|
في الحضارة المادية المعاصرة للأستاذ الدكتور / يوسف
القرضاوي
لكل حضارة جسم وروح، كالإنسان تماما، فجسم الحضارة يتمثل في منجزاتها المادية من العمارات والمصانع والآلات، وكل ما ينبىء عن رفاهية العيش ومتاع الحياة الدنيا وزينتها. أما روح الحضارة فهو مجموعة العقائد والمفاهيم والقيم والآداب والتقاليد التي تتجسد في سلوك الأفراد والجماعات وعلاقاتهم بعضهم ببعض، ونظرتهم إلى الدين والحياة، والكون والإنسان، والفرد والمجتمع. والحضارات الكبرى التي عرفها تاريخ البشرية تتفاوت فيما بينها في موقفها من المادية والروحية، فمنها مايغلب عليه الجانب المادي، ومنها ما يغلب عليه الجانب الروحي، ومنها ما يسوده التوازن بينهما. والحضارة التي تسود عالمنا اليوم هي (الحضارة الغربية) وهي حضارة لها مزاياها التي لا تنكر، من ناحية احترام حرية الإنسان وخاصة داخل أوطانها، وإطلاق حوافزه وطاقاته، حتى استطاع أن يطوع (الطبيعة) لخدمته ويفجر الذرة لمصلحته، وأن يحلق في الهواء كالطير، ويغوص في البحر كالسمك، وينطلق في الأرض كالمارد . كما استطاع أن يصنع ذلك الجهاز العجيب الذي وفر للإنسان وقته وجهده الذهني، وهو (الحاسوب) أو الحاسب) و الحافظ (الكومبيوتر)، وإنما فعل ذلك كله بفضل العلم الذي اكتشف قوانينه، وأحسن استخدامه وتطبيقاته (التكنولوجية) مع حسن إدارة وروعة تنظيم، وإحكام رقابة وتوجيه. وبهذا ستطاع الفرد العادي أن يعيش في مستوى من الرفاهية يحسده عليه ملوك العصور السابقة، الذين لم يكونوا يجدون ما يقاومون به شدة الحر ولا قسوة البرد، كما يجده الإنسان الآن من أجهزة التكييف، وآلات التدفئة. وما تيسر له من الأدوات الأتوماتيكية التي تدار أو توقف بمجرد الضغط على زر صغير، فيضاء الظلام ، و يطهى الطعام، أو يسخن البارد، أو يبرد الحار أو يقرب البعيد، أو ينطق الحديد. ورغم هذه الإنجازات المادية الضخمة، يقول الواقع: إن هذه الحضارة لم تهىء لأهلها السعادة المنشودة ، أو السكينة المرجوة، إنها جسم فيل له روح فأر! أجل إن عيب الحضارة المعاصرة ما يتغلغل في أعماقها من (المادية النفعية) التي جعلتنا نقول :! إنها روح الحضارة الغربية، وأساس فلسفتها والطابع العام لها، وجوهر فكرها الذي يميزها. الجميع يشعرون بخطر المادية
المحدق:
يستوي في ذلك العلماء والأدباء،
والفلاسفة والمفكرون، والسياسيون والإداريون.
يقول الكسيس كاريل في كتابه
الشهير (الإنسان ذلك المجهول):
لقد أهمل تأثير المصنع على الحالة الفسيولوجية والعقلية للعمال، إهمالا تاما عند تنظيم الحياة الصناعية . إذ أن الصناعة العصرية تنهض على مبدأ: "الحد الأقصى من الإنتاج بأقل التكاليف " حتى يستطيع فرد أو مجموعة من الأفراد أن يحصلوا على أكبر مبلغ مستطاع من المال. وقد اتسع نطاقها دون أي تفكير في طبيعة البشر ا الذين يديرون الآلات. ودون أي اعتبار للتأثيرات التي تحدثها طريقة الحياة الصناعية التي يفرضها المصنع على الأفراد، وأحفادهم.... " . "يجب أن يكون الإنسان مقياسا لكل شىء، ولكن الواقع هو عكس ذلك، فهو غريب في العالم الذي ابتدعه ، إنه لم يستطع أن ينظم دنياه بنفسه، لأنه لا يملك معرفة عملية بطبيعته.. ومن ثم فإن التقدم الهائل الذي أحرزته علوم الجماد على علوم الحياة هو إحدى الكوارث التي عانت منها الإنسانية.. فالبيئة التي ولدتها عقولنا واختراعاتنا غير صالحة لا بالنسبة لقوامنا ولا بالنسبة لهيئتنا.، إننا قوم تعساء، ننحط أخلاقيا وعقليا.. إن الجماعات والأمم التي بلغت فيها الحضارة الصناعية أعظم نمو وتقدم هى على وجه الدقة، الجماعات والأمم الآخذة في الضعف، والتي ستكون عودتها إلى البربرية والهمجية أسرع من عودة غيرها إليها . ولكنها لا تدرك ذلك، إذ ليس هناك ما يحميها من الظروف العدائية التي شيدها العلم حولها.. وحقيقة الأمر أن مدنيتنا مثل المدنيات التي سبقتها، أوجدت أحوالا معينة للحياة من شأنها أن تجعل الحياة نفسها مستحيلة. وذلك لأسباب لا تزال غامضة.. إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية... " "إننا لن نصيب أية فائدة من زيادة عدد الاختراعات الميكانيكية. وقد يكون من الأجدى أن لا نضفي مثل هذا القدر الكبير من الأهمية على اكتشافات الطبيعة والفلك والكيمياء. فحقيقة الأمر أن العلم الخالص لا يجلب لنا مطلقا ضررا مباشرا ولكن حينما يسيطر جماله الطاغي على عقولنا، ويستعبد أفكارنا في مملكة الجماد، فإنه يصبح خطرا. ومن ثم يجب أن يحول الإنسان اهتمامه إلى نفسه وإلى السبب في عجزه الخلقي والعقلي. إذ ما جدوى زيادة الراحة والفخامة والجمال والمنظر وأسباب تعقيد حضارتنا إذا كان ضعفنا يمنعنا من الاستعانة بها فيما يعود علينا بالنفع؟ حقا إنه لمما لا يستحق أي عناء أن نمضي في تجميل طريق حياة تعود علينا بالانحطاط الخلقي، وتؤدي إلى اختفاء أنبل عناصر الأجناس الطيبة "ويقول البروفسور (رينيه دوبوا في كتابه المترجم بعنوان (إنسانية الإنسان) : نحن ندعي أننا نعيش في عصر العلم. إلا أن الحقيقة هي أن الميدان العلمي كما يدار الآن، ليس فيه توازن يسمح للعلم بأن يكون ذا فائدة تذكر في إدارة أمور الإنسان. لقد جمعنا جسما هائلا من المعلومات حول المادة، وتقنية قوية لضبط واستغلال العالم الخارجي.. ومع ذلك لا يزال جهلنا واضحا بالآثار التي قد تنتج عن اللعب بمهاراتنا هذه. ونتصرف في غالب الأحيان وكأننا آخر جيل يعيش على هذه الأرض. لقد اكتسبنا معلومات كثيرة عن آلية الجسم، وبعض المهارة في ضبط تفاعلاته وتصليح عيوبه، ولكن بالمقابل، نحن نكاد لا نعلم شيئا مطلقا عن الطرق التي يحول بها الإنسان قابلياته الموروثة ليهندس بها شخصيته الفردية، فبدون هذه المعلومات لن تفيد الاختراعات الحديثة- التقنية والاجتماعية- الأهداف الإنسانية. إن الحياة الشاذة التي يعيشها عامة الناس الآن تخنق وتعطل التفاعلات الحيوية الضرورية لسلامة الإنسان العقلية، ونمو الإمكانات الإنسانية. إن كل المفكرين قلقون على مستقبل الأبناء الذين سيقضون حياتهم في بيئات اجتماعية ومحيطية سخيفة عابثة باطلة، نخلقها نحن لهم بدون أي تفكير. وأكثر ما يزعج هو علمنا بأن الخصائص العضوية والفكرية للإنسان تخططها اليوم البيئات الملوثة، والشوارع المتراصة والأبنية الشاهقة، والخليط الحضري المتمرد، والعادات الاجتماعية التي تهتم بالأشياء ، وتهمل البشر . الإنسان العصري قلق حتى ولو كان في زمن السلم وفي جو البحبوحة الاقتصادية لأن عالم التكنولوجيا الذي يشكل محيطه المباشر، والذي فصله عن عالم الطبيعة الذي تطور الإنسان فيه أصلا، فشل- أي عالم التكنولوجيا-. في توفير حاجات الإنسان الأساسية التي لم تتغير ولم تتبدل. ومن نواح كثيرة يشبه إنسان العصر "الحيوان البري " الذي يقضي حياته في حديقة الحيوانات فالإنسان الآن كهذا الحيوان.. يتوفر له الغذاء الكافي والحماية الكافية من القسوة. ولكنه يحرم من المثيرات الطبيعية الأساسية للعديد من وظائفه الجسدية والفكرية. فإنسان اليوم ليس فقط غربيا عن أخيه الإنسان وعن الطبيعة بل الأهم بكثير هو أنه غريب معزول عن أعماق ذاته . منذ. قرنين تقريبا والإنسان الغربي يعتقد أن خلاصه سيأتي عن طريق الاكتشافات التكنولوجية، ولا جدال في أن المكتشفات التكنولوجية زادت من غناه المادي وحسنت صحته العضوية.. إلا أنها لم تجلب له بالضرورة الغنى والصحة اللذين يولدان السعادة . وتواجهنا العلوم المادية بتناقضات لا حلول لها عندما نحاول فهم حدود الفضاء، أو بدايات الزمن، أضف إلى ذلك أن الإنجازات العلمية تثير- بصورة عامة- مسائل أخلاقية يعتبرها كثير من العلماء خارج نطاق كفاءتهم ، ويشيرون إلى أن العلم والتكنولوجيا أدوات ووسائل ليس لها أخلاق، ويمكن استعمالها لخير البشرية أو لدمارها. والاعتقاد بأن العلم قادر على حل أكثر المشاكل العلمية أمر يكذبه الوعي المتزايد بأن تكنولوجيا العلم تثير مشاكل جديدة في محاولاتها لحل المشكلات القديمة . وإذا سمح للتكنولوجيا بالنمو دون مراقبة مناسبة، فقد تصبح قوة مخربة تؤثر على العلاقات الدقيقة التي بنيت عليها المدنيات في الماضي. وكما تنبأ الكاتب الإنكليزي (أ. م فورمستر) في كتابه "توقف الآلة":- ستسير التكنولوجيا قدما.. ولكن ليس على خطوطنا التي رسمناها لها. وستتقدم ولكن ليس نحو أهدافنا وأكثر المسائل التي تثيرها التكنولوجيا- أساسا- اجتماعية سياسية اقتصادية أكثر مما هي علمية في طبيعتها. أضف إلى ذلك أن التكنولوجيا غير قادرة- نظريا- على التهرب من الرقابة البشرية، إلا أنها في الواقع تسير في طريق مستقل لسبب بسيط ، هو أن مجتمعاتنا لم تضع بعد توجيهات وضوابط للتحكم فيها بالأسلوب الفعال المناسب. وكل المجتمعات المتأثرة بمدنية الغرب تتبع "توراة التنمية" كعقيدة. وتدور في دائرة تشبه (حلقات ذكر الدراويش). وتقول هذه "التوراة": "أنتجوا أكثر، لكي تستهلكوا أكثر، ثم لكي تنتجوا أكثر. ولا يحتاج الإنسان لكي يكون عالم اجتماع حتى يدرك أن هذه هي فلسفة مريضة، مجنونة، فلن يستطيع تسارع النمو الاستمرار طويلا. فضلا عن الاستمرار الدائم إلى ما لا نهاية. والواقع أن هذا النمو قد يتوقف في فترة أقصر مما يتوقعه الوعي النامي بين جمهور المثقفين، والذي يعتقد أن التكنولوجي بدون ضوابط يضر بصفات "الكيف) لحياة الإنسان. وفي حديث بعنوان "هل تستطيع أميركا التغلب على خرافة النمو"؟ كان سكرتير وزارة الداخلية استيوارت. ل. أودال) شجاعا عندما قال: "إنه من السهل اعتبار أميركا التي صنعها الإنسان.. كارثة على مستوى القارة ". لقد ذكر (أودال) مستمعيه: "إننا نملك أكبر عدد من السيارات وأسوأ ساحات (الخردة) بالمقارنة لأية دولة أخرى في العالم! نحن أكثر سكان العام تنقلا ونتحمل أكبر قدر من الازدحام! ونولد أكبر قدر من العلاقة! وفي أجوائنا أكثر الهواء تلوثا في العالم "! ولقد نقل عن رئيس بلدية (كليفلند) قوله مازحا: "إذا لم نكن واعين فسيذكرنا التاريخ على أساس أننا الجيل الذي رفع إنسانا إلى القمر.. بينما هو غائص إلى ركبتيه في الأوحال والقاذورات "!! ويقول الدكتور "هنري لنك " طبيب النفس الأمريكي الشهير، معارضا للذين ينكرون الإيمان بالغيب، باسم العلم واحترام الفكر، مبينا أن العلم وحده لا يستطيع أن يحقق للإنسان أسباب السعادة الحقة: "والواقع أنه يوجد الآن في كل ميدان من ميادين العلم من الظواهر ما يؤجج شعلة ذلك الضلال، وأعني به تعظيم شأن الفكر، ومع ذلك كان علماء النفس هم الذين توصلوا إلى أن الاعتماد المطلق على التفكير فحسب، كفيل بهدم سعادة الإنسان، وإن لم يقوض دعائم نجاحه. ثم إن إماطة اللثام عن هذا الاكتشاف لم تتم إلا عن طريق تجارب هؤلاء العلماء مع الناس، واختباراتهم العلمية التي أجروها على الآلاف، وبقي أن أقول: إن الوصول إلى هذه المكتشفات قد تم بالنسبة لعلاقتها بطرق التعلم والدين، والشخصية وفلسفة الحياة عموما. فلن نهتدي إلى حل شاف لمشكلات الحياة العويصة، ولن ننهل من مورد السعادة عن طريق تقدم المعلومات،- المعرفة العلمية وحدها. فارتقاء العلم معناه ازدياد الارتباك واضطراد التخبط، وما لم يتم توحيد هذه العلوم كلها تحت راية حقائق الحياة اليومية الواضحة وإخضاعها، فلن تؤدي هذه العلوم إلى تحرير العقول التي ابتدعتها وابتكرتها، بل ستقود حتما إلى انهيار هذه العقول وتعفنها. كما أن هذا التوحيد لابد أن يأتي عن طريق آخر غير طريق العلم، وأعني به طريق الإيمان . أما الفلاسفة والمفكرون الذين حذروا من مادية الحضارة الغربية، وإغراقها في الآلية الصناعية، فهم كثيرون..من ذلك تحذير الفيلسوف الأمريكي الشهير (جون ديوي) الذي قال: إن الحضارة التي تسمح للعلم بتحطيم القيم المتعارف عليها، ولا تثق بقوة هذا العلم في خلق قيم جديدة.. لهي حضارة تدمر نفسها بنفسها! ومنهم المفكر الكبير، المؤرخ البريطاني المعاصر "توينبي " إذ يقول : "لقد أغرت فنون الصناعة ضحاياها، وجعلتهم يسلمونها قياد أنفسهم ببيعها "المصابيح الجديدة" لهم مقابل "المصابيح القديمة" لقد أغرتهم فباعوها أرواحهم وأخذوا بدلا منها "السينما" و "الراديو" وكانت نتيجة هذا الدمار الحضاري الذي سببته تلك "الصفقة الجديدة" إقفارا روحيا وصفه أفلاطون بأنه "مجتمع الخنازير" ووصفه الدوس هكسلي بأنه "عالم زاه جديد . "ويأمل توينبي في نهاية البحث بأن خلاص الغرب لا يكون إلا بالانتقال من الاقتصاد إلى الدين، ولكنه لا يخبرنا كيف سيتم هذا الانتقال، وإنما يؤكد قائلا: "إن الغربي يستطيع بواسطة الدين أن يتصرف تصرفا روحيا يضمن سلامته بالقوة المادية التي ألقتها بين يديه ميكانيكية الصناعة الغربية". ولعل أحدث رجال الفكر من نقاد الحضارة الغربية المادية، ومن أهلها هو المفكر الفرنسي الشهير (روجيه جارودي) الذي انتهى به نقده للحضارة الغربية إلى هداية الإسلام، ولنستمع إليه يقوله في محاضرة له في جامعة قطر منذ ثلاث سنوات: "بفضل تخصيص 600 بليون دولار سنة 1982م للإنفاق على التسلح أصبح كل ساكن من سكان الأرض تحت تهديد ما يعادل أربعة أطنان من المتفجرات، وصارت الموارد والثروات في نفس السنة موزعة بشكل أدى إلى هلاك 50 مليون نسمة في العالم الثالث بسبب المجاعة وسوء التغذية ومن الصعب أن نسمي ذلك المسار التاريخي الذي سلكته الحضارة الغربية تقدما، والذي أصبحت على أثره، ولأول مرة في تاريخ الملحمة الإنسانية الذي يمتد على مدى مليوني أو ثلاثة ملايين سنة قادرة تقنيا على محو كل أثر للحياة الاجتماعية على وجه البسيطة. على الصعيد الاقتصادي يسود مفهوم النمو، أي تلك الرغبة العمياء في زيادة الإنتاج أكثر فأكثر، بسرعة متزايدة ، وإنتاج أي شيء صالحا كان أو غير صالح، مضرا أو مسببا للهلاك. على الصعيد السياسي، قامت علاقات اجتماعية داخلية وخارجية يطغى عليها العنف، أي الصراع بين مصالح الأفراد والطبقات والأمم، ونزعتهم إلى القوة والهيمنة. على الصعيد الثقافي الذي يتميز بفقدان المعنى والغاية ، قامت تقنية غايتها التقنية لذاتها، وعلم يهدف إلى العام ذاته، وفن لا يهدف إلا للفن ، وحياة لا تهدف إلى شىء. وفي مستوى العقيدة ضاع مفهوم التسامي والعلو، أي ذلك البعد الإنساني الحقيقي للبشر. إن الثقافة (الفرعونية) التي تعتمد عليها هذه الحضارة تدعى حصر الحياة في الضرورة والصدفة، كما يدعيه أحد علماء الأحياء، أو إلى عاطفة لا طائل من ورائها مثلما كتب أحد الفلاسفة، أو إلى اللامعقول كما أعلنه أحد الروائيين، أي انعدام المعنى، وموت الآلة ، وموت الإنسان، وموت كل شىء ، مثلما يردده علينا دعاة العدم والمتنبئون به. وليس هناك من حضارة أغفلت بصفة كلية التساؤل عن معنى الحياة والموت مثلما هو الشأن بالنسبة للحضارة الغربية الخيالية، فهذه الثقافة (الفرعونية) تعتمد على مبادىء أربعة زجت بنا في ظرف خمسة قرون في طريق مسدود لو استمررنا فيه فسوف يؤدي إلى انتحار الكون بأكمله. الفصل بين العلم والحكمة
أي الفصل بين الوسائل والغايات.
الفردانية التي تجعل من الأفراد أو المجموعات محور ومقياس كل شىء وتعتبر كل (نظام) توازنا مؤقتا بين أطماعهم المتنافسة. إنكار التسامي، أي إمكانية الإفلات من هذه المتاهات (الاكتفاء) بالنسبة لحتميات نمو يقتصر على الكم ويستبعد الخلق والحرية والأمل. أما الأدباء الذين نقدوا مادية الحضارة، وحذروا من سيطرتها على الإنسان بمقالاتهم أو أشعارهم أو رواياتهم فهم كثيرون من شتى المدارس، ومختلف الاتجاهات. وحسبي أن أذكر هنا ما كتبه أديب أمريكي كبير، هو( جون شتايينك) وهو كاتب قصصي يعد في نظر كثيرين أعظم كتاب القصة في أمريكا، وذلك في خطاب أرسله إلى صديقه (ادلاى استيفنسون) مرشح الحزب الديمقراطي لرئاسة الجمهورية لسنة 1951 و 1956. وخلاصة الخطاب كما نشره الأستاذ أحمد بهاء الدين في صحيفة (الأخبار) القاهرية: "إن كل مشكلة أمريكا هي ثراؤها، وأن لديها أشياء كثيرة، ولكن ليس لديها رسالة روحية كافية. وقال: لو أنني أردت، أن أدمر شعبا، فإنني أعطيه أكثر مما يريد، فهذه الوفرة تجعله جشعا تعيسا مريضا! إن شعبنا لا يمكن أن يعيش طويلا على الأسس الحالية لحياته. إننا في حاجة إلى ضربة قوية تجعلنا نفيق من ثرائنا، لقد انتصرنا على الطبيعة، ولكننا لم ننتصر على أنفسنا !! ". وأما السياسيون فنكتفي منهم بالسياسي الأمريكي الشهير (فوستر دلاس) وزير خارجية أمريكا في عهد الرئيس (ايزنهاور) وصاحب كتاب (حرب أم سلام؟). يقول دلاس في فصل من كتابه، تحت عنوان (حاجتنا الروحية): "إن هناك شيئا ما يسير بشكل خاطيء في أمتنا وإلا لما أصبحنا في هذا الحرج، وفي هذه الحالة النفسية.. لا يجدر بنا أن نأخذ موقفا دفاعيا وأن يتملكنا الذعر.. إن ذلك أمر جديد في تاريخنا! "إن الأمر لا يتعلق بالماديات، فلدينا أعظم إنتاج عالمي في الأشياء المادية، إن ما ينقصنا هو إيمان صحيح قوي ، فبدونه يكون كل ما لدينا قليلا وهذا النقص لا يعوضه السياسيون مهما بلغت قدرتهم، أو الدبلوماسيون، مهما كانت فطنتهم ، أو العلماء مهما كثرت اختراعاتهم، أو القنابل مهما بلغت قوتها! " "فمتى شعر الناس بالحاجة إلى الاعتماد على الأشياء المادية، فإن النتائج السيئة تصبح أمرا حتميا". "وفي بلادنا لا تجتذب نظمنا الإخلاص الروحي اللازم للدفاع عنها. وهناك حيرة في عقول الناس ، وتآكل لأرواحهم، وذلك يجعل أمتنا معرضة للتغلغل المادي- كما كشف عنه نشاط الجواسيس الذين تم كشفهم حتى الآن- ولن تستطيع أي إدارة لمكافحة التجسس أن تقوم بحمايتنا في هذه الظروف ". .. "لقد تقابلنا مع أقسى الاختبارات التي يمكن أن يلتقي بها أي شعب.. وهو اختبار الحياة في رفاهية.. ". " لقد قال يسوع: إن هذه الأشياء المادية سيحظى بها أولئك الذين يعملون من أجل ما أمر به الله ، ومن أجل تحقيق عدالته.. ولكن عندما يحدث ذلك فعندئذ يبدأ الامتحان الأكبر. لأن هذه الأشياء المادية- كما أنذر يسوع- يمكنها أن تصلح الصدأ الذي ينخر في الأرواح. (كذلك فإن لدينا نموذجا معروفا، فالرجال الذين لديهم إحساس بالواجب إزاء كائن أعلى، يجاهدون لتحقيق إرادته، لأن إيمانهم يمنحهم القوة والفضيلة والحكمة المبسطة.. إنهم لا يبنون ليومهم فقط، بل للغد، وليس لأنفسهم وحدهم، وإنما للجنس البشري، ومجتمع هذا أساسه ستكون من نتائجه الثروة والرفاهية للكثيرين إذا ساعدته الأحوال.. وعندما تأتي هذه المنتجات الفرعية فإنها تكون طيبة، إلى درجة أنها تشجع على الاعتقاد بأنها النهاية المرتقبة وبذا سيبتعد الناس عن بذل الجهود الإنشائية للأجل الطويل ويبد أون الصراع من أجل الحصول على الأشياء المادية. "لقد أخفقنا بشكل يدعو إلى الرثاء فى أن نرى أن من الممكن الحصول على عدالة اجتماعية، دون أن نمارس الإلحاد والمادية.. إن ذلك يعتمد على الرغبة الاختيارية للفرد في قبول أو التخلي عن الالتزامات الاجتماعية تجاه الفرد الآخر. "ونتيجة لذلك فإن كثيرا من قومنا قد فقدوا إيمانهم في مجتمع حر وكأمة فقدنا كذلك إيماننا الديني وممارسة شعائرنا الدينية، رغم أننا مازلنا متدينين! إننا نفرق بين الدين وممارسة الدين! ولم نعد نؤمن بأن الإيمان يتمشى مع الظروف الحديثة.. ومتى تحطمت الصلة بين الإيمان والعمل، فلن تستطيع بعد ذلك أن ننمي قوة روحية نستطيع نشرها في جميع أنحاء العالم ". ويجب أن نفهم كذلك بوضوح
أن مجتمعا حرا ليس معناه مجتمعا يسعى كل فرد فيه لنفسه، بل إنه مجتمع متناسق.
والقيود المفروضة هي قبل كل شىء ، روابط الأخوة المنبعثة من الإيمان. فإن
الناس خلقوا لكي يعيشوا إخوانا في رعاية الله .. ".
كتب الرئيس ولسون قبل وفاته بأسابيع قليلة مقالا استعرض فيه تهديد المبادىء الثورية وأعمال الشيوعية، وختمه بقوله: إن اختصار المسألة بأسرها هو ما يلي: إن حضارتنا لا تستطيع الاستمرار في البقاء من الناحية المادية، إلا إذا استردت روحانيتها.. هذا هو التحدي النهائي لكنائسنا ومنظماتنا السياسية وللرأسماليين عندنا، ولكل فرد يخاف الله، أو يحب بلده ! " فهل تستطيع المسيحية أن تقدم "طوق النجاة" لعالم يهدده الغرق ويحيط به الموج من كل مكان. عجز المسيحية عن القيام
بدور المنقذ:
وذلك لعدة أسباب:
والمسيحي المثالي يتجسد في (الراهب) المعتزل للحياة، المنقطع عن الدنيا، المعرض عن الطيبات، حتى عن الزواج !. والأخلاق المسيحية أخلاق غير واقعية، لأنها فوق الطاقة المعتادة للبشر، كما في قول الإنجيل "أحبوا أعداءكم، باركوا لا عنيكم ، من ضربك على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر، ومن سرق قميصك فأعطه إ زارك.. ". إن المسيحية الأصلية كانت رسالة مؤقتة، لفترة محدودة، ولقوم معينين، ولم تكن مهيأة قط لتكون رسالة عامة ولا خالدة ، وقد عبر المسيح عن ذلك بأنه إنما بعث لخراف بني إسرائيل الضالة، وأنه لم يقل كل الحق، كما بشر بمن يأتي بعده ليبين للناس كل شيء، ويكسر عمود الكفر. فكيف والمسيحية الأصلية نفسها قد غيرت وبدلت، وذهب كتابها الأصلي، ودخل عليها من التحريف اللفظي والمعنوي في عقائدها وشعائرها وأصولها وفروعها ما مسخها وأضاع حقيقتها، وأخرجها من التوحيد إلى الوثنية، ومن عبادة الله الواحد إلى عبادة المسيح أو العذراء! والمسيح يقول: " لا يدخل
الغني ملكوت السماوات حتى يدخل الجمل في سم الخياط". ويقول لمن أراد أن يتبعه:
"بع مالك ثم اتبعني ".
معنى هذا أن المسيحي الحق لابد أن يختار بين الحضارة والدين فإما دين بلا حضارة، وإما حضارة بلا دين! 2- إن المسيحية ينوء كاهلها بتاريخ شديد الظلمة، حالك السواد، ملطخ بدماء العلماء والمفكرين الأحرار، تاريخ تقشعر لمجرد ذكره الأبدان وتشيب لهوله الولدان. تاريخ وقفت فيه الكنيسة مع الجمود ضد الفكر ومع الخرافة ضد العلم، ومع الاستبداد ضد الحرية، ومع الظلام ضد النور، وصنعت من المجازر البشرية- وخاصة مع النخبة والصفوة - مالا ينساه التاريخ . وبهذا لم يعد وجه المسيحية مقبولا بحال للقيام بالدور المنتظر حتى لو افترضنا قدرتها على ذلك، وما هي بقادرة . 3- إن المسيحية لا تنفصل عن (الاكليروس) عن رجال الكهنوت. وسيادة المسيحية تعني سيادة هؤلاء الذين يتكمون في ضمائر الناس، ويزعمون أنهم وحدهم الممسكون بمفاتيح أبواب الملكوت، وأنهم حلقة الفصل بين السماء والأرض، ومحتكرو الوساطة بين الله وعباده، والبشرية التي دفعت ما دفعت للتحرر من، استبداد الملوك ورجال الدنيا، ليست مستعدة أن تقع أسيرة لاستبداد رجال الدين. 4- إن الحضارة الغربية يزعم لها الكثيرون أنها حضارة مسيحية! ويحاولون إلصاقها بالمسيح، وإن كان المسيح منها براء، فهي- كما قلت مرة- حضارة المسيح الدجال، لا حضارة المسيح بن مريم، لأن الدجال أعور، وهي حضارة عوراء، تنظر إلى الحياة بعين واحدة، هي العين المادية. ولهذا كله يستبعد المفكرون الغربيون أنفسهم أن تكون المسيحية هي مصدر الخلاص، وسبيل النجاة. فدور المسيحية قد انتهى إلى غير رجعة، والمسيح (قد مات)، وهو ما عبر عنه، نيتشه وغيره بأن الإله قد مات ! وعبارة (موت الإله) شديدة الوقع على الحس الإسلامي، والعقل الإسلامي، لأن الإله عندنا هو رب الناس ، ملك الناس، إله الناس، الذي خلقهم وسواهم، وأحياهم ثم يميتهم ثم يحييهم. ومثل هذا الإله المسمى المميت لا يتصور أن يموت، بل هو الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، بله أن يعتريه موت . أما إله الغرب! أو إله المسيحيين، فهو- في اعتقادهم- مجرد بشر تجسد فيه، أو حل فيه روح الإله. وهم يعتقدون أنه صلب من
قبل، فلا غرابة أن يموت من بعد!!
"إذا راجعنا التاريخ ربما يظهر موضوع "البحث عن معنى" عملا لا فائدة منه. ففي كل مرة تتعرض البشرية لمثالية ، تعطيها معنى لحياتها تتجزأ هذه المثالية وتختفي، ولقد ظهر في الماضي كثير من العقائد الدينية والفلسفية والاجتماعية أنارت للبشر طريقهم لمدة ما وضاعت من بعد ذلك في مستنقع من شكوك فلسفية وجدل ضيق عقيم. بدت المسيحية في القرون الوسطى كقوة موحدة عندما أعطت شعوب أوروبا بعض الآمال، والمطامح المشتركة، والسلوك الاجتماعي المستوحي من محبة الله وخوفه. ولقد حركت أفكار المسيحية القدرات البشرية في أعمال جماعية مدهشة، كبناء الأديرة والكاتدرائيات ذات الفن الغوطي والروماني. ولكن بعد ذلك انشغل المسيحيون باطراد في مجادلات لاهوتية مكررة، وتحولت المسيحية من عقيدة روحانية من المحبة إلى اعتقاد جامد محافظ خال من أي إلهام، والآن كثيرا ما نراها- أي المسيحية- تتفتت لتصبح فئات متعددة تتبنى أخلاقا اجتماعية مبهمة. فاللاهوتيون مشغولون بمناقشات فلسفية زائفة لمحاولة التوفيق بين المسيحية والرأي الذي لا معنى له،عن "موت الإله "! . اليهودية أشد عجزا :
واليهودية نفسها لا تزعم أن لديها هداية تقدمها للبشر، فهي ديانة تغلب عليها الطابع العنصري، وبنو إسرائيل- وحدهم دون الناس- هم شعب الله المختار. والله في دين اليهود ليس رب العالمين، ولكنه رب إسرائيل ، والآخرة عند اليهود ليست هي ملكوت السماء عند النصارى ، ولا جنة الخلد عند المسلمين ، إنما هي ملك إسرائيل. و (العهد القديم) كتاب اليهود المقدس الذي يضم أشعار التوراة وملحقاتها يدور جله حول تاريخ إسرائيل، وأحلام إسرائيل . التوحيد الذي دعا إليه موسى عليه السلام ضاع في هذا الكتاب الذي شوه صورة الألوهية، وأضفى على الإله من نقائص البشر، من الجهل والخوف والحسد، والضعف. والأنبياء الذين جعلهم الله هداة للبشر ومعلمين، لوثت سيرتهم، وألصقت بهم التهم، في هذا الكتاب، فلم يعودوا ليصلحوا أسوة للناس. والشريـعة فيه تحل لبني إسرائيل ما تحرمه على غيرهم، فالربا حرام إذا تعامل اليهودي مع مثله. أما مع غيره من الناس فهو حلال زلال. أما تعاليم (التلمود) فتجعل من اليهود (عصابة) تستحل دماء البشر، وأموالهم وحرماتهم ، باسم الدين، فكل من عداهم من الأمم يجب أن يكونوا عبيدا لهم، وأن يكون لهم السيادة على العالم، وكل من دونهم أحط من البهائم . على أن اليهود لو كانوا يملكون رسالة لهداية البشر، لكانوا أبعد الناس عن الصلاحية لحملها. فهم بأنانيتهم وعزلتهم، وحقدهم وطمعهم وشرهم لا يصلحون لحمل رسالة عالمية. وهم- بما نشر عنهم في بروتوكولات حكماء صهيون، وما ظهر على أيديهم في فلسطين ولبنان، أعداء البشرية لا منقذوها! وهم بتاريخهم الدموي مع أنبياء الله ورسله زكريا ويحيى والمسيح ومحمد عليهم الصلاة والسلام لا يصلحون لحمل الرسالة. وهم بتاريخهم في إيقاد الفتن، وتمزيق الجماعات، وبث الأفكار الهدامة، ونشر الفلسفات، والمذاهب الانحلالية- لا يصلحون للإنقاذ، وإخراج البشرية من الظلمات إلى النور، فإن فاقد الشيء لا يعطيه! الماركسية داء لا دواء: وإذا عجزت المسيحية، وعجزت اليهودية عن إنقاذ الإنسان المعاصر من الدمار المعنوي الذي يهدده صباح مساء، فلا يتصور أن تكون (الماركسية) هي البديل الذي يقدم قارورة الدواء للمريض، ومضخة الإطفاء للحريق . وذلك لأمرين. (الأول): أن الماركسية جزء من الحضارة المادية المعاصرة، بل هي الجزء الأشد غرقا وإغراقا في المادية، فكيف تكون البديل لنفسها؟ وكيف يصلح الداء دواء إلا على طريقة أبي نواس، وداوني بالتي كانت هي الداء؟! وقد قال الشاعر: إذا استشفيت من داء بداء... فأقتل ما أعلك ما شفاك! ( والثاني): إدن الماركسية عاجزة كل العجز عن تكوين الإنسان المطمئن النفس المشرق الروح، السعيد القلب، لأن هذا ينبع من الإيمان بالله وبالخلود، والماركسي لا يؤمن إلا بالمادة المحسة، لهذا يقول فلاسفة الأخلاق : الإنسان الماركسي ليس إنسانا حرا: ذلك أن على المناضل العادي أن يطيع رؤساءه إطاعة عمياء فيكون عبد "أسياده" كما هو عبد الكون المادي. إنه لولب بسيط يعمل في آلة التطور. وما حريته إلا أن يخضع- بحسب النظرية الألمانية الزائفة- طائعا مختارا واعيا إن مثل الماركسي في العالم- وقد تحرر من الدين ومن الأخلاق ومن الله!- مثل العامل في المصنع، إنه يشعر بأنه عبد حتمية قاهرة كحركة الآلة الطاغية. وأن آلة العالم تأمر وتسيطر، ويبدو أن ليس في وسعه الخروج على مشيئتها، ولا الإفلات من أسرها إلا خلال لحظات ثورة ولهو، كما يأبق العبد ويفلت لحظة من رقابة سيده. ثم إن الإنسان الماركسي ، في الواقع، عاجز أشل: إنه يعلم أن ليس في وسعه الحيلولة دون حدوث ما هو حادث. حتما، ويعجز عن استخدام مبادهته الخاصة على نحو أصيل، وغاية ما يقدر عليه الإسهام في تسارع إيقاع التطور. إنه يشعر بعجزه عن تأمين
مصيره الخاص، فيقضي معظم حياته خائفا مذعورا.
إن الإنسان لا يحب حبا حقيقيا إلا أشخاصا يعترف بأن لكل واحد منهم قيمة فردية خاصة ومصيرا خاصا. يقول " بردييف ": "تتكشف الأخلاق الشيوعية الثورية عن أنها أخلاق لا تعرف الرحمة نحو الإنسان المشخص الحي، نحو الغريب. فالفرد ليس سوى لبنة لابد منها في بناء المجتمع الشيوعي- إنه أداة وحسب- وإن الشيوعية لتنطوي في ذاتها على عنصر سليم صحيح يتصل بنظرتها إلى الحياة، وهذا العنصر يطابق النظرة المسيحية، ويمثل في أن على الإنسان ألا يستهدف مصلحته الخاصة، بل أن ينفق حياته في خدمة مثل أعلى. ولكن هذه الفكرة- وهي بذاتها رائعة- تفسر برفض منح الشخص البشري جدارة مستقلة، وقيمة مستقلة، أي منحه نفحة روحية" (من كتاب فلسفة الأخلاق للدكتور عادل العوا ). الحضارة التي ينشدها العالم : إن البشرية اليوم في حاجة إلى حضارة جديدة، لها فلسفة الحضارة الغربية ورسالتها، الحضارة الغربية بشقيها: الرأسمالي والشيوعي، فكلاهما ثمرة لشجرة واحدة، هي الشجرة الملعونة في القرآن والتوراة والإنجيل، هي الشجرة المادية النفعية. ولن تكون هذه الحضارة إلا
حضارة الإسلام، ولا هذه الرسالة إلا رسالة الإسلام.
البشرية في حاجة ماسة إلى حضارة جديدة تعطيها الدين ولا تفقدها العلم ، تعطيها الإيمان، ولا تسلبها العقل، تعطيها الروح ولا تحرمها المادة، تعطيها الآخرة ولا تحرم عليها الدنيا، تعطيها الحق ولا تمنعها القوة، تعطيها الأخلاق ولا تسلبها الحرية. إنه في حاجة إلى حضارة تتصل بها الأرض بالسماء، وتتعانق فيها المعاني الربانية والمصالح الإنسانية، ويتآخى فيها العقل المفكر والقلب المؤمن، ويمضي فيها الإنسان قدما إلى الأمام مستضيئا بنور الوحي الإلهي. ونور الفكر البشري، فكلاهما من فضل الله ورحمته بالإنسان (نور على نور). وليست هذه الحضارة إلا حضارة الإسلام، التي يتجلى فيها التوازن والتكامل بصورة لا يقدر عليها إلا العليم الحكيم ، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض أو السماوات. منهج التوازن والتكامل: إن الإسلام هو الرسالة
الوحيدة التي تقدم للبشرية منهجا يتميز بالتوازن والتكامل،.
وقد يعبر عنه ب (الميزان) الذي يحب ألا يشوبه طغيان ولا إخسار كما قال تعالى: (والسماء رفعها ووضع، الميزان ألا تطغوا في الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان ) ( الرحمن: 7: 9). فالطغيان هو الميل إلى جاذب الغلو والإفراط والإخسار: هو الميل إلى جانب التقصير والتفريط، وكلاهما ذميم . في هذا المنهج تلتقي المتقابلات التي يحسب كثير من الناس التقاءها ضربا من المحال، لأنها في نظرهم متضادة، والضدان لا يجتمعان، ولكنها في الإسلام تلتقي في صورة من الاتساق المبدع، بحيث يأخذ كل منها المسحة المناسبة له، دون أن يطغى على مقابلة: لا طغيان ولا إخسار. فهو يضع الموازين القسط
أو بين الوحي والعقل
وبهذا التوازن تتميز الأمة المسلمة عن غيرها من الأمم، ويضعها في مرتبة الأستاذية، وهو ما خاطبها الله تعالى به بقوله: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ) (سورة البقرة: 143). وأما التكامل فلا نعني
به التوسط أو التعادل بين طرفين متقابلين كالذي ذكرناه في التوازن.
ا لعلم.... وا لإيمان
فليس العلم مقابلا أو مضادا للإيمان، في نظر الإسلام، ولا في واقع الأمر وليس الحق مقابلا للقوة، وليست العقيدة مقابلة للعمل، ولا التربية مقابلة للتشريع.... وهكذا. إنما هي معان يكمل بعضها بعضا. فإن الحياة التي ينشدها
الإسلام لا تستقيم ولا تتكامل إلا بهذه الأمور كلها.
ولكن الإسلام- منهج الله-
يعني بإشباع حاجات الإنسان كله: جسمه وعقله وروحه، ويهتم بالإنسان في كل أجواله:
فردا، وعضوا في أسرة، وعضوا في مجتمع، ويوجه عنايته التوجيهية والتشريعية
إلى الإنسان في كل مر احله وأوضاعه، الإنسان طفلا، والإنسان شابا، والإنسان
شيخا، الإنسان رجلا، والإنسان امرأة..
الإسلام هو معقد الرجاء: إن إنسان العلم الحديث هو (ذلك المجهول) الذي لم يستطع العلم أن يسبر غوره، وأن يتعرف على حقيقته، وأن ينفذ إلى أعماقه ، كما بين ذلك الكسيس كاريل ورينيه دوبو، وغيرهما، لقد عرف العلم الجمادات أو المادة، وحللها واكتشف قوانينها، ولكنه عجز عن معرفة الإنسان، لأن الإنسان من التركيب، والتعقيد بحيث لا يعرفه إلا من خلقه فسواه ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير؟). وما دام العلم يجهل الإنسان، فلا يؤمل منه أن يحسن توجيهه وتربيته والتشريع له. و(إنسان الفلسفة) ليس أحسن حظا من إنسان العلم، والفلسفة رغم اهتمامها بالإنسان- منذ أنزلها سقراط من السماء إلى الأرض- لم تتفق على رأي في نظرتها إلى الإنسان، أهو روح أم مادة؟.. عقل أم شهوة ؟.. ملاك أم شيطان؟.. الأصل فيه الخير أم الشر؟.. أهو إنسان كما نراه، أم ذئب مقنع؟ أهو أناني أم غيرى؟ أهو فردي أم جماعي؟ أتجدي فيه التربية أم لا تجدي؟ أهو مختار أم مجبور؟ اختلفت الفلسفات في الإجابة عن هذه التساؤلات وتناقضت، فلا تستطيع أن تخرج منها بطائل، حتى قال شيخنا رحمه الله د. عبد الحليم محمود- وهو أستاذ الفلسفة في كلية أصول الدين- قبل أن يكون شيخا للأزهر: الفلسفة لا رأى لها، لأنها تقول الرأي وضده، والفكرة ونقيضها. وإذا سقط إنسان العلم،
وإنسان الفلسفة، بقي إنسان الدين.
أما (إنسان المسيحية) فهو إنسان محمل منذ ولادته بعبء الخطيئة الأولى، ويؤمن بمثالية معادية للحياة، متنكرة للعقل، مرتبطة بكاهن يملك مفاتيح الجنة والنار! أما (إنسان الوثنية) الأسيوية أو الإفريقية فهو أقل شأنا من أن يذكر هنا في مقام المقارنة بين الأديان الكتابية الكبرى. ولم يبق إذن إلا (إنسان الإسلام)، الإنسان المرجو لغد البشرية وإنقاذ الحضارة من الغرق المخوف. الإنسان الذي يصنعه الإسلام: إن الإسلام هو الرسالة القادرة على بناء إنسان قوي متوازن متكامل الشخصية يمشي على الأرض، ويتطلع إلى السماء ، ويعايش الواقع، ويرنو إلى المثال ويعمل للدنيا ولا ينسى الآخرة، ويجمع المال، ولا ينسى الحساب، ويأخذ الحق ولا ينسى الواجب، ويتعامل مع الخلق، ولا ينسى الخالق، ويعتز بماضيه ولا ينسى حاضره.. ومستقبله، ويحب قومه ولا ينسى بني الإنسان، ويصلح نفسه ولا ينسى إصلاح غيره، يهتدي ويهدي، يأتمر ويأمر، وينتهي وينهى، فهو دائما داع إلى الخير، آمر بالمعروف، ناه عن المنكر، حافظ لحدود الله، يتواصى مع سائر المؤمنين بالحق وبالصبر، كما أمر الله: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) . سورة العصر/ 1، 2، 3. إنسان لا يطغيه الغني،
ولا ينسيه الفقر، لا يستخفه النصر، ولا تسحقه الهزيمة لا تبطره النعمة، ولا
تزلزله المصيبة، مطمئن القلب، راضي النفس، متفائل الروح، لا ييئس وإن سدت
في وجهه الأبواب، وتقطعت دونه الأسباب، موقن بأن مع العسر يسرا، وبعد الليل
فجرا، وبعد الضيق فرجا، وأنه لا ييئس من روح اله إلا القوم الكافرون. ولا
يقنط من رحمة ربه إلا الضالون.
إنسان يولد على الفطرة، لم يلوث بخطيئة ورثها من أبيه الأول، كما تزعم المسيحية، ولم يحمل ذنب أحد، إنما يحمل، مسئولية نفسه، إن اهتدى فلها، وإن ضل فعليها، وليس له إلا ما سعى، لا يخاف ظلما ولا هضما. أقام الله له الحجة وبين له المحجة، وأزاح عنه العلة، وأرسل له الرسول، وأنزل عليه الكتاب وملكه أمر نفسه ، يزكيها أو يدسيها (قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها) سورة الشمس/ 9، 10. إنسان صنعته عقيدة (التوحيد الخالص) الذي تميز به الإسلام، فلم تشبه شائبة الوثنية، فلا يشرك بالله شيئا، ولا يشرك بالله أحدا ، تكمل هذه العقيدة عقيدة الجزاء، يوم يقوم الناس لرب العالمين، حيث توفى كل نفس ماكسبت. إنسان صقلته عبادات الإسلام التي حررها من رق الكهنوت، ومن احتكار الكهان وفتح بابها للاتصال بالله الواحد الأحد، بلا وسيط ولا سمسار مزعوم: من صلاة تصله بالله كل يوم خمس مرات، ومن صيام يربى إرادته، ويعده لتقوى الله شهرا من كل عام، ومن زكاة تزكي نفسه، وتطهرها من رجس الشح والأنانية، ليصبح في زمرة المنفقين مما رزق الله، ومن حج يجمعه مرة في العمر بغيره من المسلمين من أقطار الأرض حول أول بيت وضع لعبادة الله. إنسان هذبته أخلاق الإسلام، وحملت حياته آدابه، ووضحت طريقة قيمه ومفاهيمه ورقته تربيته وتعليمه، يعلم علم اليقين أن عليه حقوقا لازمة: نحو ربه ونحو نفسه، ونحو والديه، ونحو أولاده، ونحو أقاربه، ونحو جيرانه، ونحو أهل وطنه، ونحو أبناء دينه، ونحو بنى جنسه، فعليه أن يوازن بين هذه الحقوق وأن يعطي، كل ذي حق حقه . إن الإنسانية اليوم، تحت سلطان الحضارة المادية- مهددة بطوفان كطوفان نوح، يمكن أن يأتي على بنيانها من، القواعد، ولا بد لها من سفينة كسفينة نوح، بها يعصمها الله من الهلاك والدمار. ولن تكون هذه السفينة إلا رسالة الإسلام، التي جعلها الله رحمة للعالمين وهداية للحائرين. ولكن هذه الرسالة في حاجة إلى أمة تمثلها وتتمثلها وتعطي للبشرية الأسوة والنموذج . كما أعطت أمة الإسلام القرون الأولى، ودخلت الأمم في دين الله أفواجا . أمة يتجسد فيها الإسلام: توحيدا خالصا، وإيمانا صادقا، وعلما نافعا، وعملا صالحا، وخلقا فاضلا، ودعوة إلى الخير، وتواصيا بالحق والصبر وتعاونا على البر والتقوى، وجهادا في سبيل ذلك كله، حتى تكون بحق خير أمة أخرجت للناس، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله . أمة وسط ، لا تنتمي إلى اليمين ولا إلى اليسار، لا إلى الشرق الشيوعي ولا إلى الغرب الرأسمالي، أمة متميزة الوجهة، مستقلة الشخصية ( لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور) . سورة النور/ 35. ولن تستطيع هذه الأمة أن تقوم بدورها في إنقاذ البشرية من سعار الحضارة المادية، إذا أصابها هي من شررها وشرها ما أصاب الآخرين من أدواء المادية والإباحية والنفعية والأنانية. لهذا كان على هذه الأمة أن تحصن نفسها بالإسلام، وأن تجدد شبابها بالإيمان، وأن تأخذ من الحضارة المعاصرة خير ما فيها من علم وتكنولوجيا وهي في الواقع بضاعتها ترد إليها، فأسسها قد أخذت منها، وأن تعرض عما تشكو منه من أوصاب وأمراض. إن أمتنا بيدها حبل النجاة، إذا أحسنت الفهم للإسلام وأحسنت العمل بالإسلام، وأحسنت الدعوة إلى الإسلام . (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين ) . سورة فصلت / 33. مكتبة البحث
. الرئيس- الأستاذ الدكتور/
عبد العزيز كامل .
|