبيراً من الغازات غير المرئية
التي لا تلبث أن تتحول إلى ضبائب Aerosols , وتنضم إلى ذلك ذريرات
الرمل والحصى والأسمنت ، مما يبقى عالقاً ويمكن أن يحمل إلى مسافات
بعيدة ، ويعيش أكثر من بليون نسمة في مناطق يتجاوز التلوث بالجسيمات
فيها الحدود التي تسمح بها منظمة الصحة العالمية .
وأما الأكاسيد الكبريتية
فأهمها ثاني أكسيد الكبريت، وحمض السلفوريك ( الكبريتيك ) ، وسائر
مركبات السلفات ، وهي تصدر من الوقود الكربوني وجلة ملوث بالكبريت
، كما تصدر من بعض أنواع المصانع . وتدل بعض المعلومات التي جمعتها
منظمة الصحة العالمية وبرنامج البيئة العالمي عام سبعة وثمانين ، على
أن أكثر من ستمئة مليون إنسان ، يعيشون في مناطق حضرية معدل التلوث
فيها بثاني أكسيد الكبريت يفوق المقادير التي تسمح بها المنظمة .
وأما الهدروكربونيات الغازية
فهي غير سامة قي حد ذاتها بالمقادير التي توجد بها ولكنها تعتبر من
أهم مدنسات الهواء ، لدورها في تشكيل الأوزون وسائر المؤكسدات. وجل
هذه الغازات ينطلق في المناطق الحضرية، حيث توجد مصانع تلميع المعادن،
ومعامل الدهانات، والمطابع، ومحطات توزيع الغازولين والديزل ، ومؤسسات
التنظيف .
وأما الأكاسيد النتروجيية،
فتتشكل من اتحاد النتروجين بالأكسجين في الحرارات العالية التي يحترق
بها الوقود. وخطرها يتمثل في دورها في توليد الأوزون.
وقد سبق الحديث عن الأوزون
وتأثيره المهيج للحنجرة والمخرب للجهاز التنفسي ولا سيما إذا استمر
تأثيره ، حينما تحط سحابة مما يدعونه الضباب الدخاني ( الضخان smog
) بكلكها على المدينة عدة أيام .
وهناك أخيراً الواد السامة
كالأمينات (أو الأبست) والبريليوم والزئبق وكلوريد الفاينيل ، مما
يتطلب احتياطات خاصة في إنتاجه وتصنيعه واستعماله ، يضاف إلى ذلك بعض
المواد الأخرى كالزرنيخ والبنزين وبعض النويدات المشعة radionuclides
.
هذا التلوث خطر على صحة
الإنسان . وما زالت الدنيا تذكر ما حدث في لندن عام اثنين وخمسين ،
يوم أدى الضخان القاتل إلى موت أربعة آلاف نسمة ؛ وما حدث في دونورا
، تلك المدينة الصناعية في غربي بنسلفانيا ، حيث مرض نصف سكان المدينة
ومات عشرون منهم بعد ضخان استمر خمسة أيام ، وبقي الأحياء منهم يعانون
من اعتلال في الصحة ؛ ثم ما حدث في مدينة نيويورك سنة ثلاث وخمسين
حين مات مئتا نفس من جراء مستوى أكاسيد الكبريت والجسيمات المعلقة
.
ولا يقل شأناً عن هذه
الكوارث الصارخة ، تلك الآثار الطويلة الأمد على سكان الأمصار من جراء
تلوث الهواء ، من علل تنفسية مزمنة كالنفاخ الرئوي والتهاب القصبات
( الشعب الهوائية ) … إلى نقص القدرة على أداء التمارين الجسمية في
الأصحاء من الكبار والأطفال على السواء .. إلى نسبة الوفيات من الأمراض
الأخرى كالسرطان وأمراض القلب .. إلى ازدياد حدوث الربو وفرط التحسس
وأمراض الجهاز التنفسي في الأطفال . حتى إنهم ليقدرون ضريبة التلوث
التي يدفعها سكان الولايات المتحدة كل عام بخمسة عشر ال وفاة ، وسبعة
ملايين يوم مرض ، وخمسة عشر مليون يوم ناقص الإنتاجية ، } فاعتبروا
يا أولي الأبصار { [ سورة الحشر :2 {.
وبعد ، فإن نوعية الهواء
داخل المساكن ن لم ينظر غليها إلا مؤخرا على أنها مشاكل صحية كامنة
تؤثر في كثير من الناس . وأكثر ما تتجلى في مساكن الملايين من سكان
الأرياف في البلدان النامية ، حيث الوقود الحيوي المنشأ أو الفحم يستعمل
للأغراض المنزلية . وقد قدر تقرير حديث لمنظمة الصحة العالمية ، أن
حوالي خمسمئة مليون من الناس ن معظمهم من النساء والأطفال ، يمكن أن
يتعرضو ا إلى تأثيرات ضائرة ، من جراء الأبخرة السامة والدخان الذي
يستديم في منازلهم. ولكن أمثال هذه المشاكل ليست مقصورة على المساكن
الريفية أو البلدان النامية، بل هناك بينات وفيرة على أن الهواء داخل
المساكن في كل مكان، يفسد بكثير من المصادر المنزلية والخارجية، فيحدث
آثاراً ضارة بالساكنين- وإن تتس لا تنس وباء التدخين، وما يحدثه دخان
السجائر من تدنيس لهواء المكان الذي يقع فيه التدخين، والخاطر الصحية
العديدة التي يتعرض إليها ضحاياه من المدخنين بالإكراه .
3-
الكيماويات
أصبحت الكيماويات جزءاً
ضرورياً لا يمكن الاستغناء عنه من الحياة البشرية، لكونها تدعم مناشط
الإنسان وتدعم تنميته. فهي تقي وتكافح كثيراً من الأمراض، وتزيد الإنتاجية
الزراعية، وتعود بفوائد جمة على المجتمع. على أنه لا ينكر أن كثيراً
من هذه المواد الكيماوية التي قد يتعرض إليها الإنسان مباشرة، أثناء
تصنيعها أو نقلها أو توزيعها أو تداولها أو استعمالها أو التخلص منها،
يمكن أن تحدث آثاراً ضارة في صحته. ثم إن التخلص العشوائي من هذه
الكيماويات وفضلاتها يمكن أن يدنس الهواء والماء والتربة، ويؤدي إلى
تلوث الغذاء، مما يحدث آثاراً ضارة غير مباشرة.
يقدر أن حوالي سبعين ألف
مادة كيماوية تدخل في التعامل اليومي، منها ثمانية وأربعون ألفاً بكميات
ذات شأن من الوجهة التجارية. ثم إن جل هذه المواد المستعملة سوف تلوث
الهواء والماء والغذاء والتربة على صورة ثمالات متبقيا أو فضلات. ويضاف
في كل عام ما بين سبعمئة وألف مادة كيماوية جديدة إلى التجارة. وقد
أصبحت تجارة الكيماويات تجارة عالمية، وعمت الدول المتقدمة والنامية
على السواء. وفي الوقت نفسه قل من الدول من لديه وسائل لإجراء دراسات
على هذه الكيماويات من الوجهتين السمومية والبائية.
ويزداد الو ضع سوءاً في
البلدان النامية، لجهل كثير من متخذي القرار فيها بالعواقب الصحية
لهذه لكيماويات التى لا تستعمل ولا يتخلص منها؟ ينبغي ، والتي لا
ينطر إليها- عن قصد أو غير قصد- من قبل الصناعات لمحلية على أنها
مخاطر.
بل تزيد الأمر سوءاً حالات
التسمم الحاد بهذه المواد، الذي يؤدي إلى الوفاة في عديد مت البلدان.
وتقذر نسبة الحدوث العالمية لحوادث التسمم بمبيدات الحشرات و حدها
بمليون حالة كل سنة، والعدد في ازدياد. تم يزيد الأمر سوءً أكثر من
ذلك، تلك الحوادث التي تحدث على نطاق واسع، كانطلاق المتيل إيزوسيانات
في. بهوبال بالهند واستعمال الحبوب الملوثة بمبيدات الحشرات في العراق
وباكستان، واستعمال زيت الطبخ الملوث في أسبانيا، واستعمال طعام ملوث
بقلوانيات البيروليدين في أفغانستان وما أشبه ذلك.
وبعد،
فما
الذي بمكن أن نفعله لنستفيد هذه البيئة ونستنقذ أنفسنا مما حل بها
من خلل في ا لموازين؟
يطيب لي في هذه المناسبة
أن أقتبس من تأملات كتبها قبل خمسين سنة ونيف، العالم الجليل الأستاذ
محمد أحمد الغمراوي تغمده الله برحمته:
" لقد علم الله أن هذه
المدنية المعقدة ستكون، وأنها ستفتح لها أبواب العلم، وأن هذا العلم
سيفتح لها فنوناً من القوة، وأن هذه القوة ستسلمها إلى صنوف مدت المشكلات،
لا تحل حلا مرضياً موفقاً إلا إذا طبق ما سن الله للفطرة من سنن، وللنفس
البشرية من قوانين، عرفت الإنسانية بعضها، وجهلت منها أكثر مما عرفت.
فلو أن الإنسانية وكلت إلى نفسها وعلمها وجهدها وحده ما خرجت- وما
أمكنها أن تخرج- من ورطاتها التي هي لابد واقعة فيها بتعمقها في العالم
الطبيعي الذي يفتح لا كنوز الأرض من غير أن يريها طريق العدل في استعمالها.
فأراد الله سبحانه أن يتم نعمته على الإنسان، بأن يجمع له بين القوة
وبين الهدى في استعمال القوة، فآتاه العلم، وقبل أن يؤتيه العلم أنزل
عليه الكتاب والحكمة ليريه كيف ينقي شر العلم وينتقي خيره، بالوقوف
في استعماله عند الحدود التي حدها الله فاطر الإنسان، وفاطر القوى
التي سخرها بالعلم للإنسان. فإذا كان من عجيب صنع الله للإنسان أن
وهبه العقل الذي استفتح به كنوز العلم، فإن أعجب من ذلك أن تفضل سبحانه
فأنزل له الدين ليقيه ما لا يمكن للعقل، ولا العلم أن يكفياه إياه
من الشرور والأخطار ".
فما
الذي يقوله لنا الدين؟
لقد
لفت الله سبحانه وتعالى النظر إلى ما يمكن أن يحدث- وهو ما نراه اليوم-
إذا أغرق الإنسان في استغلإل هذه البيئة دون مبالاة بالموازين، فقال
عز من قائل: (ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض ) [ سورة
الشورى: 27 ] وقال جل شأنه: (ولا تطيعوا أمر المسرفين الذين يفسدون
في الأرض ) [ سورة الشعراء: 151- 152 ] وقال سبحانه: (ولو اتبع الحق
أهوائهم لفسدت السماوات والأرض ) [ سورة المؤمنون : 71 ] .
المشكلة
إذن لا تكمن في استغلال خيرات السماء وبركات الأرض، فتلك لازمة من
لوازم التسخير ةلوازم العمران، ولكنها تكمن في الإسراف والطغيان والبغي
بغير الحق، وكلها مترادفات تعني تجاز الحد وعدم المبالاة بالموازين،
وكلها تؤدي إلى الإخلال بالموازين إخلالاً يفسد هذه البيئة ويجعلها
غير صالحة لحياة الناس. ولقد حذر الله سبحانه في مواضع متعددة من كتابه
الكريم من الفساد في الأرض.. والفساد البيئي أول ما يتبادر في هذا
المقام، فقال سبحانه: (كلوا واشربوا من رزق الله ولاتعثوا في الأرض
مفسدين ) [سورة البقرة: 60 ] وقال جل شأنه: (ولا تفسدوا في الأرض
) [ سورة الأعراف: 85 ] وقال عر من قائل: (ولا تعثوا في الأرض مفسدين
) [ سورة العنكبوت: 136،]وقال تعالى: (ولا تبع الفساد في الأرض )
[ سورة القصص : 77 ] . ولطال ما نهى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام
أقوامهم عن الفساد فيا لأرض.
بل لقد خص الله بالذكر
ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان فقال. (ومن الناس
من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما فيقلبه وهو ألد
الخصام .. وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ،
والله لا يحب الفساد ) [سورة البقرة: 205 ] .
إن هذا الإسراف في استغلال
البيئة دون ضابط ولا ناظم، ظلم ما بعده ظلم، وكفر بنعمة الله لأن شكر
النعمة يكون بالحفاظ عليها، وقد ضرب الله في القرآن مثل القرية التي
(كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان فكفرت بأنعم الله
، فأذاقها لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ) [ سورة النحل : 112
] . وقال عن أمثالها : ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة ،
إن أخذه أليم شديد [ سورة هود : 102 ] . و ( ما كان الله ليظلمهم )
[ سورة العنكبوت: 40 ] ، ولكنهم كانوا ( يبغون في الأرض بغير الحق
.. يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم ! ) [ سورة يونس : 23 ]
ولم يكتف، الله سبحانه
بالتحذير من هذا الفساد، وإنما بين طريق الصواب فقال. عز وجل: (قل
أمر ربي بالقسط ) [ سورة الأعراف: 29 ]أي العدل والاعتدال في الأمور
كلها دون إفراط ولا تفريط. ونهى النبى صلى الله عليه وسلم عن كل ما
فيه ضرر فردي أو جماعي فقال: " لا ضرر ولا ضرار " [ رواه الدار قطنى
وابن ماحة وأحمد].
ثم كان التطبيق العملي
لهذه المبادىء العامة مثالاً يحتذى في كل جيل. وسوف نقتطف بعض، القطوف
المباركة في حدود ما يسمح به المقام.
فقد حرص النبى صلى الله
عليه وسلم علما تشجيع الزراعة، بما يزيد الثروة النباتية ويضيف البيئة
الصالحة، فقال: " لا يغرس المسلم غرسا ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان
ولا دابة ولا شىء إلا كانت له صدقة " رواه مسلم عن جابر ] وقال: "
من أحيا أرضاً ميتة فهي له " [ رواه البخاري ] .
وروى يحيى بم آدم في كتاب
" الخراج " عن أمير المؤمنين علي رضي الله عنه أنه قال: " يا أ. بها
الناس أعينوا على أنفسكم، فإن السبعة- أو قال التسعة- يكونون ني القرية
فيحيونها بإذن الله عز وجل ". وجاء رجل إلى علي رضي الله عنه فقال:
" أتيت أرضا قد خربت وعجز عنها أهلها قكريت (استأجرت) أنهارا وزرعتها
" قال: " كل هنيئا وأنت، مصلح غير مفسد، معفر غير مخرب ".
وقد كان النبي صلى الله
عليه وسلم أول من أنشأ محميات بيئية لا يجوز قطع شجرها ولا قتل حيوانها.
فقد " حمى رسول الله عليه وسلم كل ناحية من المدينة بريداً بريداً
: لا يخبط (ينزع) شجره ولا يعضد (يقطع) إلا ما يساق به الجمل " [ رواه
أبو داوود ] ،وكان " ينهي أن يقطع من شجر المدينة شيء " [رواه أبو
داوود، وقال عن المدينة: " لا ينفر صيدها..
ولا يصلح!أن يقطع منها
شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره " [ رواه أبو داورد] وقال: " إني أحرم
ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها " أ رواه الإمام
أحمد، وقال عن وادٍ بالطائف: " إن صيد وج وعضاهه حرام " [ رواه الإمام
أحمد وأبو داوود].
وتد تغلغلت هذه المعاني
في أفهام المسلمين أيما تغلغل. واستمع- إن شئت- إلى الإمام أبي محمد
ابن حزم يقول في المحلى: " والإحسان إلى الحيوان بر وتقوى فمن لم
يعن على إصلاحه فقد أعان على الإثم والعدوان وعصى الله تعالى. "
" بل، يجبر على سقى النخل
إن كان في ترك سقيه هلاك النخل وكذلك في الزرع برهان ذلك قول الله
عز وجل: (وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله
لا يحب الفساد ) [ سورة البقرة: 205، ] .
" قال
أبو محمد: فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو رعي، وترك
سقى شجر الثمر والزرع حتى يهلكا، هو بنص كلام الله تعالى فساد في
الأرض وإهلاك للحرث والنسل والله تعالى لا يحب هذا العمل! " .
وكان
النبي عليه السلام يحض على تنظيف البيئة وعدم تلويثها. فكان يقول:
" وإما، لمة الأذى عن
الطريق صدقة " [ رواه البخاري في الأدب المفرد]. و"الصدقة " اسم يطلقه
الإسلام للتعبير عما نقول له اليوم: " السلوك الحضاري " أو " التصرف
الحضاري " لأنها بدلالة اسمها " مصداق " انتماء المرء إلى المجتمع
الإسلامي المتحضر. يدل على ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: " والصدقة
برهان " [ رو اه مسلم ].
وكان من هديه صلى الله
عليه وسلم أنه قال : " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد " [ رواه أبو
ابن ماجه ] ، وقد " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول في مستحمه
" [ رواه أبو داوود ] ، وكان يقول : " اتقوا اللاعنين " قالوا : وما
اللاعنان ؟ قال : " الذي يتخلى ( يتغوط ) في طريق الناس وفي ظلهم "
[ رواه مسلم ] ؛ ويقول : " اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد
، وقارعة الطريق ، والظل " [ رواه أبو داوود ] .
وقد لخص الإمام العظيم
العز ابن عبد السلام حقوق العباد على المكلف " بأن يجلب إليهم كل
خير ويدفع عن كل ضير ".. " فإن الخير يعبر به عن جلب المصالح ود
رء المفاسد والشر (أوالضير) يعبر به عن جلب المفاسد ودرء المصالح ".
وفي المجتمع، الإسلامي
ضمانة من أهم ضمانات تحري الإصلاح ومحاربة الفساد، ألا وهي الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر. وهي فريضة تتعدى مجرد التوعية وإتاحة المعلومات،
إلى متابعة تطبيق هذه المعلومات في حيز الواقع.
فكل تن بعرف أن التدخين
مضير، ويعلم من أضراره ما يعلم، يجد من واجبه أن ينقل هذه المعلومات
إلى الآخرين، ويعرف كل أخ له في المجتمع بمضار التدخين. ولكن الأمر
لا يقف، به عند هذا الحد، وإنما يرى من واجبه إذا شاهد مدخناً أن يأمره-
بالموعظة الحسنة- بالكف عن التدخين لأنه يضره، ويبين له إنه إذا جاز
له أن يؤذي نفسه- وهو غير جائز- غير أن إيذاءه الآخرين أشد إثماً،
والنبي صلى الله عليه وسلم ينهي عن الضرر الفردي والمشترك فيقول: "
لا ضرر ولا ضرار " [رواه الدار قطنى وابن ماجة وأحمد ]، وينهى عن إيذاء
الجار- أي جار: في المنزل أو وسائل النقل المشترك أو الأماكن العامة
أو المكاتب..،- فيقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره
" [ متفق عليه عن أبي هريرة].
ومثل
ذلك موقفا كل مسلم ملتزم من الذي يسكب نفايات مصنعه في المياه المشتركة
بين الناس أو غير ذلك من أجزاء البيئة المشتركة، بل الذي يساهم في
إفساد البيئة بأي شكل من الأشكال. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
هو في الحقيقة ستهر من قبل كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي على تطبيق
القانون وتحقيق ما يضمن المصلحة ودرء ما يحدث أي مفسدة. وقد جعل الإسلام
حماية البيئة والنهي عن إفسادها، واجباً من واجبات المجتمع الفاضل،
فقال سبحانه: (فلولا كان من القرون من قبلكم أولو بقية ينهون عن الفساد
في الأرض ) سورة هود: 116 ] .
وبعد ،
فقد
سبق أن تحدثت عن ذلك التشابه الكبير بين موازين الصحة وموازين البيئة.
وأود أن أتحدث الآن عن تشابه آخر يتعلق بمراحل الوقاية.
فتعزبز الصحة هو المرحلة
الأساسية من مراحل وقاية صحة الإنسان أو قل: هو الوقاية الأولية. وهي
أول وأولى ما ينبغي أن يفعله المرء، لحماية الإنسان من الوقوع في براثن
المرض، مما يوفر عليه كثيراً من العناء وعلى أنسجته وأجهزته كثيراً
من التلف والعقابيل، وعلى المجتمع كثيراً من النفقات والتكاليف.
أما التدابير المتخذة
للكشف المبكر عن أي انحراف للصحة عن الاعتدال،، للتدخل الفوري الناجع
لتصحيح الاختلال، فهي وقاية ثانوية.
وتبقى وقاية ثالثية تضم
التدابير المتخذة للتلطيف آثار التعوق والزمانة إن حدثا، والتخفيف
من المعاناة الناجمة عن أي انحراف عن الصحة لا يمكن برؤه، وتعزيز مقدرة
المريض على تكييف حياته مع أمثال هذه الانحرافات التي لا شفاء لها.
ويدخل ذلك كله في نطاق التأهيل.
والطريف في الأمر أن ما
ذكرناه عن الصحة ينطبق على البيئة ئم انطباق!
فوقاية البيئة الأولية
تكون بتعزيز الرصيد الصحي في البيئة الذي يعيد الميزان إلى الاعتدال،
وهو ما توسعت في الحديث عن دور الدين والمجتمع المتدين ففيه. وهذه
هي الوقاية المضمونة العافية الرخيصة التكاليف.
أما الوقاية الثانوية
للبيئة، فتكون بالكشف! المبكر عن أي انحراف عن الاعتدال، والتدخل الفوري
الناجع لتصحيحه. ومن أجل ذلك ابتكر العلماء كثيرا من وسائل الرصد والمراقبة،
لكل مقوم من مقومات البيئة، على الصعيد المحلي والبلداني والإقليمى
والعالمي، من أجل اكتشاف أي طغيان في الموازين أو إخسار، ثم وضعوا
مختلف الخطط لتصحيح الخلل ، مع التبكير في ذلك قدر الإمكان. ومن هذه
الخطط ما هو معقد، " إن اختلاف المياه قد يوقع المسافر في أمراض أكثر
من اختلاف الأغذية، فيجب أن يراعى ذلك ويتدارك أمر الماء. ومن تداركه
كثرة ترويقه ، وكثرة استرشاحه من الخزف الرشاح. وطبخه (أي غلبه )...
قد يصفيه، ويفرق بين جوهر الماء الصرف وبين ما يخالطه، واكثر ذلك كله
تقطيره بالتصعيد ".
وتمة مكان بعد ذلك للوقاية
الثالثة.. وقاية التأهيل.
والحديث في هاتين الوقايتين
الأخيرتين يطول، ومكانه المحافل البالغة التخصص في كل نوع من أنواع
التلوث على حدة.
ولكن الوسيلة الأنجع
والأفعل والأرخص تبقى الوقاية الأولية.. تبقى تعزيز هذا الرصيد الصحي
وحمايته للبيئة وصيانته.. وهو ما أرجو أن أكون قد أفلحت في مجرد لفت
النظر إ ليه في هذا الحديث.
والله
يقول الحق وهو يهدي السبيل.