مضمون القرآن الكريم
الجزء الثالث

الحق والخير والجمال
فى القرآن الكريم

تمهيد : ـ

الحق والخير والجمال ، قيم إنسانية سامية دار حولها الفكر البشري فى الدين والفلسفة وفى العلم أيضا.

وكل واحدة منها تناسب جانبا جوهريا فى الطبيعة البشرية ، كما أنه أصبح من حيث المنهج ومجال البحث موضوعا لعلم وفلسفة . فالحق هو هدف العقل فى بحثه عن العلم والمعرفة على مناهج التفكير الصحيح ( المنطق ومناهج البحث فى العلوم )، والخير هو الرمز لإرادة السمو فى السلوك الإنسان   ي علم الأخلاق والفلسفة الخلقية ، والخير وأن كان أمرا يتصوره الفكر إلا أن فى الإنسان    حاسة خاصة تشعر بقيمته وأما الجمال فهو أمر تدركه النفس وتبتهج به من غير تحليل عقلي ولا تعليل أكثر من أن الجمال هو الجمال وأن إداركه لذه وسعادة نفسية .

وهذه القيم ارتبط بعضها ببعض فى تاريخ الفكر الديني والفلسفي وبعضها صار يوصف ببعض ، فالحق خير وجميل ، والجمال حق وخير وقد أدي البحث فى هذه القيم إلي تجأوز الواقع المحسوس والارتفاع إلي آفاق أعلي تلتقي كلها فى المصدرالعظيم للوجود بكل ما فيه وكل صفات ما فيه ، لأنها كلها من صفاته كما سنرى .
كانت للحق معانية    عند العرب قبل الإسلام   ، وقد ذكرنا ذلك فى كلامنا عن أثر القرآن فى الحضارة الإنسانية  وكان الغالب على مفهوم الحق أو الطابع العملي لأن العرب قبل الإسلام   لم يكونوا أهل أبحاث نظرية أو فلسفية ، وإنما كان عندهم إدراك طبيعي للقيم التى أحسو  بها ، وفرضتها عليهم ظروف الحياة فلما أنزل الله القرآن جاءت فيه مفهومات جديدة للحق من حيث نوع المفهومات ودرجاتها هذا كما أنه لم يقتصر على الحق فإنه   شمل الخير والجمال أيضا والمتأمل فى القرآن يري أن آياته كلها تدور حول الحق بكل جوانبه وفى كل مجالاته ونحب أن نشير أولا إلى أن كل ما جاء به الرسل والأنبياء فهو حق مثلا ( البقرة / 213 ) ثم أنه إذا كان الله تعالي يقول فى القرآن : " وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ) الإسراء 105 ) وأنظر المائدة /48 ، فإنه   يشير أيضا إلي أن الحق الذي جاء به القرآن قد اشتمل على كل ما سبقه من حق سواء القضايا الكبرى فى أمور الاعتقاد والإيمان ، أو أحكام الشريعة وتدبير أمور الحياة أو فيما حكاه من قصص الرسل والأنبياء، ويشمل خصوصاً العلم بهذا الكون من جميع الوجوه وذلك فى أحكام كلية تشمل كل ما فيه من أشياء وظاهرات لأن دراسة هذا الكون هو السبيل إلي الاستدلال على وجود الله والحق أن القرآن قد اشتمل على كل حق يعني الإنسان    ويخطر لفكره أو يحتاج إلى معرفته : ( ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) ( النحل /89 ) ولما كان القرآن قد بين ما جاء بالأدلة والبراهين على صدقه وصدق ما فيه فإن  الله يخاطب رسوله بقوله ( فتوكل على الله إنك على الحق المبين ) ، ( النمل /79 ) .

ثم إنه إذا كان الله وحده هو الذى له دعوة الحق ( الرعد /14 ) ، فهو وحده الذى يبين الحق يقول الحق " الاحزاب /4 " ( وهو الذي  يقضي بالحق ) ( غافر/20 ) ومن يريد أن يدرس الحق فى القرآن ، أو يدرس الخير أو غير ذلك من مفهومات عامة ، فإن  عليه أن يستقري آيات الكتاب الحكيم ، ويتبع المفهوم فى أنواع السياق ، وعند ذلك تتبين له الوجوه العديدة لما فى القرآن من مفهومات . ونحن نحب أن نكتفي بإشارات موجزة لبعض ما يدل عليه مفهوم الحق ومن ذلك .

الحق النظري : ـ 
الحق فى مجال البحث النظري ، أعني البحث العقلي فى مسائل العلم والمعرفة ، هو العلم بمعناه الصحيح وهو يشمل كل شيء ، وأعلاه العلم بوجود الله تعالي وهو " الحق الأول " الذي هو علة كل حق ، أعني مصدر وجود الأشياء كلها ، كما عبر أول فلاسفة الإسلام   ( الكندي ) متبعا ألفاظ القرآن . وإذا كان القرآن يقول مشيرا إلي الذين اتخدوا من دون الله آلهة ( ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير ( لقمان /30 ) ، فإن  " الحق " هنا هو الله تعالى وهو " الحق المبين " ( النور /25 ) أي الثابت بذاته الذي دل العقول على ألوهيته وقدرته وحكمته بهذا الصنع العظيم الذى نراه ، وعلي هذا فإن  من أسمائه تعالى الحق، وعندما يذكر المسلمون هذا الاسم يضيفون إليه   فيقولون الحق تبارك وتعالي تم لما تطور الفكر بعد ذلك ، وظهر البحث فى الوجود من حيث هو وجود، وفى أقسامه ظهرت تسمية الوجود الحق أو واجب الوجود بذاته وهذا ما نجده عند مفكري الإسلام   من فلاسفة وعلماء صوفية وجملة علماء الدين ، وذلك فى مقابل هذا الوجود الحادث الزائل الذى نراه هو وغيره مما لا وجود له فى الحقيقة إلا بالاستناد إلي الوجود الحق .

 وفى القرآن أن الحق هو نفاذ حكم الله وأمره وإرادته وهذا هو معني قوله مثلا " كذلك حققت كلمة ربك ( يونس /33 ) ، أو قوله عن تدمير قرية الفاسقين ( فحق عليها القول فدمرناها تدميرا )  ( الإسراء /16 ) ومن ذلك دقائق فى التعبير القرآني مثل نسبة نفاذ الأمر الإلهي إلي المخلوقات فى نحو قوله تعالي ( إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت ) ( الانشقاق /1 ـ2 ) أي أن الأمر الإلهي حق عليها ونفذ .

 على أن لفظ ( الحق ) يشير أيضا إلي العلم الصحيح بوجه عام ومن ذلك ما تدل عليه آيات القرآن التي هي ( آيات بينات فى صدور الذين أو توا العلم ) العنكبوت (49 ) ، وهم الذين بفضل ما عندهم من ( العلم ) يعلمون أن ما جاء فى القرآن هو الحق ( الأنعام /114 ) .

وكل من الحق والعلم فى القرآن يقابل الظن والحكم بالهوي ( إن الظن لا يغني من الحق شيئا )
، يونس /36 والنجم /28 ) ( وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون ) ( الجاثية /24 ) ، ولذلك نجد أن إحدي الكلمتين تأتي فى محل الأخرى ( مثلاً  آل عمران   /61 يونس /94 ) وهذا يدل فى إصطلاح القرآن على أن ما ليس حقا فهو ليس علما وأن ما هو علم فهو حق وكما وما عدا ذلك فهو ظن أو خطأ بل جهل .

 ومن معاني الحق فى القرآن أنه القاعدة العامة أو القانون الشامل الذى بحسبه أظهر الله تعالي نظام المخلومات كلها وهذا ما نفهمه من آيات كثيرة فى القرآن تؤكد أن الله خلق كل شيء بالحق مثل ( وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون ) (الدخان /38 ، 39 ) ( الروم /8 ) ونحن عندما نستقريء قوله ( الحق ) فى آيات القرآن نجد أنه يدل على الحكمة والغاية والقانون المطرد الذى يمكن أن نستلخصه من الطبيعة التى سخرها الله لنا ، فنعلم طبائع الأشياء ونستخدمها فى مصالح حياتنا ونعرف مجرى قوانينها ونرتب أمورنا بحسبها من ذلك قوله تعالى : ( وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه) ( الجاثية /13 ) وقوله : ( هو الذى جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عند السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون) ( مثلا : يونس /5 ) .

وقد نجد مفهوم " الحق " وصفا لأمور منها مثلا وصفه لقيام " الساعة " ( يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج  ( ق /42 ) ولذلك فإن  الساعة تسمي الحاقة ) بمعني أنها ستتحقق وأنها ( ءاتية لاريب فيها ) الحج /7 ) .

وفيها ستحق الحقوق ، ونجد اللفظ وصفا لتحقق الصفة أو الحال على الوجه الأكمل ، ومن ذلك قوله تعالي فى وصف عباده الذين تهتز مشاعرهم إذا سمعوا ذكر الله أو سمعوا آياته ( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون ( 2 ) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ( 3 ) أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم ( 14 ) ( الأنفال /2 ـ 4 ) .

الحق العملي : ـ 
أما من الناحية العملية فإن  مفهوم " الحق " هو : " الحكم بالعدل " أي بحسب القانون ، وهذا ما يدل عليه قوله تعالي : ( يا داود إنا جعلناك خليفةً فى الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) ( ص /26 ) .

حقوق متبادلة : ـ 
 لما كان الله تعالى قد منح عباده العقل والقدرة والاختيار وبين لهم رسالتهم فى الأرض وأرسل إليهم الرسل والأنبياء فأرشدهم إلي ما يريده منهم .

 فإن  له حقوقا عليهم، وهي أن يتبعوا ما جاءهم من عنده أول ذلك أن يتفكروا فى صنعه فيعرفوه ويعبدوه ولايشركوا به شيئا ويجاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل كلمته وأن يؤدوا كل مافرضه عليهم ويتخلقوا بكل فضائل الدين وآدابه . وقد أحسن أحد علماء الإسلام   بأن عبر عن ذلك بأنه الرعاية لحقوق الله ، وهذا عنوان كتاب للصوفي الأخلاقي الحارث بن أسد المحاسبي " ( ت 243 ـ، 857 ) وفى مقابل ذلك فإن  للمومنين المجاهدين حقوقا على الله ، وهو سبحانه  وتعالي قد بينها بنفسه فى أكثر من آية، وأنه سيفي بما وعدهم من حسن الجزاء والتأييد فى أداء رسالتهم، ( إن الله اشتري من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا فى التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفي بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذى بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم  ( التوبة /111 )، والله يقول أيضاً: ( إنا لننصر رسلنا والذين ء امنوا في الحيوة الدنيا ) ( غافر /51 ) ( كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (121 ) ( المجادلة /21 ) ، ( وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47 ) ( الروم /47 ) .

حقوق يؤديها المتقون : ـ 
وفى القرآن حقوق الغير ومنها ما هو بوجه عام ملزم فى معاملة المؤمنين بعضهم لبعض ، وهو العدل والإحسان ومنها ماهو مفروض لابد من الوفاء به مثل حقوق الميراث ومنها بعد ذلك ما يكون من الأخلاق التي تدخل تحت مفهوم البر وهو التوسع فى الخير ، وهي حقوق كثيرة يؤديها أهل التقوي أو " المحسنون " ومن ذلك حقوق لذوي القربي والمساكين والسائلين المحرومين، وهذا فيما عدا الحقوق المفروضة، ومهما أكثر الإنسان من أنواع البر فإنه   لا يكون مسرفا ومن أرفع صفات المؤمنين الإيثار حتى مع احتياج الإنسان    لما يقدمه لغيره وآيات القرآن فى ذلك كثيرة ( آيه البر التى فصلت أنواعه ، البقرة /177 ، والإسراء /26 ، المعارج /24 ـ 25 ) سيأتي مزيد من الكلام فى ذلك عند كلامنا عن الجمال فيما يلي .

الحق قوة غالية : 
والقرآن يؤكد ما للحق من قوة قاهرة ، ويبعث الثقة فى قلوب أهل الحق ، وذلك بقوله لرسوله (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا ) ( الإسراء /81 ) القرآن يتحدث عن قوة الحق وأنه شبيه بالقذائف القوية التى تدمر ما يقف أمامها من أباطيل يقول الله ( قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب ) ( سبأ /48 ) ، ( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ...) ( الأنبياء / 18 ) .

وإذا كان القرآن يقدم الأدلة العقلية على ما جاء به من الحق ، فإنه   يضرب أمثالا كثيرة لبيان شأن الحق وثباته ومنفعته فى مقابل ضعف الباطل وضرره، ونحب أن نلاحظ أن الأمثال القرآنية فى هذا الباب ليست مجرد أمثال أو تشبيهات بل هي لغة يدركها العقل ويفهمها العلماء، ومن أروع الأمثلة ما نجده فى سورة الرعد / 17 ، فى المقارنة بين الحق والباطل، ونحن نهيب بالقاريء أن يقرأ ذلك ويطيل التفكير والتحليل لما اشتملت عليه تلك الآية لأن أمثال القرآن تحتاج إلي التفكير، ولذلك ينبهنا القرآن إلي التأمل فى دلالاتها:( وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون ) ( الحشر /21 ) ( وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون ) ( العنكبوت / 43 ) ونظرا لكل هذا المعاني التى نجدها في القرآن وكلامه عن الحق فإن  علماء الإسلام ،وفلاسفته بحكم تعلمهم وحفظهم لكتاب الله، من أول أمرهم ،قد أنطبعت عقولهم بمفهوم الحق فجعلوا اقتناءه غاية لهم ، وراوا فيه "كمال النوع الإنسان   ي "كما عبر الكندي ووجدو فى معرفة الحق واقتناء العلم  لذة روحانية عالية ، والشواهد على ذلك كثيرة ونكتفي بعبارات قصيرة لبعض كبار علماء الإسلام   مثل : قول أبي الريحاني البيروني ( ت 440 هـ 1048 م ( إن الإنسان    يمس للصدق ومعرفة الحقيقة لذة إلي جانب   الاعتقاد بها ) "كتاب مقولات الهند " .

ـ وقول أبي الحسن الماوردي( 450 ـ 1058 ) ( العلم عوض من كل لذة ومغن عن كل شهوة " 
( أدب الدنيا والدين ) .

الخير : ـ 
والخير أيضامن المفهومات العامة ، وله فى القرآن معانية العديدة بحسب درجات الخير ، ومن ذلك خيرات هذه الدنيا وما فيها من أنواع المتاع ، وهي الخيرات الزائلة وهي وإن كانت نعما حقيقية من الله تعالي تستحق الشكر العظيم ، إلا أن القرآن يريد منا أن نسيطر عليها ، بحيث لاتستولي علي قلوبنا ، ونحب أن نلاحظ أن الله تعالى فى القرآن لا يسمي أنواع المتاع الدنيوي المادي بأنها خيرات بل شهوات حتي ما يتعلق منها بالعواطف الإنسانية  ودليل ذلك قوله تعالى ( زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المئاب ) آل عمران   /14 ) 

فها نحن أولاً نرى أنواعاً من السعادة الحقيقة للإنسان  وهي حياة الأسرة  وما فيها من المحبة والأبناء والأموال .... الخ لكن ذلك كله " متاع الحياة الدنيا " ومتاع الدنيا قليل ( النساء /77 ) ، وذلك بالمقارنة بنعيم الحياة الأبدية ( آل عمران  /15 ) .

والإنسان    يقف بحسب القرآن موقف الاختيار ،فهو إما أن يختار الحياة الدنيا وزينتها " وإما أن يفضل الخيرات الحقيقة فى الآخرة وهو فى الحالين يستوفي ما تتجه إليه   إرادته ( هود /15 ، الإسراء /18 ـ 21 ، الاحزاب /28 ـ 29 ) لكن بما أن الله أنعم على الإنسان    بهذه الحياة الدنيا فإنه   يريده أن يتمتع بزينتها وطيباتها دون حرج ، وكل ما عليه هو أن يشكر الله ويعمل صالحا وأن يتجنب ما يؤاخذ عليه عند الحساب ( البقرة / 172 ، الاعراف /32 ، المؤمنين /51 ) .

لكن على الإنسان    العاقل أن يفكر ويطمح دائما إلي الحياة التى هي خير وأبقي (الأعلي /17 ) ، والسبيل إلي الحياة العليا هو الخير بالمعني الذى جاء فى القرآن ، وهو ما فرضه الله على الإنسان    من العبادات والطاعات والبر والخير .

بهذا المعني يشمل كل فضائل الدين ، والفضائل الاجتماعية ، ويدخل كله تحت مفهوم " العمل الصالح " والله تعالى  يقرن فى القرآن دائما بين الإيمان  والعمل الصالح ( البقرة / 62 ، المائدة / 69 ، مريم /60 ) كما يدخل تحت مفهوم " الباقيات الصالحات " التي هي خير عند ربك ثوابا وخير أملا " ( الكهف /46 ) ، أي أنها أعظم أجرا وأوثق ما يمكن أن يعلق عليه الإنسان    آماله فى السعادة الكاملة .

وإذا كانت الخيرات درجات كما تقدم القول فإن  فى القرآن مفهوم ( أعظم الخيرات كهلا ،ونحن ندرك هذا إذا عرفنا أن خيرات هذه الدنيا هي على قدرها وأن خيرات الحياة العليا أعظم بكثير ، لكن الخيرات كلها من الله وهي من مخلوقاته ومهما كان أمرها فإنها تعود على الإنسان    فهي منفعة ذاتية له ،لكن هل الخير الحقيقي هو ما نحبه لنسعد به أنفسنا ؟ ام هناك خير أعظم هو مصدر كل خير كما أنه مصدر كل حق، وهو الخير المطلق الأعظم الذي نعرفه عندما ننظر فى هذا العالم فيدلنا على خالق الأشياء كلها ، خالق الدنيا والآخرة الذي له الكمال والجلال، والإكرام وعند ذلك ماذا يكون موقفنا؟ هل يمكننا أن نزعم أن خيرات الحياة الدنيا ، وحتي خيرات الآخرة خيرات مطلقة فى ذاتها ؟ وبلا قيد أو شرط ؟ أم هي خيرات بالنسبة إلينا، وبالنسبة فيما بينها، لكن خالقها هو الخير الحق ،ولذلك فإن  أولئك المصريين الذين آمنوا بموسي بعد أن أظهر الآيات الدالة على رسالته وبعد تهديد فرعون لهم قالوا له : 
( لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا ( 72 ) إناء امنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقي ) ( طه /72 ـ 73 ) .

والناس فيما يتجهون إليه   طوائف منهم من يجعل همه حب المال والجاه ، ونعيم الدنيا ، وهؤلاء غافلون عن الخير الحقيقي، ومنهم أذكياء يوازنون بين نعيم الدنيا وبين النعيم المنتظر بعدها ، فيختارون ما هو أحسن وأعظم، لكن هناك طائفة أعلي، وهم الذين ينظرون إلي الدنيا والآخرة من جهة، وإلي خالق الدنيا والآخرة من جهة أخري ، فلا تتعلق قلوبهم بشيء من ذلك إلا لأنه من الله ، وهم يذكرونه فى كل أحوالهم ، ويرجون لقاءه ورضوانه ، وخصوصاً مشاهدة ذاته العلية، وهذه هي : " رؤية الله " التى لايمكن أن نتصورها بخيالنا ولا حتي بعقلنا لأنها انكشاف معرفة عليا تفوق تصورات العقل بما لا نهاية له ، كما أن تصورات العقل تفوق إدراكات الحواس من حيث النوع والدرجة ، والمؤمنون جميعا فى الديانات المنزلة ينتظرون السعادة العليا بتلك المشاهدة ، وهي الخير الأعظم الذي يجب أن يتجه إليه   الإنسان    فيما يبغية من سعادة ، كما أن الله تعالى هو الحق وله الجمال الأعلى كما ستري .

القاعدة العامة بالنسبة لسلوك المؤمن نحو ما يتجه إليه هو قوله تعالى : ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات ... ) معني هذه المبادرة هو أن نقصد ما هو أحسن وأفضل ولا ننسى أن لفظ الخير يدل على ما هو خير وفى الوقت نفسه فهو صفه تدل على ما هو أفضل لكي يختاره الإنسان    الذى يطمح إلي الكمال وإلي التكامل بما هو أعلي وأفضل .

معرفة الخير والشر : ـ 
يحق للقاريء أن يسأل : كيف يعرف الإنسان    ما هو خير وما هو شر بحسب القرآن ؟

هنا يحسن أن نلاحظ أن الله تعالى من أول الأمر علم الإنسان   ،و بين له رسالته فى الأرض وتولاه دائما بهدايته، والقرآن يقول على كل حالL وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ) 
( فاطر /24 ) ، وهذا حكم عام يدخل فيه الرسل والأنبياء وكل من أرشد الناس إلي الخير عند عدم وجود الهداية الإلهية .

لكن الاراء كثيرة فى تحديد المصور لمعرفة ما هو خير وما هو شر : بين من يقول : إن واقع الحياة يعلم الإنسان    ما ينفعه أو يضره وما يسعده أو يشقيه، وبين من يقول : أن العقل هو الذى يميز الخير من الشر، أو يقول أن فى الإنسان حاسة خلقية Moral Sense  يدرك بها ما هو خير ويبعث فى نفسه التقدير ، والاحترام وما هو شر ترفضه الحاسة وتستنكره ونحو ذلك من الاراء .
 أما القرآن فهو يقول بكل وضوح أن الله خلق الإنسان    فى ( أحسن تقويم ) ( التين /4 ) ، فهو بفطرته يدرك ما هو خير وما هو شر ، وهذا ما يدل عليه قوله تعالي ( ونفس وما سواها فألهما فجورها وتقواها قد أفلح من زكها وقد خاب من دسها ) الشمس /ـ7 ـ 10 ) . وهذه الآيات تدل على التمييز الفطري وتحض على فعل الخير، وترك الشر .

كما يقول القرآن فى سياق ما أنعم الله به على الإنسان من ملكات ( وهديناه النجدين ) ( البلد / 10 ) ، والمقصود هو الطريق الواضح لمعرفة ماهو خير وما هو شر فإذا كان الإنسان يحتاج إلي معرفة الخير الحقيقي الكامل ولا سيما ما يتعلق بالقيم الكبرى والأهداف العليا للحياة الإنسانية  ، فإنه   يحتاج إلى الهداية الإلهية لكن ذلك يأتي دائما متفقا مع الحكمة وسلامة نظام الحياة فى الحياة الدنيا والسعادة فيما بعدها .

والإنسان    بما فيه من استعدادات أخلاقية وعقلية يدرك وجود الحكمة فيما يأمر الله به وينهي عنه وهو إذا كان سليم الطبع فإنه   بفطرته يؤكد ذلك ومن هنا نفهم قول الله تعالي فى حق أهل البر والخير أنهم يفعلون ذلك ( ابتغاء مرضات الله، وتثبيتا من أنفسهم ) ( البقرة /265 ) وعلى أساس ما جاء فى القرآن فإن  مفكري الإسلام متفقون على أن العقل يميز ما هو شر مما هو خير ، أما الإلزام والجزاء فهو بحسب ما يبينه الله ، لأن ذلك يخرج عن حدود معرفة الإنسان    .

الجمال : ـ 
كما أن الله تعالى أبدع هذا العالم الرائع ونصبه أمام حواسنا وعقولنا وحضنا على التفكير فيه لكي نستدل على وجوده تعالي من صنعه العظيم فإنه   أيضا أسبغ الجمال على كل ما خلق
 ( الذى أحسن كل شيء خلقه ) ( السجدة /7 ) وهو سبحانه  فطر نفوسنا على إدارك الجمال وعلى محبته ، ونبهنا إليه   وكل ذلك من آيات التناسق فى صنع الله القادر الحكيم .

وفى القرآن الالفاظ التى تشير إلي الملامح التى تسر النفس :" الجمال " الحسن "، البهجة "الزينة"، وغير ذلك من ألفاظ تدل على تكامل الجمال مثل مفهوم " التسوية"، فالله تعالى
  سوى كل شىء خلقه وهذا كما يشمل نظام السماء فهو يصدق على نظام النفس النازعات /28 الشمس /7 ) ، ومعنى التسوية هو أن الله جعل الشيء متعادلا متناسقاً فى تكوينه الأعلى /2 ) ثم الإتقان فى الصنع ( النمل /88 ) ، والتقويم بمعني تكامل التركيب ( لقد خلقنا الإنسان    فى أحسن تقويم ) ( التين /4 ) ومعني ذلك أن الله خص الإنسان    بنوع من الجمال المتكامل الذى يتمثل فى " انتصاب القامة ، وحسن الصورة أو استجماع خواص الكائنات ونظائر سائر الممكنات ( بيضاوي  ) .

 ولما كان الله تعالى كاملاً وجميلاً بالمعنى المطلق، فإن  من الطبيعي أن يكون كل ما خلقه جميلا فى ذاته لا بحسب تقديراتنا الذاتية التى لا تدرك كل حقائق الجمال ،كما أنها لاتبلغ إلي الإدراك التام لحقائق الأشياء .

ومظاهر الجمال فى صنع الله تعالى لا حصر لها وقبل أن نتكلم عما أشاد إليه القرآن من أيات الجمال فى هذا الكون لابد أن نشير أولا إلي ما يميز به القرآن نفسه من أنواع الجمال، فى فصاحه ألفاظه وبلاغة عباراته، وهذا ما أحس به أوائل من سمعوه ومن جاء بعدهم فتحدثوا عما له من " حلاوة " وطلاوة " " وعذوبة " وتأثير لايمكن تعليلة ، حتي وصفوه بأنه " سحر " لكن جمال القرآن لاحصر له ( ولو أنما فى الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27 ) ( لقمان /27 ) .

ونكتفي بأن نشير من ذلك إلي ما فيه من المعأني التى يدركها " أولو الألباب " ، لأنها توقظ عقل الإنسان    وتحي قلبه ، وتنبه حواسه ، وبذلك توجه كل ملكاته إلي ما يسموبها ، وهذا لايعرفه إلا من كانت له ( روح ) أو " قلب " ، وكان عند قراءته للقرآن حاضر الذهن لكي يشعر بما فيه من آيات وحقائق من"  عالم الغيب " لأن القرآن كما يقول الله تعالى ( وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ... ) الشوري /52 ) أي من "عالم الأمر " الذى أشار الله تعالى إليه  ولا تلوح حقائقه إلا
 ( لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد ) ( ق /37 ) .

والقرآن يلفت نظرنا إلي مظاهر الجمال على مستوي هذا الكون فى جملته : فى الأرض وما عليها من الجمال المتنوع : ( إنا جعلنا ما علي الأرض زينة لها ) ( الكهف /7 ) وفى السماء وزينتها بما فيها من نجوم وكواكب لا تحصي وتتألق بكل ألوانها الجميلة ( أفلم ينظروا إلي السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ) (ق /6 ) .

بعد هذا يلفت القرآن نظرنا إلي جزئيات الجمال من أولها وأبسطها ما يدل عليه قوله تعالي :( ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير "( الحج/3 ) أو قوله تعالى ( ..... وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ... ) ( النمل /60 ) ،ولنلاحظ ما تشير إليه  صيغة لفظ ( بهيج ) فهي تدل من جهة على صفة ما تنبته الأرض ومن أنواع الزهور الجميلة ، وتشير من جهة أخرى إلي قوة تأثير ذلك الجمال وابتهاج النفس به وفى مواضيع أخرى يقول القرآن : " أو لم يروا إلي الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم ) ( الشعراء /7 ) ولفظ كريم يدل على شيء يضاف إلي الجمال وهو المنفعة والفائدة .

فوق هذا كله جمال الصورة الإنسان   ية  التى يذكرها الله مقرونة إلي إحكام نظام السماوات والأرض(خلق السماوات والأرض بالحق وصوركم فأحسن صوركم ) ( التغابن /3 ) ، وجمال الإنسان    لايقتصر على الجمال الظاهر بكل ألوانه ، رغم جاذبيته الشديدة للعين والقلب ، ورغم ما يثيره من فتنه بل يتجلي أيضافى جمال الشخصية عندما تتحلي بجملة صفات الروحانية والخير والنبل وفى القرآن إشارة إلي " التجربة الجمالية " التى تفتن وتذهل ، كما نقرأ ذلك فى سورة سيدنا يوسف عليه السلام ، فلم يكن ذلك الجمال مجرد ملامح الحسن الذى تتدركه العين بل كان فى إشراق طهارة الروح التى آشار إليه   القرآن .

وفى القرآن ذكر الجمال فيما خلق الله من أنواع الحيوان ( والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون  * ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ) ( النحل /5 ـ 6 ) ، وإذا كانت الآية تشير إلي الأنعام خصوصا الخيل بكل ما يعجب الإنسان    من جمالها وخيلائها مما يدعو إلي تزيينها بكل أنواع الزينة وإلى الاعتزاز بها فإن  فيما خلق الله من أنواع الطير ، والفراش وحيوانات البحر وغير ذلك جمالا يندرج تحت قوله تعالي(الذي أحسن كل شيء خلقه)( السجدة /7 .

وكل ما تقدم يشير إلي جمال المبصرات، ولكن القرآن يشير إلي جمال المسموعات خصوصا الاصوات الجميلة . وقد فهم المفسرون من قوله تعالي : ( يزيد فى الخلق ما يشاء ) ( فاطر /1 ) أن من ذلك حسن الصوت ، والله تعالى يعلم ما فطر عليه الإنسان    من حب الجمال والقبول من الجميل ولذلك فإن  الرسول عليه الصلاة والسلام يقول : " ما بعث الله نبيا ولا رسولا إلا حسن الوجه حسن الصوت حسن النسب " .

والقرآن يحدثنا عن جمال الصوت إذا كان فى التعبير عن المعاني الدينية ، ومن ذلك ، تسابيح ودعاء سيدنا داود عليه السلام ، حيث كانت تشاركه فى ذلك الجبال ( ولقد ءاتينا داود منا فضلاً يا جبال أوّبي معه والطير .... ) ( سبأ /10 ).
 
ولا يصح أن يندهش أحد من أن الجبال والطير كانت تردد مع داود تسابيحه ودعاءه ، لأننا لايصح أن نقيس الأمور دائماً بالنسبة إلينا لأن القرآن يبين أن كل شيء يسجد لله ويسبح بحمده ، وإن كنا لانفقه ذلك ( الإسراء /44 ) . وفي القرآن أن الجبال تسجد لله كما تسجد سائر الكائنات كل على طريقته ( الحج / 18 ) ، وأن الطير تصلي،و تسبح ( ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافت كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون ) ( النور /41 ) ولا  أجد حرجا إذا قلت أن بين جبال سويسرا جبلا اسمه Zermat  ، يقف وحده شاهقا وقمته منحنية انحناء ظاهرا ، والناس يقولون إنه ينحني إجلالا للخالق العظيم .

 والجمال لايقتصر على جمال المحسوسات ، فهناك الجمال فى الأخلاق ومن ذلك عبارة " حسن الخلق " ، وأن تسمية الأعمال الصالحة بأنها " حسنات " .

يشير إلي جمالها وإلي جمال النفوس التى وراءها ولاتدركه العيون إنما تدركه القلوب ، والبصائر.

والقرآن يذكر لفظ الإحسان وهو مبدأ عام يأمر الله به مقرونا إلي العدل ( أن الله يأمر بالعدل والإحسان ) ( النحل /90 ) ، والإحسان يذكر خصوصاً فى معاملة الوالدين، ولايراد منه مجرد العناية المادية بل كل أنواع البر واللطف وحسن الكلام ، وفى القرآن قوله تعالى : ( وقولا للناس حسنا ) ( البقرة /83 ) ، وقوله ( ووصينا الإنسان بوالديه حسنا ) العنكبوت /8 ) ،والمقصود هو الكلام الحسن ،والعمل الحسن الذى من جماله أن يقال عنه أنه الحسن نفسه .

واذا كان الجمال يتمثل فى الأعمال الصالحة كلها على مستوى الواجبات الدينية والاجتماعية فإن  على الإنسان    أن يحسن إسلامه وعبادته ، بحيث يتحقق من استغراقه فى مناجاة الله معني الإحسان فى قول الرسول عليه الصلاة والسلام : الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه " .

والقرآن يوصي بالجمال المعنوي فى أدائنا لواجباتنا فى الامور الحساسة وذلك بأن يراعي الإنسان    إحساس الغير ومن ذلك ذكر السراح الجميل " ، عندما تنحل حياة الأسرة  بالانفصال، هنا يأمر الله الزوج أن يتلطف فى إكرام المرأة عند مفارقتها غاية الإكرام بقوله: فمتعوهن وسرحوهن سراحاً جميلاً ) ( الأحزاب /49 ) .

بل إن الجمال مطلوب حتي فى الأحوال النفسية التى يعانيها الإنسان ، ومن ذلك مفهوم ( الصبر الجميل ) بمعني الرضا ، وعدم اضطراب القلب ، والإيمان  بحكمة الله فيما يصيب الإنسان    ، وقد يكون الصبرالجميل على الأذى الذي يلحق الإنسان    وهو هنا بمعني الصفح وعدم الاصرار على الأنتقام ، وربما مع الرثاء والدعاء للغير ، والله يقول لرسوله ( وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل ( الحجر /85 ) ، وكل ذلك من صفات الأنبياء والمصلحين وأصحاب المثل العليا .

ولقد كان ذكر الجمال على تنوعه فى القرآن الكريم والتنبيه إلي النظر إليه  من أسباب الاهتمام بتجميل الحياة عند المسلمين والظهور بمظهر الجمال فى مختلف الأحوال والمناسبات العامة سواء فى أيام الجمعة عند الذهاب إلي المساجد ( يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد )
 ( الأعراف /31 ) ، أو  فى أيام الأعياد والمناسبات الدينية .

ثم إن القرآن ينبه إلي أن الله أحل الزينه لعباده وهو يذكر أنها زينه الله لأنها منحة منه ومنسوبة إلي صنعه البديع : ( قل من حرم زينة الله التى أخرج لعباده ،و الطيبات من الرزق قل هي للذين ءامنوا فى الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الأيات لقوم يعلمون ) ( الأعراف /32 ) ، واذا كان الله تعالى قد أحل أنواع الزينة وكل أنواع المتاع الذي تقدمه الحياة، فإن  ذلك كما يتبين من الآية السابقة مشروط بمراعاة المباديء الأخلاقية ، لأن الجمال إنما هو للمتعة السامية وليس للابتذال ، ولذلك فإن  الله تعالى بعد آية " الزينة " يبين ما حرمه الله ، وهو ( الفواحش ما ظهر منها ، وما بطن ) ، ولذلك فإن  من الآداب الخاصة بالجمال أن يصونه صاحبه ، أحتراماً لصنع الله ولايعرضه للانقلاب شراً فى الدنيا ووبالا فى الآخرة .

والناظر فى حضارة الإسلام   يلاحظ أن الجمال من مظاهرها العظيمية، سواء فى دقائق الجمال كما يتجلي فى الخط العربي أو فى أنواع الزخرفة ، أو فى الجمال على مستوي العمارة الضخمة التى تتجلي روعتها فى المساجد الكبري التى تبدو  مناراتها عالية من المكان العالي الذي تقام عليه ، ومن ينظر فى مساجد الإسلام   فى كل المدن الكبرى من أعماق آسيا الوسطى والهند إلي إيران   والشام ومصر شمال أفريقيا إلي جامع قرطبه العظيم وخصوصا المساجد الكبرى فى استانبول والمدن الكبرى فى تركيا ، يجد الجمال على مختلف مستوياته فى الدقه والعظمة وفى داخل المساجد يجد آيات القرآن بالخط الجميل، وهي ليست مجرد زينه، ثم هي تدل عند من يقرؤها ويتأمل معاينها على ما يشبه الأصول لحياة الإيمان  والفكر بل سياسة الدولة الإسلامية، ثم أن بعض المساجد التى أنشئت فى عواصم الدول الأوروبية مثل جامع باريس تمثل آية فنية يزورها ويتأملها الأوربي  فيري وهو فى بلاده شاهدا على مظهر من مظاهر الجمال فى حضارة الإسلام   .

وقد كتب علماء الإسلام   فى الجمال الذى أبدعه الله ولهم نظرياتهم وآراؤهم وتغني شعراؤهم بجمال الطبيعة على الأرض وفى السماء، وتغنوا بجمال الصورة الإنسانية  التي أبدعها الله ، وأعتقد أنهم فى التصوير للحسن فى جمال الصورة الإنسان   ية  فاقوا جميع الأمم ، كما أنهم فى وصفهم لدقائق الجمال فى الطبيعة خصوصا جمال الحياة النباتية، صوروا الجمال ورمزوا له بالرموز الرائعة . ومن أصحاب النظريات فى الجمال ابن حزم والغزالي .

وإذا كان الجمال فى هذا الكون مظهرا من مظاهر الصنع الالهي البديع فإن النظر إلي الجمال يذكر المسلم بصأنع الجمال ، لذلك فإنه   يذكر الله علي نحو تلقائى ومن عبارات العلماء قولهم : إن الجمال الصحيح هو ما يستنطق اللسان بالتسبيح .

ولما كان الجمال فى المخلوقات ثوبا أسبغه الله عليها فإن  الشعراء من الصوفيه خصوصا ، تغنوا بتعظيم الجمال الالهي، ومن أعظمهم عمر بن الفارض ومشاهدة الجمال الإلهي هي السعادة العليا التى ينتظرها المؤمنون فى الآخرة ، وإذا كان الله تعالي قد أبدع من الجمال ما يخلب الألباب ، فإن  مشاهدة جماله تعالى تنقل الإنسان    إلي الفناء فى الجمال المطلق الذى تسعد به الروح فتزداد جمالا على ما أسبغه الله عليها من جمال .

 أخبار الرسل والأنبياء

تمهيد

أن سير الرسل والأنبياء واخبارهم لها أهمية بالغة ، بحكم أن الله تعالي قد اختارهم لرسالاته وتعليم عباده ، وهذا يقتضي أن يكونوا قدوة لأقوامهم فى كل ما جاءوا به من عقائد وشرائع وأخلاق . لكن الناظر فى سيرهم المدونة فى الكتب السابقة يجد من الوقائع والأعمال ما لايتفق مع طبيعة الهداية الإلهية التى جاءوا بها ، وهذا يدل على عدم الضبط فى تدوين سيرهم وأنه قد دخلت فيها عناصر غريبة عنها ، وهذا لا ندخل فيه بل نتركه للمتخصصين فى تاريخ الكتب المنزلة السابقة على نزول القرآن .

أما فى القرآن فإن  الأمر يختلف لأنه سجل أخبارهم وحيا من الله تعالى وصلنا كما جاء وفى ضوء التاريخ الساطع ، والقرآن يقول إنه يقص أخبار بعض الرسل والأنبياء ولا يقص أخبار البعض الآخر ( غافر / 78 ) . وهو أيضا لايتحدث عن أخبار بعضهم إلا قليلا ، وقد يكتفي بذكر أسمائهم وبعض صفاتهم الكريمة ( مريم /56 ـ 57 : إدريس ، ص /48 : اليسع وذو الكفل ) .

أما التفصيل فهو فى ذكر أخبار الرسل الذين كانت فى حياتهم ودعوتهم احداث كبري وكان لهم شأن عظيم فى تاريخ الدين والتاريخ الإنسا ي ، من عهد آدم أبي البشر إلي نوح صاحب الطوفإن  ، ثم موسى الذي أخرج بني إسرائيل من مصر ، وآل عمران   الذين كانت منهم مريم والدة سيدنا عيسى إلي عهد محمد عليهم جميعا الصلاة والسلام .

وفى القرآن كل أخبار دعوتهم فى جوهرها إلي تمام الهداية الإلهية فى الرسالة المحمدية التى أكمل الله بها الدين للإنسانية كلها ، لكننا قد نجد تفصيلاً فى أخبار بعض الأنبياء الذين تعرضت حياتهم للمعاناة بكل ما فيها من حكمة وذلك مثل سيرة يعقوب ويوسف ، وأيوب عليهم السلام .

والقرآن فيما يقصه من أنباء الرسل يؤكد أنه " أحسن القصص " يوسف /3 ) والحق أن أسلوب القصص القرآني ، بكل ما فيه من ذكر دعوة الأنبياء وما كان فى حياتهم قد جاء فى أعلي ذروة من الجمال، والفصاحة والبيان والتصوير للأحداث على نحو يأخذ بلب القاريء ويجتذبه ويؤثر فيه بكل وجوه التأثير . وذلك الأسلوب جدير بدراسة قائمة بذاتها .

والقرآن يؤكد أيضا أنه " القصص الحق " ( آل عمران   /62 المائدة /37 الكهف /1) و" إنه لقول  فصل وما هو بالهزل ) ( الطارق /13 ـ 14 ) ، وأن ما يحكيه هو ( قول الحق ) فى أكبر مسألة أنقسم فيها المنتسبون إلي دين إبراهيم  عليه السلام أو فى مسائل الاختلاف بين أهل الأديان   الأخرى ( البقرة /113 و 176 و 213 النساء / 157 ، النحل /124 ، مريم /37 ، النمل /76 ) والقرآن يؤكد أنه يقول الحق فيما يتعلق بالسيدة مريم الصديقة والميلاد الخارق لسيدنا عيسي عليه السلام وفى هذا كله يريد القرآن أن يبين الحق ويدعو إليه   وأن يرفع الخلاف على أساس الأصل المشترك بين جميع الأديان   الثلاثة ( آل عمران   /64 ، المائدة /15 و19 ) .

وآيات القرآن تدلنا على وجوه الحكمة من ذكر أخبار الرسل والأنبياء، وأنهم إنما جاءوا ليبينوا للإنسان  معني حياته فى الأرض ، وهذا كما قال الله تعالى لآدم من أول الأمر بعد أن هيأه لرسالته : " فإما يأتينكم مني هدي فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) البقرة /38، طه /123 ) ، وجاءوا أيضا ليبينوا الحقائق الكبري فى الإيمان  والمباديء الكلية والشرائع بما فيها من الأوامر والنواهي التى بحسبها سيسأل الإنسان    عن حياته فى هذه الدنيا ( النساء /165)، ثم أن الأنبياء يؤكدون جميعاً أن جوهر الدين والإيمان  هو حقيقة واضحة ، أعني الإيمان  بالإله الواحد الحق ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه  أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) ( الأنبياء / 25 ) .

ومن جهة أخري تشتمل أخبار الرسل فى القرآن علي ما جري بينهم ، وبين أقوامهم وما عانوه من إعراضهم عنهم وتكذيبهم لهم ، وما حل بالمكذبين من عقاب الله ، وهذا من شأنه أن يدعو دائما إلي العظة والاعتبار ، وفى تلك الأخبار تفصيل لجوهر العقائد ، وهذا خصوصا بالنسبة للأديان المنزلة الأخيرة التى جاء القرآن مصدقا لها بالإجمال ، وهو بذلك يشهد لها ويضمن لها البقاء حتي لو تباعد عنها أهلها ، كما هو ملاحظ عند الكثيرين من أهل الكتاب . ويحسن أن نذكر هنا أن القرآن يأمر كلا من اليهود والنصارى . إن هم لم يقبلوا دعوة الإسلام   ـ أن يحكموا بما أنزل الله فى التوراة والإنجيل ( المائدة /44 ـ 50 ) ، بل نحن نقرأ فى القرآن ( قل يا أهل الكتب لستم على شيء حتي تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم ( المائدة /68 ) .

ثم إن القرآن أراد من كثرة ذكره لأخبار الرسل ما تعرضو له فى أداء رسالاتهم أن يشد أزر الرسول محمد عليه الصلاة والسلام فيما كان يعأنية من معارضة قومه وتكذبيهم وإذايتهم له ، لي يثبت فى دعوته ويصبر : ( وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فوءادك ) ( هود /125 ) ، ولكي يعلم ، ويتأكد أن تكذيب قومه ليس أمراً عجيبا وأنه ليس تكذيبا له بقدر ما هو جحود بالحق الذى جاء به " وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك ،وإلي الله ترجع الأمور ( فاطر /4 ) ( قد تعلم أنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونوك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ( 22 ) ولقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتي أتهم نصرنا ولامبدل لكلمات الله ولقد جاءك من نبإي المرسلين (34 ) )  ( الأنعام /33 ـ 34 ) .

( فاصبر كما صبر  أولوا العزم من الرسل ولاتستعجل لهم … ) ( الأحقاف /35 ) 
طريقة القرآن فى القصص : ـ 

نحن لأنجد فى أخبار الرسل والأنبياء سرداً متصلا لسيرة أي منهم كاملة ،نجد تفاصيل مما يعرض فى حياة الإنسان    عادة ، وهذا ما نجده فى التوراة مثلاً وإنما نجد أولا وقبل كل شيء مضمون رسالاتهم ،وجوهرها وبعض المواقف والظروف والأحداث الكبيرة فى حياتهم وفى أدائهم لرسالاتهم ، وذلك لكي يعلمها قاريء القرآن وحيا حقيقياً ،ويستخلص منها الآراء والعظة والاعتبار فالقرآن لايقص لمجرد التاريخ ، لأنه لايريد أن يثقل على القاريء بتفاصيل تشوش حول الحقائق الأساسية وكل كلامه بأسلوب موجز ومحكم يمكن الاجتهاد فى ترتيب الوقائع والاحداث كما فعل بعض المفسرين لكن ليس الأمر فىالحقيقة دائما مسألة أحداث بل هو تقرير عقائد وذكر حقائق وآراء ومسائل مستقلة فى ذاتها عن الزمان والمكان .

وبحسب طريقة القرآن فى التعليم المستمر نجد أخبار الرسل فى أكثر من سورة فى أثناء تعليم القرآن ، فيما عدا سيرة سيدنا يوسف عليه السلام لأنها سورة واحدة . ثم أن أخبار الأنبياء ليست مجرد تكرار بل هي تعليم متدرج ، وبعضها يكمل بعضا ويؤكده ويذكر به على مر السنين لأجل الطوائف المتجددة التي كانت تدخل فى الإسلام   تباعاً ، مما كان يدعو إلي التعليم من جديد بواسطة الوحي نفسه لا بإحالة الداخلين الجدد على ما كان قيل من قبل ،وربما  أن تكون قد مضت عليه سنوات . على أننا قد نجد القصة مجملة فى جوهرها إما فى السور الأولى أو  الأخيرة بحسب ما كانت تقتضية الحكمة ونحن سنجتهد فى أن نضع أمام القاريء حقائق أساسية من أخبار بعض الرسل لكي يري كل من ينظر فيها كيف أن القرآن أكمل العلم بدعوتهم ، ويتبين أيضا ما قد أنفرد به القرآن من حقائق لا وجود لها فى الكتب المنزلة قبله ومنها ما جاء تصحيحا لما فيها وهذا واجب علمي على كل باحث فى القرآن أن يقوم به والحق أن كثيرا من الذين نظروا فى القرآن من الغرباء عنه لم يتعمقوا فى القراءة والدراسة والمقارنة الدقيقة ، بل نظروا إلي أنواع من شبه ظاهري فى بعض الجزئيات بين ما جاء فى القرآن وبين ما في الكتب السابقة له وصنيعهم هذا كما يصدق على أخبار الرسل يصدق أيضا على ما جاء فى القرآن من كلام عن نظام الكون فى جملته وفى أجزائه ، فلم يلاحظوا أنه انفرد فى كلامه عن الكون بطريقة متميزة من حيث نوع الظاهرات ونوع الكلام عنها  .

والقرآن قد أنفرد فى أخبار الرسل بحقائق لا وجود لها أصلا فى الكتب السابقة أو هي قد نسيت فى اثناء تقلبات التاريخ أو تجاهلها أو جهلها الذين دونوا تلك الكتب بسبب الاختلافات بين أهل تلك الأديان  ، وهذا ما سنراه فى سيرة من سنتكلم عنهم من الرسل والأنبياء .

إبراهيم المفكر الموحد : ـ 
ولنبدأ بالرسول الذى يعتبر أبا للأنبياء ومؤسس التوحيد فى الفترة الأخيرة من تاريخ الوحي الإلهي، وهو سيدنا إبراهيم ، الذى جاء على لسأنه اللفظ المعبر عن روح الدين والتدين وحقيقة الإيمان  وهو اسم "الإسلام"   وكذلك وصف من يؤمن بالله بأنه هو "المسلم " وذلك على أساس قول الله فى القرآن عن إبراهيم  ( إذا قال له ربه ـ أسلم قال أسلمت لرب العالمين ( 131 ) ، وكذلك على أساس دعاء إبراهيم  لنفسه وولده اسماعيل ( 1 ) ، ولذريتهما من بعد بقوله ( ... ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذرياتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم  ) البقرة /128 ) .

ونحن عندما ننظر فى المواضيع العديدة التى ورد فيها ذكر إبراهيم  فى القرآن نجد أمورا ومواقف كثيرة غير معروفة من قبل ، ونحن سنكتفي بذكر بعضهم ، فى إيجاز ، وأول ما يصادفنا هو إبراهيم  " الفتى " الذي آتاه الله ( الرشد ) فى وقت مبكر ( الأنبياء /51 ) فأصبح ( مفكرا) بين قوم يعبدون الأصنام فى ظل ملك جبار مغرور بسلطانه وقدرته على التحكم فى رعيته حتي  بالحياة، والموت وينظر إبراهيم  فيما عليه قومه من جمود على ما ورثوه عن آبائهم من أن عبادة الأصنام ومن قصور فى التفكير ويريد أن يوجه عقولهم إلي معرفة الله الإله الواحد القهار .

فيشرع أولا بتوجيه إلهي فى التفكر فى "ملكوت السماوات والأرض" لكي يصل إلي الإيمان  اليقيني بوجود الخالق العظيم فيرسل نظره إلي أعلي وأرقي ما يراه الإنسان    من موقعة على الأرض ، هو السماء وما فيها من كواكب وقمر، وشمس ، فيلاحظ أنها جميعا ، رغم ما لها من روعة، تطلع وتبقي حينا ثم تتحرك إلي الأقوال فيستلفت نظره هذا التغير فى أحوالها ، وينقدح فى فكره ، كما  فهم كلامه المفسرون ، أن هذه الأجرام تتغير وأنها لإثبات لها فيستنتج أنها لم توجد نفسها ولابد أن يكون وراءها خالق دائم الوجود ولا يشبهها وهذا أمر طبيعي يهدي إليه   عقل الإنسان    إذا فكر . والقرآن بعد أن يقص هذا الخبر يذكر النتيجة التي انتهي إليها إبراهيم  ، وهي قوله ( أني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ).

ويجادله قومه فيكمل برهانه بدليل إضافي طريف يذكره القرآن وهو نوع يسمي عند الفلاسفة 
( دليل المراهنة )، وهو مشهور فى الفكر الإسلامي وله أمثلة فى القرآن ،( غافر /28 ـ 29 ) ، وكان له تأثير فى الفكر الأوروبي عند الفيلسوف الفرنسي المؤمن بسكال ( ت 1669 م ) ومن جاء بعده ، وقد شرحناه فى كلامنا عن أدلة وجود الله فىالقرآن وملخصه أن المؤمن بوجود الله يكون أقرب إلي الأمن والنجاة فى كل الأحوال من المنكر لوجوده تعالى بلا دليل ، وقد فهم علماء الإسلام طريقة تفكير إبراهيم  ووضعوا  دليله على صورة جديدة تتلخص فى الاستدلال بتغير الأشياء على حدوثها ووجود محدث لها وهو الله ، وسمو  ذلك " طريق إبراهيم  " . وتنتهي حكاية القرآن بقوله تعالى ( وتلك حجتنا ءا تيناها إبراهيم  على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم " 

إبراهيم  الموحد الثائر : ـ 
لقد كان من الطبيعي ـ بعد أن استدل إبراهيم  على وجود الله ـ أن يبدأ فى أداء واجب شعر بأن عليه أن يؤديه نحو قومه ،ويبدو أن أول ما فعله كان كلاما له مع أبيه فى عبادة الأصنام ، وهو يخاطب أباه بكل رفق وبر وحرص على هدايته ، فيقول له : ( يا أبت لم تعبد ما لايسمع ولايبصر ولايغني عنك شيئا (42 ) يا أبت إني  قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا ...) .الأب يصر على ما هو عليه بل يهدد ولده ويأمره بالابتعاد عنه ، فيفعل وهو حريص على هدايته ، قائلا له ( سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا ( 47 ) وأعتزلكم وما تدعون من دون الله وأدعوا ربي عسي ألا  أكون بدعاء ربي شقيا ... ) ( مريم /41 ـ 48 ) .

يتباعد إبراهيم  ، لكن القرآن يذكر سورة  أخري من مجادلته لأبية وقومه ، وهو فيها يثير الشك فى عقولهم لكي يفكروا ويصلوا إلى الإيمان ، وفى ثنايا ذلك يدعو لأبيه ( الشعراء /69 ـ 89 ) .

وفي موضوع آخر نجد الجدال  يشتد بين إبراهيم  وبين أبيه وقومه ، وهنا يتهمهم بالضلال وينبههم من جديد إلى الإيمان بالإله الحق بعد أن كان قد عرفه الدليل فيقول لهم : " بل ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين ) ، وفي الوقت نفسه يهددهم بأنه سيكيد لأصنامهم ، ثم يخطط لتدميرها .

وهنا يظهر إبراهيم  الثائر " ، وهو لا يزال فتى كما تدل آيات القرآن فيتخلف عن مصاحبتهم فى خروجهم ليوم عيد لهم ويوهمهم بأنه مريض ، ويريد أن يصدم طريقتهم فى التفكير  ويبين لهم أنهم على خطأ ، فيعمد إلى تلك الأصنام ويحطمها إلا أكبرها ، لكي يدركوا أنها لاتستطيع دفاعا عن نفهسا فضلا عن أن تنفعهم فى شيء ، وفى أثناء مساءلتهم التى ربما كانت أمام الملك ، لاينكر أنه فعل ما فعل ، وكان قد " جعلها جذاذا " ويستهزيء بهم قائلا : ( بل فعله كبيرهم هذا فاسئلوهم إن كانوا ينطقون ) فيرتبكون فى تفكيرهم ويكادون يهتدون ، لكنهم ينتكسون وينتهي الأمر بأن يقول لهم : ( أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون ) .

وينتهي الامر بأن يقرروا أن يحرقوه ، فيعدوا كل شيء ، ويقذفون به في النار ، فيبطل الله كيدهم بأمر خارق ينزع من النار طبيعتها : ( قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم  ) ، هذا نجده فى ( سورة الأنبياء /51 ـ 70 ، الصافات /83 ـ 113 ) .

جاء فى الحديث أن جبريل جاء إلي إبراهيم   قبل أن يلقوه فى النار وسأله هل لك من حاجة ؟ فاجاب : أما إليك فلا ، وأما إلي الله فنعم فقال جبريل : فأساله فأجاب حسبي من سؤالي علمه بحالي . ولا يمكن أن تكون قوة الإيمان  بالحق وأن تكون التضحية فى سبيل الله والثقة فى عنايته ونصره تعالي مثل ما كان ذلك عند إبراهيم  .

التحدي للملك المغرور: ــ 

وفى هذه الفترة من مجادلة إبراهيم  مع أبيه وقومه نجد منظر " المحاجة " بين إبراهيم  وبين ذلك  الملك المتجبر، والمحاجة عبارة عن الجدال الذى يحاول فيه كل من المتجادلين أن يرد الآخر عن حجته ولابد أن يكون أمر إبراهيم  ودعوته وثورته قد أنتشر واشتهر ، وأدى ذلك إلي تدخل الملك فى الموضوع وإلي تلك  الحاجة فإبراهيم  يدعو إلي الإيمان  بالله الذي خلق الخلق فهو الذى منحهم الحياة، وهو الذى يمنيهم ويقدر على أن ينشئهم من جديد ويعمد الملك إلي المغالطة ويقول إنه  أن يتحكم فى رعيته بالحياة والموت ويرد عليه إبراهيم  بما يكشف مغالطته والقرآن يذكر ذلك كله فى آية واحدة لايمكن أن يكون كلام أو جزء ولا أحكم منها . ( ألم تر إلي الذى حاج إبراهيم   فى ربه أن ءاته الله الملك إذ قال إبراهيم  ربي الذى يحي ، ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم  فإن  الله يأتي بالشمس من المشرق فأت  بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لايهدي القوم الظالمين ( 258 )  ( البقرة /258 ) .

لنلاحظ أن إبراهيم  خرج عن معارضة الملك وما في كلامه من مغالطة إلي التحدي بشيء لايقبل الجدال ، وهو  ما كان قد توصل إليه   من التفكير في نظام الكون وأنه فى يد الخالق العظيم وحده ، وبذلك صدم طريقة تفكير الملك فلم  يستطع جوابا .

ويدل سياق الآيات التالية على أن إبراهيم  سأل الله تعالى أن يريه كيف يحي الموتى ، فاستجاب الله لسؤاله وأراه ذلك بالتجربة ( البقرة /260 ) ويروي أنه فى أثناء تلك " المحاجة " أراد الملك أن يحرج إبراهيم  ، فسأله : هل عاينت ربك يحيي ويميت ؟ فلم  يستطع إبراهيم  بطبيعة الحال أن يقول نعم ، ولذلك عارض الملك متحديا له بأن يغير نظام الطبيعة إذا كان  يستطيع ذلك .

طموح إلي معرفة   أعلي : 
لكن إبراهيم  كان مفكرا طموحاً ينشد المزيد من المعرفة واليقين الذى يسكن إليه   العقل ويطمئن القلب ، فأراد أن يعرف أسرار القدرة : ( وإذ قال إبراهيم  رب أرني كيف تحي الموتي قال أو لم تؤمن قال بلي ولكن ليطمئن قلبي .... ) ، فيريه الله تعالى ذلك بالتجربة ( البقرة /260 ) وقد أراد إبراهيم  أن يصل بعد العلم الاستدلالي على قدرة الله ، إلي علم المشاهدة والرؤية ، بحيث ينعم إلي دليل العقل " المعاينة " والمرتبة الأولى هي فى عرف العلماء واهتدائهم بآيات القرآن " علم اليقين " ، أما المرتبة الثانية فهي " عين اليقين " التي أرادها إبراهيم  ، وتأتي بعدها مرتبة اعلي هي " حق اليقين وفيها يذوق الإنسان    بنفسه ما يعلمه بالعقل ، وفى القرآن الإشارة إلي هذه المرتبة الأخيرة وإلى مرتبة " عين اليقين " وذلك فى آية سورة البقرة /259 .

وفى الحديث الشريف أن الرسول عليه الصلاة والسلام، قال : في كلام القرآن عن ذلك : " نحن أولي بالشك من إبراهيم  " وهو إنما يقصد قصور معرفة الإنسان    بأسرار القدرة ولايقصد الشك فيها ، وكان ذلك هو موقف إبراهيم  .

ومن الوقائع فى حياة إبراهيم  أنه بعد محاولة إحراقه هاجر من وطنه وسكن فى المكان الذى أنشئت فيه بعد ذلك المدينة التى سميت باسمه مدينة الخليل ، وذلك من قول القرآن عن إبراهيم  : ( واتخذ الله إبراهيم  خليلاً ) ( النساء / 125 ) ، وذهب إبراهيم  إلي مصر ، وأهدى إليه   فرعون جاريته ( هاجر ) ، وتزوجها بعد ذلك ، ورزق ، وهو كبيرالسن ابنه الأول إسماعيل ( إبراهيم  /39 ) . ثم جاءت ظروف تذكرها التوراة مع شيء من المفارقات ولاضرورة للدخول فيها ( تكوين /21 ) ، وأدت إلي أن يأخذ إبراهيم  ولده إسماعيل وهو طفل ويسكنه بعد ذلك فى المكان الذى فيه البيت الحرام فى مكة وكان واديا لا زرع فيه ولا ماء ، ويتركهما هناك ويدعو لهما ( إبراهيم  /35 ـ 37 ) ، ثم ظل يتردد عليهما إلي أن أذن الله له ببناء البيت الحرام ثم يرزقه الله بعد ذلك بسنين كثيرة ولده إسحاق بعد يأس من أن تلد سارة ، وفى الأحوال كلها كانت الملائكة تبشره ( هود /70 ـ 73 ، الصافات /100 ـ 101 ، الذار يات /28 ـ 30 ) ـ لكن الأمر كله آيات تدل على قدرة الله الذى " يفعل ما يشاء " .

الاختبار والابتلاء : ـ 

كان إبراهيم  قد عرف الله بالدليل ، وفى القرآن أن الله قال له ( أسلم ) أي أسلم نفسك إلي بالتوحيد الحق والامتثال التام فى كل ما امرك به ، فاجاب ( أسلمت لرب العالمين ) والله تعالى يختبر من يصطفهم من عباده ليقويهم على أداء رسالاته ، ثم هو يلطف بهم ، فابتلي إبراهيم  بأن يذبح ولده ، وتدل آيات القرآن على أن ذلك كان بعد أن نجاه الله من قومه وهاجر ، وكان الولد قد أصبح فتى بدليل قوله تعالى : ( فلما بلغ معه السعي ) أي السعي والمشاركة له فى أعماله ، فامتثل الأب وأطاع الولد ( فلما أسلما وتله للجبين ) ، أي لما استسلما لأمر الله ، وأراد إبراهيم  أن ينفذ الأمر ناداه الله تعاىي ( أن يا إبراهيم   قد صدقت الرُءيا )، وفدى الله إسماعيل بكبش عظيم ( الصافات /99 ـ 110 ) .

ول اشك أن الذبيح هو إسماعيل لأنه كان الابن الوحيد ، وهذا ما يشير إليه   القرآن بقوله : ( إن هذا لهو البلؤا المبين ) ، أما إسحاق فإنه لم يولد إلا بعد إسماعيل بسنين كثيرة ( أربعة عشر عاماً بحسب التوراة لأن إسماعيل ولد و إبراهيم  فى السادسة والثمانين وولد له إسحاق وهو ابن مائة عام ( تكوين /17 ) ثم إن إبراهيم  نفسه يقول بحسب القرآن ( الحمد لله الذى وهب لي علي الكبر إسماعيل وإسحاق إن ربي لسميع الدعاء ) ( إبراهيم  /39 ) والآية تدل على الترتيب .أما فى التوراة فنجد كلاما غير دقيق ، ونجد أن إبراهيم  لما أخذ ولده إسماعيل بعيدا عن زوجه سارة كان ذلك بعد فطام إسحاق ، وأن إبراهيم  أخذ هاجر ووضع على كتفها خبزا وقربة ماء والولد ، فإذا كان صحيحا فإن  إسماعيل كان في الخامسة عشرة على الأقل ولا يمكن وضعه هو والخبز والماء على كتف هاجر ، ثم يأتي بعد ذلك أنها بعد أن تاهت فى البرية طرحت الولد تحت الشجرة .هذا لايتفق أبدا مع طبيعة الأشياء ولا يصدق على إقصاء إسماعيل ألا وهو طفل تحمله أمه ( تكوين / 21 ) .

وليس فى التوراة ذكر لإخبار إسماعيل ولا لبناء البيت الحرام ولكن فيه أن رحلات إبراهيم  تعددت جنوبا وفيه لقوافل الاسماعيلين ونحن لم نرد بذكر هذا كله إلا لنبين أن القرآن يكمل ويصحح كل شيء حتي الوقائع وأن الذين دونوا التوراة لم يهتموا إلا بأخبار إسحاق وذريته من بعده ، مع أن التوراة ( تكوين /17 ) تقول أن الله سيبارك إسماعيل وأنه سيجعل نسله أمة كبيرة وأنه يسكن أمام  إخوته  .

والآن للنظر حكمة الله فى هجرة إبراهيم  بولده إلي وادي مكه حيث سيكون إسماعيل ( رسولا نبياً ) ، ( يأمر أهله بالصلاة والزكاة ) ( مريم / 54 ـ 55 ) ، وهناك تنشأ أمة جديدة فى أرض جديدة إلي أن يظهر الإسلام   على يد رسول الله من ذرية إبراهيم  وعلى ملته : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم  حنيفا ) ( النحل /123 ) ، فيكملها ويفصل الهداية الإلهية وحقائق الإيمان  بأدلتها ويقدمها للإنسانية : ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ) ( المائدة /3 ) .

الاصطفاء : ـ 
فلا نعجب بعد هذا كله أن يختار الله إبراهيم  إماما للناس : ( وإذا ابتلي إبراهيم  ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما …. ) ( البقرة /124 ـ 131 ) ويدل سياق الآية على أن الله أمره ببناء البيت ، فرفع قواعده وهو يدعو لنفسه وولده من بعده : ( وإذ يرفع إبراهيم  القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ( 127 ) ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم  ربنا وابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم ءايتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم 'انك أنت العزيز الحكيم ) 
( البقرة /127 ـ 129 ) . 

ثم أمر الله إبراهيم  أن ينادي للحج : ( وأذن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ( 27 ) ليشهدوا منفع لهم ويذكروا اسم الله فى أيام معلومات … ) ( الحج /27 ـ 28 ) . وصار البيت منذ ذلك العهد البعيد ولايزال ( مثابة للناس وأمنا) ومكانا طاهراً ( للطائفين والقائمين والركع السجود (26 ) ( البقرة /25 ) وفى البيت وفيما حوله يلتقي المؤمنون بالله الواحد الحق من كل بقاع الأرض فى أكبر تجمع بشري تتحد فيه العقول والقلوب بقول : " لبيك اللهم لبيك " وهذه هي الإجابة لله تعالى بالطاعة والدعاء .

هذه وغيرها وقائع فى حياة إبراهيم  ، وهو الذى جاء ربه ( بقلب سليم ) الصافات /84 ) ، أي بقلب بريء من الشرك مملوء بالثقة بالله والتوجه إليه   وحده فى كل الظروف والأحوال .

والقرآن يذكر أن إبراهيم  كانت له " صحف " ويذكر بعض ما اشتملت عليه من آيات " جامعة لأمر الديانة  وخلاصة الكتب المنزلة " بيضاوي  فى تفسير سورة الأعلي / 14 ـ 19 ، النجم ، /38 ـ 42 ) ، والقرآن يصف إبراهيم  أنه كان " أمة " ( النحل /120 ) ، يعني أنه كانه " أمة " لكماله واستجماعه فضائل لاتكاد توجد إلا متفرقة فى اشخاص كثيرين ... وهو رئيس الموحدين وقدوة المحققين ( بيضاوي  ) . 

وعندما كان اليهود والنصارى يدعون أن الهداية لاتكون إلا عندهم أجاب القرآن بقوله : ( قل بل ملة إبراهيم  حنيفا وما كان من المشركين " ، ( البقرة /135 ) ، أي أن الله " اصطفاه وخصه بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله " ثم إن القرآن يعظم ملة إبراهيم  إلي حد قوله ( ومن يرغب عن ملة إبراهيم  إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه فى الدنيا وإنه فى الآخرة لمن الصالحين ) ( البقرة / 130 ) ، وفى مقابل معارضة اليهود والنصارى للرسول عليه الصلاة والسلام يأمره الله أن يقول : ( قل إنني هدني ربي إلي صراط مستقيم ديناَ قيما ملة إبراهيم  حنيفاً وما كان من المشركين ) ( الأنعام /161 ) .

وإذا كان أهل الكتاب جميعا اليوم يعظمون إبراهيم  وجاء الإسلام   مصدقا لملة إبراهيم  ولرسالة موسى وعيسى عليهما السلام فإن  المنطق يقتضي منهم أن يقبلوا ما جاء به محمد عليه الصلاة والسلام كما أشرنا من قبل لتفسير الرازي لآية سورة النساء 125 .

ولكن الذى حدث فى تاريخ الدين المنزل أن كثيرا من الأمم كذبوا الرسل الذين أرسلوا إليه   ، ويظهر أن دعوتهم كانت دعوة إجمالية للإيمان بالله من غير تفصيل للأدلة ، وربما كان ذلك لقلة المران على التفكير النظري المستند إلي تأمل نظام هذا الكون ، فأعرضوا عن دعوة الرسل ( وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه ) ، أي ليقبضوا عليه ويتمكنوا من إصابته بما يريدون من أذي أو قتل ( وجادلوا بالبطل ليدحضوا به الحق ) ( غافر /5 ) ، فأهلكهم الله بذنوبهم ، وقد قدمنا شرح ذلك فى كلامنا عن السنه الإلهية فى تغيير الدول والقضاء على الحضارات المنحرفة عن سنة الله.

لكن من المآسي فى تاريخ الأديان   المنزلة الثلاثة الأخيرة أن السابق منها يتنكر للاحق ، رغم أنه اللاحق يصدق ما جاء قبله ، وهنا يبقي للمتخصصين فى تاريخ الدين ، وللإنسان    المفكر الذى ينشد الحق واليقين فى أمور الدين والإيمان  أن يدرس فى عدل وإنصاف و يقارن ويحكم بالحق ويختار ما يهديه إليه   عقله .

أما القرآن فإننا نجد فى آياته أن الناس كانوا ( أمة واحدة ) ، وربما كان ذلك لأنهم كانوا موحدين منذ عهد آدم وموحدين على الفطرة ثم اختلفوا ، وهذا طبيعي بسبب العوامل الكثيرة التي تؤدي إلي الاختلاف فى الآراء ، مثل اتباع الهوى أو الاستبداد بالرأي أو تضليل الشيطان ، والله تعالى أرسل الرسل مبشرين ، ومنذرين ، وأنزل معهم ( الكتاب بالحق )، أي التعليم الإلهي الصحيح ، فاختلفت كل أمة فيما جاءها ، كما اختلف أهل الأديان   المنزلة أيضا، وكان من ذلك الاختلاف فى وجهات النظر ، لكن كان منه ما وقع " بغيا " من بعضهم على بعض ، والبغي هنا بمعني تجاوز الحق إلي الباطل أو إرادة بعضهم مالا يحق لهم ، مثل أن يحملوا غيرهم على دينهم أو علي مذهبهم ورأيهم ، كما حدث بينهم فىالمذاهب فى داخل الدين الواحد أوبين الأديان   المختلفة فيما بينها ، وهذا ما دفع فى تاريخ كل دين وفى تاريخ العلاقة بين الأديان   
( البقرة /213 ، 253 ، آل عمران  /105 ، يونس /19 ، 93 ، الجاثية /17 ، النحل /63 ـ 64 ) ، ولكن هذه إرادة الله فهو قد أرسل لهم الرسل وبين لهم الحق ولكنهم لأسباب كثيرة اختلفوا أو جحدوا ، فأمهملم وسيحاسبهم ، كل منهم بما صنع ويفصل بينهم فيما اختلفوا فيه : ( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم  يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد ( 17 ) ( الحج /17 ) .

أما القرآن فإنه قد بين الحق للناس وأوجب عليهم أن يستعملوا عقولهم وأن يتثبتوا قبل أن يتبعوا الآراء : ( ولاتقف ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا) (الإسراء /36 )، وهو لما كان آخر الكتب المنزله فإنه ذكر أنواع الاختلافات فىالأديان   وبين الأديان   .أما الحكمة من نزوله فهي فى قوله تعالى ( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدي ورحمة لقوم يؤمنون ) ( النحل / 63 ـ 64 ) .

وبعد هذا كله تبقي الحقيقة الإيمانية الكبري ، وهي جوهر ملة إبراهيم  : الإيمان  بالله وحده والإسلام   له وحده وكذلك تبقي الحقيقة الإنسان   ية  الكبري ، وهي أن البشر جميعاً أسرة واحدة ، وإذا كانت إرادة الله تعالى : ( قد أذن بأن يختلفوا مهما كانت أسباب الاختلاف فإنه  يجب أن يشعروا بما بينهم من أخوة إنسان   ية، وبما يجب عليهم على هذا الأساس من العدل والإحسان والمحبة أما المعيار للتفاضل فيما بينهم فهو ما جاء به القرآن ( يأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير"(13)  ( الحجرات/13 ) .

عيسي رسول الله وكلمته ألقاها إلي مريم : ـ 
تتفق الأديان   المنزلة الثلاثة بوجه عام فى الإيمان  بالإله الواحد الحق ( خالق السماوات والأرض) ، ( خالق كل شيء ) ، لكن الخلاف الأكبر بينهم كان هو حول سيدنا عيسى عليه السلام وميلاده الخارق للعادة بلا  أب بالمعنى الدنيوي وكذلك حول والدته السيدة مريم ." 

فاليهود أنكروا رسالته وقالوا عن والدته ما قالوا من بهتان " ( النساء /156 )، وعلماء النصارى فى أثناء تفسيرهم للظاهرة الخارقة فصلوا العقيدة المسيحية بعد أبحاث ومجادلات طويلة وعقد مجالس لتقرير أصول العقيدة، ونحن لا ندخل فى ذلك وإنما نريد أن نبين ما في القرآن حول المسيح عليه السلام وجوهر رسالته وقداسة والدته .على أننا لانجد فى التوراة ولا فى العهد القديم كله شيئا يذكر عن السيدة مريم ، مع أنها من واقع التاريخ والحياة الدينية عند اليهود .

ومن جهة أخري فإن  الأناجيل لم تفصل كيفية تلك الظاهرة الكبيرة لكن فيها ( ل : 1  /26 ـ 35 ، 2 /21 ) أن جبريل ، وهو روح القدس ، أعلن لها أنها الأم العتيدة للمسيح المنتظر ابن الله، وأنها المباركة من النساء والمنعم عليها بنعمة عظمى وأنها مثل أعلى للنساء والأمهات قاطبه . ( ل : 1 /28 ، 2 / 27 و 33 و41 و48 ، 3/23 نقلا عن قاموس الكتاب المقدس إشراف الدكتور بطرس عبد الملك ) .

أما عن المسيح عليه السلام فإننا  نجد فى العهد القديم نبوءات كثيرة وذكر تحققت فى العهد الجديد ( القاموس السابق ص 861 وما بعدها ) .

وكلام القرآن عن سيدنا عيسى وأمه موجود فى أكثر من سورة ، بإيجاز أحيانا   وبتفصيل أحيانا   أخري وبحسب طريقة القرآن فى التعليم المتدرج فى ذكر أخبار الرسل والأنبياء . ومن ذلك كثير عن كيفية حمله ،وميلاده ورسالته إلي بني إسرائيل " مؤيدا بروح القدس " وعن عقيدته التى دعاهم إليها و( البينات ) أي الخوارق التى جاء بها إليهم ( آل عمران   /48 ـ 51 المائدة / 110 ـ 112 ) ، وفى القرآن إشارة إلي روح التقوي والرحمة والرأفة التى جعلها الله فى قلوب الصادقين من المؤمنين به إلي جانب   رهبانية ابتدعوها ابتغاء رضوان الله ( الحديد /27 ) ، وكذلك فى القرآن إشارة إلي أن أقرب الناس مودة للمسلمين هم النصارى ( ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لايستكبرون ( 82 ) ( المائدة /82 ) .

والناظر فى آيات القرآن فى أمر المسيح عليه السلام ووالدته وميلاده يجد أمورا كثيرة ، منها 
ما يتعلق بحكمة الله وقدرته فى أن يفعل ما يشاء ، ومنها ما يتعلق بالعقائد والآراء والوقائع عند النصارى ، ونحن لانريد التركيز على الفوارق الاعتقادية بين المسلمين والنصارى ، لأننا نريد أن نعرض ما فى القرآن بحسب الآيات وما يمكن أن نفهمه منها .

وأول ما نحب الإشارة إليه  هو أن الله تعالى جعل من سيدنا عيسى وأمه ( آية للعالمين ) ( الأنبياء /91 ، المؤمنون /50) ، وهي آية متنوعة المظاهر : ميلاده من عذراء طاهرة " لم يمسسها  بشر " وكلامه لها فى ساعة ولادته ليهديء من روعها، ثم كلامه بعد ذلك وهو فى المهد ليبرئها من الاتهام لها ، هذا إلي جانب   المعجزات التى وقعت على يديه وهو يبلغ رسالته لبني إسرائيل كما تقدم القول وهنا بالنسبة للأمر الخارق ، لايصح أن نفسره بأي نظريات أو آراء فلسفية أو أنواع من التخيل إلا بحسب ما يبينه الله الذي قضى الأمر كله .

ولاشك أن ميلاد إنسان  من عذراء بإرادة الخالق المبدع على النحو الذى تتسع له قدرته المطلقة ليس بالأمر المستغرب إلا بالنسبة لما ألفناه فى دنيانا  هذه .

أما الحقيقية فإن  ذلك الميلاد إنما جاء إكمالا للوجوه الممكنة للخلق الإبداعي على مستوي الإنسان ، وهذا يتضح لنا إذا نحن تفطنا إلي أن الله خلق آدام على نحو  فريد فلا أب ولا  أم ، ثم إنه تعالى خلق زوجه منه بلا أم ونحن لانعرف من ذلك إلا المعى الظاهر للألفاظ من قوله تعالى مثلا : ( هو الله الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها )( الأعراف / 189 ) ، والزوج هو النظير المكمل لتلك النفس فى الوجود ،وفى النوع وفى الوظيفة فبقي من الأمور الممكنة أن يخلق الله مولودا من أم عذراء على الوجه الذى أراده سبحانه وبينه القرآن .

والقصه بأقسامها موجودة فى أكثر من موضع من القرآن وبأسلوب جميل وفى جملة آيات متكاملة كأنها وحدة تشرح الظاهرة : نجد البداية فى أمر السيدة مريم ونجد فى الآيات نفسها دعوة سيدنا عيسي وذلك فى سورة ( آل عمران   /33 ـ 62 ) ، وهم الذين اصطفاهم الله بعد آل إبراهيم  : تنذر امراة عمران ما في بطنها ليكون مخصصا لعبادة الله لايشتغل بغيرها ، فتولد أنثي ، ويتقبلها الله ( بقبول حسن ) ، ويكفلها زكريا عليه السلام ، فيدخلها فى محراب المعبد ، ثم صار يتردد عليها ، فكان ( كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا ، قال : يا مريم أنى لك هذا ، قالت : هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب )  وفى أثناء خلوة السيدة للعبادة كانت الملائكة تترد عليها وتكلمها فتقول لها مثلا :  ( يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين ) ، وتدعوها أيضا إلي مواصلة القنوت والسجود والركوع مع الراكعين لله .

وبعد هذا الإعداد للسيدة تقول لها الملائكة ( يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها فى الدنيا والآخرة ومن المقربين )، وتذكر لها الملائكة من معجزاته أنه يتكلم وهو فى المهد وأن الله يعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وسيبعثه رسولا إلى بني إسرائيل مؤيدا بالمعجزات فنتسائل : ( رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا  قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (47 ) .

وهكذا بعد أن صفت الروح الطاهرة فوق ما فيها من صفاء ، بالإضافة إلى جملة الخوارق التي جربتها بنفسها تهيأت السيدة العذراء واستعدت نفسياً لما اقتضته إرادة الله وحكمته وهذا ما نجد تفصيله فى سورة مريم ( 16 ـ 37 ) ،تعتزل السيدة أهلها وتحتجب عنهم ، ولاشك أن هذا بإلهام من الله فيأتي إليها جبريل ويتمثل لها ( بشرا سويا ) أي جميل التكوين ، حتي تراه ويتهيأ الظرف للحمل وبحسب القوانين الطبيعية البشرية ( بيضاوي  مثلا ) ولايكون حملها مشككا لها فى الأمر كله فتخاف وتخاطبه ( إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً ) فيهدي ،من روعها ،ويقول لها ( إنما أنا رسول ربك لأهب لك علما زكياً ) وهذا مصداق ما كانت قد سمعته من قبل من الملائكة الذين كانت تتحدث إليهم وبشروها به وبما سيكون من شأنه فى الدين والدنيا ، فتتساءل : كيف يكون ذلك ولم يمسسها بشر ؟ فيجيب أن هذا هو أمر الله وقضاؤه وأن الله سيجعل ولدها " آية للناس " ، ورحمة منه تعالى لهم والقرآن يشرح كيفية ذلك ولايتركه لأي تفسير آخر فيقول إنه كان نفخه خارقة للعادة بواسطة جبريل ( الأنبياء /91 التحريم /12 ) ، وكانت تلك النفخة بحسب تفسير أهل العلم بحقائق الدين ، فى درع السيدة العذراء أي فى فتحة ما من ثوبها،  ومن الواضح يحسب السنة العامة للطبيعة التي خلقها الله وعلى المستوي الإنساني من أول الأمر إلي آخره أن ذلك النفخ كان نفخ الروح وما يقوم مقام الحمل العادي ، لكي يظهر الأمر على مستوى قريب من الواقع الذى يمكن أن يتصوره العقل بحسب الشواهد السابقة ، ولا يتصوره أو يفسره بحسب الخيال الشخصي أو ما خطر لبعض الفلاسفة السابقين من اليونان   والرومان   . ( الفلسفة الرواقية مثلا ) .

على أننا نجد النظير لهذا النفخ الخارق للعادة فيما ذكره القرآن من أن جبريل نفخ فى ذلك الطين الذي خلقه الله نفخه صار منها الإنسان الذى هو نحن مثلا ( الحجر /29 ) ، بل إن نظير ذلك من وجه ما موجود من معجزات سيدنا عيسي نفسه لأنه كان بحسب القرآن " يخلق أي يصنع ويشكل من الطين تمثالا كهيئة الطير " فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله " وهذا كأنه الشاهد على ما كان لعيسي عليه السلام من روحانية ترجع إلي طبيعته الخاصة التى تظهر آثارها بإذن الله ، هذا إلي جانب  الخوارق الأخري التى يؤكد القرآن أنها دائما " بإذن الله .

أما كيفية ولادة سيدنا عيسي فإنه  بعد أن تم الحمل على هذا الوجه غير العادي تلاحقت الأحداث بسرعة وهذا يؤخذ من طريقة التعبير القرآني تنأي السيدة بنفسها بعيدا عن الناس وتلجئها ساعة الميلاد إلي ( جذع نخله ) ( فى ربوه ذات قرار ومعين ) ( المؤمنون /5 ) وهنا فى تلك اللحظة الحاسمة تتذكر السيدة الطاهرة رأي المجتمع وأقوال الناس ، وهي على كل حال بشر ، فتتمني أن تكون قد ماتت قبل وصارت نسيا منسيا وهنا تحدث الخوارق الجديدة .
 
فتسمع نداء ( من تحتها ) وهو كلام الوليد الذى وعدتها به الملائكة من قبل فيقول لها ألا تحزن وأن تنظر لتجد تحتها جدول ماء، وأن تهز جذع النخلة ليسقط منها الرطب الجني ، فتأكل وتشرب ولاتخاف فإذا رأت أحد من البشر فلا تحدثهم ، ثم تحمل السيدة وليدها وتأتي إلي قومها فتسمع الاتهام فتشير إلي الوليد ليرد عليهم فلايصدقون ذلك فينطق الوليد ( أني عبد الله ءاتني الكتب وجعلني نبياً وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة  والزكاة ما دمت حيا وبرا بولدتي ولم يجعلني جبارا شقيا .... ) .

ويختم القرآن قصة مولد سيدنا عيسي بقوله : ( ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذى فيه يمترون ما كان أن يتخذ من ولد سبحنه ـ إذا قضي أمرا فإنما يقول له كن فيكون وأن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم ) ولنلاحظ أن الآيات تشير من جهة إلي الخلاف بين اليهود والنصارى حول كيفية حملة وولادته عليه السلام ، وإلي الخلاف بين النصارى أنفسهم فى تفسير الظاهرة الخارقة .

أما دعوته عليه السلام فقد اشتمل عليها خطابه لليهود وهو قوله : ( يابني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار)(المائدة /72 ، آل عمران   /49 ـ 51 ، مريم/36 ،سورة الصف /6).

وفى القرآن الكريم أن عيسى عليه السلام خاطب اليهود وقال لهم : " قد جئتكم بالحكمة ولأبين لكم بعض الذى تختلفون فيه ، فاتقوا الله وأطيعون . إن الله ربي وربكم فاعبدوه ، هذا صراط مستقيم ) ( الزخرف / 63 ـ 64 ـ 64 ) ، لكن بني إسرائيل تنكر لدعوته ، فأراد أن يعرف من آمن بها ومن سيقف إلي جانبة والقرآن يبين لنا ذلك بقوله : ( فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلي الله قال الحواريون نحن أنصار الله ء امنا بالله واشهد بأنا مسلمون ) ( آل عمران   /52 )  المقصود أنهم مسلمون لله تعالى .

والقرآن فى كلامه عن السيدة مريم ينفي عنها ما اتهمها به اليهود ( النساء 156 ) ، كما أن آيات القرآن صريحة فى أن سيدنا عيسي ( رسول الله ) جاء مصدقا لما بين يديه من التوراة ، وصريحة فى نفي كل ما يقال عن ألوهيته أو بنوته لله ( المائدة /72 ـ 73 ، مريم / 35 ) بل أن فى القرآن أن المسيح عليه السلام سينفي أمام الله ما قيل عن ألوهيته هو وأمه ، وذلك بقوله ( ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد * إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم ) (المائدة /117 ـ 118 ) .

أما ما جرى على لسان سيدنا عيسى من عبارات فيها لفظ الأبوة وعبارت تشعر بالوحدة بينه وبين الأب ، فقد فسرها علماء الإسلام بأنها خصوصية أذن الله بها إليه ، وهي تشير إلي الوحدة فى اتباع إرادة الله والامتثال لأمره .

وإلي جانب   المعجزات التى جاء بها عيسى إلي بني إسرائيل وأشار إليها القرآن : من نفخة فى تمثال يصنعه لطائر وينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله ، وإبراء الأكمه والأبرص ، وإحياء الموتى ، وغير ذلك ، ( آل عمران   /49 ) ، يذكر القرآن أن الحواريين طلبوا منه أن ينزل الله لهم مائدة من السماء ليأكلوا منها ، ويتأكدوا أنه صادق فى رسالته ، وأنه عليه السلام سأل ربه ذلك فأجابه ، ( المائدة /111 ـ 115 ) . ويمكن السؤال عن العلاقة بين هذه المائدة التى أنزلها الله من السماء وأكل منها المؤمنون بسيدنا عيسي وبين ما عند المسيحيين من مسألة " العشاء الرباني " وفى القرآن أن اليهود لم يستطيعوا أن يمسوا المسيح عليه السلام بسوء وأن الله رفعه إليه، والآية القرآنية تذكر ذلك وتشير إلي الشكوك حول هذه المسألة بين اتباع سيدنا عيسي أنفسهم ، والقرآن بعد أن يبريء السيدة مما اتهمها به اليهود ومن ادعائهم أنهم قتلوا سيدنا عيسي يقول:
 ( وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وأن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ( 157 ) بل رفعه الله إليه ،وكان الله عزيزا حكيما ( 158 ) ( النساء /156 ـ 158 ) ، والآية القرآنية تحتاج إلي تفسير بحسب جميع الظروف التى أحاطت بدعوة سيدنا عيسي والآراء بين الفرق المسيحية الأولى فى حقيقة الصلب ، ومن وما كان هو المصلوب .

ومهما كان من خلاف بين المسيحيين فيما بينهم ، وبينهم وبين المسلمين ، فإن  الجميع ، رغم ظواهر الخلاف فى التصورات أو الآراء أو العبارات ، مجمعون على وحدانية الله خالق السماوات والأرضي حتى الذين يقولون بالتثليث .

وفى القرآن أن ظهور المسيح عليه السلام وكذلك نزولة المنتظر سيكون من علامات قيام الساعة ، والقرآن يؤكد أنه سيجعل الذين اتنعوه فوق الذين كفروا إلي يوم القيامه ( آل عمران   / 55 ) ، وأنه ما من أحد من أهل الكتاب إلا سيؤمن به قبل أن يموت ( النساء / 159 ) .

وقد حفلت كتب علماء الإسلام   بأخبار سيدنا عيسي عليه السلام وبما صدر عنه من أقوال ، وقد عني بعض علماء النصاري بجمعها من كتب المسلمين ، كما فعل الراهب بلاثيوس Asin palacios  .

ونحب أن نلاحظ فى نهاية هذا الكلام الموجز عن سيدنا عيسي وأمه عليهما السلام ، أن الأمر كله محوط بالخوارق ، وأن " الروح القدس " له دور فى أشياء كثيرة وفى هذا كله آيه كبرى متشعبة . وإذا كان ما قيل حول ذلك كله محوطا بآراء قد لايكون لها سند كاف من نصوص الإنجيل ، وهي لا تفصل كل ما كان حول المسيح ، فإن  القرآن ألقى الأضواء على كل شيء،وأشار إلي ما كان هناك من اختلافات فى تفسير تلك الأمور الخارقة ، ووجه التفكير إلي استبعاد التصورات المتناقضة ، وأشار خصوصا إلي ما خص الله به السيد المسيح من مزايا وفضائل، ( آل عمران   /45 ـ 46 ) وفى القرآن الشهادة الإلهية الدائمة لرسالته ، ولقداسة أمه والحمل الطاهر ، وذلك قبل أن تقرره وتعتمده الكنيسة المسيحية فى القرن الماضي .

وقد اشتمل القرآن إلي جانب أخبار الرسل والأنبياء على أخبار بعض حكماء المؤمنين ( لقمان ) ، وأخبار بعض الشخصيات التاريخية الغامضة ( قصة ذي القرنين ) ، أو المؤمنين الذين نجوا بدينهم من الاضطهاد (أهل الكهف ) وغير ذلك من أخبار لأمم يبقي البحث عن آثارهم مثل " أصحاب الأيكة وقوم تبع " .

لقد اجتهدنا فى ذكر بعض أخبار الرسل والأنبياء فى كلامنا عن سيدنا إبراهيم  وسيدنا عيسي عليهما السلام ، ولمن شاء أن يقارن ما في القرآن وبين ما في التوراة والأناجيل ، فإننا  قد فتحنا له الطريق وفيما ذكرنا عن سيدنا إبراهيم  وسيدنا عيسي نوع من الدراسة لأخبارهما فى القرآن ، ونجد مثل ذلك فى سير الرسل الآخرين ، وحسبنا أننا قدمنا بعض ما جاء فى القرآن وتميز به فيما ذكره من أنباء الرسل ، ونحن نتمني أن يواصل غيرنا هذا العمل ، والله الموفق .
 المحتويات
[ مقدمتان [ 7 ـ 14 ]

· وفاء وعرفان  ، للأستاذ الدكتور على الشملان .
· المدير العام لمؤسسة الكويت للتقدم العلمي    ....................7 
تصدير بقلم الأستاذ الدكتور عبد الله الغنيم ، رئيس مشروع قاموس 
القرآن الكريم يتنأول سيرة المؤلف وتعريفا 
· بالكتاب مع تنبيهات لابد منها                 .....................9

موضوعات الكتاب
تمهيد : القرآن روح من أمر الله       .........................15 

أولا : بين يدي القرآن : مقدمات لابد منها [ 19 ـ 64 ] 
* الدين : الإسلام          .......................21 
الإسلام   ، الإخلاص        .......................24 
الإسلام   ، الإيمان  ، الإحسان        .......................27
* مكان القرآن بين الكتب المنزلة      .......................29 
ـ القرآن مرحلة جديدة ومنهج جديد 
فى الإيمان  والوصول إليه         .......................34 
ـ القرآن بديل للمعجزة        .......................35 
ـ رسول امي ، علمه الله ليعلم الأمين      .......................38
ـ بعض مميزات القرآن الكريم 
1 ـ القرآن خطاب إلهي عام       .......................39 
2 ـ القرآن تعليم متدرج ومستمر       .......................40 
3 ـ تحول طريقة التفكير واتجاه المعرفة      .......................42 
4 ـ القرآن كتاب شامل        .......................44 
* طريقة القرآن فى التعريف ببعض المسائل            .....................  48 
ـ القدرة الإلهية وأفعال المخلوقات      .......................49 
ـ الأمر الإلهي ـ الإذن الإلهي       .......................54  
* العلم والمعرفة         .......................57 
ـ مواقف القبول ، الشك لاجل اليقين      .......................60 
ـ مصادر المعرفة         .......................60  
ـ المنهج العام لتحصيل المعرفة       .......................62 
ثانيا : الموضوعات الكبري فى القرآن الكريم [ 65 ـ 177 ] 
* العقائد         .......................67 
ـ اصول العقيدة         .......................67 
ـ الله تعالي         .......................69 
ـ أدلة القرآن على وجود الله       .......................70 
ـ الحقيقة الالهية وتعإليه  ا فوق إدراك المخلوقات 76 
ـ إيمأن الفطرة         .......................78 
ـ صفات الله         .......................80 
ـ المخلوقات كلها تعبد الله       .......................82 
ـ الإيمان  بالغيب        ....................... 85 
ـ عالم الجن         .......................86 
ـ عالم الملائكة         .......................87 
ـ اليوم الآخر         .......................89 
ـ البعث للحساب والجزاء       .......................91 
الإيمان  بالقضاء والقدر        .......................95 
* السموات والارض وما بينهما      .......................102 
ـ جوأنب كلية لهذا الكون فى القرآن      .......................106 
ـ الارض          .......................111  
ـ رسالة الإنسان    ومعني حياته فى الاض      .......................119 
* السنه الالهية فى تغير الدول والحضارات         .......................128 
* الحق والخير والجمال فى القرآن الكريم     .......................135 
ـ تمهيد          .......................135 
* الحق          .......................135 
ـ الحق النظري                  .......................    137 
ـ الحق العملي         .......................139 
ـ حقوق متبادلة         .......................139 
ـ الحق قوة غالية        .......................141 
* الخير          .......................142 
ـ معرفة الخير والشر        .......................145
* الجمال         .......................146 
* أخبار الرسل والأنبياء        .......................153 
ـ تمهيد          .......................153 
ـ طريقة القرآن فى القصص       .......................156 
* سيدنا إبراهيم  عليه السلام       .......................157 
ـ إبراهيم  المفكر الموحد       .......................157 
ـ إبراهيم  الموحد الثائر        .......................159 
ـ التحدي للملك المغرور       .......................161 
ـ طموح إلي معرفة أعلي       .......................162 
ـ الاختبار والابتلاء        .......................163 
ـ الاصطفاء         .......................165 
· سيدنا عيسي عليه السلام : 
رسول الله وكلمته ألقاها إلي مريم ، وروح منه      .......................169