مضمون
القرآن الكريم
الجزء
الأول
تمهيد
القرآن
روح من أمر الله :
الكلام
عن القرآن أو عرض ما جاء فيه من نظرة متكاملة للحقائق الكبرى
والمبادئ الكلية وما يندرج فيها من دقائق المعاني ومن إشارات
تدركها العقول أو تشعر بها القلوب، وما لألفاظه من دلالات متنوعة،
يفوق طاقة أي إنسان، لأن القرآن كتاب الله الذي أنزله تبيانا
لكل شيء (النحل/ 89)، وهو الإسلام كله، بل الدين كله، لأنه اشتمل
على حقائق الإيمان وعلى كل ما نزل من أصول الديانات المنزلة
قبله، وهذا يعرفه من قرأ القرآن وتأمل معانيه ومقدار ، تثقيفها
للعقول بأصول المعرفة، ويعرف ذلك أيضاً من أدرك تأثير آيات القرآن
في أحاسيس القلوب وفي دفع الإرادات والهمم.
والقرآن
يملأ شعور المسلم بما فطره الله عليه من: حب العلم، والشعور
بلذة المعرفة، وروح التقوى، وهو يبين للإنسان مكانه الرفيع بين
الموجودات وموقعه في هذا الكون الذي يحيط به، وهو في الوقت نفسه
يبصر الإنسان بموقعه في هذه الحياة الدنيا وزينتها وطيباتها
، فلا يمنعه من محبتها والتمتع بها، شريطة أن تكون خالصة من
المؤاخذة في يوم الحساب (الأعراف/ 32).
إن
وقع آيات القرآن في عقل المسلم وقلبه ليس وقعاً لمجرد كلام مملوء
بالمعاني العظيمة العميقة، بل هو فوق ذلك ما أشار إليه الخطاب
الإلهي للرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: ( وكذلك أوحينا إليك
روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلنه
نورا نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم
صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض ألا إلى الله
تصير الأمور ) ( الشورى ، 52 ـ 53 )
فالقرآن روح
من "عالم الغيب " يسري في الأرواح الطاهرة المستعدة لقبول الحق،
هو ينير العقول ويحمى القلوب بحقائق من ذلك العالم الذي ينتمي،
إليه عقل الإنسان وقلبه.
إن
القران كلام الله، وهو " الحق المبين " (النمل/ 79)، ولا يحيط
بما فيه إلا الله، ولا يمكن لمخلوق أن يحيط ببعض ما فيه، ولا
أن يدرك دقائق معانية لكن الله أكرم الإنسان بأن خاطبه بكلامه
تعالى وبلسان بني آدم، لكي يعلمه أصول الحقائق، ويفتح أمام عقله
آفاق التفكير والنظر. والله يقول عن كتابه: (ولقد يسرنا القرءان
للذكر فهل من مدكر) (القمر/17)، كما أنه أمر الإنسان بأن يتدبر
آيات كتابه (ص/ 29)، وعلى هذا فإنه يصح للإنسان، بل يجب عليه
إذا كان على حظ مناسب من قدرة الفكر ومن العلم بلغة العرب أن
يجتهد قدر استطاعته في دراسة آيات "الكتاب الحكيم " ويستخرج
منها المعرفة، ولكن لابد له أيضاً من أن يستعين أولاً بما أرشده
الله إليه من فهم كتابه، وذلك بأن يتأمل آياته ويفهم بعضها في
ضوء بعض (آل عمران/7)، ومن الطبيعي أن يرجع الإنسان إلى ما فهمته
العقول الكبيرة من آيات القرآن، لأنه يقول إن معانيه إنما تفهم
وتتجلى مع تزايد المعرفة ومع مرور القرون وتضافر جهود العلماء،
وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: (سنريهم ءايتنا في الأفاق وفى
أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء
شهيد ) ( فصلت /53 ) .
ويقول
أيضا: ( بل هو ءايت بينات فى صدور الذين أوتوا العلم ) ( العنكبوت
/49 ) . أما الجاحدون المكذبون فهو يقول عنهم : ( بل كذبوا بما
لم يحيطوا بعلمه ، ولما يأتهم تأويله كذلك كذب الذين من قبلهم
فانظر كيف كان عاقبة الظالمين ) (يونس /39 ) .
وسأجتهد
في عرض بعض ما جاء في القرآن، مستعينا بالله في فهم آياته، بقدر
طاقتي، وأحب أن أقصر كلامي على موضوعات محددة، أضعها أمام القارىء
لكي يتعرف على روح كتاب الله ويعرف منهجه وكيف علم الإنسان من
حقائق الوجود والكون وعرفه بحقيقة ذاته ورسالته في الأرض وبما
لا يحصي من مسائل العلم والمعرفة.
ومهما
كانت قدرة العقل البشري قاصرة عن الإلمام بما في القرآن وإدراك
حقائق معانيه وإشاراته المباشرة وما وراءها، فإن ذلك لا يعفي
المؤمن من الامتثال لأمر الله بالنظر في كتابه والتعلم منه وتقديم
ما يصل إليه، وبعد ذلك فإن له العذر إن قصر عن إصابة ما أراده
الله من كلامه الذي لا يعلم حقائقه ودلالاته إلا هو سبحانه وتعالى.
محمد
عبد الهادي أبو ريده
أولا
ـ بين يدي القرآن
مقدمات لابد
منها
* الدين الإسلام
* مكان القرآن
بين الكتب المنزلة.
*طريقة القرآن
في التعريف ببعض المسائل.
* العلم والمعرفة.
الدين ، الإسلام
الدين
:
لفظ
" الدين " أصيل في اللغة العربية، وقد ارتبط بأمور الحياة العملية،
وهو يدل على أمور كثيرة: الدأب والعادة، القاعدة في الحكم على
الأمور، الطاعة والانقياد ، الجزاء والحساب والقضاء، وهو موجود
في كلام العرب قبل الإسلام ، ونجده في القرآن والحديث الشريف،
فلا معنى للبحث عن مصدر له غير عربي، كما يخيل لبعض المستشرقين،
ثم إنه قبل الإسلام وبعده صار المفهوم من لفظ "الدين " أنه طاعة
الله والتعبد له، وهكذا فهمه العرب.
اللفظ
المقابل للفظ "دين " في اللغات الأوروبية يرجع إلى أصل لاتيني:
Religio "، وهو يفيد الارتباط بشيء أو تأمل الأشياء بعدالة وأمانة،
ثم صار يطلق على عقائد الدين وتنظيمه لأمور الحياة .
والتعريفات
للدين بمعناه العلمي متنوعة في المعاجم اللغوية والمتخصصة،
والمفهوم يتلخص في سلوك، عند جماعة، يدل على اعتقادهم بقدرة
إلهية تدبر الأشياء وأمور الإنسان، ويتمثل ذلك في إرضاء تلك
القوة وفي طقوس أو شعائر تؤديها الجماعة.
وعند
أحد كبار علماء العقائد المسيحية، وهو توماس الأكويني Thomas
of Aquin
( ت 1274 م )
تعريف للدين بأنه "الفضيلة التي يؤدي بها الإنسان لله ما يستحقه
من التعظيم ".
ثم
جاء علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا وأخذوا يتخيلون نشأة مفهوم
الألوهية وأنواع التقديس عند الشعوب البدائية، ولهم في ذلك آراء
عديدة، وبعضها خيالي ، وهي خارجة عن نطاق بحثنا، لكننا نحب أن
نلاحظ أن معظم التعريفات للدين والتدين لا تعدو أن تكون وصفاً
لسلوك التدين ولا تتكلم عن نوـع الدين ومصدره، لأنه توجد أنواع
من التقديس عند الشعوب البدائية، وتوجد أديان تسمى "طبيعية"،
وهي، وإن كانت قد ظهرت في العصور الحديثة عند بعض أهل الديانات
المنزلة في الغرب وأخذت أصولا منها، إلا أن أصحابها يزعمون أنها
تعتمد على العقل الطبيعي.
وهناك
" الأديان المنزلة " أو "أديان الوحي الإلهي "Revealed Religions
، وهي التي نقصدها عند الكلام عن الدين بحسب التصور الإسلامي
لمفهوم الدين والدين المنزل، حيث تبلور تعريف الدين بأنه "وضع
إلهي سائق لذوي العقول باتباعهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح
في إلي ل " ( الكشاف للتهانوي ) .
فالدين
بمعناه الحق هو الذي يأتي من عند الله، ويكون موجها للعقلاء،
لأنه، أصول في الاعتقاد والعمل، يتصورها الفكر ويعمل بها الإنسان،
والعقلاء يقبلون الدين عن حرية في الاختيار، وهو ليس مجرد عقيدة
أو شريعة، بل هو نظام كامل للحياة الإنسانية السليمة الكاملة
في هذه الدنيا ، وهو يضمن الفوز بالسعادة بعدها.
وجوهر
الدين المنزل: الإيمان بوجود الإله الواحد الحق، الذي خلق الإنسان
وعين له مكاناً بين الموجودات، وبين له رسالته الخاصة التي يؤديها
في الأرض وتسأل عنها.
ومن
يدرس تاريخ التدين وأنواع الديانات ، وينظر في الدين كما صنعه
البشر أو تخيلوه، وكذلك من يتأمل مفهوم الألوهية كما تصورته
الشعوب، وكما تصوره الفلاسفة قديماً وحديثاً، يدرك بسهولة عظم
الفضـل الإلهي على بني آدم بمجيء التعليم الإلهي الذي عرفهم
بجوهر الدين، وهو الإيمان بالله واتباع هداه، وصحح لهم أصول
المعرفة، وأعطاهم النظرة الشاملة لكل ما يحتاجون إليه، وكيف
كان يتسنى لهم معرفة الحقائق الكبرى في الدين أو الكون أو الحياة
وهم مقيدون بانطباعات هذا الكون المحيط بهم؟.
(
وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل
الله عليك عظيماً )
( النساء /113
) .
الإسلام
:
وقد سميت الرسالة
المحمدية باسم اختصت به، وهو "الإسلام "،وسمي أصحابها بأنهم
مسلمون، لكننا نجد في القرآن أنه يصف جميع أهل الرسالات الإلهية
بأنهم "مسلمون "، والمقصود " الإسلام لله " (مثلا نوح: يونس/
0 1، إبراهيم ويعقوب: البقرة/ 28 1، 1 3 1- 33 1، موسى: يونس/
84، أتباع سيدنا عيسى: المائدة/ 111).
لكن
إحدى الديانتين السابقتين سميت بنسبتها إلى سلوك هو عمل ديني،
وهذا هو اسم اليهودية، وهو يرجع إلي: هاد يهود، أي تاب ورجع
إلى الله، وهذا ما يدل عليه القرآن (البقرة/ 62، الأعراف/ 156).
والديانة الأخرى ، سميت بنسبتها إلي صاحبها: "المسيحية" نسبة
إلى المسيح عليه السلام أو النصرانية من مناصرة أتباعه له في
دعوته، وهذا يؤخذ من القرآن أيضاً (آل عمران/ 52) وذلك أن سيدنا
عيسى لما أحس إنكار بني إسرائيل لدعوته قال ( من أنصاري إلى
الله قال الحواريون نحن أنصار الله ء امنا بالله واشهد بأنا
مسلمون ) ( وانظر أيضاً المائدة /111 ) ، وقد سميت الديانات
الأخرى بأسماء مؤسسيها : البوذية ، الزرادشتية ..... ) .
ويقترن
اسم الإسلام بإبراهيم عليه السلام. (إذ قال له ربه أسلم قال
أسلمت لرب العلمين ) ( البقرة / 131 ) .
ونستطيع
أن نلاحظ أنه لم يكن للدين، أو بالأحرى للتدين، معنى ذاتي خاص
ومحدد قبل تسمية "الإسلام "، فلما جاء القرآن بين مفهوم الدين
وروحه وأعطاه التسمية المميزة التي تنطبق على الرسالة المحمدية
وعلي كل الرسالات السابقة.
الإسلام
، الإخلاص :
التعريفات الجارية
للإسلام هي في الغالب تعريفات إجمالية وموجزة جداً، من قبيل
أنه الطاعة والانقياد لله، وهذا من الإسلام، لكنه الظاهر، وهو
بمثابة القشر من اللباب، ولا يتجلى المعنى المتكامل للفظ "الإسلام
" من شتى جوانبه إلا باستقراء معاني كل ما هو مشتق في القرآن
من الأصل اللغوي، وهو "س ل م "، وتفاصيل جوانب تلك المشتقات
موجودة في القرآن ولا نحتاج للتأكيد عليها، والمهم أن الاستقراء
يبين عمق الدلالة ، وروحها.
فالإسلام
ليس نوعاً من الاستسلام، بل هو "إسلام لله "، طوعاً واختياراً
من جانب المسلم، وربما يكون أهم لون لمعنى كلمة "إسلام " هو
أن يبرئ الإنسان عقله من شوائب الشرك الخفي ومن كل عبودية أو
عبادة أو تقديس لشيء إلا لله، بحيث يثق به، ويتوكل عليه، ويتبع
هداه، ويجعل ذاته لله بكليتها "سليمة خالصة"، وهذا هو معنى ما
جاء في القرآن عن إبراهيم عليه السلام أنه " إذ جاء ربه بقلب
سليم) (الصافات / 84)، وهو معنى قول القرآن: (قل إن صلاتي ونسكي
ومحياي ومماتي لله رب بالعالمين ) ( الأنعام /162 )
وليس
معنى هذا هو العبادة بمعناها العادي فقط، لأن كل أعمال المؤمن
التي يقصد بها تحقيق رسالة الإنسان الدينية والعقلية والأخلاقية
هي أيضاً عبادة بمعنى حقيقي.
وفي
القرآن مفهوم: " الإخلاص "، وهو أعمق وأدق من حيث الدلالة من
المعني الجاري للفظ، لأنه يقتضي أن يخلص الإنسان إسلامه من الشوائب،
ومع أن لفظ: "مخلصون "في القرآن يستعمل كأنه البديل للفظ " مسلمون
" فإن مفهوم "إخلاص الدين لله " موجود في آيات كثيرة (الزمر/
2- 3، 11- 12) وهو يدل على عمل إضافي يفهم من اللفظ.
ومن
الإخلاص ما قد يكون في أوقات الشدة، وهو ما يشير إليه القرآن
من أن، الغافلين عن ذكر الله وعنايته، عندما تحيط بهم الأخطار
المهلكة، فإنهم يدعون الله( مخلصين له الدين) (العنكبوت/ 65،
لقمان/ 32).
ومن
ذلك مفهوم "الإنابة" إلى الله عند الشدة، فهو يظهر إذا أصاب
الإنسان ضر، فإنه " يدعو ربه منيباً إليه " الزمر/8، الروم/33)،
لكن المؤمنين حقاً يدعون ربهم دائما (منيبين إليه " (الروم/
31).
أما
الإخلاص الحقيقي فلا بدله من عمل إيجابي كبير لتنقية الإيمان
والأعمال من شوائب الرياء ، بل من شوائب الغرور بالأعمال الصالحة،
والظن بأن الإنسان قد حقق بها ما أراده الله منه، مع أن الفضل
كله لله ، وقد خصص علماء التربية الدينية- الروحية في الإسلام
كتباً للإخلاص، وضموا إليه "الصدق"، كما نجد ذلك ميسراً للقاريء
في كتاب "الإحياء" للإمام الغزالي، وإذا كان في القرآن مفهوم
"المخلص " بكسر اللام، وكذلك مفهوم "المخلصين" فإن فيه مفهوم
المخلص بفتح اللام والمخلصين أيضاً (مثلاً فيما يتعلق بسيدنا
موسى عليه السلام (مريم/ 51) وبسيدنا يوسف (يوسف/24).
والمخلص
بفتح اللام هو الذي استخلصه الله لنفسه واجتباه، والمخلصون هم
الأبرار الذين حفظهم الله حتى لا يكون للشيطان سلطان عليهم (الحجر/
39 - 40) وهم من (المصطفين الأخبار )، الذين اصطفاهم الله (فيما
يتعلق بسيدنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب ص/48).
ولما
كان الإسلام قد جاء مصدقاً لما قبله وكان التوحيد هو الجوهر
المشترك بين كل الرسالات الإلهية، وحدد في الوقت نفسه مفهوم
الدين والتدين تحديداً واضحاً وذكر التسمية، فإن من الطبيعي
أن نجد في القرآن قوله تعالي( إن الدين عند الله الإسلام )
(آل عمران/ 19).
وهذا
ليس دين الآدميين وحدهم، بل دين جميع المخلوقات:
( أفغير دين
الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه
يُرجعون)
( آل عمران /83
) .
وإذا
كان هذا هو الدين بمعناه الأساسي عند الله، فإنه هو الموقف الصحيح
لكل مؤمن، ولذلك يقول القرآن: (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن
يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين ) (آل عمران/ 85).
وكذلك
لما كان إبراهيم عليه السلام هو الرسول الذي ينتسب إليه أهل
الأديان الثلاثة جميعا، وكان الإسلام يبني على دين إبراهيم (مثلا
النحل/123) فإن من شأن الإسلام الذي جاءت به الرسالة المحمدية
أن يكون بهذا المعنى مقبولاً عند الجميع، وهذا ما يقوله الفخر
الرازي في تفسيره لقوله تعالى: (ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه
لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذ الله إبراهيم خليلا
) (النساء / 125).
الإسلام
، الإيمان، الإحسان:
شرحنا الإسلام
من حيث المفهوم العلي ، وهو في أول الأمر قد يكون الأمر الظاهر
ويكفي فيه الإقرار باللسان إقراراً صادقاً، لكن لابد له، أن
يتعمق ويصبح شعوراً مستقراً في الفكر والوعي، وهذا ما يسمى "
الإيمان" ، وهو ما يشير إليه القرآن بالنسبة للأعراب الذين وفدوا
من البادية واعتنقوا الإسلام، وظنوا أن الأمر مجرد إعلان أنهم
"مسلمون "، فقال القرآن:( قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن
قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم ) ( الحجرات / 14).
فالإيمان
فعل العقل إذا استقر في القلب، "والقلب" في لغة القرآن يشير
إلى "العقل " في عمقه، ونحن في كلامنا عن الإسلام وصلنا إلى
هذا المعنى.
ثم
يأتي بعد ذلك ما أشار إليه الحديث الشريف، وهو "الإحسان"، وذلك
في شرح الرسول عليه الصلاة والسلام لمعنى الإسلام والإيمان والإحسان.
"والإحسان" مفهوم رفيع وعلي ، لأنه عبارة عن فعل الشيء على
أحسن وجه يستطيعه المؤمن، وهو من قبيل ما نجده من مفهوم إتقان
العمل، سواء كان قولاً أو مثلاً أو معللا (البقرة/178، 229)
أو عبادة، وعلى الإنسان أن يحسن،إسلامه (النساء/ 125) فالإحسان
قيمة زائدة عن مجرد الفعل حتى مع مطابقة العمل للمبدأ والقاعدة،
لأن ذلك قد يكون شيئا آلياً شكلياً .
وإذا
كان الله تعالى قد " أحسن كل شيء خلقه " (السجدة/7)، " (وصور
الإنسان فأحسن صورته " (غافر/ 64)، فإن القرآن يريد من الإنسان
أن يحسن عمله (الكهف/ 30)، وينال على ذلك (أجراً حسنا ) (الكهف/
2).
والإحسان
المشار إليه، إلى جانب الإيمان، هو إحسان العبادة، بحيث يكون
التوجه إلي الله من داخل الذات، مع الشعور بالجلال الإلهي والحضور
الإلهي، وأن يكون مناجاة له باستغراق الفكر كله حتى كأنه مشاهدة
بالروح، وهذا هو معنى شرح الرسول عليه الصلاة والسلام لمفهوم
"الإحسان "، وهو قوله: "الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن
لم تكن تراه فإنه يراك ".
مكانة
القرآن بين الكتب المنزلة
القرآن
هو كلام الله الذي نزله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم ،
وهو وحى من مصدر كل وحي سبق، وهو كلام الله لفظاً ومعنى.
(إنا
أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده وأوحينا إلى
إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وعيسى وأيوب ويونس
وهارون وسليمان وءاتينا داود زبورا ) ( النساء /163 ) .
( شرع لكم من
الدين ما وصي به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم
وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه ) ( الشورى /13).
والقرآن
ليس شريعة وتاريخاً لشعب معين، ولا هو مجرد دعوة أخلاقية روحانية
على أساس الإيمان بالله، وغرضها إحياء الإيمان في القلوب والدعوة
إلي محبة الله ومحبة الإنسان، وإنما يشتمل على الدين كله، وفي
داخله الأدلة على صدقه، كما تبين ذلك في الكلام عن إعجازه، وكما
سيتبين من كلامنا فيما يلي.
(
قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم، لا
يعلمون الحق فهم معرضون )(الأنبياء/ 24).
والقرآن
يؤكد أنه جاء بالحق، مشتملا على دعوة الرسل والأنبياء جميعاً
قبله، وهي الدعوة إلي التوحيد.
(
وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا
فاعبدون)(الأنبياء/ 25).
وجاء
أيضاً مبينا لأهل الكتاب المعاصـرين له (المائدة/ 16، 19) ومكملا
بعض أخبار الأنبياء، ومفصلاً بيان حمل المسيح عليه السلام بواسطة
الروح القدس وولادته ورسالته (آل عمران/ 35- 51،مريم/ 16- 6
3، الأنبياء/ 91، التحريم/ 12). وموضحاً من خلق الإنسان وحياته
في الأرض، كما سنري ،ومذكراً أيضاً بما نسي أوضاع من الوحي السابق
(ا لمائدة/ 13- 14).
ونظراً
لأن القرآن يؤكد أنه آخر الهدايات الإلهية فإنه جاء .
أولاً. مصدقاً،
من حيث المبدأ، لما قبله، ومشتملاً علي ما فيه من هداية وعلي
شيء من الوحي القديم (صحف إبراهيم. النجم/ 0037، الأعلى/ 8-
19).
ثانياً
: مهيمناً على ما قبله، بمعنى أنه شاهد له بالصدق والثبات وضامن
له البقاء.
ثالثاً:
واضعاً لمنهج جديد في المعرفة بوجود الله والإيمان، به، وذلك
هو من منهج استعمال العقل في النظر إلى هذا الكون وفهم ما جاء
به القرآن من حقائق العلم والإيمان وإقامة الأزلي الكافي للتصديق
بها، كما سنري فيما يلي : ـ
وفي
القرآن بيان مكانه بين الكتب المنزلة قبله، وكانت بين يدي أهلها،
وذلك، على الـترتيب التالي:
( إنا أنزلنا
التوراة فيها هدي ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين
هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا
عليه شهداء فلا تخشوا الناس واخشون ولا تشتروا بآيتي ثمنا قليلا
ومن لم يحكم بما انزل الله فأولئك هم الكافرون وكتبنا عليهم
فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن
والسن بالسن والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له ومن لم يحكم
بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون وقفينا على ءاثارهم بعيسي
أبن مريم مصدقا لما بين يديه من التوراه وءاتينه الإنجيل فيه
هدي ونور ومصدقا لما بين يديه من التوراة وهدي وموعظة للمتقين
وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه ومن لم يحكم بما أنزل
الله فأولئك هم الفاسقون وأنزلنا إليك الكتب بالحق مصدقا لما
بين يديه من الكتب ومهيمنا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا
تتبع أهواء هم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا
ولو شاء الله لجعلكم أمه وحدة ولكن ليبلوكم فى ماءاتكم فاستبقوا
الخيرات إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون)
( المائدة /44 ـ 48 ) .
وقد
ترتب على ذلك كلام طويل مع أهل الكتب المنزلة قبل، القرآن.
على
أن القرآن يتجه إلى جمع كلمة المؤمنين بالله، وذلك بأن يبرز
خصوصاً ملة إبراهيم التي يعترف بها الجميع، ويعظم شأنها ، لما
فيها من التوحيد الخالص لله والامتثال التام لأمره، ويوصي باتباعها
(مثلا البقرة/ 124 -/137، آل عمران/ 95، النحل/123)،هذا، وشخصية
إبراهيم في القرآن تمثل لنا المفكر والمجاهد والصابر والمتحدى،
كما سنرى في الكلام عنه فيما يلي.
والقرآن
باعتباره الوحي النهائي موجه إلى الإنسانية كلها، فهو أولاً
يخاطب أهل الكتب السابقة ليرفع ما بينهم من خلاف (المائدة/ 15-
16، النحل/ 64)، وهو يدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة إلى الإيمان
به، لأنه مصدق لما معهم، وليكون موقفهم منه بعيداً على التناقض،ونظراً
للخلاف بينهم فإنه يدعوهم إلي جوهر الدين والإيمان وهو التوحيد
الخالص:
( قل يا أهل
الكتب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله
ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن
تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون ) آل عمران /64 )
ثم
هو موجه إلى البشر جميعاً :
( قل يا أيها
الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السماوات والأرض
لا إله إلا هو يحي ويميت فأمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي
يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون ) ( الأعراف /158 )
.
( وما أرسلناك
إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) .(
سبأ /28 )
( تبارك الذي
نزل الفرقان على عبده ليكون للعلمين نذيرا ) ( الفرقان /1 )
.
ونظرا
لأن حكمة الله قد اقتضت أن يكون الناس، كما سنرى، عقلاء أحراراً
ومسؤولين عما يتبعونه من دين، وأنت أيضاً بأن يختلفوا في ذلك،
فإن القرآن يؤكد أنه ( لا إكراه فى الدين قد تبين الرشد من الغي
فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقي لا
انفصام لها والله سميع عليم ) ( البقرة /256 ) .
ولذلك
فإن الإسلام في أثناء تبليغ دعوته للعالمين لم يكره أهل الكتاب
علي، الدخول فيه، وإنما كان يقاتل من يقاوم تبليغ رسالته لكي
يعرفها الناس، وبعد ذلك فإن القرآن في يقول: (وقل الحق من ربكم
فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط
بهم سرادقها ....) ( الكهف /29 ) .
وسنري
موقف القرآن من أهل الكتاب الذين اختلفوا فيما بينهم ، وأنهم
عندما يختلفون مع الرسول ، فإن الله يأمره بالا يتبع المنكرين
الذين اختلفوا ، عدوانا بعضهم على بعض، ويأمره بقوله :
(
فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل ءامنت بما
أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا
ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير
)( الشورى /15 ) .
والقرآن
يترك الله ان يحكم بين أهل الأديان يوم القيامة فيما كانوا فيه
يختلفون ( إن الذين ءامنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى
والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله
على كل شيء شهيد ) ( الحج /17 ) .
والقرآن
يطمئن كل المؤمنين بالله واليوم الآخر، وذلك بقوله:
( إن الذين ءامنوا
والذين هادوا والنصارى والصابئين من ءامن بالله واليوم الآخر
وعمل صلحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون
)( البقرة /62 ) .
وفي
مواجهة المنكرين لرسالة الإسلام فإن الله يأمر رسوله أن يقول
لهم ( قل ما كنت بدعا من الرسل ) ( الأحقاف /9 ) .
(
أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر
الذين ءامنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم قال الكافرون إن هذا لسحر
مبين ) ( يونس /2 ) .
(
ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفي بالله شهيدا بيني وبينكم
ومن عنده علم الكتب ) ( الرعد /43 ).
و"علم
الكتاب " هو العلم بجملة الكتب المنزلة، والرسول يستشهد علي
صدقة بعلم المتخصص في دراسة تلك الكتاب، ومن يدرس القرآن بعقل
متحرر لابد أن يتبين أن جوهر الوحي الإلهي واحد، وأنه كله موجود
في القرآن ومحدد بكل وضوح ومعه أدلته.
مرحلة
جديدة ومنهج جديد في الإيمان والوصول إليه.
يمثل القرآن
الكريم مرحلة جديدة في المعرفة الدينية، لأنه جاء "تعليما" الرحمن
علم القرآن (الرحمن / ا- 2)، وجاء يبني الإيمان بالله على التفكير
والعلم: (فاعلم أنه لا إله إلا الله ) ( محمد /19 ) .
والباحث
في تاريخ الدين المنزل قبل مجيء الإسلام يمكنه القول بوجه عام
إن العقيدة الدينية كان تؤخذ عن الآباء، وهؤلاء عمن سبقهم من
الأنبياء الذين تلقوها عن الله تعالى، وكذلك كان عامة الناس
بعد أن تطول الفترة بين رسالتين يقولون دائماً إنهم يتبعون ما
وجدوا عليه آباءهم.
ولم
يكن هناك تعليم نظري مع "كتابة" العلم الذي يأتي به الوحي الإلهي
ومع قراءته ودراسته وإثارة الأسئلة. وكذلك لم يكن كل هناك منهج
ظاهر ومرسوم لتحصيل العلم بالدين، ولا كان هناك بيان محدد، لمكان
الإنسان في خطة الوجود ولا لرسالته الإيمانية الحضارية في الأرض،
علي أساس من العلم والمعرفة.
وإذا
كان قد جاء في القرآن أن بعض الرسل الأولين وجهوا عقول
المنكرين لرسا
لاتهم وما فيها من الإيمان بالله بقوله ( أفي الله شك فاطر السماوات
والأرض ) ( إبراهيم /10 )، فإن ذلك كان شيئا إجمالياً ، وكأنة
تنبيه إلى استعمال الحواس والعقل على نحو طبيعي لا تكلف فيه
.
فلما
جاء الإسلام يبلغ الناس بوجود الإله الواحد الحق فإنه، في الوقت
نفسه، من أول الأمر وبعد ذلك على نحو مستمر، وجه عقولهم. إلى
تأمل هذا الكون في جملته وتفاصيله، لكي يلاحظوا ما فيه من آثار
القدرة والحكمة والنظام والقانون في الطبيعة وظاهراتها، ولكي
يتأملوا الإنسان أيضاً، كما يشعرون به في أنفسهم وكيانهم وتكوينهم
وكل أسرار تحيط بهم، وسنرى ذلك فيما بعد، ولكي يروا كيف أن الكون
الذي يشاهدونه بسماواته وأرضه مسخر لهم، وملائم لحياتهم وحياة
غيرهم من أمم الحيوان على الأرض. ( إبراهيم/32
-3 3 ، الجاثية/
12- 13، طه/53- 54، عبس/ 24- 32، فصلت/53، الجاثية/ 3- 4،الداريات/
20- 21 ) .
القرآن
بديل للمعجزة:
وإذن، فإنه بمجيء
القرآن كان عصر المعجزة على مستوى خرق المجرى العادي للطبيعة
قد انتهى، وحل محلها العقل وأدلته، ومن هنا يحض القرآن على،
تدبر آياته لكي يضعها الإنسان بازاء آيات الكون (النساء/82،
ص/ 29، محمد/ 24). والقرآن بما فيه من آيات، كما يقول، قد جاء
(لقوم يعقلون) (1) و(يتفكرون ) (2) و(يؤمنون ) (3) و(يوقنون
) (4)، وهو (ءايت بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) ( العنكبوت
/49 ) .
وقد
طلب المنكرون من الرسول عليه الصلاة والسلام: أن يأتيهم بآية
كما جاء بها من سبقه من الرسل (الأنبياء / 5) بل هم اقترحوا
عليه خوارق عجيبة معقدة ذكرها القرآن، فأمره الله أن يقول لهم:
(قل سبحان ربي هل كنت إلإ بشرا رسولا)(الإسراء/ 90- 93).
والله
يقول في القرآن إنه لا يريد أن يقدم لمنكري رسالة الإسلام معجزة،
لأنهم رغم ذلك ربما يكذبون أو يثيرون الشكوك (الأنعام / 4، 7،
109، الإسراء/ 29). كما يصرح بأنه يستطيع أن يقهر الناس على
الإيمان ( الشعراء/ 1- 4)، لكنه كما منحهم العقل فإنه يريد منهم
أن يستعملوه لأنه هو الحجة عليهم يوم الحساب.
والقرآن
يدل قارئه على الطريق الموصل إلى الإيمان بالله وبصدق رسالة
الإسلام وذلك بقوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ءايت من ربه قل
إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين أو لم يكفهم أنا
أنزلنا عليك الكتب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكري لقوم يؤمنون
) (العنكبوت/ 50- 51) .
فالقرآن
إذن هو البديل للمعجزة، والله في يأمر رسوله أن "يجاهد به "المنكرين
" جهادا كبيرا " (الفرقان / 52)، وهذا يدخل في باب الكلام في
إعجاز القرآن، وموضعه في باب آخر من هذا الكتاب، لكننا لا بد
أن، نشير إلي الروح السارية في "الكتاب الحكيم "،
ولا يدركها
إلا صاحب الروح السليمة والعقل المتحرر من التقليد والهوى والمستعد
لتقبل العلم، كما لا بد لنا أن ننبه إلى أن القرآن اشتمل على
الهداية المتكاملة التي لا يمكن لبشر أن يجمعها كما جمعها القرآن.،
كما إننا نستطيع أن نخرج منه بنظرة شاملة للوجود،
و الكون والحياة
، بقدر ما نحتاج إليه.
ويجب
على من يقرأ القرآن أن يتفطن خصوصاً إلى أنه جعل الإنسان يواجه،
الكون ونظامه ويواجه نفسه بعقله وبقوانينه التي فطر عليها، بحيث
لا يكون له مناص ولا مفر، إذا هو عرف معنى العقل وقوانينه وأحسن
استعماله، من الإيمان بأمرين:
الأول:
وجود الله الذي صنع هذا العالم فوضع الأزلي علي وجوده أمام المفكر
بعد أن بين له المنهج.
والثاني:
أن هذا القرآن من عند الله الذي صنع الكون والعقل وجمع بينهما
ليدلا عليه، كل منهما بحسب طبيعته. وهذا يدخل أيضاً في باب الإعجاز
العلمي للقرآن، وسنتناوله عند الكلام عن المعرفة وعن أدلة وجود
الله وعن هذا الكون، بحسب القرآن.
وسيتبين
للمفكر المتعمق أن حتمية دلالة الكون على صانعه موازية لحتمية
دلالة صدق القرآن على الرسالة المحمدية، وأنه من. عند الله بإلي
صدق كلامه عن الكون الذي صنعه الله فدل على وجوده.
وليس
معنى هذا كله أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن مؤيدا بخوارق
كثيرة معروفة وثابتة، وإنما المقصود أن تلك الخوارق، قد توارت
في التاريخ ولا يراها أحد، أما القرآن فهو الباقي والشاهد على
الدوام على نفسه وعلي، رسالة الإسلام.
وإن
دراسة القرآن بالمعنى الكامل تنته بعد، رغم كل ما كتبه المفسرون،
ولا ننسى أن التاريخ قد تغير، وأن الحضارة تطورت، وأن العلوم
تقدمت تقدماً مذهلاً، وكشفت من أسرار التاريخ وأسرار الكون أموراً
عجيبة، وكأن الفهم للقرآن كان ينتظر أن تنكشف لكي يستطيع قارئ
القرآن أن يفهم آياته ويشعر بعظمة معانيها، إذا كان على علم
بقوانين الحضارة والنتائج العلمية الصحيحة.
رسول
أمي علمه الله ليعلم الأميين:
يدل
التاريخ الديني والاجتماعي على أن العرب، وهم الأمة الأولى التي
تلقت القرآن، كانوا في الغالبية العظمى على حال قريبة من الفطرة،
أميين ليس، بينهم من يقرأ ويكتب إلا أفراد قلائل في المدن مثلا
.
وأما
التدين الذي كان عليه بعضهم في مكة، فإنه كان بقايا بسيطة من
التوحيد الذي أسسه إبراهيم عليه السلام ومعها شيء من الشعائر
والعادات، ولم تكن تحيط به حياة دينية بالمعنى الحق، ولا أي
نوع من البحث النظري، وكان عامة العرب قد ورثوا عن آبائهم تقديس
الأصنام، ومن، هنا نفهم المعني الكبير لقول القرآن: (هو الذي
بعث في الأمين رسولا، منهم يتلوا عليهم ءايته ويزيكيهم ويعلمهم
الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ) ( الجمعه /2
وانظر الأعراف /158 ، العنكبوت/48 )
والرسول
عليه الصلاة والسلام كان أمياً، فعلمه الله ، ليعلم الناس: (وأنزل
الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله
عليك عظيماً ) ( النساء /113 ) .
ومن
هنا أيضاً نفهم أن القرآن كان بالنسبة لمن ظلوا عن، شيء من الدين
تعليماً من الأساس لوضع أصول الإيمان الصحيح، وكان بالنسبة للذين
وقفوا عند تراث الآباء وما فيه من وثنية نقداً شديداً في أكثر
من آيه (البقرة/ 170، المائدة/ 104، هود/ 109). وإلى جانب ذلك
نجد أشد التقريع لمن لا يستعملون ما وهبهم الله من وسائل تحصيل
المعرفة (الأعراف/ 179).
وفي
الحالين كان التعليم يسير على منهج واضح هو استعمال ملكات المعرفة
الحسية والعقلية لكي تؤدي وظيفتها الطبيعية، وهي معرفة الحق،
وخصوصاً الحق الأكبر، وهو "الحق المبين "، "الله رب العالمين
".
وكان
إلى جانب ذلك في مقابل طريقة الذين لا يجتهدون في معرفة الحق
ويقلدون غيرهم تأكيد مسؤولية الإنسان مما وهب الله له من الحواس
والعقل( ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل
أولئك كان عنه مسئولا ) ( الإسراء /36 ) .
بعض
مميزات القرآن
1- القرآن خطاب
إلهي عام
كما
أن الله تعالي خاطب أرواح بني آدم جميعاً قبل مجيئهم إلي الدنيا
وأشهدهم على أنفسهم بربوبيته (الأعراف/ 172- 174) ، كما سنرى
فيما بعد، فإنه خاطبهم في الدنيا على ألسنة رسله وأنبيائه،
وقد اشتمل القرآن ،هو الهداية الإلهية النهائية- على الخطاب
الموجه للبشر جميعاً، كما قدمنا القول.
"
والكلام موجة مباشرة للرسول الذي هو المخاطب الأول، منذ أن
أمره الله ، تعالي بقوله: ( اقرأ باسم ربك الذي خلق ) ( العلق
/ 1) ثم : " يا أيها الرسول " ، " ياأيها النبي " والخطاب موجه
بعد ذلك للجميع : للمؤمنين : " ياأيها الذين آمنوا ) ، ( يا
نساء النبي ) ، وللبشر جميعاً : ( يابني آدم ) ، ( يا أيها الناس
) ، وقد يخاطب " الإنسان " باعتباره رمز النوع : " يا أيها الإنسان
فكان الخطاب غير مباشر لطوائف كثيرة.
لكن
القرآن فيه خطاب متكرر لأهل الوحي السابق باعتبار أنه جاء مصدقاً
ومكملاً لما عندهم: (يا أهل الكتاب )، وهذا خطاب عام ،( يابني
إسرائيل ) ، وهذا خطاب خاص . والقرآن كما تكلم عن الكتب المنزلة
قبله بالتقدير فإنه تكلم مع أهلها بالدعوة الهادئة الناصحة لهم
بإخلاص ، لكنه تكلم بطريقة حاسمة مع الغلاة منهم : ( ياأهل الكتاب
تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ) (آل عمران/ 64) ( ياأهل
الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق ) (النساء/
171، وانظر المائدة/77) .
وفي
أثناء كل هذه الأساليب من الخطاب كان التعليم أو التنبيه يلقى
للجميع مباشراً أو غير مباشر، وكان بالنسبة لأهل الكتاب يصحح
الآراء أو المواقف (مثلاً الأعراف/ 65- 66) أو يشرح المسائل
التي كانت موضع خلاف (المائدة/ 6 11- 7 1 1، مريم/ 6 1- 35،
آل عمران/33-
1 5).
2.-
القرآن تعليم متدرج ومستمر:
جاء "الكتاب
الحكيم " تعليماً من البداية: آيات وسور تتلى على فترات فدخل
على نحو مباشر في العقول وفي التطبيق العملي في أمور الدين والحياة
، وهو قد كان متدرجاً في تعليم الرسول نفسه عليه الصلاة والسلام،
لكي يستقر العلم في قلبه الشريف فيثبت في دعوته:
(وقال
الذين كفروا لولا نزل عليه القرءان جمله واحدة كذلك لنثبت به
فؤادك ورتلناه ترتيلا ) ( الفرقان /32 ) .
وكان
التعليم شيئاً فشيئا للمخاطبين بالوحي، لكي يتوفر لديهم الوقت
للفهم والتفكير والعمل وإثارة الأسئلة، وقد حدث ذلك بالفعل،
وتساؤلاتهم العديدة، مذكورة في القرآن .
وكان
القرآن أيضاً تعليماً مستمراً ومتكرراً، لا لمجرد التكرار بل
على سبيل التأكيد الدائم للأصول الأساسية، وفي ذلك بلا شك تمكين
الثقة في نفس الرسول صلي الله عليه وسلم وتقويته بصفة دائمة
لكي يواجه المعارضة والإنكار، والحق أن الوحي كان دائم الوقوف
إلى جانبه في مختلف الأزمات والمواقف (مثلا النحل/ 127، آل عمران/
176، الأنعام / 33، الأحقاف/ 25 ).
وكان
القرآن تعليماً مستمراً ومتكرراً يتوالى في تعليم الجماعات التي
كان بعضها يعقب بعضا في اعتناق الإسلام، ومنها غير المقيم بصفة
دائمة، بل كان يغيب، ثم يعود.
وكذلك
كان التعليم قي الموضوع الواحد يتكرر ويزداد على فترات، فيحمل
قوم منه شيئاً ويبلغون غيرهم، ثم يتكامل الكلام، ويستطيع كل
قارىء للقرآن، كما هو الآن، أن يلتمس المعرفة في كل مسألة من
المواضع الخاصة بها بفضل المعاجم الكثيرة في آيات القرآن وموضوعاته
ومصطلحاته وكل ما اشتمل عليه من أحكام.
وكأن
الله تعالي قد أراد بحكمته أن يراوح في التعليم بين تنويع الموضوعات
وبين مراحل التعليم في الموضوع الواحد، وكان ذلك بمثابة دروس
في الموضوع تتوالى على فترات، ويتم فيها الاستيعاب ويسهل التقبل
من جديد ويشعر المخاطبون بلذة المعرفة، وهي تزداد وتتكامل، وتأتي
في، بعض الأحيان بحسب الأحداث والمشكلات أو إجابة لتساؤلاتهم.
وقد
كتب القرآن في أثناء نزوله وتمت قراءته والتفكر في آياته، وحفظ
كما أنزل ،وكما رتبه الرسول عليه الصلاة والسلام ليكون صورة
أصلية صادقة لمنهج التعليم النبوي، ولو أن القرآن تناولته بعد
ذلك أيدي البشر بحسب طريقتهم لما بقيت له أصالته وروحه، وطريقته
المتميزة، ومن يضع نفسه بخياله في عصر .
النبوة
يدرك أنه عصر تعليم فريد في بابه، ولا نظير له في تاريخ الفلسفة
أو العلم،والتعليم، ولا في تاريخ الأديان كلها، ويجب أن نعترف
أن ذلك العصر لم يدرس من حيث تعليم الدين والفكر وأمور الحياة
الدراسة الكافية.
والقرآن
فريد في تأليفه، وهذا يتبين مما تقدم، فنحن لا نوجد أمامنا في
القرآن كتاباً شبيهاً بمصنفات البشر التي يكتبونها لأغراضهم،
وذلك لأنه كان بحسب، طبيعة الظروف وتبليغ الوحي في مجتمع متكامل
يزداد كل يوم، نوعاً من التعليم الجماعي الذي لا نعرف له نظيراً،
لكنه كان في جملته وبجميع موضوعاته موجهاً نحو تكوين النظرة
الشاملة المتكاملة في أكبر مسائل الدين والفكر.
3-
تحول طريقة التفكير واتجاه المعرفة
وهكذا يستطيع
الباحث أن يلاحظ الفرق بين طريقة العرب في تصورهم للأشياء وكذلك
نوع معارفهم قبل نزول القرآن وبعده، فقد كانت عندهم معارف متفرقة
بظاهرات الطبيعة في السماء والجو، وبطبائع الحيوان وأمور الإنسان
في أحواله البدنية والنفسية، إلى جانب ما كان، عندهم من مفهومات،
إنسانية ومعايير للأخلاق والفضائل التي كانت هي الغالبة في تفكيرهم
وشعورهم بأنفسهم، وقد شرحنا ذلك في كلامنا عن أثر القرآن في
الحضارة الإنسانية.
وهنا
يجب أن نلاحظ أن تلك المعارف كانت من جهة متفرقة لا تنتظمهما
أحكام كلية، وكانت من جهة أخرى لأجل الحاجة إليها في أسباب،
"المعيشة، ولم تكن "على طريق تعلم الحقائق ولا على سبيل التدرب
في العلوم " وهذا ما قد لاحظه بحق أحد الذين درسوا معارف الأمم
من علماء الإسلام، وهو صاعد بن أحمد الأندلسي (ت 462 هـ/ 1070
م) في كتابه "طبقات الأمم ".
فلما
جاء القرآن حول اتجاه الفكر من الاهتمام بالأمور العملية ومن
النظرات المتفرقة إلى البحث النظري والتوصل إلى أحكام كلية والاتجاه
في تحصيل المعرفة إلى أنواع من الاستدلال الكبير الذي يوصل إلي
العلم بمعناه الحقيقي، وكان ذلك في أهم المسائل التي دار حولها
الفكر البشري واشتمل عليها القرآن كما سنرى.
وقد
كان ذلك التفكير والاستدلال بالعقل على صورة ضمنية إجمالية،
لكن بلغة الفكر الداخلية التي هي الأصل والمصدر لكل الصيغ اللفظية،
وهذا ما لم يفطن إليه من درسوا إيمان المسلمين الأولين، وقد
تحققت الغاية بحسب قوانين العقل الذي فطره الله عليها ولم يتعلمها
من أحد.
ومن
يدرس آيات القرآن في تكاملها في كل موضوع على حدة يجد معرفة
متكاملة في كل شيء، وعند ذلك يتبين له كيف تألفت في العقول على
عهد الرسول عليه الصلاة والسلام النظرة الكافية في كل موضوع
اشتمل عليه التعليم القرآني، ويتبين له أيضاً مدى عمق الإيمان
في قلوب أولئك الذين تلقوا دعوة الإسلام وحملوها ومدى شدة حماستهم
في الجهاد في سبيل الدعوة.
ثم
إنه إذا كان ذلك كله قد تحقق على نحو تلقائي وإجمالي فإن الفكر
تقدم بعد ذلك، وفي أثناء تطور الفكر الإسلامي في عصر الانفتاح
على الفكر العالمي، ظهرت المفهومات ومعها مصطلحاتها، والمناهج
ومعها قواعدها والآراء والمذاهب ومعها أدلتها، وتمثل ذلك التطور
في أنواع العلوم الدينية والعقلية، ولا يزال كل شيء في ازدياد
من حيث التفصيل، وكذلك لا تزال آيات القرآن تشرق معانيها في
العقول مع زيادة المعرفة، وخصوصاً في مجال الدراسات الكونية
والإنسانية والاجتماعية والحضارية.
4-
القرآن كتاب شامل:
( ونزلنا عليك
الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) (النحل/
89).
قدمنا
القول بأن القرآن قد اشتمل من حيث الجوهر على الدين كله، وهو
إذا كان من جهة قد أحاط بكل "حق " في الديانات المنزلة قبله،
فإنه من جهة أخرى كتاب شامل بكل معنى للشمول يمكن أن يتصوره
الإنسان من موقعه في الكون وفي أمور حياته ومصدرها وقانونها
ومصيره بعدها ".
ونحن
عندما نقرأ ذلك الحكم العام المطلق الذي تضمنته الآية الكريمة،
فلنلاحظ أن القرآن يذكرها في سياق معين، هو كلامه عن شيء قد
لا يخطر على بال من جاءهم الوحي الإلهي، وذلك أن الله تعالي
سيدعو الرسل ليشهدوا على أممهم بأنهم قد بلغوهم ما أمرهم الله
به وبأن عليهم أن يبلغوا ذلك لمن بعدهم. وقد أراد القرآن أن
ينبه أهل الديانات المنزلة إلي تلك المحاكمة التي تنتظرهم،
وهم عنها غافلون.
ونجد
مثل ذلك الحكم أيضاً في آيات أخرى وهي قوله: ( ما فرطنا في الكتاب
من شيء )
(الأنعام /38
)والآية تأتي في سياق التنبيه للغافلين الذين لا يدرسون ولم
يعرفوا أن أنواع الحيوان أمم كالبشر، وأنها ستحشر يوم القيامة،
وتحاسب ويقتص للمظلوم من ظالمة (1). والحق أن كثيراً من الناس
يظنون أن الحيوانات لا عقل لها أو أنها وحوش يفترس بعضها بعضاً
أو أنه يحق للإنسان ، أن يفعل بها ما يشاء، بلا عدالة لا بد
أن تتحقق بالنسبة لعالم الحيوان وبلا حساب عما يصنعه الإنسان
بالحيوان. وكلام القرآن هنا من شأنه أن يلفت نظر البشر إلي أنهم
بفضل ما عندهم من العقل والمعرفة بالخير والشر أولى بأن يتمسكوا
بالعدل وأن يبتعدوا عن الظلم بكل أنواعه، لأن وراءهم الحساب
العسير على كل ما يفعلون.
وعلى
كل حال فإن المفسرين للقرآن فهموا من الآيتين أن القرآن قد
أحاط في أحكامه بكل شيء يخطر على البال، وذلك إما على سبيل الإجمال
أو على سبيل التفصيل في بعض الأمور الكونية والإنسانية. وكان
بعض المفسرين يوجهـون من يلتمس التفصيل في القرآن إلي أن يرجع
للحديث الشريف والسنة النبوية وفيهما تفصيل للقرآن.
فلننظر
في المسألة في ضوء كلام القرآن عن بعض الكتب المنزلة قبل ثم
لننظر ماذا في آياته من أنواع الإشارات لأصناف الموجودات التي
يراها الإنسان أو يخطر على باله أن يعرفها، وبعضها، وهو كثير
جداً، لا ذكر له في الكتب المنزلة، قبله.
جاء
في القرآن الكريم أن الله تعالى آتي موسى عليه السلام الكتاب(
تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة لعلهم بلقاء
ربهم يؤمنون ) ( الأنعام /154 ) وأنه تعالي كتب له في الألواح
( من كل شيء موعظة وتفصيلاً لكل شيء ) ( الأعراف /145 )
وفي
القرآن أنه هو نفسه (تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى
ورحمة لقوم يؤمنون ) ( يوسف /111 ) ، وقوله بعد الإشارة إلى
آيات الليل والنهار : ( ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء
فصلناه تفصيلا ً ) ( الإسراء /12 ).
وإذن،
ففي كل من الكتابين ذكر التفصيل ، وأول ما يتبادر للفهم أنه
تفصيل في أمور الدين وتعاليمه والشريعة وأحكامها والحياة و نظامها،
لكن القرآن بحكم أنه الهداية الإلهية المكملة وأنه ربط بين الإيمان
والعلم والنظر في ملكوت السماوات والأرض، فلذلك أراد توسيع
نطاق المعرفة، فتكلم عن أمور لا حصر لها، وتناول بكثير من إشاراته
جوانب عديدة من هذا الكون الذي لا نعرف في الحقيقة إلا ظاهره،
وهذا في حدود ما يسمى (عالم الشهادة) ، أي الذي تدركه حواسنا،
ونبه إلى أسرار الأشياء وقوانينها، ما نبصر منها وما لا نبصر،
وما نعلم وما لا نعلم ، (الحاقة/38- 39، يس/36)، وأشار كثيراً
جداً إلى ما يسمى "عالم الغيب " بمعناه العام البعيد وبالمعنى
الخاص الذي حولنا ولا ندركه، في الأرض التي نعيش عليها وفي السماء
التي تراها أبصارنا:. " غيب السماوات والأرض " (مثلا، هود/ 123).
كما أشار إلى أنواع من الموجودات العاقلة المغايرة لنا والمتنوعة
في طبيعتها، من الجن والشياطين والملائكة " ولله جنود السماوات
والأرض " (الفتح/ 4، 7)، (وما يعلم جنود ربك إلا هو ) (المدثر/
31).
ومن
جهة أخرى تناول القرآن مسائل العلم والمعرفة والمنهج وكل ما
يتعلق بذلك من المفهومات، وتكلم، إلى جانب شرحه للعقيدة وأصولها
وللشريعة وأحكامها الأساسية والتفصيلية، عن الموضوعات الكبرى
التي دار حول الفكر الديني والعلمي والفلسفي والاجتماعي، وجعلها
في الوقت نفسه مسائل بحث وتقبل الاعتراضات والتساؤلات حولها
وأجاب عنها: الإله تعالي، الكون، الإنسان، القيم الكبرى من الحق
والخير والجمال، والقيم الاجتماعية الإيجابية والسلبية، والأخلاق
وقواعد المعاملة ،وآداب الحياة العملية من شتى جوانبها، وقوانين
تغير الدول وزوال الحضارات ،وأخبار الأنبياء، وهنا أعطى صورة
حقيقية لأعمالهم وصحح الكثير مما نسب إليهم في الكتب السابقة،
وهذا كله فضلاً عن الكلام عما قبل هذا العالم، وعن تشكل هذا
النظام الكوني في عملية كونية هائلة ومذهلة، نرى أدلتها وآثارها
اليوم، بعد أن بدأت منذ زمان سحيق وأظهر العلم نتائجها.
ثم
القرآن تكلم عما قبل الحياة وتكلم عما بعد الموت كلاما لا نجد
له نظيراً في، الكتب الأخرى وأبرز معالم نهاية هذا العالم وما
سيصحب ذلك من ظاهرات كونية مروعة، وتحدث عن عالم البعث والحشر
والحساب، ومصير بني آدم في الحياة الأخرى بعد أن يحاسبوا على
أعمالهم.
وبالجملة
فإن القرآن فيما يتعلق بالعالم المحيط بالإنسان، وبالإنسان نفسه،
قد تناول كل ما يقع تحت الحس أو يخطر للفكر أو يجري في داخل
النفس، والكلام في هذا كله ليس في سياق كلام عابر بل هو أحكام
مباشرة تنصب على الواقع وتصفه في ذاته من شتى الوجوه.
وفي
"الكتاب المبين " مادة غزيرة حول كل الموضوعات الكبرى التي تكلم
عنها، إلي جانب التفصيل في جزئيات كثيرة، وتلك إلي دة كافية،
لتكوين جملة من الأحكام الكلية المتكاملة والأحكام الجزئية في
وقت واحد.
وقد
ألفت الكتب الكثيرة حول شتى الموضوعات والمسائل التي ورد ذكرها
في القرآن.
طريقة
القرآن في التعريف ببعض المسائل
يجد
القارئ في باب آخر من هذا الكتاب تفصيل القول في لغة القرآن
وعبارته وأسلوبه، بين حقيقة ومجاز، وتشبيه وضرب مثل، ومحكم ومتشابه،
ومجمل ومفصل.
والناظر
في (الكتاب الحكيم) يلاحظ أن له طريقته في كلامه عن بعض المسائل
الكبرى ، مثل كلامه عن ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله وتدبيره
لأمور مخلوقاته، وعن أفعال الإنسان وأفعال الطبيعة، فهو يتكلم
عن ذلك من وجهتي نظر متكاملتين، بحيث يستطيع المفكر المتدبر
أن يصل إلى التصور الذي يريده القرآن.
والقرآن
نفسه لم يترك قارئه يتحير في فهم آياته، فأعطاه المفتاح لفهمها
مفردة ومجتمعة، وهو يريد من قارئه أن يفهم المتشابه في ضوء المحكم،
وبذلك يفسر بعض آياته ببعض.
ولا
شك أن هناك حكمة كبيرة في قوله تعالى:
( هو الذي أنزل
عليك الكتاب منه ءايت محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما
الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنه وابتغاء
تأويله وما يعلم تأويله ـ إلا الله والراسخون في العلم يقولون
ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب )
( آل عمران /7
) .
وقوله ( الر
كتاب أحكمت ءايته ثم فصلت من لدن حيكم خبير ) ( هود/1 ) .
وليس
من مرادنا أن نبحث مسألة المحكم والمتشابه في ذاتها ، وإنما
نحب ، بحسب غرضنا هنا، أن يكون الوقوف في الآية عند قوله:
( والراسخون
في العلم ) بحيث نفهم أن الراسخين في العلم هم الذين يعلمون
تأويل المتشابه، وإلا كيف يكونون راسخين في العلم ،والعلم في
القرآن يدل على العلم بالحقائق لا بالمظاهر- إذا لم يكونوا قد
تدبروا القرآن كما أمرهم الله فيه، وتحققوا أنه ليس فيه اختلاف
بين المحكم والمتشابه، لأنه كله من عند الله، وذلك رغم ما يتوهمه
من لا يتدبر أو الناظر السطحي أو الغريب عن دراسة القرآن ، وخصوصا
المغرض الذي يريد إثارة الشكوك حول (الكتاب الحكيم)، ويزعم
أنه يوجد اختلاف، بل تعارض، بين آياته.
ومع
ذلك فإني مؤمن بأن علم الإنسان بتأويل آيات القرآن إنما هو بقدر
طاقته، وفهمه، وهذا هو المطلوب منه، أما علم الله بمراده فهو
له وحده، ولا يجوز المقارنة بين علم الإنسان وعلم الله، لكن
لا يصح أيضا ترك مشكلة المتشابه لتضل فيها الأفهام، وبسببها
يطعن في القرآن بعض من لم يفهم طريقته.
وقد
كانت مسألة المتشابه سبباً في مشكلة اختلفت فيها الآراء والمواقف،
وهي إنما نشأت من النظرة الجزئية لآيات القرآن من غير جمع بينها.
القدرة
الإلهية الشاملة وأفعال المخلوقات:
على الأساس المتقدم
أحب أن أشرح مسألة العلاقة بين الإيمان بقدرة الله تعالى المحيطة
بكل مخلوقاته، وبين شعور الإنسان بقدرته واختياره لأفعاله، وهذه
مشكلة لها علاقة بمسألة "القدر" التي سنتكلم عنها فيما بعد،
وكذلك أحب أن أشرح العلاقة بين فعل الله وما يبدو لنا أنه فعل
الخليقة مستقلة بذاتها.
ولنبدأ
بالقول أن القرآن في كلامه عن الله تعالى يثبت له صفات الربوبية
وحقوقها المطلقة، فهو تعالي " خالق كل شيء "، (على كل شئ قدير)،(
بيده ملكوت كل شيء) (يس/83). (مالك الملك )، (. فعال لما يريد
)، (يخلق ما يشاء)، ( لا يسأل عما يفعل ) والقرآن يؤكد في الوقت
نفسه عدل الله وحكمته وفضله العظيم: فهو (لا يظلم مثقال ذرة
وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجراً عظيما ") ( النساء /40
) والقرآن يقول في مواضع تخرج عن الحصر إن الله خلق كل شيء (بالحق
)بكل ما لهذه الكلمة من معان متنوعة.
(وما خلقنا السماوات
والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقنهما إلا بالحق ولكن أكثرهم
لا يعلمون) (
الدخان /38 ـ 39 ) .
والله
تعالى "كتب على نفسه الرحمة "، (الأنعام / 12)،: بمعنى أنها
فيض لطفه بعباده وإحسانه إليهم، وهو " أحكم الحاكمين"، و " أرحم
الراحمين "، " ذو الفضل العظيم ".
والقرآن
في الوقت نفسه يذكر ما للمخلوقات من فاعلية أو تأثير بحسب ما
فطرها الخالق عليه من طاقات و ملكات أو قدرات تصدر عنها أفعالها،
وهذا لا يحتاج إلى ذكر شواهد، لأن ذلك، خصوصا بالنسبة للإنسان
الذي هو عاقل قادر مختار ومسؤول عن أفعاله، أساس التكليف من
قبل الله تعالى.
ونحن
لكي نفهم ذلك يجب أولاً أن نعلم حقيقة مفهوم الألوهية في القرآن:
الله الخالق ليس هو ما تخيله الفلاسفة قديماً وحديثاً، بل هو
مبدع نظام المخلوقات، وهو: " الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى"،
(الأعلى/ 2- 3)، وهو: " الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى "، (طه/
50 ) ، أي أنه جعل لكل شيء " طبيعته وخواصه وما يمكن أن يصدر
عنه من آثار وأفعال، وهو تعالى يمد الأشياء بالبقاء، وقد هيأ
لها كل أمور وجودها ومجال فاعليتها، "وهي تستند في كل ذلك إليه.
وكما
أنه تعالى " يمسك السماوات والأرض أن تزولا " ، (فاطر/ 41) فهو
يمسك أيضاً كل ذرة فيها بقدرته، ولا يخرج شيء عن علمه وعنايته،
ولولا الحفظ الإلهي لنظام الكون لغرق كله في بحر العدم دفعة
واحدة، لا في زمان، وكل ذلك يصدق على الكائنات المزودة بالعقل
والقدرة والاختيار وعلى الكائنات التي نعتبرها جمادات، مع أن
في بعضها طاقة أو طاقات تفوق تصور العقل، لكنها تخضع في الوقت
نفسه للحتمية الظاهرة في نظام الطبيعة.
فإذا
كانت نسبة الإله تعالى لمخلوقاته، بحسب القرآن، أنه " الخالق
الحافظ " وأنه " بكل شيء محيط " و"على كل شيء حفيظ " . فما هي
نسبة المخلوقات وأفعالها إلى قدرته الشاملة؟.
لنذكر
هنا أولاً أن الأشياء، على الرغم من أن لها ذاتيتها وطبيعتها
وفاعليتها كما تبدو لنا، إلا أنها بحكم استنادها إلي القدرة،
لا يمكن أن تكون خارجة، لا في وجودها ولا فيما يترتب على ذلك
من أفعالها، عن قدرة الخالق، وهذا ما يقتضيه المنطق السليم على
أساس مفهوم الخلق والإبداع بالقدرة.
وإذا
تصورنا الأشياء مستقلة عن دائرة القدرة فإن تصورنا لها وكلامنا
عنها وعلمنا بها لا يتفق مع الحقيقة، أما إذا تصورناها في نطاق،
النظام الكلى فإن كلامنا يكون صحيحا، وليس في ذلك إخراج لها
عن مكانها في نطاق القدرة ولا إلغاء لطإئعها وأفعالها فيما بينها،
وهذا هو الأساس لما نجده في القرآن عندما يتكلم عن أفعال الإنسان
وعن أفعال الطبيعة.
يقول
القرآن مثلا، مشيراً إلي الإنسان، "وقل الحق من ر بكم فمن شاء
فليؤمن ومن شاء فليكفر " ، ( الكهف /29 ) . وهذا كلام واضح وصريح
، وهو صادق بالنسبة للإنسان، لأنه يؤكد له مشيئته التي يشعر
بها في نفسه، لكن القرآن يقول في أكثر من موضع: (وما تشاءون
إلا أن يشاء الله "، (مثلا التكوير/ 29). وهذا واضح أيضاً وحق،
لأن الإنسان نفسه، هو ومشيئته وظروف وجوده وفعله، كل ذلك في
داخل النظام الذي وضعه الله في جملته وتفاصيله، ولا تناقض في
ذلك.
والمقصود
أن لا يغفل الإنسان، رغم وضعه البديع، وهو شعوره بقدرته الذاتية
واختياره، عن أنه في داخل النظام الكلي، وأن نظام الأشياء بيد
الله، وهذا هو معنى قوله تعالى:
(ولاتقولن لشاىء
إني فاعل ذلك غداً إلا أن يشاء الله وأذكر ربك إذا نسيت وقل
عسى أن يهدين ربي لأقرب من هذا رشدا) (الكهف/ 23- 24).
والمعادلة
صعبة التصور عند من لا يدركون ما يسمى "النظرة التركيبية"، فيتوهمون
أن بين آيات القرآن تعارضاً، وهذا قد وقع من غير المسلمين، بل
من بعض مفكري الإسلام الذين تصوروا وجود مشكلة أو نوع من الجبر
والإكراه، مع أنه هو النظرة الصحيحة للأشياء وللعلاقة بين التدبير
الإلهي المحيط وبين فاعلية المخلوقات.
أما
التناقض فهو إنما يكون موجوداً إذا قيل: " من شاء فليؤمن، ومن
شاء فليكفر"، ثم قيل في الوقت نفسه: لا مشيئة للإنسان أصلاً-
هذا هو التناقض، وليس له وجود في القرآن.
وكذلك
يسند القرآن للطبيعة أفعالها، فيقول مثلا (وترى الأرض هـامدة
فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج "
، (الحج/5)، وكذلك يقول في حبة القمح مثلا التي توضع في الأرض
" مثل الذين ينفقون أموالهم فى سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع
سنابل فى كل سنبلة مائه حبة .."،(البقرة/ 261)، وهذا هو الواقع
الذي نشاهده، لكن هل الأرض أو الحبة أوجدت نفسها؟ وهل هي العامل
الوحيد في الإنبات؟ وأين فعل العناصر الطبيعية، ومن أين لها
طبائعها وقواها؟.
إن
الأشياء كلها علل أو أسباب قريبة، وهي تترابط وتتسلسل إلى أن
تنتهي إلى المصدر الأول لوجودها ونظامها، وهو الله تعالي .
وكذلك
نجد في القرآن قوله: " فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء
صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا .... "
( عبس /24 ـ 28 ) .
وكذلك
قوله:" وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به ، حدائق ذات بهجة
ما كان لكم أن تنبتوا شجرها ... ) ، ( النمل /60 ) .
وهكذا
نلاحظ أن الإنبات يضاف أحياناً إلى فعل الأرض أو الحبة، وأحياناً
إلى الخالق، وهو في الحالين صحيح، من وجهتي نظر.
وإذا
أردنا أن نتكلم عن المسألة كلها بحسب طريقتنا الحديثة في التفكير
والتعبير قلنا إن القرآن يتكلم عن المخلوقات مشيراً إلى العلة
الأولي ،كما هو اصطلاح "الفلاسفة"، أو إلي "مسبب الأسباب "،
كما يفضل "المتكلمون "، ثم إنه قد يتكلم مشيراً إلي الظاهرات
بحسب ما نشاهده من فعلها، لكي نعرف طبائع الأشياء، فالنظرة الأولى
فلسفية، والنظرة الثانية علمية، والجمع بينهما هو النظرة التي
يجب علينا أن نتدبر القرآن بعقولنا لكي نستخلصها من آياته وتتبين
لنا الحقيقة الكاملة.
ويمكن
من جهة أخرى أن نقول إن القرآن يتكلم أحيانا بحسب المظهر، وهذا
بالنسبة للإنسان، وأحياناً بحسب الحقيقة في نفسها، ومن المعلوم
أن كل العلم وكل الفلسفة قد قام علي أساس التمييز بين المظاهر
والحقائق، وكانت الحقائق على كل حال هي الهدف من العلم والفلسفة.
"والحق " هو مدار القرآن الكريم، في كل مجالاته وبكل معانية.
ولقد
كان يمكن لمن أرادوا فهم آيات القرآن التي تتعلق بذات الله وصفاته،
أن ينظروا إليها بحسب ما شرحناه كما فعل بعضهم، وأن يضعوا
كل الآيات التي توهم التشبيه لله بمخلوقاته في ضوء الآيات المحكمة
التي لا خلاف في فهم معناها، مثل قوله تعالى: " ليس كمثله ،
شيء وهو السميع البصير ، (الشورى/ 11) وأن يفهموا بعد ذلك قوله:
" الرحمن على العرش استوي " ، (طه/5)، وقوله بالنسبة للذين بايعوا
الرسول عليه الصلاة والسلام" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون
الله يد الله فوق أيديهم "، (الفتح/ 10) وغير ذلك من آيات الصفات.
الأمر
الإلهي، الإذن الإلهي:
وفى القرآن الكريم
مفهومات يمكن أن ندرك بعض جوانبها من النظر فى الآيات والاجتهاد
في فهم بعضها في ضوء بعض ، من ذلك :
ا-
الأمر الإلهي، من معانيه الكثيرة في القرآن: كل ما بينه الله
لعباده من التكاليف الخاصة بأصول العقيدة وأحكام الشريعة ونظام
الحياة في جملته، وكذلك تعلق قدرة الله بإبداع ما يريد: (إنا
كل شيء خلقناه بقد وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر " (القمر/
49- 50).
والأمر
الإلهي يشير إلى تدبير شؤون المخلوقات: (ألا له الخلق والأمر
تبارك الله رب العالمين" ( الأعراف /54 ) " يدبر الأمر من السماء
إلى الأرض .... " (السجدة/ 5)، (الله الذي خلق سبع سماوات ومن
الأرض يتنزل الأمر بينهن لتعلموا أن الله على كل شيء قدير وأن
الله قد أحاط بكل شيء علماً " ،( الطلاق /12 ) .
ا-
الإذن، الإلهي، وهو، كما يؤخذ من كثرة ذكره في القرآن، يشمل
كل ما يحدث في العالم، وكأنه، والله أعلم، تفصيل التدبير الكلي،
فلنقف عنده قليلا ونلاحظ أن القرآن لم يترك شيئاً إلا أدخله
في مجال ذلك "الإذن ": تنزيل الوحي على قلب الرسول "بإذن الله
" (البقرة/ 97)، إطاعة البشر للرسل وخروجهم من ظلمات الجهل والكفر
إلى نور العلم والإيمان، فعل الخيرات (ا لنساء/ 64. إبراهيم/
1، فاطر/ 32، يونس/ 100)، خلود الأبرار في الجنة (إبراهيم/23)،
معجزات الأنبياء، ومعجزات عيسى عليه السلام (الرعد/ 38، آل عمران/
49)، النصر والهزيمة (البقرة/ 249، آل عمران/ 166)، المصائب
والأضرار (التغابن/ البقرة"/102)، خدمة الجن والشياطين لسليمان
عليه السلام (سبأ/12)، الشفاعة عند الله (البقرة/ 255) وبكل
اختصار: الأحداث كلها، من أصغر ما
يقع إلى إمساك
السماء لكي لا تقع على الأرض (الحج/65) كل ذلك بإذن الله.
ثم
لنتدبر قوته تعالى عن الظاهرات التي ستصاحب نهاية هذا الكون
وتبدله:
"
إذا السماء انشقت وأذنت لربها وحقت وإذا الأرض مدت وألقت ما
فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت "(الانشقاق/ 1- 5).
إن
على القارئ أن يتأمل كل ما ذكرناه ليفهم معنى قوله تعالي إن
الأشياء تقع "بإذن الله " ، وهو يدل على ما تقدم من أن الله
"أعطى كل شئ خلقة" أي طبيعته وفاعليته، لكن ذلك في داخل القدرة
المحيطة بكل شيء، فهناك إذن فاعلية مع علاقة استناد المخلوقات
في وجودها وإمكان فعلها إلى مشيئة خالقها.
ثم
لنلاحظ قول القرآن إن السماء لما انشقت وكذلك الأرض لما "مدت
" أي استوى سطحها فأصبحت جبالها مسواة بالأرض، "وأذنت لربها"
، " وحقت " فهنا سر رائع وتعبير عجيب، ومهما كانت آراء المفسرين
التي علي القارئ اللبيب أن يرجع إليها، فإن من معاني قوله: (وأذنت
لربها "، أنها بحكم كونها مخلوقة ومستندة إلى القدرة فإنها رغم
طبيعتها وكيانها لا تستعصي على أمر الخالق وحكمه.
ومعنى
قوله "وحقت" هو أنها حقيقة وجديرة بأن يسري عليها التدبير، لأنها
في، نطاق القدرة.
وفيما
ذكرناه مثال يبين نسبة المخلوق وفعله إلى خالقه وتدبيره، والله
أعلم.
العلم
والمعرفة
يجد
القارئ في الفصل الخاص بأثر القرآن في الحضارة الإنسانية تفصيل
ذلك الأثر في أهم المظاهر في حياة الحضارة، أعني ازدهار الفكر
كما يتمثل في العلم بفروعه والفلسفة في ميادينها الكبرى، وذلك
أن القرآن هيأ لذلك كله ظروف النشأة والازدهار، أما هنا فالكلام
في أمور عامة في العلم والمعرفة وعلاقة ذلك بالإيمان.
وإذا
كان القرآن يأمر باستعمال العقل ويعظم "العلم " ويحض على طلبه
فإنه لا يكفي القول بأن العلم من الدين، بل هو الدعامة التي
يقوم عليها الدين والإيمان به، لأن الإنسان العاقل هو المخاطب
بالتعليم الإلهي، "والعلم " عمل العقل، والدين لا يفهم إلا به،
ولا يمكن إقامة
الحجة على صحة الوحي الإلهي وأنه من عند الله إلا بالعقل، ولا
يقوم الإيمان بحقائق الدين إلا بالعلم والإلي والبرهان.
وبحسب
القاعدة العامة، وهي ما أوجبه القرآن من تدبر آياته، استطاع
العلماء أن يستنبطوا مفهوم "العلم " وأن يحددوه، وأنه يتعلق
بالأحكام الخاصة بالحقائق التي يتصورها العقل ويمكن الوصول إليها
بأدلته، لتكون أصول النظرة للأشياء، مثل حدوث هذا الكون وإثبات
وجود الله وحقيقة الإنسان ومكانه في هذا العالم.
أما
"المعرفة" فهي تتعلق بالأمور المحسوسة، من علامات ودلائل يمكن
منها الاهتداء إلى وقائع وأحوال للأشياء أو التعرف على الأشخاص
وما قد يكون في نفوسهم.
ولذلك
فإن الآيات التي تنبه الإنسان إلى دراسة هذا الكون وما فيه للاستدلال
على وجود صانعه تشير إلى أنها موجهة لقوم "يعقلون " أو "يتفكرون"
أو "يعلمون " أو "يؤمنون " أو "يوقنون "..... ويستطيع من يشاء
أن يتبين في هذه الألفاظ درجات أو مراحل للتفكير، بداية من ممارسة
الوظيفة الفكرية إلى بلوغ نتائج استعمالها وما يترتب على ذلك
من درجات "العلم والإيمان "، ولا نجد في القرآن أبداً التنبيه
إلى النظر في نظام السماوات والأرض وأنه موجه لقوم "يعرفون ".
أما
مفهوم "المعرفة" فإنه يمكن استخلاصه من آيات مثل، قوله تعالى
في حق الأبرار السعداء في الآخرة: "تعرفهم فى وجوههم نضرة النعيم
" " ( المطففون /24 ) ،أو فى حق الفقراء المتعففين : " تعرفهم
بسيماهم لا يسئلون الناس إلحافاً " ، ( البقرة /273 ) ، وقوله
فى حق الجاحدين لدعوة الإسلام : " تعرف فى وجوه الذين كفروا
المنكر " ،(الحج /72 ) .
ونجد
في القرآن أن مفهوم "العلم " مرادف لمفهوم "الحق "، بمعنى "العلم
الحق"، وكل منهما يقابل مفهوم "الظن " وهذا هو معنى قوله تعالي
في حق "الدهرية" الذين ينكرون وجود الخالق وينسبون الأحداث في
ظهور الحياة والموت إلى الدهر: "وما لهم بذلك من علم إن هم إلا
يظنون " (الجاثية / 45)، وقوله في حق الجاحدين لوجود الله (وما
يتبع أكثرهم إلا ظنا إن الظن لا يغني من الحق شيئاً " (يونس
/36) وهنا مجال للمقارنة بين مصطلح القرآن والمصطلح الذي اهتدي
إليه العقل الذي خلقه الله ، عند الفلاسفة والعلماء قديما وحديثا
.
وإذا
كان هدف الفكر هو الوصول إلى " العلم الحق " فإن منتهى ذلك إلى
" اليقين " وهو ضد الظن ( الجاثية /32 ) ، واليقين إلى جانب
ما فيه من وضوح في الفكر فيه نوع من التجربة النفسية في داخل
الذات (النمل / 14)، وشيء يوصف بأنه "ما وقر في القلب "، أي
استقر بحيث لا تزعزعه الشكوك والأوهام التي لا أساله لها.
ولليقين
درجاته، وهذا قد استخرجه العلماء من استقراء آيات القرآن، فمن
ذلك (علم اليقين "، وهو ما يكون عن إلي نظري، مثل إثبات وجود
الله من النظر في هذا العالم وأن الله قادر على خلق الأحياء
وعلى إحياء الموتى، ومنه "عين اليقين، "، وهو علم ذلك الشيء
بالمعاينة التي يكون معها ثبات العلم في القلب، بحيث يهدأ ويطمئن،
مثل سؤال إبراهيم عليه السلام أن يريه الله " كيف يحي الموتى
".، فأراه ذلك (البقرة/ 262)، ومنه "حق اليقين "، وهو أن يعاني
الإنسان الشيء فيدركه في ذات نفسه، وذلك مثل الرجل الذي استبعد
قدرة الله على البعث فأذاقه الله الموت بالفعل، ثم بعثه فعاش
ذلك في كيانه، وأراه أيضاً بالمعاينة كيف تبعث قدرة الله الحياة
في الكائن الحي الذي كان قد أدركه البلى، (البقرة/ 259).
هذه
هي درجات اليقين من الناحية النظرية العامة، وهي مراتب حقيقية
متمايزة. أما من حيث التفصيل في الحياة العادية للفكر فهناك
يقينيات بعضها يقضي به العقل الذي خاطبه الله وبعث فيه الثقة
بالوصول إلي المعرفة: من ذلك الأوليات البينة بنفسها، وقوانين
عقلنا، وأنواع الاستدلال الذي يقوم على أسس صحيحة للوصول إلى
أحكام صحيحة، وهذا ما يطالبنا به القرآن في آيات كثيرة (يونس/
35، القلم/ 36، الصافات / 4 5 1، الجاثية / 21، الزمر/ 6 ، المائدة/
75)، والقرآن ينبه المفكر لكي لا ينكص، بل يمضي في استخلاص النتائج
من مقدماتها الصحيحة فلا ينحرف إلي الجدال على غير أساس : لقمان/
20)، ولا يتعرض لتناقص في حكمه (ممثلا الأنبياء/ 66- 67، ا لصافات،/
75).
مواقف
القبول، الشك لأجل اليقين:
القرآن يثق في
العقل ويأمره بأن يعمل، ويشير أيضا إلى الشكوك التي أحاطت بآراء
السابقين أن أهل الأديان (النمل/ 66، الشورى/ 44، سبأ/ 54)،
ولما كانت حقائق الإيمان قضايا مطروحة فإن الموقف من أول الأمر
ليس موقف قبول بلا تفكير، والإلي على ذلك أن تبليغ دعوة الإسلام
كان مقترناً بالدعوة إلي النظر في آيات هذا الكون في ضوء آيات
القرآن ، وذلك قد يصل إلي حدود الشك لأجل اليقين.
ويروي
عن الرسول عليه الصلاة والسلام، بمناسبة سؤال سيدنا إبراهيم
عليه السلام الله أن يريه كيف يحي الموتى أنه قال: "نحن أولى
بالشك من إبراهيم ". والشك هنا ليس في قدرة الله على الخلق والإحياء
والإعادة بعد الموت، بل هو شك في معرفتنا بأسرار القدرة وطموح
إلى معرفة كيفية فعلها.
ولذلك
ظهر عند مفكري الإسلام ما يسمى "الشك المنهجي " منذ عصر مبكر
مع نشأة علم أصول العقائد على يد المعتزلة، كما يرى الجاحظ في
كتابه "البيان والتبيين "، إلى أن صار الشك منهجاً مطلوباً،
بسبب كثرة الآراء وتضاربها وضرورة بناء العقائد على أساس متين،
وهذا ما نجده عند الغزالي (ت 5 50 / 11ام) (مثلا في آخر كتابه
"ميزان العمل "، وذلك قبل ديكارت (ت 1650م) بأكثر من خمسة قرون).
مصادر
المعرفة:
بحسب ما جاء
في القرآن من أن حكمة الله اقتضت أن يكون الإنسان خليفة في الأرض
ليعمرها باسمه وإرشاده، فإنه تعالى أعده لذلك من قبل وخلقه "
في أحسن تقويم " وهيأ لرسالته في الأرض، كما سنشرح ذلك في كلامنا
عن الإنسان في القرآن، ثم إنه تعالي تولي الإنسان بالإرشاد
والهداية من أول الأمر (البقرة/ 38، طه/ 123- 124)، وتوالت الرسالات
الإلهية إلى بلوغ نهايتها في رسالة الإسلام.
والإنسان
شأنه شأن كل كائن حي على الأرض، ظهر مزوداً بكل الوسائل اللازمة
لحياته على كوكبه، وهو يزيد على غيره بملكة التفكير المبدع،
على مستوى المعرفة بالكون وما فيه. والقرآن في أكثر من موضع
يذكر الإنسان بما منحه الله من الحواس والعقل (المؤمنون/78،
الملك/23)، ومن ذلك كله تتبين مصادر المعرفة للإنسان.
أولا:
هناك مصادر فوق العادة:
* التعليم الإلهي
على ألسنة الأنبياء، وهو"الوحي" الذي لا غنى عنه للإنسان كما
سنشرح ذلك فيما بعد. والوحي في حقيقته علم، وهو بحسب القرآن
إما أن يلقيه الله في قلب النبي فيعلمه في نفسه وأنه من عند
الله،" على بينه " من ربه. أو يكون كلاماً بلغة إنسانية، فيسمعه
النبي من غير أن يري المتكلم، أو يكون كلاما هو تعليم حقيقي
بواسطة الملك المخصص لذلك .
"
وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل
رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه على حكيم وكذلك أوحينا إليك روحا
من أمرنا ما كنت تدري ما الكتب ولا الإيمان ولكن جعلنه نورا
نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم " ،
( الشورى/ 51 -52).
*
" الإلهام "، لغير الأنبياء، وقد يسمى "العلم اللدني" أي الذي
يأتي من عند الله مباشرة (الكهف / 65)، ويسمى عند الصوفية "الكشف
" أو " الفتح "، وهم يصلون إليه بتزكية النفس فيعلمون حقائق
لا يعرفها غيرهم.
*العلم
المغروز الكامن في النفس البشرية قبل المجيء إلى الدنيا ، وهو
علم بوجود الله (الأعراف/ 172-4 17)، ويمكن إماطة الحجاب عنه
بتزكية النفس على منهاج الشريعة، وسنشرح ذلك فيما بعد.
ثانياً
: مصدر عادي للإنسان بوجه علي ، والعلم هنا، مكتسب بوسائل المعرفة
الحسية والعقلية، وكما أن البشر يعيشون في عالم واحد بوسائل
واحدة فإن ذلك العلم مشترك بينهم.
والقرآن
الكريم جعل من هذا الكون المحيط بالإنسان النقطة الأولى التي
ينطلق منها الفكر بالاستدلال على وجود الله وقيد البشر بالنظر
فيه بوسائلهم المشتركة لكي لا ينحرف تفكيرهم عن الطريق الطبيعي
الذي لا يمكن أن يكون موضوع شك.
المنهج
العلمي لتحصيل المعرفة:
اختلف الفلاسفة
والعلماء في المعرفة:. هل في عقل الإنسان أفكار يولد مزوداً
بها Innate Ideas ؟ وهل تحصل المعرفة بالحواس وإدراكاتها وحدها؟
أم بالعقل وحده، أم بهما معا- هذا معروف في بحوث الفلاسفة في
المعرفة.
أما
القرآن الكريم فهو يؤكد أمرين:
أولا: أن الإنسان
يولد وهو لا يعلم شيئا عن هذا العالم، فعقله يشبه صحيفة غير
منقوشة Tabula Rasa ليس فيها معرفة كما يعبر أنصار المذهب الحسي
التجريبي في المعرفة.
ثانياً:
أن الإنسان يحصل على المعرفة بواسطة حواسه وعقله معا.
( والله أخرجكم
من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة
لعلكم تشكرون " (النحل/ 78).
ولما
كان القرآن يريد إقامة الإيمان على العلم المكتسب بهذه الوسائل
فإنه يحمل الإنسان مسئوليته عنها، وعن النتائج التي يتوصل إليها.
وإذا كانت الآية الكريمة تشير إلى وجوب البعد عن تقليد الغير
في آرائه فإن ذلك يوجب على المؤمن أن يعتمد على ما يعقله ويعلمه
بنفسه، ويوجب عليه أيضاً أن يتعلم كيف،وعلى أي منهج يسير في
تفكيره لكي يصل إلى الغاية المنشودة.
وهنا
يجب أن نلاحظ أن القرآن يعيب الذين لا يبتدئون في نظرهم من دراسة
الواقع لكي يستنتجوا منه، بل يجادلون في الله "بغير علم ولا
هدى ولا كتاب منير" ، (الحج/ 8).
وكذلك
يعيب القرآن أولئك الغافلين الذين لا يستعملون حواسهم وعقولهم
( الأعراف/ 179) والذين يسيرون بحواس وعقول مفتوحة، لكنهم يمرون
بها على آيات السماوات والأرض، " وهم عنها معرضون "(يوسف /105).
أما
مسؤولية الإنسان عن ملكات المعرفة فإن القرآن يؤكدها بقوله.
( ولا تقف ما
ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا
"
( الإسراء/ 36
) .
وفى
أمور المعرفة ووسائلها نجد أن القرآن يخاطب العقل بلغة الواقع
لا بلغة المفهومات المجردة التي قد يجادل فيها البعض، وقد أدرك
بعض العلماء ذوي البصيرة طريقة القرآن وانتفعوا بها ، ومن أصدق
كلامهم ما يقوله أبو الريحان محمد بن احمد البيروني ( ت 440
هـ / 1048 م ) من أن " القرآن لم ينطق فى أمر صورة السماء والأرض
، وفى كل شيء ضروري ، بما يحوج الى تعسف فى التأويل ، فهو الأشياء
الضرورية معها حذو القذة بالقذة ولم يشتمل على ما اختلف عليه
الناس وأيس من الوصول إليه " ( كتاب مقولات الهند ص 132 ) .
ونحن
، وإن كنا نوافق أبا الريحان بوجه عام إلا أننا نوصي بوجوب التأمل
العميق فى لغة القرآن عند كلامه عن الكون لمعرفة الدلالة المباشرة
، وغير المباشرة ، والمستنبطة ، سواء فى اللفظ المفرد او في
القضية والحكم ، وسنري شيئا من ذلك عندما نتكلم عن العالم فى
القرآن ، فالواجب فهم الألفاظ بتطبيقها على وقائع الكون مباشرة
، مع الاجتهاد فى معرفة الوقائع معرفة صحيحة .
وبحكم
طبيعة هذا المنهج الحسي ـ العقلي ، والحض المستمر فى القرآن
على النظر " فى ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء "
( الأعراف /185 ) ، فإن علماء الإسلام ولاسيما المشتغلين بالعلوم
الطبيعية والكونية ، وضعوا أصول المنهج الاستقرائي وفصلوها ن
وأصحاب العلوم النظرية الذين آثروا المنهج العقلي الاستنباطي
في بعض آرائهم ، كالفار أبى وابن سينا ، لم يتجاهلوا منهج الاستقراء
في جوانب من فلسفتهم بل إن من المشتغلين بالعلوم التاريخية والاجتماعية
من أخذ بمنهج الملاحظة والاستقراء لاستخراج قوانين تغير الدول
والحضارات ، كما نجد ذلك على صورة ممتازة عند ابن خلدون .
ثانياً
- الموضوعات الكبرى
في القرآن الكريم
* العقائد.
* السماوات والأرض
وما بينهما.
· السنة الإلهية
في تغير الدول والحضارات.
· الحق والخير
والجمال.
* أخبار الرسل
والأنبياء:
- إبراهيم خليل
الرحمن
- عيسى رسول
الله وكلمته إلى مريم.
العقائد
في
القرآن الكريم مادة غزيرة من المعرفة حول الموضوعات التي تناولها،
ويستطيع من يشاء أن يؤلف منها نظرة كاملة في كل موضوع على حدة.
أولا:
العقائد :
من يقرأ القرآن
ويتدبر آياته يلاحظ أنه إذ جاء يبين العقائد فإنه قد حددها واضحة،
وجعلها موضوعات بحث تقبل فيه الأسئلة بل الاعتراضات ثم يحسم
الخلاف بإلي العقل وبراهينه.
فالذي يريد أن
يدخل في الإسلام يشهد على نفسه بلسانه وفكره بأنه لا إلا الله
وحدة لا شريك له وأن محمداً رسول الله، ثم يلتزم بالعبادات والواجبات
التي فرضها القرآن: إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان،
والحج إلى بيت الله الحرام في مكة إن استطاع إلي ذلك سبيلا.
أما
ما يعتقده المسلم من حقائق الإيمان فهو واضح تماما في أكثر من
موضع، وجامع لحقائق الإيمان التي جاء بها الرسل جميعاً، خصوصا
على أساس ملة إبراهيم الموحد الكامل الذي امتثل لأمر الله وأسلم
له على يقين وصل إليه بفكره (البقرة/ 124 فما بعدها، الأنعام
/ 74-83، الصافات/ 101 فما بعدها).
وهذه
هي أصول العقيدة.
"ءامن الرسول
بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه
ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا
إليك المصير " ( البقرة /285).
(
قل ءامنا بالله وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب
والأسباط وما أوتي موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين
أحد منهم ونحن له مسلمون " ( آل عمران /84 )
والقرآن
يحدد موقفه الاعتقادي بالنسبة لأهل الكتاب منبها إياهم إلى "
ملة إبراهيم " ، الذي يعترفون به جميعاً .
( وقالوا كونوا
هودا أو نصاري تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين
قولوا ءامنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل
وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسي وما أوتي النبيون
من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون " ، ( البقرة /135
/136 ) .
ونحن
قد أشرنا فيما تقدم إلى دعوة القرآن أهل الكتاب إلي الأصل المشترك
بينه وبينهم وجاء به جميع الرسل ، وهو التوحيد وتنقيته من كل
شائبة ( آل عمران /64 ، الأنبياء /25 ) وإلى موقف المفكر المسلم
إزاء موقف المخالفين من أهل الكتاب ، ( الشورى /15) .
والقرآن، في
الوقت الذي ينقد أهل الغلو من أهل الكتاب أو المنحرفين منهم
عما جاء به الوحي، يشيد بما للعلماء والأبرار من فضائل المحافظة
علي ما عرفوا من "كتاب الله " (قوم موسى: المائدة / 44، الأعراف/
159، وقوم عيسى. الحديد/27)، ويذكر علامات الإيمان والخشوع عند
من اتبع الإسلام منهم فآمن على إيمان (الإسراء/107- 109).
وعلي
أساس من تصديق القرآن لما قبله وعدم إكراه أمل الكتاب علي دخول
الإسلام ، وبفضل ضمان حقوقهم وحريتهم وحمايتهم، ازدهرت حياتهم
الدينية والعقلية، وأمكن أن يساهموا في كل مظاهر الحضارة الإسلامية،
على نحو ما شرحناه في الكلام علي أثر القرآن في الحضارة الإنسانية.
الله
تعالي :
لفظ الجلالة:
"الله" هو "اسم العلم" الذي يسمى به الإله الواحد الحق، ولا
يطلق علي،، غيره، خلافاً للفظ "إله " الذي هو لفظ كلي يطلق على
كل ما جعله البشر موضوع تقديس، بحق أو بغير حق.
والله
ليس، كما تخيله بعض الفلاسفة، علة رمزية لهذا العالم وليس لها
فيه خلق ولا تدبير ولا عناية بأي معنى حقيقي لهذه الكلمات، ولا
هو نوع من القوة المعنوية أو العقلية السارية في العالم. بل
هو " خالق كل شيء "و " رب كل شي، ء " بتدبيره وعنايته " رب العالمين
"، له كل صفات الكمال والجلال والجمال والإكرام " والإنعام
، " ليس كمثله شئ مع وهو السميع البصير " (الشورى / 11)، " لا
تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير " ، ( الأنعام
/102)،وهو"ارحم الراحمين " و " أحكم الحاكمين " ( يوسف /64 ،
التين /8 ).
والقرآن
ينظر إلى الكون وكل ما فيه وما وراءه من مخلوقات لأنهاية لها
باعتبار أن ذلك كله صادر عن قدرة الله الذي أبرز الأشياء في
الوجود، على غير مثال سبق أو من مادة أو في زمان أو مكان، وإنما
كل ذلك فعله الإبداعي الأصيل الذي لا يعرف أحد كنهه
ولاكيفيته،لان
أحدا لم يشهد خلق السماوات والأرض ولا يمكنه أن يتصور نوع الفعل
الإلهي .
"
ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ
المضلين عضدا" (الكهف/ 51).
فالله
تعالى أبدع الأشياء بقدرته ، على مقتضى إرادته وعلمه وحكمته،
وأحاط بها علمه ووسعتها رحمته.(الأعراف/ 156، غافر/7)، " بيده
ملكوت كل شيء"، (يس/83)، " له مقاليد السماوات والأرض " ( الزمر
/63 ) " لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض " (
سبا /3 ) ، " بكل شيء عليم " ، حاضر لا نراه ومستور حجبنا عنه
، " يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور "، ( غافر 19 ) ، " يعلم
ما توسوس به النفوس " ،( ق /16 ) " وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها
إلا هو ويعلم ما فى البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها
ولا حبه فى ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا فى كتاب مبين "
(الأنعام /59 )
والله
على كل شئ "رقيب "، "شهيد"، "حفيظ "، "وكيل "، وهو حاضر دائما
مع خلقه بالحفظ والعناية والرقابة. (... ما يكون من نجوى ثلاثة
إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدني من ذلك ولا أكثر
إلا هو معهم..." ، (المجادلة / 7).
والقرآن
يؤكد أن الإيمان بالله الواحد الحق وبكل صفاته التي أكدها له
هو جوهر الدين الحق، فلا دين ولا إيمان بغير ذلك، والأدلة على
وجود الله ووحدانيته موجودة في القرآن
أدلة
القرآن على وجود الله :
لما جاء القرآن
يدعو إلى الإيمان بالله لم يكن ذلك مجرد خبر أو موعظة، بل هو
رسم الطريق لمعرفة الله. ومن كلام القرآن عن هذا العالم وما
فيه من حجاج القرآن وجداله مع الجاحدين، وكذلك مما جاء فيه أن
أخبار الأنبياء وما أشار إليه من موقف الإنسان بين الإيمان
والكفر ،استخرج العلماء أنواعاً من الأدلة، وهي متمايزة ومنفصلة
عن أدلة غيرهم من علماء أصول العقائد ومن الفلاسفة في الإسلام.
دليل
الصنع والإتقان:
لما كان القرآن
قد انفرد بين الكتب المنزلة بكلام شامل ومفصل أحيانا عن هذا
الكون ونظامه وإحكام صنعه وعن خلق الإنسان وسائر الكائنات الحية،
من شتى الوجوه فإن علماء الإسلام استخلصوا من ذلك كله دليلاً
على وجود الله يسمى "دليل الصنع والإحكام " أو "دليل الإتقان
"، اهتداء بقول الله تعالى عما خلق أنه "صنع الله الذي أتقن
كل شئ "، (النمل/88)، وتفصيل هذا الدليل أخذ صورة "الدليل الغائي
" Teleological Argument عند الفلاسفة، لأنه يبرز ما في هذا
العالم من ارتباط الأشياء بعضها ببعض، بحيث يتألف منها نظام
من وسائل وغايات ويصلح بها وجود "الكل " وحياة ما فيه من مخلوقات،
خصوصا الإنسان، بحكم مكانه الرئيسي في هذا الكون الذي نراه.
ومن
يتدبر آيات القرآن فإنه يستطيع أن يلاحظ منهجه في الإرشاد إلى
طريق الدليل وقد نجده يضع قضية الإيمان تتم يتكلم مباشرة عن
نظام الكون وينته العقل لكي يمارس وظيفته.
" وإلهكم إله
وحد لا إله هو الرحمن الرحيم إن في خلق السماوات والأرض واختلاف
الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما
أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها
من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض
لأيات لقوم يعقلون " ( البقرة /163 ـ 164 ) . قارن أيضا السورة
نفسها ( 21 ـ 24 ، وعبس /24 ـ 32 )
ولنلاحظ
ما في الآية من تنوع الموضوعات وترابطها من أعم ما يمس نظام
الكون فى جملته إلى موضوعات جزئية تمس حياة الإنسان .
وقد
يذكر القرآن أولاً كثيراً من آيات الصنع ودلائل القدرة والعناية
على مستوي نظام السماوات والأرض وحياة الإنسان ، وفى أثناء ذلك
يأمر باستعمال ملكات المعرفة لكي يصل العقل إلى المقدمات إلى
النتيجة لأنه بعد ذلك يقول " فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله
التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن
أكثر الناس لا يعلمون " ( الروم /17 ـ 30 )
وعلى أساس كلام
القرآن عن الكون وعجائبه صاغ علماء الإسلام كالمطهر المقدسي
فى كتابه " البدء والتاريخ " والكندي فى كتابه " الإبانة عن
العلة الفاعلة …. " الدليل الغائي فى عبارات منفصلة يمكن ذكرها
للمقارنة بإزاء ما كتبه علماء العقائد المسيحية ( توماس الاكويني
) والفلاسفة ( kant ) ، وهذا فضلاً عما ألفه علماء الإسلام
من كتب مثل " الحكمة فى مخلوقات الله " للغزالي و " حياة الحيوان
" للدميري .
دليل
جدلي منطقي :
فى القرآن آيات
قصيرة نجد فيها تحليلاً للمشكلة ، في مواجهة الجاحدين لوجود
الله ، وهي قوله : " أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون أم
خلقوا السماوات والأرض بل لا يوقنون .... أم لهم إله غير الله
سبحان الله عما يشركون " ( الطور /35 ـ 36 ، 43 ) .
وهذه
هي الاحتمالات الممكنة :
ـ أن تكون هذه
المخلوقات قد ظهرت في الوجود من غير علة ـ هذا يرفضه العقل .
ـ أن تكون المخلوقات
أحدثت نفسها ـ هذا يرفضه العقل ، لما فيه من تناقض .
- لو فرضنا أن
بعض المخلوقات أحدث بعضاً، فمن الذي أوجد نظام الكون كله بسماواته
وأرضه وإذن، فلا بد من خالق حق.
تغير
الأشياء ودلالته على وجود الله:
في القرآن آيات
كثيرة تتحدث عن إبراهيم عليه السلام، وتدل على أنه كان مفكراً
يستعمل عقله ويجادل قومه الذين يعبدون الأصنام، ومن ذلك آيات،
تحكي تأمله نظام السماء بحثاً عن إله، فيلاحظ أن أجرامها، من
كواكب وقمر وشمس، كلها تظهر ثم تغيب، ولا ثبات لأحوالها، فلا
يرضى بإله تتغير أحواله، ويرتفع فكره إلي تعليل نظام الكون في
جملته فيقول. " إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا
وما أنا من المشركين "
( الأنعام /74
ـ 79 ) .
استخرج
العلماء من ذلك دليلاً على وجود الله سموه "طريق إبراهيم "،
وهو يتلخص في أن تغير الأشياء يدل على حدوثها وضرورة وجود محدث
لها يشبهها ولا يتغير. ونجد تطبيقاً لطريق إبراهيم على موضوعات
أخري: تطور الإنسان وتنقله في مراحل الخلقة قبل أن يولد وفي
مراحل العمر طول حياته، مع علمه بأنه لم يوجد نفسه، ولا يمكنه
التحكم في تطور أحواله، مما يدل على خالق خلقه، وهو الذي وضع
قانون وجوده، وهو الذي ينقله من حال إلي حال (كتاب اللمع....
لأبي الحسن الأشعري )، (ت 324 هـ/ 935 م)،
علي
أن في محاجة إبراهيم لقومه نوعاً من دليل "المراهنة" الذي اشتهر
في الجدال مع المنكرين منذ أيام الفيلسوف الفرنسي بسكال، Pascal(ت
1669 م)، ولهذا الدليل أمثلة عديدة في آيات القرآن وعند علماء
مسلمين (بحث المستشرق الإسباني بلاثيوس في palacios حول سبق
المسلمين لدليل المراهنة عند بسكال .
ولما
أراد الجاحدون أن يجادلوا إبراهيم ويخوفوه من آلهتهم قال لهم"
وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل
به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين
ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون
وتلك حجتنا ءاتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن
ربك حكيم عليم ( الأنعام /81 ـ 83 ) .
دليل
الاضطرار والافتقار:
علي أن في القرآن
آيات كثيرة تتحدث عن حال الإنسان وشعوره عندما تحيط به الأخطار
المهلكة في البر والبحر، فهو عند ذلك لا يلجأ إلى شيء مما يحيط
به إلي من يؤمن في قرارة نفسه بأن في يده قوى الطبيعة. ولنلاحظ
أن هنا ذلك الإيمان المتأصل في النفس ولا يظهر إلا عند الشدة
وزوال أنواع الشكوك المتكلفة والمكابرة والغرور بالآراء الزائفة،
فعند ذلك تتكشف الفطرة عما فيها إيمان بالخالق، وهذا الدليل
يسمى "دليل الاضطرار والافتقار)، وقد أخذه العلماء من آيات القرآن،
(يونس/2 1، الإسراء/66- 67، الروم/33، الزمر/ 8- 49). وللدليل
صورة مفصلة عند المطهر المقدسي في كتابة الذي تقدم ذكره.
الموعظة،
المراهنة الأمثال:
وفي
القرآن آيات كثيرة تدعو إلى الإيمان بالموعظة الحسنة استخلص
منها العلماء أدلة إقناعيه فيها شيء مسن التفكير المنطقي ومن
روح "المراهنة" الذي تقدمت الإشارة إليه، نجد ذلك في غافر/28-
33، يس/ 0 2- 24.
أما
"الأمثال " في القرآن فهي لغة خاصة لتقريب ما هو معنوي ومعقول
إلى الفهم من طريق التعبير بما هو محسوس، وهي في القرآن كثيرة،
ولها تأثير عظيم في الدعوة إلي الإيمان، فمنها ما يصور حال
من يتخذ إلهاً من دون الله بأنه: " كمثل العنكبوت اتخذت بيتا
وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون " ( العنكبوت
/41 ) .
والأمثال
قد تصور أعمال الجاحدين لوجود الله بأنها، حتى لو كانت حسنه،
تذهب هباء
لا يجدون بسبب
جحودهم المتعمد من يجازيهم عليها، فهي ( كرماد اشتدت به الريح
فى يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شيء ذلك هو الضلال البعيد
" ، ( إبراهيم /18 ) ،أو تصف ما يرجونه من ورائها بأنه: " كسراب
بقيعة يحسبه الظمئان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا " ، أو
أن حياتهم وأعمالهم البعيدة عن الحق والخير والعدل " كظلمات
فى بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها
فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا
فما له من نور "( النور /39 ـ 40 )
هل
يمكن أن يكون هذا المثل من وضع أحد في مكة ؟ إنه يصور عاصفة
شتاء في محيط بعيد الغور في ليلة شتاء مظلمة، فأين خيال أي
عربي، وهو في جزيرته، من تخيل هذه الصورة الهائلة الرائعة ؟
وقاري
القرآن بعقل وروح متفتحة للحقائق إذا هو تدبر الآيات ودرس ما
فيها حول نظام الكون وتأمل ما في القرآن من شريعة وأخلاق وآداب
وطبقها علي أمور الحياة فإنه لا بد أن يؤمن بوجود الله وحكمته
وأن يمتلئ قلبه بالرهبة والإجلال لله، ولذلك يقول الله عن كتابه
الكريم:
( لو أنزلنا
هذا القرءان على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله وتلك
الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون " (الحشر/ 21).
الحقيقة
الإلهية وتعاليها فوق إدراك المخلوقات:
إذا كان الله
تعالى، بحسب محكم آيات القرآن "ليس كمثله شئ" (الشورى/ 11)،
فهو متعال عن إدراك مخلوقاته، "ولا يحيطون به علما "، (طه/ 110)،
وإنما يعرفونه بدلائل صنعه في الكون وفي أنفسهم، وبعد ذلك يجتهدون
وتنزيهه ومعرفة صفاته بالاستدلال من مخلوقاته من غير تشبيه لصفاته
بصفات المخلوقات. وهذا ما نجده في القرآن الكريم، فهو، حتى مع
وجود السؤال والمناسبة، لا يتكلم عن "الماهية" الإلهية ولا عن
ذات الله المنفردة بما هي عليه، أعني "الهوية"، أي عندما نسأل
ونقول: من؟ لمعرفة ذاتية من نسأل عنه.
ففي،
القرآن أن فرعون سأل موسى: " وما رب العلمين"؟، (الشعراء/23-
28)، ويسأله أيضاً: " فمن ربكما يموسى" ؟، (طه/ 49- 54). ففي
الحالين كانت الإجابة بذكر دلائل الخلق والتدبير والعناية بالإنسان.
وعلى
أساس هذه الآيات يتبين أنه لا سبيل إلى الكلام عن "حقيقة" ذات
الله.تعالى، ولا عن " الهوية" أعني الحقيقة المخصوصة المتميزة
له، ولذلك ذهب العلماء إلى أن ذات الله لايمكن إدراكها ولا تعريفها
بالمعنى المنطقي، وإنما يمكن، بعد قيام الدليل على وجود الله
ووحدانيته وتنزيهه، أن يكون الكلام عنه بذكر آيات صنعه المحكم
واستنتاج ما يمكن من صفاته التي يدل عليها الصنع، ولكن صفاته
أوسع بما لا يقاس مما ندركه نحن في عالمنا، لأنه أحد العوالم
الكثيرة التي، خلقها الله.
ومن
أجل هذا كله الذي تشهد به آيات القرآن (مثلا يونس/ ه، الرعد
/ 2،الروم / 40، 48، 54)،فإن الله تعالى بعد أن تعرف إلى عباده
بما يشاهدونه " في الآفاق وفي أنفسهم ". عرفهم بما له من صفات
الكمال والجلال التي لا تخطر على بالهم، ومن أمثلة ذلك قوله
تعالي :
" الله لا إله
إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنه ولانوم له ما في السماوات وما
في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم
وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات
والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم(البقرة / 255).
وقوله
:
" هو الله الذي
لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم هو الله
الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز
الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون هو الله الخلق الباريء
المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو
العزيز الحكيم (الحشر 22/24).
وأسماء
الله وصفاته في القرآن بما لا يقاس من صفاته في كل كتب الأديان
أو الفلسفة، والقرآن يؤكدها دائما في فواصل آياته، ومنها استخلص
العلماء "أسماء الله الحسنى"، والقرآن يرشد المؤمنين أن يدعوه
بها، "ولله الأسماء الحسني فادعوه بها " (الأعراف/ 180
وقد
شرح العلماء أسماء الله وصفاته وصنفوها أنواعاً من التصنيف علي
أسس متنوعة:ما يخص ذات الله وما يخص علاقاته بالمخلوقات، ونحن
لا نعرف أن أسمائه إلا ما تتسع له عقولنا، ولا شك أن له أسماء
وصفات تليق بجلاله وكماله الذي لا نهاية له ، ولله (الاسم الأعظم
" الذي يعرف به من يشاء من عباده.
إيمان
الفطرة :
أشرنا فيما تقدم
إلى أن الإيمان بالله فطرة أصلية، هو " فطرة الله التي فطر الناس
عليها "، (الروم/ 30). وفي الحديث الصحيح أن " كل مولود يولد
على الفطرة، أي على الإيمان بالله وتوحيده. " ثم إن أبويه يهودانه
أو ينصرانه أو يمجسانه....)، ولكن في القرآن آيات تدل على أن
أرواح بني آدم عرفت خالقها في عالم سابق، وأن الإيمان به بمثابة
"عهد" أو "ميثاق " أخذه الله على بني آدم وهم أرواح مجردة، وفي
"عالم الذر"، كما يعبر العلماء، أي أشبه بذرات روحانية، وهذا
هو قوله في القرآن:
"
وإذ أخذ ربك من بنى ءادم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم
ألست بربكم قالوا بلي شهدنا أن تقولوا يوم القيمة إنا كنا عن
هذا غافلين * أو تقولوا إنما أشرك ءاباؤنا من قبل وكنا ذرية
من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون * وكذلك نفصل الأيات ولعلهم
يرجعون " ( الأعراف /172 ـ 174 ) .
الآيات
واضحة، فالله تعالى خاطب الأرواح، وهي بطبيعتها تعقل وتعي. وبصرف
النظر عن تنوع آراء المفسرين فما كيفية ذلك الخطاب فإن الآيات
تدل على أن الأرواح جميعاً أجابت وشهدت على أنفسها بالإيمان،
عن معرفة مباشرة، وذلك بقولها: "بلى: شهدنا".
وفي
الآيات إشارة إلى أن ذلك الإيمان ستغمره حجب الوجود في الدنيا
وتأثير ثقافة المجتمع، وخصوصاً عدم التفكر في هذا العالم الذي
هو الدليل على وجود الله"، وكذلك تشير الآيات إلي تأثير التقليد
ومتابعة الآباء والأسلاف من غير تفكير، ولا ننسى أن القرآن في
مواضع عديدة يحارب التقليد والجمود على آراء السلف، ويبعث العقول
على التفكير المستقل (مثلا البقرة / 170، لقمان/ 21، 1لزخرف/
22- 24).
والمهم
أن الصوفية، وخصوصا الشعراء منهم، تنبهوا إلي ما تشير إليه الآيات،
وأن الإيمان بالله كامن في أعمال النفس البشرية، فأرادوا إماطة
الحجاب، عنه بتزكية النفس وإزالة مختلف الحجب، حتى تشعر الروح
بذلك الإيمان مباشرة، وهم في ذلك لا يتجاهلون طريق المعرفة الاستدلالية
من النظر في الكون، لكنهم أرادوا أن يكون الإيمان، بعد حكم العقل،
ذوقاً للروح، وهم في أشعارهم يذكرون آية الميثاق. ومن ذلك قول
الشاعر الفارسي سعيد الشيرازي (689 هـ/ 1291 م) يصف القوم وهم
في ذكرهم لله تهتز أرواحهم بالإجابة عن سؤال " ألست بربكم"،
وهذه ترجمة كلامه:
هم
في ذكرهم للحق هاربون من الخلق سكارى من الساقي حتى أنهم
أراقوا الشراب
"الست " من الأزل
في آذانهم حتى أنهم وهم في وجدهم يقولون : بلي
ويري
أحد علماء الصوفية ، وهو نجم الدين الكبرى في كتابة " فوائح
الجمال وفواتح الجلال " أن المعرفة بالله تعالى مثل الخط المكتوب
على لوح وقع عليه الغبار فاختفى، فإذا أزيل عنه الغبار ظهرت
الكتابة. فإذا زكى الإنسان نفسه وطهر قلبه تجلت له تلك المعرفة
الكامنة.
صفات
الله: الوحدانية :
كانت آيات القرآن
بما اشتملت عليه من كلام متنوع على ذات الله وصفاته وأفعاله
سببا في أن البحث في ذلك تنوع وتشعب، ومن ذلك بحوث نظرية في
الصفات الإلهية من حيث إنها أوصاف لها علاقة بالذات ،وذلك بقصد
تحديد مفهوم الألوهية، عندما حدثت المواجهة بين مفهوم الألوهية
والتوحيد في الإسلام وبين مختلف التصورات في المذاهب الدينية
والفلسفية.
والمقام
لا يتسع للدخول في تفاصيل الآراء التي يجدها من يشاء في كتب
"علم أصول العقائد"، ونكتفي بتأكيد القول بأن الإيمان في الإسلام
استقر على أن الله وأحد في ذاته وصفاته وأفعاله، لا يشاركه غيره
في ذلك، ونظراً لوجود مذاهب دينية أو فلسفية تشوش التوحيد والتنزيه
فإن القرآن عني بإثبات التوحيد في آيات صارت مصدراً للأدلة بحسب
روحها العامة، وهي:
"لو كان فيهما
ءالهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون " ، (
الأنبياء /22 )
"ما
اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق
ولعلا بعضهم علي بعض سبحان الله عما يصفون "، (المؤمنون/ 91).
"
قل لو كان معه ـ ءالهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش
سبيلا " ، (الإسراء/ 42).
وهذه
الآيات تدل بوضوح على أن القول بتعدد الآلهة يؤدي إلى فساد .