وصمة البرص * والطب الإسلامي

للدكتور كمال محمود
اندونيسيا


إن الخوف غير المعقول من البرص أو الجذام ظاهرة عالمية مبنية على الأفكار الدينية العالمية بخصوص هذا المرض في واقع الأمر ، إن بعض الخائفين من الجذام متواجد في وسط بعض المجموعات الإسلامية. إن هذا الخوف في حد ذاته عقبة أمام برنامج المراقبة على هذا المرض.

هل من المعقول لدينا كمسلمين تقليد أفكار معتنقي الأديان الأخرى نحو الوصمة اللاصقة على الجذام؟ إن الدراسة المقارنة لنظريات الأديان الأخرى عن الجذام تعطينا نتيجة " بأنه ليس هنالك سبب للمسلمين يجعل اعتبار الجذام مرضا داخلا في الطقوس الدينية، ولكنه مرض ذو صلة وثيقة بالإدراك الطبي العلمي فحسب. هكذا فإننا كمسلمين يجب، إبعاد وصمة الجذام من الحقل الطبي وذلك عن طريق الطب الإسلامي لمصلحة مرضى الجذام في العالم كله.

المدخل:
إن النظر المتعمق للجذام يفيد بأنه أحد الأمراض القديمة المعروفة لدى الإنسان نتيجة اتصالهم بالكتب المقدسة للأديان العالمية التي ذكرت هذا المرض دائما. ولسبب تأثر كل دين جعل الجذام منذ القدم يظهر في صورة من البلبلة وهي بلبلة خليطة بين الخرافات والبحث الاكلينيكي الذي قليلا ما يؤدي إلى علاج شامل (1).

وبناء على العلم الطبي الحديث حالياً اعتبر الجذام مرضا معديا لوجود ميكروب ،عضوي خاص كبكتريا فطري لجذام " هانسن، الضعيفة قوة اعتدائه وتوليده للأمراض في المرحلة الأولية يمكن معرفة الشذوذ المقنع المعروض والمركز في الجلد في مناطق، خفيفة زائلة بما في ذلك حدوث تغييرات محدودة في ذاتها إما بالاختصاب أو بالحساسية الملموسة أو عرق في هذه البقع من الجلد،قد تكون واحدة أو كثيرة وتحدث على صورة متميزة على الجلد وعلى المناطق العليا من الأطراف وفي الحالات المتقدمة جدا تظهر تشويهات كبيرة، وتساقط في الأطراف، وتعتبر ـ في الواقع- نتيجة المرحلة الثانية أو بانتقال التشويه إلى تشويه خارجي بعيد عن المركز الأصلي إلى أعضاء أخري لسبب انتشار التسمم وفرط حساسية الأنسجة.

هذه التشويهات تلاحظ على وجه العموم في الصور الأساسية للجذام وهي عبارة عن تسمم وتؤدي مما إلى عرقلة قبول المريض في المجتمع.

منذ سنة 1943 حين بدأ " فاسيت " و فوج " (3) العلاج التجريبي للجذام باستعمال "قرومين " فيمكن شفاء الجذام في الحالات الفردية مع ملاحظة وضعه في المجتمع. وإذا بدأ العلاج في مرحلة مبكرة  من المرض في حدود أقل من سنة ومع استمرار العلاج بانتظام فإن المريض بالجذام يمكن شفاؤه نهائيا دون ترك أي داء ثانوي وتشويه ما (3).

برنامج مراقبة الجذام لتلافي تشويهه:
إن الأهداف الأساسية لمراقبة الجذام هي العثور على المريض، وعلاجه علاجا فعالا مع مراقبة تناول الأدوية بانتظام على الخطة الصحية لا يختلف ذلك عن مراقبة الأمراض المعدية الأخرى. إن برنامج تناول الدواء ومراقبة الصحه له أثر فعال إذا كان الناس يتقبلونه ويتجاوبون معه.

الجذام- كيفما كان أمره- فهو مرض وحيد في حاجة إلى مراقبة العناصر النفسية الهامة، إذ العوامل النفسية كلها تتسبب في وجود برنامج مراقبة الجذام، وقد يفشل تارة لأن الجذام مفزع من أجل التشويه الذي ينتج عنه. فلهذا يرى المجتمع بدل إجراء عملية المراقبة إخفاء هذا المرض قدر المستطاع إلى استمرار توطن المرض.

هذا التشويه يأخذ شكلا غير معقول من الخوف من الجذام الذي يمكن شرحه، وذلك حادث عن طريق أعراض المرض نفسه، والذي أتي بهذا الشعور هو الخوف من هذا الاسم الواقعي الأثر لكلمة الجذام وقد أشير إليه في الكتب المقدسة لكل الأديان. من ذلك حدث إن الخوف الجذامى عميق الجذور في الفكرة الدينية الآتية من الكتب المقدسة المعنية.

فكرة الدين الهندوكي عن الجذام:
ذكر الجذام ووصف في الكتب الدينية الهندوكية وذلك في كتابي " سمريتيس" و "فرديا " الهندوكيين. ونطلق عليه اسم "كوشتا " وهي كلمة سانسكريتية وتشير إلى مرض جلدي على وجه العموم، والبارز منه ما هو معروف باسم الجذام (4).

يقول أطباء " أيور فرديك " القدماء إن الجذام كان مرضا محيراً وسريا في آن واحد ونتج عن ذلك أن العلاج الموجود كان غير مرض.ومن ثم أتت فكرة أن هذا المرض غير قابل للعلاج وهو خبيث، وهو ناتج عن بعض ذنوب ارتكبها المريض في حياته أو في أيامه الماضية.

ولهذا كان التشخيص لمرض الجذام لا يدفع إلي الحماس لأدائه بخلاف ما هو حادث مع الأمراض الأخرى.

فكلمة " الجذام " إلى وقتنا الحاضر تشير إلى معنى المصاب بالجذام، وتحمل في طيها الشعور بالاشمئزاز. واستعمالها منتشرة في الكتب. وبناء على إعطاء الوصف الواقعي لهذا المرض المفزع يتعرض المجذوم لأن يصبح عينة سيئة لهذا المرض، بل قد يستعمل الناس كلمتي المجذوم والجذام للعن الناس والإساءة إليهم.

منذ حوالي 200 سنة قبل الميلاد كانت تلك الأفكار نابعة من القوانين والقرارات والأنظمة الموضوعة في الهند والتي حرمت ضحايا الجذام من كل وسائل الحياة الممكنة إذ قرر القانون الهندوكي بأن المريض بالجذام يحرم من الميراث، ويحكم عليه بالانفصال والطلاق الشرعيين، ويمنع من السفر في مكان واحد مع الأصحاء، ولم يسمح له بالحصول على رخصة القيادة في المواصلات العامة ولو كان المريض لم يظهر لديه بعد أية علامات التشويه.

هذه العادات والتقاليد التي رفضت قبول المرضى بالجذام في المجتمع الهندي دون أي ذنب ارتكبوه ما زالت سائرة في الهند إلى الآن، ولا تختلف عن الماضي في شيء (5).

النظرية المسيحية بخصوص الجذام:
ذكر الجذام ووصف بوضوح في بعض أبواب العهدين القديم والجديد. ففي العهد القديم، ليفيتيكس 13: ا- 3 و 45- 46  (6) أن الجذام ترجمة عن الكلمة العبرية " شرطة" التي وصفت بأنها تشويه حرشفي على الجلد أو القماش. وهذه التشويهات الجلدية مصاحبة بتلويث طقسي ولا ينظر إليها كمرض في الشعور الطبي. الجذام يعد كشيء حقير ودنيء وضحاياه يفنون خارج المخيم.

وبناء على العهد الجديد، ماتيوس 8: ا-3 (7) المسيح لم يبريء الجذام ولكن طهره من التلويث الطقسي.

ليس مستغربا أن كلمة " الجذام " تحرض إلى حدوث الامضاض السريع والعاجل غير المنقاد، وقد وصفه الفراعنة بذلك.

بعض الأخصائيين في مرض الجذام المسيحيين يعتبرون كلمة " مجذوم" من الأسباب العادية للانتحار وارتكاب الجريمة، وهو في حد ذاته أذى يحطم المرضى سواء بأضغاث أحلام أو صدمة مريعة (8).

فالجذام اسم مبهم غامض وفيه يوجد ظلام القرون الوسطى، يعني ألف سنة من اللعنة والخرافة.

أصدر بيبين الفرنسي مرسوما في سنة 757 يحكم فيه بأن الزواج من المصاب بالجذام غير شرعي، والمرض في حد ذاته مسبب للطلاق.

فيليب الرابع (1285- 1312) ملك فرنسا قد أوعز بأن يحرق المصابون بالجذام إذ يجمعون فيهم هذا الحكم دائما حتى يستأصل هذا المرض نهائيا (9).

وطبيب الإرسالية الهولندية " جرامبرج " (10) الذي خدم الجذام 25 سنة في جاوة أندونيسيا قال في مقال له في مجلة " العقيدة والعلم، إن الإنجيل مسئول عن الحظ المفزع الثقيل المللقي على عواتق المجذومين في كثير من بلاد العالم. وتسرب المسيحية إلي المجتمع الجاوي أتي بالخوف من الجذام الذي في واقع الأمر يوجد من قبل. والجاويون المسلمون لايتقززون من الجذام، ولكن المسيحيين الجاويين يشعرون بهذا الاشمئزاز.

إن الأعراض المذكورة في كتاب " موسى ليفتيكس " في الفصل الثالث عشر والفصل الرابع عشر يدل على التوافق بين نموذجات الجذام الحالي غير المعروف من قبل، ويوعز إلي الفصل بين الجذام المتسبب من الجرثومة الفطرية التي ذكرها " هانسن " مقتبسا من كلمات الإنجيل وفهمه وبين فهم الإنجيل الذي ليس مطابقا البتة مع المقصود الحقيقي، إنما الغرض هو إزالة الخوف والفزع اللذين مازالا يحيطان المريض بالجذام.

والمتابعات والتجارب للكاتب أثناء خدمه لمدة ثمان وعشرين سنة في مجال مراقبة الجذام ومعالجته تؤكد صحة تصريح " جرامبج "بتأثير التنصير على الشعب في أندونيسيا. حقا من الوضوح وجود الخوف من الجذام لدى أوساط المسيحيين الاندونسيين بينما المجذوم المسلم يعالج في أي مكان بالطريقة التي تماثل طريقة معالجة الأمراض الأخرى. 

في البرازيل- إحدى البلاد المسيحية- التي مازال الجذام فيها يعتبر مرضا مستوطنا فالمجذوم وصمة لعدم سماح السلطة التعليمية المعادية للجذام بتوقيفه بل يسبب آلاما للمرضى دون مبرر، وفي نفس الوقت تحاصر كل المحاولات لتنوير المجتمع في أي مستوى كان، ويعرقل بشدة تطوير البرامج الوقائية والاجتماعية المستندة على نتائج التحليل والعلاج إذ المقصود منه قبول المجتمع لهؤلاء المرضى (8).

لهذا فإن ندوة الوقاية من الجذام الثامنة عشرة في المؤتمر الصحي البرازيلي (سان بولص سنة 1970) تقترح تبديل كلمة " الجذام " ومشتقاتها " هاسينسية " رغبة في المحو التدريجي لذلك الاصطلاح القديم. هذا الاقتراح بتغيير الاصطلاح القديم للجذام الصادر بإنجلترا مقبول لدى الكنيسة كما ورد في إنجيل النبأ السار المنشور في إنجلترا سنة 1976 م " الجذام المجذوم ".

في ليوفيتكس 13 ( 11) كما هو في ماتيوس 8 (12) في الإنجيل المذكور أعلاه فإن كلمة الجذام والمجذوم بالتوالي هو المرض الجلدي المرعب والشخص المصاب بالمرض الجلدي المرعب. كمعاقبة للمجتمع المدرك للتشويهات الملاحظ وجودها في العلاج الاكلينيكي مع الطقوس التنجيسية التي صاغتها الفكرة الدينية عدم الجذام في العالم المسيحي، فوصمة الجذام إنما يعتمد عليها المحيط الإنساني من الإشاعة والعادات الشعبية. أما في وسط المجتمع المثقف ولا يستثنى منه الأطباء، فإن هنالك انشقاقا فكرياً شديداً وكثيراً ما يحدث فلربما يوجد من يقبل التوعية التثقفية للحقائق العلمية عن الجذام وقد يوجد الفرد الواعي كذلك لهذه الحقائق بناء على الاعتقادات التقليدية المرعية كما شرح أعلاه (13). 

والواضح أن الدين الهندوكي كما هو الشأن بالدين المسيحي فهما يعتبران الجذام كأي مرض آخر باعتبار العلاج كما يعتبران أنه عقاب لبعض الذنوب ارتكبها المصاب وهذا بناء على فكرة الطقوس الدينية. وفي الواقع إن الفكرة الدينية تلقي وصمة للمجذوم نفسيا واجتماعيا.

إن الحقيقة تدل على أن إحدى الفكر العالمية القديمة أن كل الأمراض ناتجة عن ذنب سابق، ومعاقبة لقيام المريض بعض التصرفات الساذجة التي تخالف الطريقة لم تظهر لها نتيجة بعد وهي ربط الإنسان بالآلهة في التلاؤم الدنيوي (14).
 
الفكرة الإسلامية عن الجذام:
قبل كل شيء يجب ملاحظة الآيات القرآنية الآتية: (15)
(وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير) (أ)

والحديث، الصحيح من مجموعة أحاديث البخاري (16):
" عن أبي سعيد الخدري وعن أبي هريرة، عن النبي صلي الله عليه وسلم  قال: " ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذي ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه ".

من الآية والحديث السابقين نستطيع سحب خلاصة، بأنه حسب الفكرة الإسلامية إن المرض غير ملاحظ فيه أنه عقاب على ذنب، لكن على العكس إن المرض بما فيه الجدري تكفير عن الذنوب.

كلمة "الأبرص" المأخوذة من البرص ذكرت في القرآن الكريم كما أن المجذوم مأخوذ من الجذام ووارد في الحديث لاسيما كتب الحديث الستة.

ا- القرآن الكريم تحدث عن الجذام:
إن كلمة " الأبرص " ذكرت في آيتين من آيات القرآن الكريم كالآتي: (17)
1ـ (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبريء الاكمه والأبرص وأحي الموتي بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأية لكم أن كنتم مؤمنين ) (ب).

2- (إذ قال الله يعيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك بروح القدس تكلم الناس في المهد وكهلا، وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوارة والانجيل وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني وتبريء الاكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتي بإذني وإذ كففت بني اسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين ) (جـ).

في التعليق على هذه الآية، قال المراغي (18): " إن عيسى عليه السلام فاق الأطباء المثقفين في عهده بقوة المعجزات المبرئة للبرص أو الجذام ".

من ذلك فإن الفكرة الإسلامية تقول بشفاء البرص بالدواء جريا مع الحديث الشريف الآتي الذي أخذ كذلك من مجموعة أحاديث الإمام البخاري (19):

 "عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم  قال: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".

إلى حين سنة 1943، في عهد قبل السلفونيك، فهنالك لا يوجد حقا الشفاء الفعال للجذام. والمرض ينتهي بالشفاء الذاتي من غير تشويه اعتمادا على درجة حصانة ما مات من المريض.

في هذه الأيام يوجد كثير من الأدوية الفعالة ضد الجذام من النوع الرخيص الذي هو في الأساس ابتداء من أدوية للتجميد للجراثيم إلي الغالي الثمن السريع المفعول مع القوة الشديدة الانفعال في قتل الجراثيم. (20).

إذا أنه قد انقضى حوالي 14 قرنا عام حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى ظهر ذلك الحديث في النور.

2- الحديث عن الجذام:
إن كلمة مجذوم ذكرت في مجموعة كتب الحديث الستة كالآتي:

ا- البخاري (21).
" حدثنا سعيد بن ميناء قال سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلي الله عليه وسلم  " لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا سفر وفر من المجذوم كما تفر من الأسد "

2- مسلم (22):
عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم، فأرسل إليه النبي صلي الله عليه وسلم : " إنا قد بايعناك فارجع ".

3- أبو داود (23).
" عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: "كل ثقة بالله وتوكلا عليه ".

4- ا لترمذي (24):
" عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم  أخذ بيد مجذوم فأدخله معه في القصعة ثم قال: (بسم الله ثقة بالله وتوكلا عليه ".

5- النسائي (25) :
" عن رجل من آل الشريد يقال له عمرو عن أبيه قال: كان في وفد ثقيف رجل مجذوم فأرسل إليه النبي صلي الله عليه وسلم  " ارجع فقد بايعتك ".

6- ابن ماجه (26):
" عن حبيب بن الشهيد عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلي الله عليه وسلم أخذ بيد المجذوم فأدخله معه في قصعة ثم قال: " ثقة بالله وتوكلا على الله".

إذا نظرنا عن كثب إلى مجموعة كتب الأحاديث الستة نجد ثلاثة من أحاديث رسول الله صلي الله عليه وسلم ، رواها أبو داود والترمذي وابن ماجه هي في صالح المجذوم. والثلاثة الأخر رواها البخاري ومسلم والنسائي ليست في صالح هؤلاء المصابين نسبيا، ولكن الفكرة في هاتيكم الأحاديث الأخيرة لا تثير الشعور بالازدراء مثل القذارة والاشمئزاز من الوصمة في الشعور الديني. مهما كان الأمر، فإن الجذام لا يتصل بشيء ما مع بعض الذنوب أو الفكرة الطقوسية.

إن المخالفة الظاهرة في النوعية من الأحاديث يمكن شرحها بالحقائق العلمية الحديثة عن الجذام.

إن الحديث الأول الذي يشير إلى أنه لا يوجد ضرر في الاختلاط مع المجذوم إنما هو للذين يملكون المناعة المؤهلة من السكان وهم الذين، يملكون الدرجة العليا من حصانة الخلايا الموصلة ويستطيعون إفناء الجرثومة الفطرية للجذام من الجسم. ومن ناحية أخرى فإن الأحاديث الثانية التي تقترح الفرار من المجذوم أو عدم الاقتراب منه. إنما هو يطبق لمن يملك مناعة ضعيفة من السكان الذين غابت عنهم حصانة الخلايا الموصلة وليس في استطاعتهم الدفاع عن هجوم الجراثيم الفطرية للجذام وإيقاف التضاعف البكتيري العظيم في الجسم (27، 28).

يوجد التوافق بين أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والحقائق العلمية الحديثة عن الجذام الآن من نظرتنا كمسلمين، الخاضعة تحت كثير من المعجزات التي تدل على أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله محمد صلي الله عليه وسلم .

الحوادث التاريخية الإسلامية المتصلة بالجذام:
إن تاريخ الطب أشار إلى أن الإسلام والطب الإسلامي قد لعبا دورا ذا معنى كحلقة اتصال بين الطب اليوناني والروماني الحديث والطب العلمي الحديث اليوم (29) 0 الطب الإسلامي كطب حديث على تمييز متضاد مع الطب البدائي أو التقليدى، بالنسبة للجذام كمرض ذي شعور اكلينيكي كما أشير بالحقائق التالية:ـ
أ- الإجراءات الخيرية للخليفة الوليد بخصوص المجذوم:
أثناء حكمه (705- 715) أنشأ الخليفة الوليد بن عبد الملك عدداً من المستشفيات للأمراض العادية، والأمراض العقلية والأمراض المعدية، وأمر كذلك بمنع المجذومين من التسول وجهز لهم وللمصابين بالأمراض المزمنة مستشفيات خاصة يعيشون فيها على نفقة خزينة الدولة.

من بين أنشطة الوليد العديدة محاولته الخاصة لتحسين وضع المجذومين، وذلك تقليدا برسول الله صلي الله عليه وسلم بتقديمه العلاج الخير وحمايتهم من أي ضرر جسماني أو نفسي. وقد عين أطباء وخدما لهم وخصص مبلغا كافيا لتغطية مختلف احتياجاتهم وعين خدما  خاصين لملاحظة أي مجذوم يشير مرضه إلى خطورة ما.

ولأجل علاج المجذوم علاجاً عاديا بني الوليد فى دمشق بيت الجذام وأبرز شئ فيه عدم مشابهته لأي بيت كاد أن يكون سجنا آنذاك بل قيل إن بيت الجذام كان قصرا واسعا محاطا بالحدائق الجميلة حيث يلقى المرضى علاجا حسنا يحاولون نسيان مرضهم (30).

ب- الجذام حب رأي الأطباء المسلمين في القرون الوسطى:
مفهوم الجذام لدى الدين الإسلامي كمرض ما في المجال الطبي يمكن علاجه بوصفات بعض الأطباء الإسلاميين في القرون الوسطي.

ا- أبو القاسم: خلف بن عباس الزهراوي (936- 1013):
هذا الطبيب  القرطبي الجنسية مؤلف كتاب التصريف، وصف أربعة أنواع من الجذام وهي: ليونتينا،
(الأسدي)، والفنيتا، (الفيلي) وسرفنتنا (الثعباني) وفلبينا (الثعلبي). المرض يمكن معرفته من التلوث
الوراثي باستعمال الأكل الفاسد مثل لحم ذكر المعز البقر وغير ذلك كفيروس عق طريق التنفس. إنه وصف كل تطورات المرض باهتمام بالغ أكثر من أي مؤلف قديم آخر. في المرحلة الأخيرة قال: إن الأنف والشعر يتساقطان والصوت يختنق وهنالك فتحات قرح على الجلد وأخطار تميت الجسد وتتساقط أجزاؤه والنفس كريه الرائحة.

2- علي بن العباس الماجوسي (توفي994 م):
هو الطبيب المسلم من الفرس، الذي كان أبرز الشخصيات في عصره، يعتبر الجذام معديا وقال إنه يمكن معرفته من النفس وينتج عنه ذهاب الحاجب وتساقط الأنف.

3- أبو علي الحسن بن سينا (0 98-37 0ا) :
هذا الطبيب المولود في بخارى، مؤلف كتاب طبي باسم "القانون "وفيه تحدث عن عسر البول وألم القضيب كعلامة للجذام وتظهر أثناء الجماع. (31)

التشويه الجذامي في المجتمع الإسلامي:
رغم الفكرة الإسلامية الظاهرة الخالية من التحيز عن الجذام والخرافات والاجتماعات كوصمة نفسية، فإن المؤلف لهذه الرسالة، كعامل في الحقل الجذامي يلاحظ أن هنالك بعض أنواع من الخوف الجذامي في أوساط بعض المجموعات الإسلامية الأندونيسية فبعض منها لا تستطيع فهم " لماذا استطاع الكاتب الثبوت في خدمته للمجذومين سنين طويلة؟ ". كثير من يوبخه ويسخر منه كطبيب لحثالة المجتمع فلا يقدر مثل زملائه الآخرين.

هنالك مصدران لبعض الخوف في وسط بعض المسلمين وهما منهج التوضيح للقرآن الكريم وللثقافة الغربية.
أ- منهج التوضيح للقرآن الكريم:
المراغي يعطي توضيحا على المجذوم كالآتي (32):
الأبرص هم الذي به برص أي بياض في الجلد ويتطير منه.
محمد علي (33) في توضيحه عن شفاء المجذوم يعطي تلخيصا بأن في هذه الحالة الشفاء لا يرجع إلا إلى شفاء المريض روحياً. فسرد آيات متى: 5: 11 في العهد الجديد.

إذا كان تو ضيح المراغي على وجه التقريب نفس رأي العهد القديم فإن رأي محمد علي مماثل لرأي العهد الجديد.

ونقول عن الأول بأنه وصية اسرائيل، والثاني وصية مسيحية، وهما وصية أهل الكتاب.

بمقتضى هذه التوصيات المتقدمة فإنها تتمشى مع القول " وأبريء الأكمه والأبرص " الوارد في الإنجيل، بينما نحن المسلمين نتذكر الحديث الذي رواه أبو هريرة (البخاري): " إن أهل الكتاب يعتادون قراءة التوراة بالعبرية ويشرحونها بالعربية للمسلمين.

إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ولكن قولوا نؤمن بالله وما أنزل علينا "(34).

ب- الثقافة الغربية:
يوجد الخائفون من الجذام وسط المثقفين الغربيين والأندونيسيين المسلمين الذين أتيح لهم فرصة الحصول على الثقافة الغربية من الهولنديين أثناء دراستهم وحياتهم الاجتماعية مع الغربيين فتبنوا فكرة الخوف من المجذوم الذي لم يكن من قبل موجودا في مجتمعهم في أندونيسيا فقال لورد (35 )، الطبيب الهولندي الذي كان يعمل في خدمة الجذام في أندونيسيا، في هذا الصدد: " إن هنالك بعض أنواع من الخوف من الجذام وسط المثقفين الهولنديين بينما القرويون الأندونيسيون الذين ليس لهم اختلاط اجتماعي بالغربيين لا يعرفون البتة هذا الخوف ".

مهما كان الأمر فإن المؤلف ليست لديه حادثة ما لاعتراض المجتمع المسلم أثناء مسحه الميداني للجذام والمعالجة الشعبية للمجذوم. إن الاختيار والعلاج لهؤلاء المرضى يمكن إحراؤهما في المركز الصحي العمومي أو في مكتب رئيس القرية دون أي اعتراض من عائلات المرضى أو القرويين أنفسهم.

هذه الحالة كذلك كانت من تجارب أطباء الجذام السابقين مثل كوريجات وسبتنالا (36) وكابتين (37) وبيامين وسود رسونو(38).

إن ثبات المؤلف في مجال خدمة الجذام منذ سنة 1955 إلى وقتنا الحالي إنما هو عن عقيدة بأن الجذام مرض في المجال الطبي معتمدا في ذلك على التعاليم الإسلامية كمصدر للطب الإسلامي.

النتيجة:
بناء على الآيات القرآنية الخاصة بالجذام والأحاديث الواردة عن الأمراض وعلاجها نستطيع استخلاص بأن الجذام في الإسلام يعتبر مرضا من الأمراض في مجال الطب الحديث ويمكن علاجه بعقار ضد الجذام وهنالك وصمة تتولد مع هذا المرض ففي هذه الحالة قام الإسلام بتصحيح وتعديل الخطأ الفكري عن الجذام السائد أمره في العالم ولا سيما في العالمين اليهودي والمسيحي مؤيدا في ذلك بالآية الآتية من القرآن الكريم (39):

(يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها" (د).

من ثم فإن الإسلام مبرئ كل المجذومين من تشويه الجذام المربع وينظر إليهم كبشر في وقار مساو مع الآخرين أمام الله. في هذا الصدد فنحن المسلمين نذكر بصدق الآيتين الآتيتين من القرآن الكريم: (40، 41).

أ- (آلر. كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد " (هـ).
2- (وما أرسلنك إلا رحمة للعلمين، (و).

في هذا المجال أرسل الرسول محمد صلي الله عليه وسلم رحمة لكل المجذومين كجزء من الأمم.

هذا الرأي الإسلامي الجديد عن الجذام يجب أن يطبقه الأطباء المسلمون لإنقاذ مرضى الجذام في العالم من التحامل المشترك والرفض الاجتماعي غير الإنساني.