نظام
الكون، وبما أن النظام الكوني ثابت مترابط الأجزاء فإن هذا
يدل علي وحدة القدرة التي أوجدت العالم وهي التي تحفظه وتدبره.
على
أن علماء العقائد اجتهدوا في وضع دليل الوحدانية على صورة
نظرية نجدها في كتبهم، كما أن فلاسفة الإسلام منذ أولهم،
وهو الكندي ، أثبتوا الوحدانية على طريقتهم الفلسفية.
ولنلاحظ
هنا أن العلم القديم كان يقول إن هذا العالم هوكل شيء، وإنه
في داخل كرة متقفله تدور حول نفسها ومركزها الأرض، وكانت
مظاهر وحدة العالم ونظامه واضحة، لكن ذلك التصور انهار من
أساسه في العصور الحديثة، وظهرت نظريات في نشأة هذا العالم
وتشكله، لكن العلم الذي نعرفه اليوم قد أثبت وحدة إلية التي
يتألف منها هذا الكون، وأثبت وحدة قوانينه الكبرى ، وهذا
يدل على وحدة القدرة التي أبدعته، وسنعرض لشيء من ذلك عند
الكلام عن العالم في القرآن فيما يلي.
على
أن في القرآن إلي جانب مفهوم التوحيد بمعنى "وحدانية الخالق
"، و (وحدة نظام الخلق " أن الله وحده هو الخالق بالمعنى
الحق وأن فعل الخلق الإبداعي هو الدليل على الألوهية.
"
أفمن يخلق كمن لايخلق أفلا تذكرون "، (النحل/17 ) .
" أيشركون
مالا يخلق شيئا وهم يخلقون "، (الأعراف/191).
" هذا خلق
الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون فى ضلال
مبين "،( القمان/11).
وهناك
التوحيد بمعني (وحدة التدبير الإلهي) التي أشرنا- إليها،
والتوحيد بمعنى أن تكون حياة الإنسان كلها علي صلة بالله،
فتكون أفعاله "في سبيل الله " و"ابتغاء مرضاة الله"، (النساء/
114). وأن يكون أعظم المحبة لله ثم محبة غيره "في الله "
أو لأنه ((من الله))، وأيضاً بمعنى رؤية الأشياء كلها في
ضوء المعرفة بالله وشهود قدرته ورحمته، وحكمته في كل شئ،
وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
وعلي أساس
آيات القرآن تكلم العلماء في مراتب التوحيد، من التوحيد
باللسان ، إلي التوحيد بالعقل والقلب ، إلي تصور أن الأشياء
كلها صادرة عن الله، وأنه لاموجود إلا الله ومظاهر قدرته
وعلمه وحكمته، بحيث لا يشهد الإنسان إلا أمراً واحداً وهذا
يسمى "الفناء في التوحيد" (الغزالي في "الإحياء، كتاب، التوحيد").
المخلوقات
كلها تعبد الله
الله تعالي
"خلق كل شيء".، " رب العالمين "، " رب كل شيء "، (الإنعام
/ 164). وهو الذي يحفظة في الوجود ويرعاه ويهيىء له مكانه
بين الأشياء ويعده لما أراده منه في خطة الخلق الشاملة وإذا
كانت المخلوقات كلها تشهـد لله بالوجود والربوبية شهادة
يتوصل إليها العقل الذي ينظر في المخلوقات ونظامها في الأرض
والسماء فإن القرآن يذكر في آيات كثيرة إسلام الكائنات كلها
وتسبيحها وسجودها لله، وبعض تلك الآيات تشير إلي كائنات
عاقلة، بل أنواع من "الدواب " بالمعنى المفهوم على الأرض
وموجودة في السماء، وها هي الآيات في ذلك كله:
كله أفغير
دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها
وإليه يرجعون"، (آل عمران/83).
"
تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا
يسبح بحمده ولكن لاتفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا "
( الإسراء /44 ).
"ألم تر
أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر
والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق
عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما
يشاء " ( الحج /18 ) .
" ولله يسجد
مافي السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لايستكبرون
" ( النحل /49)
" وله من
فى السماوات والأرض كلُُ له قنتون " ( الروم /26 ) .
الآيات
واضحة، مهما تنوعت آراء المفسرين، لكن يبقى السؤال: هل
الإسلام أو السجود والتسبيح لا يكون دائما إلا بالمعنى وعلى
الصورة الإنسانية، بكلام أو حركة أو وضع مما نعرفه في العبادات؟
لا يصح أن ننظر في كل شيء بالقياس إلينا، لأن كل ماعرفناه
عن أنواع المخلوقات ليس إلا مظهراً بقدر وسائلنا في الإدراك،
أما الأعماق فهي بعيدة الغور، ويكفى أن نتصور أن الذرة إلمادية
التي لم يدركها الإنسان ولم يعرفها إلا بالاستدلال تمثل
عالما صغيراً يموج بالقوة، وقد تكون فيه أفلاك كثيرة تدور
فيها جسيمات، تسمى إلكترونات، فلا يصح أن نعتقد أن كل أحوال
المخلوقات وأفعالها لا يمكن أن تكون إلامن نوع ما عندنا
.
ولذلك
فإن بعض المفسرين فهموا من سلوك الكائنات بالتسبيح أو السجود
أن ذلك ليس مجرد الدلالة التي يدركها العقل على وجود الله،
وإنما ذلك كله بالمعني الحقيقي علي نحو يناسب كل كائن علي
حدة، ويستدلون علي ذلك بقولة: "ولكن لاتفقهون تسبيحهم "
، فإذا كانت دلالة الأشياء علي وجود الله أمراً يدركه العقل
فإن وراء ذلك أمراً آخر لا تدركه وسائلنا.
على
أن السؤال عن معني سجود الكائنات الجمادية مثل ما في قولة
تعالي "والنجم والشجر يسجدان "( الرحمن /6)، لا يخطر فقط
للمفكر في عصرنا، لأنه خطر للأمير أحمد بن الخليفة العباسي
المعتصم (ت 227 هـ / 842 م) فوجهة الأساتذه أبي يوسف يعقوب
بن إسحاق الكندي (ت حوالي 252 هـ / 866 م)، فأجاب عنة برسالة
كتبها، وفيها شرح السجود في ضوء النظرة العلمية للعالم،
وذلك أنه بين أن من معاني السجود الطاعة، فقال إن الأجرام
السماوية، وكذلك كل المخلوقات، تؤدي وظيفتها في نظام الكون،
بحساب إرادة بارئها، وهذه هي الطاعة أو السجود بالمعنى المجازي
(رسالة في سجود الجرم الأقصى وطاعته لله عز وجل).
وإذا
كنا نجد في القرآن قوله تعالى:" ألم تر أن الله يسبح له
من في السماوات والأرض والطير صفت كل قد علم صلاته وتسبيحه
والله عليم بما يفعلون " ( النور /41 ) .
فإن
الفارابي ( ت 339 هـ /950 م ) يقول فى كتابه " فصوص الحكم
" " صلت السماء بدورانها والأرض برجحانها والماء بسيلانه،والمطر
بهطلانه وقد تصلي له ولاتشعر ، ولذكر الله أكبر .
ولا
نريد أن نذهب بالقاريء بعيداً، ولكن يكفي أن نعلم أن هذا
الكون مملوء بالأسرار، وهي ليست وليدة الوهم، بل حقائق عميقة
لا ندركها، وهي تدخل في مجال ((الغيب)) الذي تحدث عنه القرآن
بمعناه العام.
على
أن من الناس من يقول إنه يري الجن والملائكة ويسمع تسبيح
الكائنات من نبات وحيوان، وهذا أمر خاص بأفراد، ولا يقتنع
به الإنسان إلا بالتجربة.
الإيمان
بالغيب
إدراكات
الإنسان الحسية والعقلية هي في العادة محدودة ونسبية، على
قدر عدد وسائلنا ومداها، فالحواس لا تنفذ في أعماق المحسوسات،
والعقل في عمله يتعرض لتشويش الخيال عند الكثيرين من الناس،
حتى في تصورات الفكر، ومقولاته فضلا عن أن هذه المقولات
قد برزت في العقل من وجوده في هذالعالم الذي هو نوع من
أنواع الموجودات التي لا عدد لها.
ولم
ينشأ العلم ولا الفلسفة إلا بعد جهد جهيد بذله الفكر لكي
ينفذ إلى ما وراء ما يحسه الإنسان أو يتخيله ويصل إلى ذلك
المجهول المتواري ، سواء أكان في، صميم الواقع أم فيما وراءه،
وبعبارة أخري يحاول الفكر أن يصل إلى اللامرئي أو اللامدرك
ولو بالفكر، وهذا مجال " الغيب" الذي يتحدث عنه القرآن وعن
الإيمان به. وإذا كان القرآن قد جاء بالحق فإنه يا يد أن
ينبهنا إلى الحق كله ما ندركه منه، وما يتجاو حدود إدراكنا.
والحكمة
في حديث القرآن عن " الغيب " أن الله تعالى يريد أن يوسع
نطاق علم الإنسان ومعارفه في كل المجالات، وخصوصا أنه ينبه
إلى حقائق كبري كانت قبل هذا العالم وهذه الحياة، من ذلك
بدء خلق السموات والأرض وخلق الإنسان وإعداده لرسالته في
الدنيا، والحساب والجزاء في حياة جديدة في عالم جديد بعد
الموت، والذي يهمنا هو أنه توجد مخلوقات مشابهة أو مخالفة
لنا، ووراء ذلك "غيب" استأثر الله بعلمه، كما قال، ثم "
غيب الغيب "، هو الذي " ليس كمثله شيء ".
ونحن
لكي نفهم معاني ألفاظ القرآن فإنه يجب علينا، بحسب قاعدة
عامة أن نستقريء الألفاظ ونتدبر معانيها بحسب السياق . ولفظ
" الغيب " يدل على أن منه ما هو معانيها بحسب السياق ولفظ
" الغيب " يدل على أن منة ما هو حاضر يحيط بنا ولا ندركه،
مع أنه قد يكون في متناول وسائلنا في الأرض أو بعيداً في
السماء لا تنفذ إليه وسائلنا،. " غيب السماوات والأرض "
(مثلا البقرة/ 33)، وأنه ما قد تواري في التاريخ من أنباء
الرسل وغيرهم (هود/ 49، 100، 120، يوسف/ 102، طه/ 99). لكن
المهم هو ماوراء عالم الحس جملة، وأول ذلك أمر الكائنات
التي تؤلف عوالم، منها في القرآن: "عالم الجن "، "عالم الملائكة"،
بين أصناف كثيرة من الكائنات تدخل تحت مفهوم لفظ " العالمين
" الذي نجده كثيراً جداً في القرآن .
عالم
الجن:
أما الجن
فهم كائنات من طبيعة خاصة، خلقوا " من مارج من نار " (الرحمن/
15)، "والجان خلقناه من قبل من نار السموم " (الحجر/27)،
وكان خلقهم قبل خلق الإنسان، لا تدركهم أبصارنا، ولهم طاقات
عظيمة وقدرات علي التشكل في صور حسية، إلى جانب أنهم عقلاء
مكلفون كالإنسان بالأوامر والنواهي الإلهية. وقد تحدث القرآن
عنهم أحاديث شائقة، وخاطبهم مع البشر، " يامعشر الجن والإنس"
(مثلا الأنعام/ 130). ومنهم من كان في خدمة بعض الأنبياء،
سليمان عليه السلام (النمل/17، 36، سبأ/2 1، 4 1)، ومنهم
المؤمنون ومنهم الكافرون، ومنهم من عرف دعوة الإسلام واستمع
إلي القرآن وآمن وتحدث عما سمع وعبر عن إيمانة ومعرفته بما
كان قبل الإسلام ، ( الأحقاف/ 29، سورة الجن ).
عالم
الملائكة
والإيمان
بالملائكة أيضاً أصل اعتقادي ، وهم ذوات " نورانية"، كما
يعبر البعض، ويعرفهم العلماء بأنهم "ذوات روحانية عاقلة
ومطيعة بطبعها لله تعالى" (الكشاف للتهانوي)، ولهم قدرات
كبيرة وحياة شعورية، لكن طبيعتهم لا تدخل فيها نوازع الإرادة
الذاتية ولا الشهوات، ولهم قدرة على التشكل في صور محسوسة
تبدو للإنسان.
واستقراء
آيات القرآن يدل على أنواعهم ودرجاتهم ووظائفهم وأعمالهم
في عالمهم " يسبحون اليل والنهار لايفترون " ، ( الأنبياء
/20 ) ، ومنهم " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد
ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين ءامنوا ربنا وسعت كل شيء
رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم
" ( غافر /7 ) ، ومنهم فى عالمنا من يتولون ، بأمر ربهم
تدبير بعض أمور الكون أو يقفون إلى جانب المؤمنين يثبتونهم
في مواطن الجهاد في سبيل الله، ( الأنفال/12)، هذا إلى رقابتهم
على أعمال الإنسان وأقواله، (الزخرف/ 80، ق/ 16- 18) وتولي
أموره بعد الموت، وحضور الحساب والجزاء، إلى ظهورهم بعد
تمامه كما صوره القرآن بقوله." وتري الملائكة حافين من حول
العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقيل الحمد لله
رب العلمين " ( الزمر /75 ) .
والمسلم
يؤمن بوجود هذه المخلوقات على أساس ماجاء في التعليم الإلهي،
لكن يصعب على الإنسان بسبب ملابسته لعالم المادة أن يتصور
كائنات، غير مادية تتشكل في صور حسية، لكن ((عالم الشهادة))
الذي نعيش فيه يشير إلي إمكان ذلك، ويفتح المجال أمام تصور
ما وراء المحسوسات، والانسان يلاحظ أن " عالم الشهادة"
الذي نعيش فيه مملوء بأنواع التشكلات ،فالجمادات مثلا تتشكل
وتتنوع طبائعها بتأثير عوامل خارجة عنها، ومعروف في تاريخ
عناصر الطبيعة، وكذلك الكائنات الحية من نبات وحيوان تتشكل
بقوة كامنة بداخلها، تبني لنفسها كياناً من مواد العالم
المحيط بها وتتصور بصور لاحصر لها فى التنوع والجمال .
أما
الجان أو الملك فهو يتشكل بشيء موجود في طبيعتة، ولا عجب
في ذلك لأنة إكمال لدرجات التشكل التي للمخلوقات، وبها تصل
السلسلة إلى ذرويها بحسب عالمنا ومانعرف فيه وفي عالم بعده.
وعلي
كل حال فإن القرآن يحدثنا عن جنود سليمان عليه السلام من
الجن والطير الذين كانوا في خدمته، وقد علمه الله " منطق
الطير " أي لغة الطير، بل هو استمع إلي لغة النمل، ولا معنى
لأن ينكر الإنسان شيئاً من ذلك، لأن الحيوانات، بحسب القرآن،
ليست كما نتصورها، بل هي "أمم " لها تفكيرها ولها وعي تدل
عليه دلائل كثيرة، ووسائل للتواصل والتخاطب فيما بينها وكذلك
لها لغتها، ولا مانع من أن ينطقها الله بلغة الإنسان، وهذا
من الأمور التي تتسع لها القدرة الإلهية.
ويبقى
السؤال: هل في طاقة الحيوان أن يعرف ما يفعله البشر فينقل
مثلا إلي سليمان ما رآه من الاطلاع، علي أحوال ملكة سبأ،
كما فعل الهدهد ،(النمل/18-24).
ومهما
كان الأمر فإن بعض أصحاب المواهب يقولون إنهم يرون الجن
أو يتعاملون معهم، ومن كبار الصوفية والعباد من يرون الملائكة
ويتحدثون إليهم، ومنهم من يسمع ويفهم تسبيح الكائنات من
نبات وحيوان. (والله أعلم) .
الإيمان
، باليوم الآخر.
يمكن القول
أن مدة حياة هذا الكون الذي نعيش فيه يوم من الأيام التي
عند الله ولايعرف مقاديرها إلا هو، والقرآن يحدثنا عما قبل
هذا العالم وما بعده، لكي يكمل نظام المعرفة بقدر ما تستطيع
أن تتصورها عقولنا، لكن الكلام في ذلك يجب أن يفهم لا بحسب
معاني الألفاظ بالنسبة لنا في عالمنا، بل بحسب ما يناسب
عالما تختلف طبيعته في عالمنا.
والقرآن
يؤكد أن الله قد خلق كل شيء "بالحق "، ولكل شيء "أجل مسمي"،
وهو مدة وجوده التي لا يتعداها. وبعض الفلاسفة تصوروا أن
هذا الكون أزلى أبدي ، أو تخيلوا قبله مادة أزلية أبدية،
أما القرآن فهو يؤكد أن كل ما عد الله فهوخلقه وإبداعه.
وإذا
كان الله يفعل بقدرته ما يشاء فإن الحكمة هي قاعدة للفعل
الإلهي، فلا خلل ولا عبث:" وما خلقنا السماوات والأرض وما
بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون
" (الدخان /38 ـ 39 )، ومنطق الحكمة الإلهية من وجود الإنسان
في الأرض بما له من عقل وقدرة وإرادة واختيار، وبما جاءه
من الهدايات الإلهية، يقتضي أن يكون بعد أيام السموات والأرض
يوم يتبدل فيه النظام كله" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات
وبروزا لله الواحد القهار
( (إبراهيم/
48).
فى
ذلك اليوم تتم الحكمة من وجود الإنسان وتكليفه، بأن يحاسبه
الله ويجازيه بحسب ماعمل من خير وشر.
ويسمى
هذا اليوم في القرآن بأسماء عديدة، بحسب الاعتبار: "يوم
القيامة "، " يوم البعث"، "يوم الحشر"، "يوم الدين "، "يوم
الحساب" ، " يوم الحسرة"، أي حسرة الكافرين والمفسدين على
ما فرطوا، "يوم تبيض وجوه وتسود وجوه "، "يوم الخلود".
ويتميز
كلام القرآن عن ذلك اليوم، الذي هو"قيام الساعة" بمميزات
كثيرة وتفاصيل لا نجدها في كتب الأديان السابقة، إلا شيئاً
يسيراً في بعض الأناجيل، "والساعة" ستأتي ((بغتة)، ((كلمح
البصر)) أو أقرب من ذلك (النحل/ 77)، وستصحب ذلك اليوم أحداث
كونية هائلة ومروعة وصفها القرآن. (( ينشق النظام السماوي،
تتكور الشمس، تنكدر النجوم وتنتثر الكواكب، تحمر السماء،
وتأتي بدخان مبين، تتزلزل الأرض، وتحمل بما عليها من جبال
وتدك "دكة واحدة" فتصبح الجبال هباء منبثا في الفضاء.
وقد
يتخيل من لا يتدبر آيات القرآن، ولم يعلم كيف تشكل هذا العالم،
أن ما يقوله القرآن عن أحوال الساعة "نوع من الترهيب للبشر
لكي يقبلوا على الإيمان "، لكن تبدل نظام هذا البناء الكوني
العظيم المتمالسك بقوى كبري وتحكمه قوانين ثابتة، لا بد
أن تصاحبه ضربة كونية هائلة، ولذلك توصف الساعة في القرآن
بألفاظ لا نعرفها في كتب الأديان، ولها دلالتها: ((القارعة"،
"الصاخة"، "الغاشية"، "الطامة الكبري "، لكنها ستجيء بحسب
قانون عظيم من قوانين الصنع الإلهي الذي لا يصح أن ننظر
إليه من زاوية أحاسيسنا بالخوف والضعف، بل من زاوية الإجلال
والإعجاب بحدث كوني يقع بحسب قوانين القدرة والحكمة معا،
ولذلك فإن " الساعة " تسمى ((الحاقة))، أي التي لا بد أن
تأتي وتتحقق وفيها تجري الأمور (( بالحق))، ويكون الحكم
في أى أعمال العباد "بالحق ".
وعندكما
يقرأ المسلم أو غيره آيات قيام الساعة يجب عليه أن يسأل
العلماء المتخصصين في العلم بهذا الكون وكيف تشكل بشموسه
الهـائلة ومجراته الكبري وبأي قوة انفتق ذلك "الرتق " الذي
تحدث عنه القرآن، بحيث أخذت أجزاؤه الأبعاد الهائلة التي
يعجز الخيال عن تصورها، وليتصور الحالة الأولى التي كان
عليها تشكل ذلك الفتق، وما صحبه من ظاهرات شبيهة بما يحدثنا
عنه القرآن عن ظاهات ((قيام الساعة" وسيتبين له أن ذلك كله
يجري بحسب مبدأ واحد هو قول الله" يوم نطوى السماء كطى السجل
للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده، وعدا علينا إنا كنا فعلين
"، (الأنبياء/ 104 ) .
الإيمان
بالبعث للحساب والجزاء:
هو أصل اعتقادي
في الديانات الثلاث، وهو من "الغيب المقبل)) أو ما يسمى
"السمعيات" أي التي أخبرنا بها الوحي وسمعناها منه، والإيمان
بالبعث يترتب على الإيمان باليوم الآخر وتقتضيه اعتبارات
العناية الإلهية والضرورات الأخلاقية ، للجزاء بحسب العمل
في حياة مقبلة بعد هذه الحياة التي كانت بحسب القرآن دار
((تكليف "، ولم تكن عبثا: " أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم
إلينا لاترجعون ..." (المؤمنون/ 115).
وقد
جاء تأكيد البعث كثيراً في القرآن ، والمقصود، كما يؤخذ
محل آياته أنه بعث في أجساد، ومع أن القرآن لم ينص صراحة
على أن البعث سيكون بذات الجسد الذي كان للإنسان عند الموت،
إلا أن المؤمنين بالبعث الجسدي يحافظون على الجسد عند الموت
ويودعونه الأرضي بمراسم محددة، " (منها خلقناكم وفيها نعيدكم
ومنها نخرجكم تارة أخري " ، (طه/55)، لكن بعض أهل الكتاب
لا يراعون المحافظة على الأجساد ويحر قونها، "وهذا شيء شنيع
حقا، لأن الجسد الآدمي ليس مجرد شيء بل كان أداة للنفس في
هذه الدنيا لتؤدي به ما فرضه الله عليها.
والقرآن
إذ يؤكد البعث يصور الخروج من القبور تصويراًحياً قوياً
مؤثراً: ((الأرض ستنشق ، والقبور ستبعثر، ويخرج الناس منها
أفواجاً مسرعين كأفواج الجراد المنتشر خاشعة أبصارهم، تغشاهم
الذلة"، (ق / 44، الانفطار / 4، القمر / 7، المعارج/ 43-
44).
والقرآن
يرد علي المشككين في البعث ردودا ًمتنوعة ، بحسب نوع السؤال
، وهو يأخذهم بالرفق البالغ والمنطق الهاديء، والأساس الذي
يقوم عليه خطابه لهم هو أن يرجعوا الى التفكر في ((الخلق
الأول)) أو ((النشأة الأولى )) للإنسان، وكيف بدأ وجوده
وتطور: من "طين " نفخت فيه روح علوية، إلى مرحلة تحول جديد
تمثل في حياة التناسل التي نحن عليها. ثم التقلب بعد ذلك
في مراحل الحياة المتنوعة، إلي أن تنتهي بالموت، وبعده تكمل
السلسلة بالبعث والجزاء (ص/ 71- 72، المؤمنون/ 12- 16).
وقد نجد إلى جانب ذلك إشارة إلى ظاهرة الحياة وتجددها على
مستوي الطبيعة (الحج/ 5- 7). والقرآن هنا يريد من الإنسان
أن يقيس إمكان البعث لحياة أخرى على ما يعرفه من أمور حياته
ومن الواقع الذي يحيط به.
وقد
كانت الأسئلة كثيرة متنوعة ، والقرآن يذكرها ويجيب عنها،
فإذا تساءل البعض: "من يعيدنا" ؟ ، جاء الجواب " قل الذى
فطركم أول مرة " (الإسراء/ 51 ).
" وقالوا
أءذا كنا عظما ورفاتاً أءنا لمبعوثون خلقا جديداً ، فجاء
الجواب " أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر
على أن يخلق مثلهم " ؟ ( الإسراء /98 ـ 99 ) .
ويقول
الإنسان " أءذا مامت لسوف أخرج حيا ؟ والجواب " أولا يذكر
الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا " ؟ ( مريم / 66-
67).
"
أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه بلي قادرين على أن نسوي بنانه
" ( القيامه /3،4 ) ، وقد يسألون : " أءذا ضللنا فى الأرض
أءنا لفي خلق جديد " ، ( السجده /10 ) أو " أءذا متنا وكنا
ترابا ذلك رجع بعيد"والجواب" قد علمنا ما تنقص الأرض منهم
وعندنا كتاب حفيظ"(ق/3 ـ 4)
ولنذكر
آيات اشتملت على المسألة بإيجاز، وهي قد استلفتت نظر المفسرين
بل الفلاسفة، فذكرها الكندي في رسالة له لا إحصاء كتب أرسطو،
ونظرا لما فيها من قصر العبارة وغزارة المعاني وإمكانيات
الأدلة فإنه اقتبسها لتكون، مثلا للعلم النبوي وما يتميز
به في مقابل علوم البشر العادية، كما نجدها في بحسب طريقة
الفلاسفة وما فيها من بعد السبيل عن العقل العادي، وهذه
هي الآيات:
"أو
لم ير الإنسان إنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين وضرب
لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها
الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر
الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون أو ليس الذى خلق السماوات
والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلي وهو الخلاق العليم إنما
أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون فسبحان الذى بيده
ملكوت كل شيء وإليه ترجعون ( يس /77 ـ 83 ) .
لنلاحظ
أن الآيات تذكر :
1ـ موقف
الشك والتساؤل من حانب الإنسان وعدم تفطنه لكي ينظر في ذاته
ليجد الدليل.
2- الجواب
بأن القدرة التي ستبعث الموتي هي التي أوجدتهم من قبل.
3 ـ مثال
من الطبيعة يقرب للشاك إمكان ظهور الشيء ( النار ) من شيء
( الشجر الأخضر ) يبدو أنه مضاد لطبيعة ذلك الشيء وتبعاً
لذلك إمكان ظهور الحياة فى مادة الأجساد البالية .
4ـ
النظر الى لمشكلة البعث فى إطار مسألة أكبر هي خلق الكوني
بما فيه وأن الخلق والبعث جزء من ذلك النظام .
5ـ
بيان نوع الفعل الإلهي وأنه إبداع يتميز عن أفعال المخلوقات
.
6ـ
تأكيد القدرة الإلهية المحيطة بكل شيء .
والقرآن
في مضوع آخر يأمر باستقراء الطبيعة لنري كيف يبدأ ظهور
مخلوقات بالقدرة، لكي لا يشك الإنسان في إمكان النشأة الأخرى:
" قل سيروا في الأرص فانظرو كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ
النشاة الأخرة إن الله علي كل شيءقدير"، (العنكبوت/ 20)
.
على
أنه يحسن أن نلاحظ أن القرآن لا يبين كيفية البعث، والحق
أنه خلق جديد" ونحن لا نعرف كيف كان "الخلق الأول"، لأن
معرفة "الكيف " لا تكون إلا بالمعاينة إذا كان عند الناظر
وسيلة الإدراك المناسبة، والقرآن يقول:" ما أشهدتهم خلق
السماوات ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا " (
الكهف /51 ) .
وسواء
كان البعث بذات الجسد الذي مات عليه الإنسان أو بجسد مماثل
بدليل قوله:" أن يخلق مثلهم "، فإن كلا من النشأة الأولى
والنشأة الآخرة للإنسان حلقتان في سلسلة من صنع الله الذي
يخلق عالماً بعد عالم، " الله يبدؤا الخلق ثم يعيده " ،
( مثلا الروم /11 ) .
ويحسن
بالقارىء للقرآن، في الأمور الغيبية التي يتحدث عنها القرآن،
أن يتفطن إلى أن "عالم الشهادة" الذي نعيش فيه ينطوي ، عندما
نتعمق في أسراره، على تقريب كل ما يحدثنا الله عنه من علم
الغيب إلى أذهاننا.
الإيمان
بالقضاء والقدر:
هو أصل اعتقادي
في الديانات المنزلة: فكل ما يقع في العالم، سواء من أفعال
البشر أو غيرهم أو من فعل الطبيعة فهو "قدر" أو "يقدر "،
وهذا يؤمن به أيضا الفلاسفة المؤمنون بالله، من مسلمين وغير
مسلمين.
وفي
القرآن لفظ "قضى" بمعنى: أوجد أو أراد وجود الأشياء على
ما هي عليه في جملتها، و. هذا يؤخذ من قوله تعالي عن خلق
السماوات: " فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحي فى كل سماء
أمرها " ( فصلت /12 ) ، وأيضا بمعني امر أو أراد وحكم :
" وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا " ( الإسراء
/23 ) .
وفى
القرآن ألفاظ كثيرة ، هي صيغ من الأصل الثلاثي " ق د ر "
قدر يقدر ، قدرنا ، ولفظ قدر ( بفتح الدال وتسكينها ) ،
" تقدير " ، " مقدار " واستقراء هذه الصيغ بحسب السياق يدل
علي ألوان من المعني يمكن إدراكها بسهولة .
فنجد
الدلالة على الحكم والإرادة : " نحن قدرنا بينكم الموت "
، ( الواقعة /60 ) ، وفى امرأة لوط نجد قوله " قدرنا إنها
لمن الغابرين " ( الحجر /60 ) ، ونجد الدلالة على الكم المحدد
: " وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم
" ( الحجر /21 ) " الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر
"( العنكبوت /62 ) ولما خلق الله الأرض" قدر فيها أقواتها
"(فصلت /10 ) .
ونجد
تقدير أمور أخري : الزمان " والله يقدر الليل والنهار "
( المزمل /20 ) تقدير الحجم والحركة " والقمر قدرناه منازل
حتى عاد كالعرجون القديم " ( يس /39 ) . وتقدير المسافة
" وقدرنا فيها السير ( سبأ /18 ) ، المدة الزمنية أو الوقت
من الزمان أو درجة الاكتمال ... فالجنين يبقي فى بطن أمه
" إلى قدر معلوم " ( المرسلات /21 ـ 24 ) وكذلك الوقت المناسب
للأحداث التى اقتضتها حكمة الله " ثم جئت على قدر يموسي
" ( طه /40 ) ، ثم صنع الدروع بحسب التناسب بين أجزائها
: فالله يوحي إلى داود : " أن اعمل سابغات وقدر فى السرد
" ( سبأ /11 ) ، وتوصف القوارير فى صنعها المحكم بأن الذين
يقدمونها فى الجنة " قدر وها تقديراً " ( الإنسان /16 )
، وذلك من حيث الحجم والشكل ...
لكن
فى القرآن أحكام عامة مثل قوله تعالي " وخلق كل شيء فقدره
تقديراً " ( الفرقان /2 ) ، أي أنه تعالي هيأ كل شيء لما
أراده منه ومن خصائص وأفعال مثل تهيئة الإنسان للإدراك والفهم
والنظر والتدبير واستنباط العلوم والصنائع المتنوعة ومزاولة
الأعمال المختلفة إلى غير ذلك ( البيضاوي ) .
ولهذه
الآية الجامعة امثلة فى القرآن ، كقولة تعالي : " أعطى كل
شيء خلقه ثم هدى " ( طه
/50 ) ،
وقوله"وكل شيء عنده بمقدار"( الرعد /8 )،" قد جعل الله لكل
شيء قدرا "(الطلاق/3 )
فى
ضوء هذه الآيات المحكمة ، يمكن ـ مع استقراء الألفاظ والتدبر
في معانيها ، القبول بأن كل ما في هذا الكون قد ظهر إلى
الوجود بحسب مبدأ يضبط كل شيء : طبيعة الأشياء وخواصها والكم
والعلاقة والتناسب بين الأشياء على مقتضى أن الله قد خلق
كل شيء " بالحق"
لكن
يسود فى تفكير كثير من الناس كأن " القدر " نوع من الجبر
إلى حد أن الناس قد يعللون الأعمال السئية أو التي تنشأ
عن التقصير وعدم استعمال القدرة والارادة فى قهر الهوي والشهوات
أو عن الإهمال أو نحو ذلك ، بأن يقولوا : هكذا أراد القدر
، هكذا قدر الله .
من
الواضح ان هذا الموقف لايمكن الدفاع عنه لانه بتنافي مع
ما فطر الله عليه الأشياء من قدرات وملكات وطبائع ، فضلا
عن انه التنافي مع التكليف الإلهي وإيجاب الواجبات على أهل
الأرض ومحاسبتهم عليها فكيف نتصور الأمر ؟
هنا
لابد من الرجوع إلى القرآن نفسه لأن بعضه يفسر بعضاً ،
جاء في القرآن قوله تعالي :
" إنا كل
شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " ( القمر
/ 49 ـ 50 ) .
هنا
أمران ، فى الآية الأولي : تفصيل ظهور الأشياء والأحداث
بحسب جميع الظروف التى تحيط بها ، وهذا هو القدر بالمعني
الذى شرحناه على أساس تدبر آيات القرآن .
وفى
الآية الثانية : " الأمر " أو " القضاء " أو الإبداع الأصلي
الكلي وهو " القضاء " بمعني إيجاد نظام الخلق بحيث يكون
على ما هو عليه فى اسس وجودة وما يترتب عليها من أفعال وأحداث
.
ولكن
لما كان نظام المخلوقات فى جملته قد صدر عن قدرة الله وحكمته
، وكان بيده تعالي " الكل " وبقاؤه ، فلا غرو أن يعتقد المؤمن
المفكر أن كل شيء فى الكوه فهو " بقضاء الله وقدره " ، من
غير اعتقاد أن الأحداث والأفعال تجري ، وكأن العالم وما
فيه مستقل عن قدرة الخالق وإرادته ومن غير إنكار طبائع الأشياء
وما فطرها الله عليه من أفعال .
وبعبارة
أخري فإنه ، بحسب نظرية " التدبير الإلهي المحيط بكل شيء
" " والإذن الإلهي الشامل " تقع الاحداث كما قضي الله وقدر
بأن يكون نظام العالم على ما نراه ، وهذا يؤمن به من عرف
الله وصنعة المحكم .
هذا
التصور يمكن ان نستخلصه من تدبر آيات القرآن ، وقد كانت
المسألة موضوع بحث واختلاف عند المتكلمين : بين من نسب كل
الأفعال والأحداث إلى الفعل الإلهي المباشر ، فأنكر طبائع
الأشياء ، ومن نسبها إلى المخلوقات دون خالقها ، ومن توسط
بين الأمرين ، كما شرح الغزالي مثلا بإيجاز فى كتابه " الأربعين
فى أصول الدين " لكن القرآن قد أرشد إلى التصور الصحيح الذى
ذكرناه ، والله أعلم ، وقد صارت المسألة موضوع بحث عند فلاسفة
الإسلام وعند " علماء الكلام " ، ومن هؤلاء متكلمون متفلسفون
يحسن ان نذكر بعض آرائهم لا لكي ندرس المشكلة عندهم بل كلي
يتبين كيف انطلقت آراؤهم من النظر فى آيات القرآن .
فلنذكر
على سبيل المثال تصور أول فلاسفة الإسلام ، وهو أبو يوسف
يعقوب الكندي ، وذلك فى كتاب له فى التوحيد " لم يكتشف بعد
، لكن ابن عبدربه قد حفظ لنا منه فى كتابه " العقد الفريد
" ( جزء 2 ) نصاً يدل على تصور فلسفي للعالم يستند إلى النظر
فيما يراه الإنسان حوله من أشياء .
يقول
الكندي إن الله خلق كل شيء بما له من صفات تجعل له طبيعته
، لكن بحسب ما هو " أصلح وأحكم وأتقن فى بنية الكل " .
ومن
المخلوقات ما هو " مضطر "اي مجبور ، يقصد الأشياء الطبيعية
التى ليس له اختيار ، ومنها ما له تمام القدرة والاختيار
، كالإنسان ونحوه .
لكن
المخلوقات ذات القدرة والاختيار تنقصها الحكمة الكاملة التى
هي لله وحده " مبدع الكل " فلو أنها كانت مطلقة القدرة والاختيار
لتعدي فعلها الحدود وأفسد " نظام الكل " فلذلك قيد الخالق
نظام الأشياء بأن جعل بعضها مؤثراً فى بعض وبعضها مناسبا
لفعل بعض ، بحيث يمكن للمخلوقات ذات الاختيار ان تريد وتفعل
أفعالها من غير إكراه لكن فى حدود ما أراد الله من صلاح
نظام العالم .
ويدل
كلام فيلسوفنا بسهولة على ان " القضاء " ، كما يقول ، هو
إيجاد الإشياء بحسب ما قسمه الله لها من صفات ، وأن " القدر
" هو ما ينتج من علاقات الترابط والتفاعل بين الأشياء ،
وينتهي الكندي بأن يقول " فبالقضاء والقدر ساس جل ثناؤه
جميع ما ابدع بهذه السياسة المحكمة التى لا يدخلها زلل ولانقض
" ـ وهذه نظرة فلسفية إسلامية واضحة .
أما
أفعال المخلوقات بوجه عام فهي تصدر عن طبيعتها كما خلقها
الله ، ولم يجد الكندي أن هذا يحتاج إلى دليل ، لكن نظام
العالم بما فيه تحيط به قدره الله " المبدع الممسك كل ما
أبدع ، فلا يخلو شيء من إمساكه وقوته الا باد ودثر " ( آخر
كتاب الفلسفة الأولي ) .
وللفارابي
فا كتابه ((فصوص الحكم) تصور للقضاء والقدر يرتبط عنده بحسب
فهمه " للقلم " و(اللوح"، بحسب ذكرهما فى الإسلام وأن كلا
منهما ملك وهو يقول أن "القضاء يشتمل على مضمون أمر5 الواحد،
والتقدير يشتمل على مضمون التنزيل بقدر معلوم ". لكن الفارابى
من حيث الواقع الذي نشاهدة يري أن كل ما يقع فى هذا العالم
، سواء كان فعلاً طبيعياً أو ، اختيارياً، لا بد له من سبب،
ثم تترتب الأسباب "مستندة إلى التقدير، والتقدير يستند إلى
القضاء، والقضاء ينبعث عن الأمر، وكل شي، يقدر" .
ومن
الواضح أن وراء تفكير الفارابي الآية التي سيأتي ذكرها.
ولابن
سينا رسالة في "القدر"، وهي عرض شائق يحتاج إلي تحليل لأنه
يصور لنا " الوضع الإنساني " تصويراً دقياتا، والشيخ الرئيس
ينزع فى رسالته منزع أهل السنه من المتكلمين ، لكن مع نظرة
علمية بعد تجربة شخصية تدبيراً إلهيا شاملا .
يقول
ابن سينا إن الله علم وقدر الأشياء على ما هي عليه قبل خلقها
، وهو يقصد " بالقدر " شمول وتدبير الله وتسييره نظام العالم
، على حسب ما رتبه من نظام الأسباب والمسببات ، لكنه لايقول
بالتقدير القهري الصريح ، وهو يشرح كيف تصدر عن الانسان
أفعاله ، وهو بين مؤثرات من خارج ذاته وأخري من داخلها ،
وينضم الى ذلك نوع التربية التى تهيأت له والعادات التى
تعود عليها ، وعند ذلك يقوم صراع بين كل تللك العوامل ،
فتقع الأفعال من الإنسان بحسب " اسباب رتبها القدر " وهذا
عند ابن سينا هو الوضع الذى أوجده الله .
ونحب
أن نلاحظ أن العلماء الإسلام مؤلفات كثيرة حول مسألة القضاء
والقدر التى ظهر التفكير حولها منذ عهد الرسول عليه الصلاة
والسلام ، لكنه نهي عن الخوض فى المشكلة فى فترة تأسيس العقيدة
الاسلامية ، فى وقت لم تكن العقول قد تهيأت تماما للبحث
فى هذه المسألة الخطيرة التى تمس العلاقة بين أفعال الله
وأفعال المخلوقات ، ولما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم
عن الحكم فى أمر قدرة الله المحيطة بكل شيء وعن أعمال الإنسان
قال : " إعملوا فكل ميسر لما خلق له " ، وفي هذا الكلام
الموجز تأكيد لقدرة الأنسان ومسئوليته فى حدود الظروف التى
تتهيأ له ومقدرته على العمل الحقيقي الصالح فى ظروف الوضع
الإنساني العام .
فإذا
أردنا متكلماً متفلسفا وجدنا الغزالي مثلا يعتمد على قوله
تعالي " إنا كل شيء خلقنه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح
بالبصر " ( القمر /49 ـ 50 ) ، وهو فى كتابيه " الأربعين
.... " و " المقصد الأسني " يتناول الموضوع ، فيذكر " التدبير
الأول " أو " الأمر الكلي " الذي هو " كلمح بالبصر " ، وهو
تعلق قدرة الله وإرادته بوضع نظام الأسباب الكلية الدائمة
، وهذا هو " حكم الله وقضاؤه " ، ويذكر أيضاً توجية الأسباب
الكلية الثابته إلى مسبباتها الحادثة بنظام ومقادير محسوبة
شيئا بعد شيء ولحظة بعد لحظة ، وهذا هو " القدر " الإلهي
.
ويجتهد
حجة الإسلام فى أن يقرب المسألة كلها إلى الأذهان بمثال
: فالتدبير الكلي وحكمة يشبه تصور آلة وصنعها ، تتألف من
أجزاء كل منها له وظيفته وطبيعته لكن فعلها وما ينتج عنه
فى داخلها وفى خارجها ، مهما تسلسل ، يقع بمقادير وحركات
تنشأ عن جزء فى الآلة ، وكل ذلك يرجع إلى إرادة الصانع ،
فوضع نظام الآلة فى جملته يقابل " القضاء " وعمل الاجزاء
، كل منها بما يخصه ، هو " القدر " وكل ما يقع فهو بحسب
تقدير الصانع للآلة ، لكن الغزالي ينبه القاريء إلى أن يجتهد
فى فهم الأمور الإلهية من غير تشبية للتدبير الإلهي بتدبير
المخلوقات ، ووصف الآلة التى اختارها الغزالي وهي " صندوق
الساعة المائية " فى عصره وصف دقيق ، ويمكن اختيار مثال
آخر فى عصرنا ، لكن المهم فى هذا كله هو تأكيد علم الله
وتقديره وتدبيره لهذا العالم من غير إلغاء طبائع الاشياء
من جهة ومن غير إخراجها عن دائرة التدبير الإلهي ، وهذا
لايمكن إدراكة إلا بحسب مفهوم رفيع للتوحيد ، بمعني وحدة
النظام الكوني المترتبة على وحدة الخالق القادر الحكيم ،
وذلك يحتاج إلى تحليل لايتسع له المقام ، وتكفي الإشارة
إليه لكي يجعله المؤمن المفكر موضوع تفكر عميق .
السموات
والأرض وما بينهما في القرآن
يؤكد
القرآن دائما أن الله " رب العالمين ، ومهما تنوع التفسير
للفظ "العالمين" فلا شك أنه يدل علي صنع الله الذي لا نهاية
له، لأنه تعالى خلاق مبدع من الأزل إلى الأبد.
وقد
اقتبسا العبارة التي اخترناها لتكون عنواناً للكلام عن عالم
كبير نشاهد بدايته إمامنا، ويؤخذ من آيات القرآن أن هناك
ما هو أكبر من ذلك (مثلاً آل عمران/133، الحديد/ 21). لكن
"الكتاب الحكيم " يحدثنا خصوصاً عما نشاهده بوسائلنا، أما
أعماقه فهي بعيدة بعداً قاصياً، غيرأن الله جعل النظر فيما
ندركه من ذلك سبيلاً إلى معرفته والإيمان بقدرته وحكمته
وعنايته بالإنسان على كوكبه الذي جعله الله مستقراً له ومتاعاً
إلى حين (الجا ثية/ 13، البقرة/ 36).
والقرآن،
بعد أن بين أن هذا الكون " خلق أصيل على غير مثال سبق "
( بديع السماوات والأرض وإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن
فيكون ) ( البقرة / 117 ) ـ نبه إلى جوانب أو أنحاء لوجود
ما فيه لكي يجعلها الإنسان موضوعات لنظر العقل ودراسة الأشياء
.
وقاريء
القرآن يلاحظ ان كل ما تحدث عنه من آيات الكون موضوع بحث
علمي ، بل علوم كثيرة بالمعني الإيجابي الحديث الذي يتناول
دراسة وقائع الكون بحسب مناهج البحث العلمي ، وإذا كان القرآن
قد صرح بأن في ظاهرات الكون وفي الإنسان وأمور حياته آيات
" للعالمين " أو " لقوم يعلمون " ويقول أيضا بعد الإشارة
إلى بعض الظاهرات الطبيعية : " إنما يخشى الله من عباده
العلماء " ( فاطر /28 ) فإنه صرح بأنه المعرفة الأساسية
الممكنة للإنسان بهذا الكون تعتمد على استعمال الحواس والعقل
، وذلك بقوله " والله اخرجكم من بطون أمهاتكم لاتعلمون شيئا
وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون " ( النحل
/78 ) .
أما
الجوانب التى نبه إليها القرآن فهي موضوعات كبري وعامة يجري
البحث فى إطارتها ، فى شتي ميادين المعرفة بالكون ، ولايمكن
فى خارج إطاراتها ، العامة أن يقوم علم بجزئيات من جميع
وجوهها .
وقبل
الدخول فى ذلك كله يجب ان نشير الى ان المصنفات في " علوم
القرآن " وهي مصنفات جليلة لعلماء كبار متخصصين على مر القرون
، إنما تناولت خصوصاً دراسة القرآن نفسه من كل الوجوه :
نزولة وتدوينه ولغته وأسلوبه وإعجازه وتفسيره ومحكمة ومتشابهة
... وغير ذلك ، وهي دراسة لم يحظ بها كتاب منزل او غير منزل
، بحيث تحقق تماماً فى ضوء شواهد التاريخ الثابت معني قول
الله فى القرآن : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
" ( الحجر /9 ) .
لكن
تلك الكتب العظيمة لم تتناول الدراسة التحليلية للآيات التى
تتحدث عن الكون ، ومع انها تعطي احكاما كلية عن الكون وما
فيه وتنبه إلى القوانين التى تحكم الظاهرات او تفسر وجودها
، إلا أن بعض الذين كتبوا في علوم القرآن من المحدثين لم
يميلوا إلى تفسير الآيات فى ضوء المعرفة العلمية الحديثة
الصحيحة ، مع أن القرآن يدعو ، بل يوجب ، النظر فى الآيات
لتكون مشروعات لأبحاث كبري نعرف منها صنع الخالق العظيم
، ونستدل أيضاً على عنايته بالإنسان لكى يستخدم العلم بطبائع
الأشياء ويستخدمها في مصالح حياته، لأن الله سخرها له ليستطيع
أن ينظم حياتة وينشيء حضارته على كوكبه الفريد .
واني
أعلم أن كثيرين لا يميلون إلى دراسة آيات ((الكتاب الحكيم))
بحسب معطيات العلم. لكن إذا كان جميع المفسرين من أول الامر
قد اجتهدوا في تفسير الآيات الكونية بحسب ما عرفوه أو تخيلوه
من دلالة آيات القرآن مطبقة علي موضوع الكلام، فماذا يمنع
اليوم من تفسيرها بحسب مانعرف من صنع الله الذي حدثنا
عنه: " بلسان عربي مبين "، وذلك بوضع الألفاظ وما فيها من
أحكام خاصة بالواقع بإزاء الواقع نفسه، لكي نعرفه أو ندرك
الدلالة العميقة لما تشير إليه الآيات، إذا كنا في عصرنا
نعرف عن ذلك حقائق ثابتة حول مختلف الأشياء التي ذكرها القرآن؟
علي
أنه قد كانت آيات الكتاب الحكيم سبباً في إيقاظ عقول علماء
الإسلام جميعاً وتوجيههم إلي البحث في الكون، فأنشأوا العلوم
الطبيعية والكونية بكل أنواعها متخذين من آيات القرآن أصولاً
في المعرفة بالكون، وأفكاراً قائدة لهم في البحث، ومناهج
وأهدافاً للوصول إلي المعرفة، لكن الكثير من الآيات لم يدرس
الدراسة الكافية، ولا يمكن أن تتجلى معانيها إلا في ضوء
المعرفة العلمية الحديثة، ولذلك نجد اليوم علماء مسلمين
وغيرمسلمين يؤلفون في علوم القرآن بالمعنى الذي نقصده، ويفهمون
آياته فهما جديداً، ومن تلك الآيات ما سيظل بلا تفسير مناسب
إلى أن تتقدم المعرفة، ولذلك فإن القرآن كان ينظر إلى المستقبل
البعيد عندما قال عن الإسلام والقرآن:" سنريهم ءايتنا فى
الأفاق وفي انفسهم حتي يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك
انه على كل شيء شهيد " ( فصلت /53 ) .
أن
يستخلص من القرآن أحكاماً عامة متكاملة عن الكون فى جملته
وكذلك عن أجزائه الكبري فى السماء والأرض ، ونستطيع اليوم
أن نتحدث بحق عن " علم كوني قرآني " أعني " كوسمولوجيا قرآنية
" بالمعني المعروف فى العلم الحديث ، وهو أن علم الكوسمولوجيا
هو منتهي دراسة علم الفلك العادي ، لانه يتناول أموراً كلية
حول أصل هذا الكون ونشأته وطبيعته وتشكلاته وقوانينة العامة
، وما يسميه العلماء " سلوك الكون " ومدة وجودة ومصيره ونهايته
ونحو ذلك من أحكام . فأما دراسة أنواع الأشياء فى السماء
والأرض فهي موضوعات للعلوم الكونية الجزئية التى لا حصر
لها . وكان علماء الإسلام قد ساهموا فى ذلك بجهود أدت إلى
الابتكار وسجلها تاريخ العلم وجاء المؤلفون فألفوا فى ذلك
بجهود أدت الى الابتكار وسجلها تاريخ العلم ، وجاء المؤلفون
فألفوا فى ذلك مثل العالم الإيراني الكبير سيد حسين نصر
Seya Hoosier nasal الذي ألف كتابه " العلم الإسلامي "
Islamic science ، وكتابه فى " النظريات الكوسمولوجية الإسلامية
Islamic Cosmological Doctrines
,وكذلك
ألف عالم كبير هو أفضال الرحمن كتاباً عاماً بعنوان " العلوم
القرآنية "
Afzalur
Rahman: Quranic Sciences ( The Muslim School Trust, London
وقد
اشتمل هذا الكتاب بإيجاز على كثير جداً من موضوعات العلوم
الطبيعية المتنوعة والكونية مع الإشارة المستمرة إلى آيات
القرآن .
والمؤلفات
الحديثة فى ذلك كثيرة في شتي بلاد الإسلام ، بل هناك مجالات
ظهرت فى ذلك .
ومنذ أكثر من نصف قرن أراد الأزهر الشريف فى القاهرة تثقيف
طلبة قسم الوعظ والإرشاد في كلية أصول الدين بشيء من العلم
الطبيعي الحديث بعنوان ((سنن الله الكونية)). وأسند التدريس
للعالم الفاضل طيب الذكر الأستاذ محمد أحمد الغمراوي، فكان
هو الرائد في الميدان، وكانت الثمرة كتاباً له ظهر بالعنوان
نفسه عام 1936، ثم جمعت حديثا دراسات له شائق بعنوان ((الإسلام
في عصر العلم)) والآن كثرت الكتب التي تتناول الإسلام والعلم
أو آيات القرآن وتفسيرها بالعلم، وكذلك تعقد المؤتمرات حول
((العلم في سياسة الدولة الإسلامية)) science in lslamic
polity ، وحول القرآن وإعجازه العلمي (باكستان.) وتعقد
الملتقيات الفكرية الدورية حول الفكر الإسلامي في شتى ميادينه،
ومنها ما خصص للقرآن وعلومه، بل إن وسائل الإعلام في بلاد
الإسلام تتناول آيات القرآن وتلقي الأضواء على معانيها بحسب
المعارف العلمية العلمية الحديثة.
علي
أن كل ما ظهر من ذلك ليس سوق بداية، ولا بد أن يتوفر على
تفسير آيات القرآن الكونية متخصصون بالمعنى الدقيق يلتزمون
بالفهم السليم لألفاظ القرآن وأحكامه الكلية في هذا المجال
مع النظر في الواقع الكوني ومحاولة التفسير من جديد، بلا
اعتماد علي الخيال ولا على شيء يبعد بالآية عما تشير إليه
بدقة.
جوانب
كلية لهذا الكون في القرآن:
وقبل أن
نتكلم عن الجوانب الكلية لنظام المخلوقات يحسن أن نشير بإيجاز،
أن القرآن تناول كل ما يقع تحت الحس من ظاهرات علي الأرض
وفي الجو القريب منها وفي داخل النظام النمساوي، وهو إذا
كان قد أشار إلى بعض الأشياء على سبيل الإجمال أحياناً،
فإنه تحدث عن مجرى بعض الظاهرات ومراحلها سواء ما يحدث في
الجو مثل المراحل التي يسقط في نهايتها المطر (النور-/43)
أو مراحل ظهور النبات على الأرض، مع الإشارة إلى جمال الطبيعة
(عبس/ 24- 32، الحج/ 5، الشعراء/7) أو عالم الحيوان من حيث
أصنافه وما في بعضها من زينة وجمال يسعد به الإنسان( النور/
45، النحل /8) أو مراحل تكوين الجنين في بطن أمه، ثم تقلب
الإنسان في مراحل الحياة، (الحج/ 5، المؤمنون/12- 14)، هذا
وقد أعطى القرآن أسماءً وألفاظاً واضحة لكل ما تحدث عنه،
فوضع الأسس للمصطلح العلمي .
أما
الجوانب التي أشرنا إليها فهي كثيرة ومتنوعة ومن أهمها:
أولاً
: أن كل شيء له طبيعته السوية المتعادلة، وله مجراه وقانون
وجوده، وذلك هو قوله: " سبح اسم ربك الأعليىالذى خلق فسوى
والذي قدر فهدى" ( الأعلى /1 ـ 3 ) .
وقوله
في الجوانب عن سؤال فرعون لموسى: " قال فمن ربكما يا موسى
قال ربنا الذي أعطي كل شيء خلقه ثم هدى " (طه/49- 50).
ثانياً.
كل شئ له كم ومقدار : " وكل شيء عنده بمقدار " ( الرعد /8
) ، " وخلق كل شيء فقدره تقديرا " ( الفرقان /2 ) ، " قد
جعل الله لكل شيء قدراً " ( الطلاق /3 ) .
ثالثاً:
كل شيء له "كيف" بمختلف المعاني التي تعبرعنها هذه الكلمة
في القرآن، فهي قد تشير إلي تركيب الشيء أو هيئته ووظائف
أعضائه، مثل الكائنات الحية:" أفلا ينظرون إلى الإبل كيف
خلقت " ( الغاشية /17 ) أو أن يكون شيئا كبيرا على مستوى
السماء وبنائها وما يدل عليه ذلك : " أفلم ينظروا الى السماء
فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج " ( ق /6 )
وقد يكون، الشيء ظاهرة طبيعية في علم الضوء والظلال " ألم
تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس
عليه دليلا * ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا " ( الفرقان /45
ـ 46 ) وفى هذه الآية فى قوله : " ثم قبضناه الينا " إشارة
إلى طبيعة الضوء ونوع حركته إذا اعترضه جسم له ظل .
رابعاً:
كل شيء في نظام المخلوقات، ففي وجوده حكمة وغاية وله قانون،
وهذا ما تدل عليه كلمة "بالحق " التي ترد كثيراً في القرآن
عند الكلام عن نظام هذا الكون: "وما خلقنا السماوات والأرض
وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لايعلمون
" ( الدخان /38 ـ 39 ) " هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر
نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله
ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون " ( يونس /5 ) .
خامساً:
وفي القرآن ما يدل علي أن قوانين الطبيعة ثابتة ما دامت
علي هذه الحالة التي أوجدها الله، وهذا ما يدل عليه لفظ
"سخر"، ومعنى التسخير هو تسير الشيء إلى تحقيق الغرض المختص
به قهراً، (مفردات الأصفهاني) وهذا يشمل ظاهرات الطبيعة
وقواها جميعاً منه الليل والنهار إلي الشمس والقمر والبحر
والأنهار، بل " ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه "
(الجاثية/13)، وكل ذلك بحسب نظام ثابت يخدم حياة الإنسان،
ومنه أيضاً تسخير الحيوان (الحج/ 36- 37) وتسخير الجبال
تسبح مع داود عليه السلام والريح تجري بأمر سليمان عليه
السلام (ص/18- 36).
سادساً:
يجب أن نلاحظ أن ظاهرات الطبيعة لاتجري بقوي من ذاتها،
كما كان، يقول الفلاسفة القدماء، بل هي تجري بحسب التدبير
الإلهي الشامل الذي أشرنا إليه " والله الذي يرسل الرياح
فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت " (فاطر/ 9) " وينزل من
السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها " (الروم/ 24-.5)،
ولا يقع شيء في السماء ولا في الأرض إلا "بإذن الله ".
وكذلك
كان قوانين الطبيعة وفعل ما يقع فيها، كل ذلك في نطاق قدرة
الله، فهو" إن يشأ يسكن الريح " فلا تتحرك السفن (الشورى/33)،
كما يستطيع، أن يغور الماء (الملك/ 30 ) أو يديم الليل أو
النهار (القصص / 71 - 72)، بل أن يخسف الأرض بمن عليها (الملك/16)،
كل ذلك يدل على أن قوى الطبيعة ليست حتمية، وهذا ما قد أصبح
واضحاً بحسب تقدم المعرفة العلمية، وما لوحظ من أن الأشياء
في هذا الكون يرتبط بعضها فيما بينها، ؟ وبعضها يهيىء الأسباب
لبعض أو هو غاية للبعض، مما يدل على أن وراء ذلك قدرة خلاقة
بحكمة واختيار، وقد أشرنا إلي ذلك من قبل.
لكن
ليس معنى هذا أن أفعال الله تجري على قاعدة التعسف، بل إن
ذلك تذكير للمكذبين والمغرورين بالسيطرة على الطبيعة، وقد
حدث أنهم تدخلوا في أسرار الطبيعة وأرادوا استخدام ما فيها
من قوة، ربما لأغراض لا تخدم مصلحة الإنسان، فكانت النتيجة
فساداً كبيراً أصابهم وأصاب غيرهم (أخطار انفجارات المفاعلات
النووية).
سابعاً.
وإذا كانت ظاهرات الطبيعة، رغم ثباتها واطراد قوانينها،
تدخل في نطاق القدرة، فإن كل شيء في الكون من الجنين في
رحم أمه أوحياة فرد أو حياة أمة وحضاراتها أو نجم أو كوكب
يجري في فلك له " أجل مسمى " وهو المدة المحددة لوجوده،
بل إن هذا الكون في جملته، بعد أن أبدعه الله أخذ يتشكل
هو وكل شيء في المدة المقدرة له، وهذا هو "أجله " أو "زمانه"
الذي هو عنصر أو عامل من عوامل تكوينه وليست شيئاً قائماً
بذاته خارجاً عن الأشياء، كما يتصور بعض الفلاسفة القدماء.
"
أو لم يتفكروا فى أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما
بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقايء ربهم
لكافرون " ( الروم /8 )
والقرآن
صريح فى أن هذا الكون بسماواته وأرضة ، عندما يحين أجله
وتجيء " الساعة " المحددة ليوم " القيامة " سينتهي أجله
" يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد
القهار " ( إبراهيم /48 ) .
هذه
بعض الجوانب العامة لنظام الكون في جملته، كما نجد ذلك
في القرآن، وهو قد تكلم عن كل الظاهرات الكونية الكبري ,وعن
كثير جداً من الظاهرات الصغرى، ونحب أن نختار من ذلك أعظم
الظاهرات التي أمامنا، وهي "السماء"، وقد تكلم القرآن عنها
بعبارات عجيبة تحتاج إلى تفسير، مثل قوله: " والسماء ذات
الحبك " (الذاريات/7)، " والسماء ذات الرجع " (الطارق/ 11)
وأن السماوات " "سبع طرائق " (المؤمنون/17) أو أن الله جعل
السماء " سقفا محفوظا " (الأنبياء/ 32) أو أنها مظلمة
رغم ما قد نتصوره خلاف ذلك من وجود كل ما نراه فيها من النجوم
والكواكب، هو قوله:" وأغطش ليلها وأخرج ضحها " ( النازعات
/29 ) ، وقد فسر لنا العلم الحديث السبب فى ظلام السماء
وهو عدم وجود ذرات جسمانية بعد الغلاف الجوي لكي تعكس الضوء
، لأن الضوء نفسه لايري إلا منعكساً من أجسام .
لكن
يجب ان نذكر أيضاً أن القرآن تكلم عن السماء من وجوه كثيرة
، منذ أن كانت " دخاناً " فى أول المرحلة الأخيرة من تشكل
ذلك " الرتق " العظيم الذى فتقته القدرة الإلهية ، و " الدخان
هو ما يسمي Nebule بلغة العلم الحديث ، وتكلم القرآن عن
بنائها ، وهو بناء قوي شديد ، حتي أقسم الله تعالي به :
" والسماء وما بناها " ( الشمس /5 ) ، " والسماء بنينها
بأيد بأييد وإنا لموسعون " ( الذاريات /47 ) ، " وبنينا
فوقكم سبعا شدادا " ( النبأ /12 ) ،
وعن
تسويتتها، أعني تعادها بما فيها " رفع سمكها فسوئها "(النازعات/28)،
وعن توازنها بما فيها من النجوم، " والسماء رفعها ووضع الميزان
" (الرحمن/7)، وعن انسجام أقسامها الكبري، فلا "تفاوت "
أي لأ تنافر بين تلك الأقسام (الملك/3)، وتكلم عن تلك النجوم
التي لا تحصى، والتي هي " سرج وهاجة"، أي مضيئة بنفسها،
وكواكب تستنير منها وتعكس ذلك الضوء نوراً، فيكون كل ذلك
زينة للناظرين:" ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين
" ( الحجر/16)، " أنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب
" ( الصافات /6 ) وغير ذلك من مميزات للسماء التى نراها،
وهي بداية العالم العظيم الذى خلقه الله .
ا
لأرض.
وكذلك تكلم
القرآن عن الأرض كلاماً يحتاح إلي دراسة علمية: " والأرض
ذات الصدع" (الطارق/ 12)،" والأرض وما طحاها " ( الشمس /6
) ، " والأرض بعد ذلك دحاها " ( النازعات /30 ) ، " أولم
يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب
لحكمة ، وهو سريع الحساب " ( الرعد /41 ) ، وأحب أن ألاحظ
أن التفسيرات المتنوعة لهذه الآية مختلفة وغير كافية ، لأن
الآية عامة وتخص الأرض ، وهي من نوع آية الرتق والفتق التى
سنتكلم عنها فيما يلي .
لكن
القرآن يتكلم عن الأرض بعد انفتاق ذلك الرتق الكبير الذى
تشكل منه هذا الكون كله ، ومن كلام القرآن يتبين أن بداية
نظام السماوات واحدة وهي "الأمر الإلهي الواحد الكلي " (
القمر /50 ) ، فكل أشياء هذا الكون لها عمر واحد، لكن
القرآن في سورة (فصلت/ 9- 12)، قد خص الأرض بكلام محدد حول
تشكيها في المرحلتين الأوليين من المراحل الست التي هي ((
الأيام)) التي ذكرها القرآن، وهي عصور متطاولة لتشكل الكون
وكلام القرآن، عن الأرض يبين أن تشكلها كان قبل تشكل السماء
ؤقبل أن يلتئم التشكل الكبير الذي جمع بين الأرض والسماء
في قانون واحد يشير إليه علي سبيل المجاز، قوله تعالى
عن السماء." فقال لها وللأرض أئتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا
طائعين فقضاهن سبع سماوات فى يومين وأوحي فى كل سماء أمرها
وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا ذلك تقدير العزيز العليم
" ( فصلت /9 ـ 12 ) .
هذا ما نجده
في القرآن حول تشكل النظام الكوني، وهو يختلف كل الاختلاف
عما نجده في أول سفر التكوين من التوراة، وهو يحتاج إلى
دراسة مع اجتهاد لمعرفة الكون بوجه عام، وإذا كان هذا التشكل
قد بدأ كله في لحظة واحدة، بحيث يكون عمره كله واحداً، فإننا
نحتاج إلي دراسة أجزائه
الكبري،
كل منها على حدة في داخل التشكل العام.
وقد
دلت بعض الآراء في حساب عمر الكون علي يد الفلكي الأمريكي
الكبير Edwin Hubble (ت 1953) على أن تشكل الأرض أقدم من
تشكل السماء، وخالفه البعض في هذا الرأي، لكن المسألة ليست
دائماً مجرد تصور لسير تلك العملية الكونية، بحسب مجرى تلقائي
يتخيله الإنسان، لأن القدرةالإلهية قد تتدخل في أثناء ذلك
كله تحقيقاً لحكمة معينة بالنسبة لشيء معين، ولا بد أن ظروفاً
وعوامل خاصة تتعلق ببعض أجزاء الكون قد طرأت، وكان لها تأثيرها...
وكلام القرآن على الأرض ليس قصة بل هو أحكام عامة، والكون
لا يزال يتشكل ويكبر.
وللإنسان
أن يتعجب من تميز الأرض في داخل المجموعة الشمسية بتلك الظروف
التي جعلتها صالحة لظهور الحياة واحتضانها، فلا بد من عوامل
معينة أدت إلي ذلك، ولايعرفها أحد،وإن كان علم الجيولوجيا
يحاول دراسة تاريخ الأرض، ويجب أن تستمر الدراسة لمعرفة
تلك الأسباب الخاصة التي ستبين لنا حقيقة الأطوار التي
تشكل فيها كوكبنا إلي أن ظهرت عليه الحياة وازدهرت وتنوعت
على نحو ما نري.
ونحب
أن نشير هنا إلي أن لفظ "السماء" يطلق بوجه عام على النظام
الكوني الذي فوقنا، القريب منه والبعيد، والعلم قد أثبت
بما لا يدع مجالا للشك، أن الكون العلوي البعيد لا يزال
يتشكل، وكذلك نحب أن نشير إلى قوله تعالى في القرآن " وأوحى
في كل سماء أمرها "؟ (فصلت/ 12)، فهو ينبه إلي كل العوامل
والقوانين التي تنتظم بها كل سماء بما فيها ومن فيها، ولفظ
"أوحى "، بما يدل عليه من خفاء الفعل، يشير إلي الأحوال
الداخلية في كل سماء.
والآن،
فلنحاول أن نفهم بعض الآيات التي تكلمت عن السماء من بعض
، الوجوه، ونضع في الاعتبار ما تشير إليه الآيات من دلالة
على قوانين عامة تحكم النظام السماوي في جملته.
في
القرآن الكريم آيات كثيرة تؤكد أن الله تعالى " رفع السماوات
بغير عمد " (مثلاً الرعد/2)، والسماوات المقصودة ليست هي
الفضاء اللازوردى الذي، نراه، لأنه ليس جسماً يمكن أن يرفع
أو يخفض، والعلم القديم والعلم الحديث قد حاول أن يفسر لنا
هذا اللون تفسيراً علمياً، وإنما المقصود بالسماء بوجه عام
هو تلك الأجرام الضخمة التي نراها فوقنا، ثم إن قوله تعالى:
" والسماء رفعها ووضع الميزان" (الرحمن/7)، يمكن إن يشير
إلي توازن تلك الأجرام بحسب قانون يجعل كلا منها في موقعه
بحسب كتلته بالنسبة لغيره، وإلا" فأي ميزان يكون مقصوداً
إذا وجدناه في القرآن مقروناً بالأجرام السماوية، فلابد
أن يكون هناك سر، أي قانون عظيم، يستحق أن يقسم الله به
في. القرآن بقوله " فلا أقسم بمواقع النجوم . وإنه لقسم
لو تعلمون عظيم " والله تعالي يقسم بذلك القانون على أمر
عظيم ، وهو قوله " إنه لقرءان كريم في كتاب مكنون لايمسه
إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين " ( الواقعة /75 ـ 78
) ، فما أعظم شان المقسم به ، وأعظم شأن المقسم لأجله .
وبعض
المفسرين القدماء فهم من " مواقع النجوم " مساقطها ، وخصوصا
مغاربها أو انكدارها وانتثارها يوم تأتي القيامة ، لكن خطر
للبعض أن المقصود هو " مواقع نجوم القرآن ومعانيها وأحكامها
فى قلوب الملائكة ورسل الله وعبادة الصالحين " ، لكن ذلك
كله بعيد عن دلالة الألفاظ التى تتكلم عن النجوم التى فى
السماء ويهتدي بها الناس فى المعرفة بالأزمان والجهات ،
كما في آيات آخري ( الأنعام /97 ، النحل /16 ) ولذلك فهم
البعض مثل الرازي والبيضاوي والألفاظ على أنها تدل على منازل
النجوم ومواضعها فى السماء ، وهذا قريب ، لكن المقصود من
ذلك ليس مجرد مواضع النجوم بل السبب أو القانون الكبير الذي
يجعل كل نجم فى موقعة بالنسبة لغيره ، بحيث تكون هناك علاقة
توازن بين كل الأجرام فى السماء التى لاحدود لها .
إن
وجو د الأجرام، كل منها في موقعه يحتاج إلى تفسير، وهنا
قد يخطر على البال عند المشتغلين بعلم الكون قانون الجاذبية
العام الذي بحسبه يأخذ كل جرم موقعه أو يتحرك حركته بحسب
كتلته وبالنسبة لغيره، وهذا فهم اجتهادي ،والعلم قد يذكر
لنا ـ كما هو حاصل بالفعل- أن هناك تفسيراً آخر غير مفهوم
الجاذبية، بحسب الدلالة الدقيقة لهذا اللفظ، ويستطيع الإنسان
أن يتصور أن لفظ "التوازن " بين الأجرام هو التسمية الأكثر
ملاءمة، وإن كان يجوز أنه نتيجة لقانون الجاذبية العام،
لكن المهم أن نبحث عن السر فى ذلك ، ومن المعلوم أن العلم
قد يفسر الظاهرة الواحدة بتفسيرين، كل منهما يشرحها، ويبقي
المجال دائما للمزيد من العلم التفسير، وإذا تغيرت تصوراتنا
للأشياء فهذا يرجع إلينا ، والوقائع والظاهرات والأحداث
تبقي كما هي .
على
أن المفسرين القدماء جميعاً فهموا من لفظ " الميزان " أنه
ميزان العدل أو الشريعة التى يتحقق باتباعها العدل بين الناس
، وعند البعض أن الميزان هو الآلة المادية المعروفة ، وحتى
لو فهمنا اللفظ على هذا المعني المادي المعروف على الأرض
، فإن وزن أي جسم يوزن به جسم آخر لتقدير الوزن بين الجسمين
فإن ذلك يدخل ضمن قانون التوازن العام الذي يحكم العلاقة
بين الجسم الذي نزنه ونزن به الأرض ، وهو قانون التوازن
الكوني العام . ولاشك أن هذا ما يمكن ان نفهمه من قوله تعالي
بعد الكلام عن توازن أجرام السماء : " ألا تطغوا فى الميزان
" ، أي لاتطغوا فى الوزن على الأرض ، وهذا يدل على ارتباط
الوزن على الأرض بقانون التوازن السماوي .
والخلاصة
أننا لانزال نحتاج الى مزيد من العلم لنفهم المعني الحقيقي
للفظ الميزان والحكمة فى ربط الميزان فى السماء بالميزان
على الأرض ضمن قانون عام واحد ، وهنا يحسن ان نتفطن إلى
آية عامة الدلالة فى القرآن ، وهي تحتمل تفسيرات عديدة ،
وتفيدنا هنا ، وهي قوله " يدبر الأمر من السماء إلى الأرض
" ( السجدة /5 ) .
وإذا
كان القرآن فى الآية الثالثة من آيات الميزان التى تشير
إلى السماء والأرض يأمر الناس بأن يقيموا الوزن بالقسط ،
فانه لامفر ـ بحسب منطق الآيات ـ من أن يكون المقصود قانوناً
عاماً يشمل كل الأجرام الكونية ، ومهما كان الأمر فإنه لامفر
من تفسير مثل هذه الآيات ، والا بقي جزء كبير من القرآن
بغير تفسير مع وضوح الألفاظ واستعمالها فى الدلالة المباشرة
على الأشياء التى نراها .
وبعد
ذلك فلننظر إلى آية أخري في القرآن تتكلم عن السماء، وهي
قوله تعالى: " والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون " ( الذاريات
/47 ) . وقد تنوعت تفاسير القدماء لقوله تعالي : " لموسعون
"، فهناك من يقول إن ذلك يدل على " الوسع " بضم الواو وسكون
السين ، أي القدرة على خلق أمثال ما نري فوقنا من السماء
، وهناك من يقول إن اللفظ يدل على التوسيع على العباد فى
الرزق ونحو ذلك ، لكن بعض المفسرين ( وهو الفخر الرازي )
، فهم أن المقصود هو القدرة على توسيع السماء بحيث تكون
الأرض وما يحيط بها بالنسبة للسماء " كحلقة في فلاة " ،
ولكن البيضاوي فهم من الآية بصراحة أن الله قادر على أن
" يوسع السماء أو يوسع ما بينها وبين الأرض " ولكن لم يخطر
لاحد أن السماء فى حالة اتساع بالفعل ، وإذا نحن نظرنا للفظ
بصيغته التى هو عليها ، وهي اسم الفاعل الذى يدل على الفعل
المباشر ، وأردنا أن نفهمه، فإن المعني يصبح واضحاً تماما
، وهو أن الله يوسع السماء بالفعل وأنها الآن أيضاً فى حالة
امتداد واتساع ، وذلك منذ " انفتاق " ذلك " الرتق " العظيم
الذي فتقته القدرة ، كما في قوله تعالي متحدياً الكافرين
الذين لا يؤمنون بالله أو ينكرون أن يكون القرآن تعليماً
إلهياً غير عادي ولا مألوف ، وليس من كلام البشر ، ولا يخرج
من أي علم قديم عند العرب او عند غيرهم .
"
أو لم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما
وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون * وجعلنا فى الأرض
رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون
* وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن ءاياتها معرضون * وهو
الذى خلق الليل والنهار والشمس والقمر كل فى فلك يسبحون
" ( الأنبياء /30 ـ 33 ) .
وبصرف
النفس عما تتضمنه الآيات من أحكام واقعية تتعلق بالحياة
أو الجبال ووظيفتها في الأرض وأن السماء "سقف محفوظ " وأن
الأجرام كل منها يسبح في فلكه"، فإن الآية واضحة، ولا يصح
أن نذهب في تفسيرها إلي خيالات بعض المفسرين التي لا تتفق
مع المعنى الواضح للألفاظ، وهو أنه كان هناك شيء ملتحم ثم
فتقتة قدرة الله، ومن تلك التفاسير ما نجده عند القرطبي
نقلاً عن ابن عباس والحسن وغيرهما: "أن السماوات والأرض
كانتا شيئاً واحداً ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء"،
أو تفسير كعب الأحبار: "أن السماوات والأرض كانت بعضها على
بعض، ثم خلق الله ريحا توسطها ففتحها بها، وجعل السماوات
سبعا والأرضين سبعاً "، وللمفسرين خيالات عجيبة وأوهام في
الأرضين السبع وما فيهما، وعن ابن عباس "أن السماء كانت
رتقاً لا تمطر والأرض رتقا لا تنبت، ففتق الله السماء بالمطر
والأرض بالنبات ".
أما
العلم الكوني الحديث الذي يجب علينا أن نحترمه فإنه على
أساس ملاحظات، علمية لا شك فيها ولها دلالتها بحسب قوانين
الطبيعة، يؤكد أن هذا الكون في حالة امتداد واتساع بالفعل
من جميع الجهات بالنسبة للراصد على الأرض .
واستدلال
العلماء على ذلك جاء نتيجة لتحليل أشعة الطيف الآتية من
النجوم البعيدة التي في المجرات وما وراءها، فقد لوحظ أن
تلك الأشعة تنزاح إلى الحمرة، ومعنى هذا أنها في حالة ابتعاد،
نظراً لخفوت ضوئها، وهذا ما يتفق مع قوانين أخرى طبيعية
تثبتها التجربة، مثل قوة الصوت بالنسبة للسامع، فكلما ابتعد
مصدر الصوت ضعف؟ وكلما اقترب ازدادت قوته ، وهذا ما قد سجله
العلم الطبيعي على يد الفيزيائى النمساوي كريستيان دوبلر
Christian Doppler (ت 1853) وصار يسمى ( Doppler effect
) والمقام لا يتسع لتغصيل ذلك كله، ونكتفي بالإشارة إلى
أبحاث الفلكي الأمريكي Edwin Hubble (ت 1953) التي نشرها
في عام 1929، وتبت على أساسها العلمي أن الكون يتسع، ثم
جاء الفلكي الأمريكي الروسي الأصل George Gamow (ت 1968)
الذي فصل النظرية وأصبح القول باتساع الكون أمراً علمياً
لاشك فيه .
وبطبيعة
الحال يمكن فهم قوله تعالى : " وإنا لموسعون " بالمعنى الذي
خطر للبيضاوي ، لكن ذلك كان على أساس الإيمان بالدليل القاطع
بوجود الله وقدرته التى لانهاية لها ، لكن المسلم مأمور
دائماً خصوصاً فى يومنا قبل كل شيء ، أن ينظر ( في ملكوت
السماوات والأرض )
( الأعراف
/185 ، يونس /101 ) وأن يتوصل إلى علم يفسر الظاهرات الكونية
فى ضوء قوله تعالي : إنه ( خلق السماوات والأرض وما بينهما
بالحق ) ، ومن معاني قوله " بالحق " أي بحسب حكمة تتمثل
فى قوانين تضبط نظام الكون .
وقد
كان لابد للعلم أن يمضي فى المزيد من البحث ، وهنا سار التفكير
على النحو التالي إذا كان الكون يتسع بقوة وبسرعة ، ونحن
نلاحظ ذلك أينما كنا على الأرض فإن الاتساع لابد ان يكون
بدأ من نقطة وكان الانطلاق منها بقوة هائلة ، وهذا أدي الى
فرض علمي وضعه الفيزيائى ـ الفلكي البلجيكي George Le Maitre
Primoval Atom فانفجر بكل قوة ، وهذا ما يسمي Big Bang
أي " الانفجار الضخم " الذى صحبته أحداث كونية يصعب على
العقل أن يتخيلها من حرارة وسرعة لاتتصور انطلقت من شيء
بدأ منه تشكل هذا الكون العظيم فى عشرات الآلاف من ملايين
السنين .
ونحن
لانسلم بهذا الفرض بسهولة ، ونحن لانعرف كما لايعرف
صاحب
الفرض طبيعة ذلك الشيء الذى انفجر ، لكننا نشاهد نتيجة انفتاق
الرتق الذى يحدثنا عنه القرآن .
ومهما
كان الأمر فإنه لا يصح أن يتصور أحد اليوم أن الأرض مثلا
خلقت على هذه الصورة التى نراها عليها ، لأن القرآن نفسه
( فصلت /9 ـ 10 ) ، يقول بكل وضوح إنها تشكلت على صورة أولية
فى " يومين " أي مرحلتين من المراحل الطويلة الست التى تشكل
فيها الكون كله ، ثم تشكلت فى يومين آخرين لتكون على النحو
المناسب لتوازنها فى حركتها بظهور الجبال فوقها، مما يدل
على أنها كانت متحركة ، وهذا ما تدل عليه آيات أخري ( مثلا
، الأنبياء /31 ) ، أصبحت على الحال والإمكانيات الملائمة
لما سيظهر عليها من أحياء تحتاج الى غذاء :
( وقدر فيها
أقواتها )
وإن
ذكر لفظ " الأيد " فى الآية الكريمة ، وهو القوة يشير من
جهة إلى القوة التى نشأ عنها النظام الكوني ومن جهة أخري
إلى تماسك بنائه وثبات تلك القوة إلى " الأجل المسمى " لتبدل
النظام كله ، وهو ما نص عليه القرآن بصراحة ( إبراهيم /48
) ، ( الأنبياء /104 ) ، ليبدأ بعد ذلك خلق جديد ، ( كما
بدأنا أول خلق نعيده ) ( الأنبياء /104 ) .
ويحاول
العلماء بأنواع من الاستدلال المبني على ملاحظة الواقع أن
يتصوروا نهاية الكون بالمقارنة مع ما قد اكتشفه العلم من
تاريخ تشكله وأحوال هذا التشكل ، والعلم قد انتهي إلى أن
هذا الكون نظام بديع مخلوق ، له بداية منذ زمان سحيق ، وله
نهاية أيضا ، بعد أن يعيش طويلاً ، ويتصورون أنه ستصحبه
ظاهرات كونية مروعة كالتي صاحبت نشأته وهي تشبه ما يتحدث
عنه القرآن ، هذا وكلام العلماء خيال بالقياس على ما تخيلوه
لنشأة الكون ، أما كلام القرآن فهو أمور ستقع كما تحدث عنها
، ولا يعلم أحد إلى متي سيبقي هذا العالم ، لانه كما بدأ
على نحو لا نعلمه فكذلك ستكون نهايته .
وأخيراً
لا يصح أن يتصور أحد أن السماء خالية وأنها ليست إلا أجراماً
تسير بحسب قوانين طبيعية حتمية والقرآن يشير الى أن السماء
مسكونة ، وفيها كائنات يصفها بأنها " دواب " ، ومهما كان
مفهوم لفظ " دابة " الذى نجده فى قول القرآن .
"
ومن ءاياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من دابة ....
" ( الشورى /29 )
" ولله يسجد
ما في السماوات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون"(
النحل /49).
ومفهوم
" الدابة " هو كل شيء يدب أي له كتلة مهما كانت صغيرة ،
وله حركته ، وقد ذهب بعض مفسري القرآن المتفلسفين الى أن
السجود لله او التسبيح له لا يشترط فيه وجود " البنية "
كما نتصورها فى عالمنا الذي نعيش فيه .
والآن
، فإن العلماء يتكلمون عما سموه " سلوك الكون " ، وهذا هو
تعبيرهم عن أنه يمتد ويتسع ، أما من وجهة النظر الاسلامية
فإن هذا الكون مخلوق " بالحق " وله أصله وقوانينه ومصيره
، ولكنه يدل بوجوده ونظامه وإحكامة على وجود صانعة ، وإذا
كان القرآن يقول إن كل شيء فى الكون يسجد لله ويسبح بحمده
فإن هذا هو سلوكه بحسب القرآن .
رسالة الإنسان ومعنى
حياته في
الأرض
الآراء
في الإنسان لا حصر لها، لكننا نصرف النظر هنا عن آراء مفكرين
حطوا من قدر الإنسان أو لم يروا فيه إلا الجانب السلبي،
ومنهم شعراء (أبو العلاء المعري) أو فلاسفة (الفيلسوف الإنجليزي
Thomas liobbes) أو (الإلماني Nietzsche)، ونشير مجرد إشارة
موجزة إلى آراء فلاسفة قدماء عذوا الإنسان غريبا عن هذا
العالم (أفلاطون) أو حيواناً يتميز بالتفكير (أرسطو)، كما
نشير إلي آراء عديدة لمفكرين رأوا جوانب إيجابية في طبيعة
الإنسان، مثل بعض الشعراءو المفكرين الإيطاليين في عصر النهضة
أو تفاءلوا بوجوده ورأوا فيه جوانب رفيعة (الشعراء الألمان:
Goethe & Schiller .
لكن
لابد أن نذكر من تصوروه كائناً طبيعيا، ليس له أصل علوي،
ولا يمكن أن نفهمه إلا كجزء من الطبيعة (Paracelsusوهو أحد
فلاسفة عصر النهضة الأوروبية) أو تصوره ذروة التطور فى عالم
الحيوان (البيولوجي الإنجليزي Darwin " ومن تابعه).
ولابد
أن نقول إن كل هذه الآراء وكثيرا غيرها لاتصور إلا جوانب
في الطبيعة الإنسانية، ولا توجد نظرة متكاملة للإنسان إلا
في الأديان المنزلة، لانها بوجه عام بينت أصل الإنسان ونشأته
وحقيقته وطبيعته ومكانه فى الكون ومعني حياته على الأرض
ومصيره بعدها ، وأنه ، خصوصا ، خلق أصيل غير مشتق من مخلوقات
أخري كما يزعم أصحاب نظرية التطور .
لكن
الأديان، وإن اتفقت أمور أساسية منها تميز الإنسان إلا
أنها اختلفت فى التفاصيل ونحن من غير أن ندخل فى بحث آراء
أهل الديانات الأخري ، نحب أن نشير فقط إلى أن الإنسان ،
وإن كان بحسب التراث اليهودي الذى أخذت به المسيحية قد خلق
" على صورة الرب " إلا أنه لا يبدو من نصوص التوراة أن ظهوره
على الأرض خطة إلهية مرسومة لحكمة بل جاء ذلك بسبب معصية
، لأجلها طرد من الجنة إلى الأرض ليكفر عن خطيئته .....
( سفر التكوين ، إصحاح 3 ، 6 ) .
أما
القرآن فالأمر يختلف إلى حد كبير ، ومن وجوه أساسية ، فعلي
حين نجد فى التراث الديني السابق قصة الإنسان يحكيها التراث
، نجد فى القرآن أن الله نفسه هو الذي يتكلم عن الإنسان
ويخاطبه بصفة مستمرة . ثم إننا نجد في القرآن كلاماً كثيراً
حول الإنسان ، وهو كلام متكامل من كل الوجوه ، ففيه خلق
الإنسان وتسخير كل مافيه بسماواته وأرضه لمصالح حياته (
مثلاً لقمان /20 ، الجاثية /13 )
والقرآن
يتكلم عن الإنسان فى فترة لم يكن فيها " شيئا مذكورا " (
الإنسان /1 ) ، ليس له شأن يذكر ، ولا أحداث فى حياته ،
ويتكلم عنه بعد ذلك من حيث خلقه وما يصير إليه أمره من حمل
المهام الكبري التى ألقيت على كاهله ، فيتكلم عنه فىحياته
على الأرض : فى إيمانه وكفره ، وقوته وضعفه ، وأخلاقه وسلوكه
مع الله ، وغروره وخيلائه ، لكنه يتكلم عنه فى جوانب جهاده
وكفاحه فى سبيل رسالته . ويمكن أن نصل من آيات القرآن إلى
نظرة كاملة للإنسان من كل وجه . ألفت كتب فى هذا الموضوع
بالذات .
ويتميز
القرآن خصوصاً ببيان أن الإنسان خلق " فى أحسن تقويم " (
التين /4 ) . وهذا يتجلي عند من ينظر فى الكون المتكامل
فى الإنسان من الناحية العقلية- الحسية والناحية النفسية
- البدنية. وفي القرآن أن الإنسان، من أول أمره وقبل هبو
طه إلى الأرض، كان له العقل والقدرة والاختيار والاستعداد
للطموح، بحيث يفهم بهذا كله معنى الأمر والنهي والتحذير
والتنبيه، بحيث لا يستطيع أن يثبت على حال ثابتة لكنه يشعر
بنتيجة النسيان أو الخطأ فيتذكر ويندم ، ويشعر بالحاجة إلى
المغفرة والرحمة والله بحسب القرآن ، يعلمه ما يقوله ليتوب
فيتوب عليه
( البقرة
/35 ـ 37 ، الأعراف /23 ، طه /122 )
كل
هذا وغيره ظاهر في القرآن في مواضع كثيرة، لكن يجب أن نبين
حقيقة مجيء الإنسان إلى هذه الأرض، ونحن نجد بعد ذلك في
عدة سور، منها مكية، "وواحدة مدنية، ونحن لا بد أن نكتفي
بذكر بعض الملامح العامة، ففي سورة (طه/ 115- 120)، نجد
أن إبليس يخدع آدم بأن يوهمه أن الشجرة التي نهاه الله أن
يقربها هي " شجرة الخلد وملك لا يبلى "، وهنا كان آدم قد
نسي التحذير أو النهي.
وفي
سورة الأعراف/ 11- 24، نجد كيف استطاع إبليس أن يخدع آدم
وزوجه معا، بأن كلمهما معاً، وأقسم لهما أنه مخلص في نصيحته
وهنا نجد تهديد ابليس وتوعده بإغواء آدم . وفي " سورة الإسراء
/62 ـ 65 ، وسورة الحجر /26 ـ 40 ، وفي سورة ص /71 ـ 85
) ـ نجد أيضاً توعد إبليس بإغواء آدم وذريته .
أما
في سورة ( البقرة/ 30- 39)، وهي مدنية، فنحن نجد القصة مجملة
والخلطة الإلهية كاملة ، بحسب ترتيب الأحداث . وفي هذه الآيات
، بعد التمهيد فى السور السابقة التى تبين خلق الإنسان وطبيعته
والإشارة إلى شأنه العظيم وعداوة إبليس له، نجد شيئاً جديداً
يكشف خصوصاً عن الحكمة من خلق الإنسان وهي أن يكون بعد تدريبه
خليفة في الأرض.
ومما
يلفت النظر وله حكمة ، أن الله تعالى يبلغ خطته. للملائكة
لآدم، لكي يتم تدريبه من غير أن يعلم حقيقة ما يراد منه
آخر الأمر ، وذلك هو أن يعمر الأرض بإرشاد خالقه وينشيء
عليها حضارة العلم والإيمان، والحكم بالحق والعدل، وإفاضة
الخير والبر والرحمة.
فعلمه
الله أولاً، وميزه بذلك علي الملائكة تمييزاً واضحاً خاصاً
بمهمته ، وأسجد له الملائكة تعظيما لأمره، فامتنع إبليس
مستكبراً ومغروراً بأنه خلق من عنصر آخر، ثم نجد انخداع
آدم وتوبته وقبولها ثم الهبوط إلى الأرض تائباً مهدياً،
لكي يستقر ويتلقى التعليم الإلهي الذي ينظم بمقتضاه حياته
في الأرض، وهو تعليم يبين له كل شيء من حق وباطل أو خير
وشر، لينهض برسالته في مقاومة الإغواء من جانب عدوه، فيتبين
بذلك فضله علي سائر المخلوقات الأخرى التي، ليس لها ما للإنسان
من استعدادات متنوعة ، ويؤدي رسالته باليقظة والثبات في
مجاهدة نفسه والكفاح والمكابدة، ،في احتمال أعباء الأمانة
الإلهية التي عهد الله بها إليه وبمقاومة خداع الدنيا وزخرفها
أيضا وكل ذلك بفضل استعداداته واجتهاده بقدرته واختياره
في اتباع الحق وإرا دة الخير.
وأحب
الإشارة إلي أن مسألة الشجرة التي تتحدث عنها الأديان المنزلة
ليست مسألة رمزية، كما تصور البعض، لأن جملة آيات القرآن
تستبعد هذا التصور، فهناك شجرة، لكن من نوع يناسب ذلك العالم
الذي هبط منه آدم ، ويناسب الطبيعة الأصلية لآدم هناك ،
وهذا أمر طبيعي ، للاختلاف بين ذلك العالم وعالمنا الذي
نعيش فيه ، وبحكم هذا الاختلاف يحسن أن نتأتي فى الحكم فى
المسألة .
وأيضاً
فإن مسألة "معصية آدم "، تحتاج هي الأخرى إلى تأمل. ففي
سورة طه كان النهي عن الاقتراب من الشجرة أشبه بأمر تخيير
لا بأمر تكليف، وهذا ما فهمه بعض المفسرين، ولم يكن مصحوباً
بوضع عقوبة، بل بمجرد إشارة إلي ما سيلاقيه الإنسان من "شقاء"
ومعاناة إن خدعه الشيطان فأكل من الشجرة واقتضى ذلك خروجه
من الجنة.
ومن
العجيب أن ذلك الشقاء من نوع رفيع، وأن العناء من نوع نبيل
يحتمله الإنسان في النهوض برسالته السامية، وهي هذه الحضارة"
العظيمة الفريدة التي أنشأها الإنسان على كوكبه الجميل،
بخيرها وشرها، وهي حضارة القدرة والاختيار، والتكليف والمسؤولية،
والحساب والجزاء في حياة أخرى تكمل بها حكمة الله وعنايته
بالإنسان في أول أمره وفي نهايته.
ومن
جهة أخرى فإن تفسير بعض الآيات الخاصة بخداع إبليس لآدم
يدل على أن إبليس خدع آدم في أمر الحكمة من النهي عن الشجرة
(الأعراف/ 20) وهناك عبارة أعتقد أنها لا زالت تحتاج إلي
مزيد من التأمل، وهي قوله " فأزلهما الشيطان عنها" (البقرة/36)
أي جعلهما يزلان عن الشجرة، ومعنى هذا أنه أوهمهما أنها
شجرة الخلد وليست الشجر ة التي نهاهما الله عنها .
وإذا
كان آدم كما يقول القرآن " نسي ولم نجد له عزما "(طه/ 115)،
أي أن طبيعته لا تثبت في التصميم على الأمر مع يقظة وعدم
غفلة، فماذا نسي آدم ؟، هل نسي النهي الإلهي أم الحذر من
كيد إبليس أم الصفات والملامح المميزة لتلك الشجرة ؟ ومهما
كان الأمر فإن الأكل لا يدل أبداً على التحدي الواعي للأمر
الإلهي، وكل ما في الأمر أن آدم خدع أو طمح إلى شيء لم
يحذره الله منه بصراحة، وإنما حذره أن يكون من " الظالمين"،
أي الذين يتعدون حدودهم .
وفي
القرآن أن الإنسان. " ظلوم "، وهو " ظالم لنفسه "أحيانا
ولغيره أيضاً، وهذا ينشأ من طبيعته المتعددة الجوانب والاتجاهات
والعلاقات في الحياة المعقدة علي الأرض.
فالأكل
من الشجرة لم يكن معصية بالمعني الحقيقي الكامل كما نتصوره،
بمعنى الطموح لشيء تصور آدم أنة خير له أو بمعنى عدم اتباعه
لما كان خيراً له وأولى به ، من تجنب المعاناة، وذلك لو
امتثل للتوجيه الإلهي، وإذا كان النهي عن الأكل من الشجرة
علي سبيل الاختيار والتدريب للمهنة المقبلة، وكان ذلك جزءاً
من الخطة لتدريبه وتربيته علي يد الخالق، فأين هي المعصية
بمعناها الذي فهمه الناس؟ وإذا كان القرآن لا يذكر عبارة
"معصية آدم " و يكتفي بأن يقول "وعصى آدم ربه فغوى "، فإن
معنى ذلك بحسب جملة آيات القرآن أن آدم لم يراع راحة نفسه،
وأوجه ما عند المفسرين، مثل الرازي واليضاوي، أن آدم خالف
أمراً لا يخص أمراً واجباً، بل مندوباً، ومعنى أنه "غوي
" أنه ضل عن الرشد وعن مطلوبه، وهو الخلد، أما النعي عليه
بأنه عصى، مع عدم ارتكابه جريمة حقيقية، فهو تعظيم للزلل
وزجر بليغ لبني آدم من بعده ليحذروا فتنة الشيطان، وكل ذلك
وقع لآدم قبل النبوة وقبل التكاليف بما يجب على الإنسان
في الأرض.
ويستلفت
النظر قول القرآن: فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة "،
فهو دليل على أول شعور إنساني نبيل وعظيم، وهو الحياء، وهو
دليل أيضاً على أن الأمر لم يزد على الأكل من الشجرة، فلا
يصح، بحساب القرآن، أن يتصور بالمعني المتبادر إلى الذهن
من المسألة كلها.
وعند
التأمل الكافي في المسألة بدقة نلاحظ أنها كانت إعداد، آدم
لمهمته علي الأرض، وأن كل ما في الجنة قد تكرر في الأرض:
الإرشاد الإلهي بالشرائع وما فيها من أمر ونهي، والغفلة
إلى حد النسيان، والخطأ عن غلبة شهوات الدنيا ، والانخداع
بزخرفها ، والندم وحتى إبليس وكيده عند ذلك تتبين الحكمة
العظيمة من إبراز مرتبة الإنسان فى الوجود بما له من استعدادات
رائعة ليؤدي فى الأرض رسالة فريدة ، فيصل باجتهاده فى اتباع
الإرشاد الإلهي إلى الفوز بحياة الخلود بعد هذه الحياة .
فليست
هناك مأساة إنسانية يمكن التحدث عنها ، وأين توجد حكمة أعظم
وأخفى من الحكمة فى خلق الإنسان وإسناد أعظم رسالة وأكبر
أمانة إليه ، ليؤديها ؟ ، إن الخالق العظيم أظهر مرتبة الإنسان
، وهو المخلوق العظيم الذي سخر الله له ، لكي يؤدي رسالته
، ما في السماوات والأرض .
السنة
الإلهية في تغير
الدول والحضارات
تدل
آيات القرآن في جملتها علي أن الإنسان قد جاء إلى الأرض
مؤهلاً لتدبير أمور الحياة على هذا الكوكب، وهذه هي سياسته
الإنسانية، وهو الذي يؤسس الدول وينشىء الحضارات ويحملها
في نفسه ويصنعها فيما حوله بفكره ويده، وتدل آيات القرآن
على أنه ما دام الإنسان سليماً في نفسه باتباع الهداية الإلهية
التي جاءت بمبادىء يصلح بها حال الفرد وتنتظم بها حياة المجتمع،
فإن الراحة والسعادة تتحقق للجميع، وكذلك تبقى الدول وتزدهر
الحضارات. أما إذا فسد الإنسان في نفسه، في فكره وسلوكه
وبدنه، واختل نظام حياته فإنه لا بد أن تسري عليه قوانين
السياسة الإلهية التي تأمر بالحق والعدل وسلوك طريق الخير
وتحرم الانحراف إلى الظلم والجور والفساد في الذات وفي نظام
الحياة.
وإذا
كان هذا التغير يتم بحسب النظام الشامل الذي وضعه الله،
وفيه إمكان فعل الخير وإمكان فعل الشر، إلا أن القرآن صريح
في أن الإنسان هو الذي ينفذ السياسة الإلهية، وهو الذي قد
يستقيم باجتهاده عن طريق الحق وقد يعرض نفسه بالتقصير والهوى
إلى أن يحق عليه قانون العدالة الإ لهية، تحقيقاً، لمبدأ
اشتمل علية القرآن وعبر عنه الحديث بعبارة. " بالعدل قامت
السماوات والأرض " .
وتكذيب
الرسل والتمرد على ما جاؤوا به من الهداية الإلهية الحكيمة
ليس بالأمر المقبول، بعد أن منح الله بني آدم العقل والإرادة
والتميييز بين الخير والشر في داخل ضمائرهم وإدراك آثار
ذلك في نظام الحياة، وكذلك بعد أن منحهم القدرة على السيطرة
على ميولهم ورغباتهم المنحرفة لكي يسيروا إلى ما فيه خيرهم
وصلاح أمورهم في هذه الدنيا ثم السعادة فيما بعدها.
وقد
أكد القرآن أن الحياة الإنسانية على الأرض ليست عبثاً بل
هي حكمة إلهية وإرشاد إلهي وتكليف برسالة عظيمه بينها الله
لهم :
"
أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لاترجعون * فتعالي
الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم " ( المؤمنون
/115 ـ 116 ) .
"
وما خلقنا السمــــاء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين
كفروا فويل للذين كفروا من النار * أم نجعل الذين ءامنوا
وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض أم نجعل المتقين كالفجار
" ( ص : 27 ـ 28 )
ولذلك
فإن القرآن يؤكد العقاب الإلهي للمكذبين للرسالات الذين
يتصرفون في حياتهم بالهوى، " ويعبثون بأنفسهم وبأفكارهم
على مستويات من العبث. وكثير منهم يفسدون في الأرض وفي نظام
الحياة حتى بدأوا يعتدون على وجود الإنسان فى عقله وبدنه،
وهذا ظاهره من تطور حضاتهم وسلوك الكثيرين منهم .
ولذلك
فإن القرآن فى كثير من آياته يحض على السير فى الأرض واستقراء
التاريخ والاعتبار بما جري للمكذبين وللدول القوية التى
انفرضت والحضارات البائدة التى لم تبق إلا آثارها المادية
، تدعو إلى العظة والاعتبار ( الأنعام / 11 ، النحل /36
" ( أولم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من
قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما
عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن
كانوا أنفسهم يظلمون " ( الروم9).
"
وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون " ( هود /117
)
وتدل آيات
القرآن على مختلف العوامل التى أدت إلى رفض الهدايات الإلهية،
ومنها الكبر
( الأعراف
/36 ، إبراهيم /15 ، غافر /56 ) ، والغرور بعلم زائف ( غافر
/83 ) ، أو " الهوى " الذي هو رمز كل تلك الميول والشهوات
التى لاتستند إلى عقل أو إرشاد ، لا فى حياة الفكر ولا فى
أسلوب الحياة .
ومن
تلك العوامل الترف الذى يؤدي إلى الاستغراق فى الشهوات والغفلة
عن التفكير فى المصير وإلى تكذيب الرسل وإلى الجمود على
تراث الآباء ( مثلا الزخرف /23 ، سبأ /34 ) ، وينشأ عن الترف
مع التكذيب والغفلة الفسق والفجور .
"
واتبع الذين ظلموا ما أترفوا فيه وكانوا مجرمين " ( هود
/116 ) .
وهذا
الترف بآفاته التى تصيب البشر فى أبدانهم وأنفسهم وعقولهم
هو الذى يدمر الدول ويقضي على الأمم وحضاراتها .
ويحسن
أن نشير إلى أنه فى ضوء آيات الكتاب الحكيم " وضع ابن خلدون
في مقدمته نظريته فى عمر الدول والحضارة وآفاتها وبين أن
الظلم يدمر العمران وأن ترف الحضارة يعجل بانتهائها "
وهذا
ما يشير إليه القرآن بقوله : " إن الله لايغير ما بقوم حتي
يغيروا ما بأنفسهم " ( الرعد /11 )
وكذلك
قوله :
" وإذا أردنا
أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول
فدمرناها تدميراً "
( الإسراء
/16 )
والمقصود
أن الله يأمرهم بما يجب عليهم من العدل والاستقامة على طريق
الخير فيحجب الترف ، ومعه الشهوات ، أبصار قلوبهم ويشل إرادتهم
عن فعل الخير فيحق عليهم قانون زوال الحضارات .
على
أن ترف الحضارة ، بعد الإعراض والكفر بنعمة الله ، قد تؤدي
إلى التراخي والإهمال فى المحافظة على الحضارة بالعمل فتتضافر
عوامل الانهيار ، كما اشار القرآن إلى ذلك بكلامه عن حضارة
سبأ ، ( سبأ / 25 ـ 17 ) .
وهذه
قاعدة عامة تنطبق على الصالحين إذا فسدوا وعلى المفسدين
إذا صلحوا ، لأن الحضارة فى تغيراتها تتوقف إلى حد ما على
أحوال أصحابها ، وهذا بوجه عام ، والسياسة الإلهية فى تدبير
أمور البشر فى هذه الدنيا تجري على سنه أشار إليها الله
تعالي بقوله فى حق الذين يعرضون عن الهداية الإلهية وما
ينزل بهم من العقاب الإلهي : " سنة الله فى الذين خلوا من
قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا " ( الأحزاب /62 ) ، وقوله
عن الذين أعرضوا عن الهداية الإلهية .
"
استكبارا فى الأرض ومكر السيء ولايحيق المكر السيء إلا بأهله
فهل ينظرون إلا سنت الأولين فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن
تجد لسنت الله تحويلاً " ( فاطر /43 ) .
على
أن أكبر ما يهدم الدول ويقضي على حضاراتها هو الظلم الذي
يفسد كل شيء ، ومنه ظلم الإنسان لنفسه بانحرافه عن الحق
إلى الفساد بكل أنواعه وإلى الكفر الذى هو بحسب القرآن "
ظلم عظيم " ، ومن الظلم ما يصيب الأبدان بأمراض لم تكن موجودة
بسبب الانحراف عن السلوك الجنسي السليم ، ولكن منه خصوصاً
ظلم طوائف الشعب بعضها لبعض بسبب الاحتكار الذي يؤدي إلى
ارتفاع فاحش فى الأسعار ، وكذلك ظلم الدولة للشعب بما لها
من القهر والسلطان النافذ عليها سنه الله وسياسته في تأديب
الظالمين ، فلاتبقي إلا بيوتهم ومساكنهم مهجورة .
يقول
القرآن عن المكذبين المتآمرين على الأنبياء من قوم ثمود
بعد تدمير حضارتهم : " فأصبحوا لايري إلا مساكنهم كذلك نجزي
القوم المجرمين " ( الأحقاف /25 ) ، ويقول عن المكذبين من
قوم عاد : " فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن فى ذلك لآية
لقوم يعلمون "
( النمل
/52 ) .
لكن سنة
الله فى تغييرالدول وزوال الحضارات لاتحيد عن العدل :
"
وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ( العنكبوت
/40 ) .
وإذا
كانت القاعدة هي أن القدرة الإلهية تعاقب القرى الظالمة
فتبقى بعض آثارها، من "بئر معطلة وقصر مشيد " (الحج/ 45)،
لكن الله قد ينذر القرى الظالمة ويمهلها حتى إذا استمرت
في ظلمها أخذها بالعقاب الشديد:
"
وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القري وهي ظلمة إن أخذه أليم شديد
" ( هود /102 )
على
أن العقاب الإلهي قد لايكون بانحلال الحضارة ودولها من داخلها
فحسب ، بل قد يكون أيضاً بواسطة قوي طبيعية مثل إهلاك قوم
عاد " بريح صرصرعاتية سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام
حسوما فتري القوم فيها صرعي كأنهم أعجاز نخل خاوية فهل تري
لهم من باقية " ( الحاقة /6 ـ 8 ) وقد يكون العقاب بالغرق
والسيول الجارفة ( سبأ /116 ) ، أو غير ذلك من الآفات أو
بعض الحيوانات الضارة ( الأعراف /133 ) ، لكن من غير ظلم
" فكلا أخذنا بذنبة "،( العنكبوت /40،آل عمران /11 ) .
لكن
العقاب الإلهي قد يكون بتسليط بعض الظالمين على بعض،فيذيق
بعضهم بعضاً آلاماً كبيرة وطويلة، كما وقع من الحروب بين
الدول التي ظلمت غيرها فسلط الله عليها من يصنع بها ما صنعت
بغيرها، وهذا ظاهر في التاريخ الحديث في الدول التي تنافست
في ظلم الشعوب ثم تحاربت فيما بينها، وذاق بعضها بأس بعض،
وهذا من معاني قوله تعالي : " وكذلك نولي بعض الظالمين
بعضا بما كانوا يكسبون " ( الأنعام /129 ) .
يظن
الكثيرون أن سير التاريخ في يد أفراد من ذوي الطموح أو في
يد دول قو ية تريد أن تفرض حكمها على الأمم بالبغي والعدوان،
لكن استقراء التاريخ يدل على أنه لا بقاء لفرد مهما كان
قوياً ولا لدولة مهما كانت واسعة النطاق. وأن ذلك كله انهار
أمام التاريخ ونفسه الطويل وأن الأمور والسياسات والمصائب
كلها بيد القادر الشاملة والتدبير الإلهي.
وقد
يكون ما يصيب الأمم ذات الرسالات الإلهية التي تريد إحقاق
الحق، وتحقيق العدل ابتلاءً واختباراً من الله، في معركة
الصراع بين الإيمان والكفر، وبين الحق والباطل، والخير والشر
في هذه الأرض، لكن يبقى سير التاريخ، في يد الله الذي (إليه
يرجع الأمر كله) (هود/123).
ومن
أصدق ما قيل عن مجري التاريخ عبارة للمؤرخ الألماني Leopold
von Ramke ( ت 1886 م.) ، بعد طول تأمل وتحليل للأحداث الكبرى
بحسب العصور :
"
إن كل حقبة من الترايخ ترجع الي التدبير الإلهي مباشرة "
وإذا
كان العرب أول المخاطبين بهذا القانون الإلهي الذى يحكم
مجري التاريخ ، فإن الله ينبههم إلى أن يسيروا فى الأرض
ليروا عاقبة المكذبين ، ويقول فى الآثار الباقية لمن دمرهم
سوء عملهم ، وهم قوم لوط " وإنكم لتمرون عليهم مصبحين *
وباليل أفلا تعقلون " ( الصافات /137 ، 138 ) .
ولله
فى تدبير أمور البشر حكمة ، ولها أسرار لا يدركها البشر
، وإن كانوا يرون عواقبها ، والله أعلم.