الإسلام والوقاية من الأمراض

للدكتور محمد كامل أحمد
جمهورية مصر العربية

إن الحمد لله نحمده ونشكره... ونستعينه ونستهديه ونستغفره.. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا.. من يهده الله فلا مضل له.. ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له.. وأن محمداً عبده ورسوله... r وبعد...

فقد روى الإمام أحمد في مسنده عن أسامة بن شريك قال. كنت عن النبي. rوجاءت الأعراب فقالوا . يا رسول الله  أنتداوى ؟ فقال نعم يا عباد الله تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء، إلا وضع له شفاء (غير داء واحد) قالوا: ما هو؟ قال: الهرم " وفي لفظ. " إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء علمه من علمه وجهله من جهله "وكذلك روي في السنن عن أبي خزامة قال: قلت يا رسول الله أرأيت رقى نسترقيها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال ، هي من قدر الله .

ومن هنا نجد أن هذه الأحاديث قد أثبتت الأسباب والمسببات.. ونجدها أيضا قد أكدت أن الأسباب كلها بيد الله يصرفها كيفما يشاء.. وجعل من بين هذه الأسباب ما يؤدي إلى المرض.. ومنها ما يؤدي إلى العافية والشفاء. ونجدها أيضا قد أكدت أن كل الأمراض مما عرفت له علاجا ومما لم نعرف له علاجا بعد:

قد جعل  الله له دواء يشفيه ولكن مازال علمه مطويا عن البشر لأنه لا علم للخلق إلا ما علمهم الله (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) فإذا صادف الدواء الداء. حصل الشفاء بإذن الله.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي r أنه قال: لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر.. وفر من المجذوم كما تفر من الأسد وفي هذا الحديث يؤكد الرسول r أن الله تعالى هو الذي بيده الصحة والمرض كما أن الأمور كلها منه وإليه.. وهو قادر في كل حين وآن أن يجعل من الداء الوبيل دواء نافعا.. ومن الدواء الناجع داء شافيا.. كما أنه يؤكد أن العدوى لا تحصل بذاتها وإنما تحصل بقدر الله تعالى وبقدرته.. فإذا شاء جعل هذه الأسباب سارية.. وإن شاء سلبها قدرتها على التأثير بأسباب أخرى تعارضها وتضادها منها ما أتيح لنا أن نعلمه بعد الاكتشافات العلمية الحديثة.. ومنها ما أتيح لنا أن نعلم منه إلا القليل .

وموضوع العدوى والأحاديث التي وردت فيها قد أثارت الكثير من الجدل في الماضي ومازالت تثير شكوكا لدى البعض في وقتنا الحالي.. نتيجة لما يبدو في ظاهرها من تعارض كحديث لا عدوى ولا طيرة.. وفر من المجذوم كما تفر من الأسد إذ أن ظاهرها يقول أمرين:

أولهما: أنه لا تحدث العدوى فلا يجب أن نخاف من مخالطة المرضى أو الاقتراب منهم.
ثانيا: ان هناك عدوى بدليل أننا يجب ألا نقترب من المجذوم بل نفر منه خوفا من العدوى.

وباديء ذي بدء نود أن نؤكد صحة هذا الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه فإذا ثبت لدينا يقينا أنه من قوله r وهو ( لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى ) بدأنا نفكر في كيفية جمال هذه الأمور التي قد تكون متناقضة في ظاهرها فنقول إن ما تكشف لنا من اكتشافات حديثة يدل على أن العدوى وحدها أو الميكروب وحده ليس هو السبب في حدوث المرض.. فحدوث المرض يعتمد على عاملين اثنين .

أولا: قوة الميكروب ذاته.

ثانيا. درجة مقاومة الجسم في أثناء الإصابة بالميكروب.

لذلك فمجرد وجود الميكروب لا يعني حدوث العدوى.. أي أن تواجد أحدنا مع المريض لا يعني بالضرورة حدوث العدو ى.. لذا فقد بين r وأكد أن العدوى بيد الله سبحانه وتعالى إن شاء صرفها وإن شاء جمعها فكان المرض وكانت العدوى أما الاعتقاد بأن هذا الميكروب أو ذاك هو السبب الوحيد للمرض وأن العدوى هي سبب المرض فهو :- 

أولا: جهل بحقائق الأشياء.
ثانيا: جهل بقدرة الله عز وجل.
ثالثا: تعظيم الأسباب الظاهرة فيتكل المرء عليها ويرى بذلك الأسباب الظاهرة ولا يرى سببها الحقيقي وهو الله عز وجل.. فيضل كما كان العرب والعجم قد ضلوا في الزمان الغابر حينما كانوا يعتقدون بمسببات أخرى للمرض ما أنزل الله بها من سلطان.. وذلك من حركة النجوم والرياح.. ومن أرواح شريرة وشياطين ومن تغيير للفصول وغيرها من الأسباب التي أكد الدين الإسلامي أنها لا تصرف ولا تتحكم في العدوى وأسبابها.

أما قوله r فرمن المجذوم كما تفرمن الأسد، فهو من باب الوقاية التي هي أخذ بالأسباب. فكما أن المرض بيد الله.. والشفاء بيد الله فإن اتقاءه أيضا بيد الله وبقدره.. وهذه الوقاية توجيه ممن لا ينطق عن الهوى إلى المسلمين كافة باتخاذ الأسباب الموصلة إلى صحة البدن وإلى سلامته. والأمر بالتداوي لا ينافي التوكل على الله.. فقد ذهب بعض الناس إلى القول بأنه إن كان الشفاء قد قدر فالتداوي لا يفيد ولا يرد قدر الله أو قضاءه.. ولا يكون هو السبب فيه وكذلك إن لم يكن الشفاء قد قدر فلا ينفع دواء ولا تداوي.. ومن هنا كان سؤال الأعراب لرسول الله r عن التداوي وهل يرد من قدر الله وتلاحظ هنا أن الأعراب هم الذين سألوا هذا السؤال ولم يسأله الصحابة رضوان الله عليهم.. فهم أعلم بحكمة الله وصفاته وقدرته وقد أجابهم الرسول r بما شفي وكفي فقال إن هذه الأدوية والرقي والتقي من قدر الله  فما خرج شيء عن قدره بل يرد قدره بقدره.. فلا سبيل إلى الخروج عن قدره بوجه ما ورد القدر بالقدر يأتي في مسائل كثيرة من الشرع. فالجوع بعد بالأكل.. وكلاهما من قدرة الله.. وكذلك البرد يرد بالتدفئة وكلاهما أيضا من قدرة الله.. والعدو يرد بالجهاد.. وكل من إغارة العدو ورده من قدر الله.. ولعل الإمام ابن القيم قد رد عليهم ردا بليغا حينما قال لهم إن رأيكم يوجب عليكم ألا تفعلوا أي سبب من الأسباب التي تجلبون بها منفعة لكم أو تدفعون عنكم مضرة لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن هناك سبيل إلى منعهما والعكس بالعكس.. وهذا لا يقوله عاقل.. وهو يذكرنا بقول المشركين الذين، قالوا ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا) فقد قالوا ذلك دفعا لحجة الله عليه بالرسل . لذلك فالله سبحانه وتعالى كما قدر المرض فهو قد قدر الشفاء وقدر كذلك سبب الشفاء فإن أتى الإنسان بهذا السبب حدث الشفاء وإن لم يأت لم يحدث وقد دخل حينئذ إنه إن كان قدر هذا السبب فعلناه وان لم يقدر لم نتمكن من فعله.. والرد عليه هنا أن نقول لهم هل تقبلون هذا.  الاحتجاج من أولادكم أو أجرائكم إن احتجوا به عليكم في عدم فعل ما أمرتموهم به.. إن قبلتم ذلك منهم فلا تلوموا من عصاكم وأخذ مالكم وقذف عرضكم .. وإن لم تقبلوه فكيف يكون مقبولا  منكم في دفع حقوق الله عليكم.

ولعلنا  لا نغفل عن معنى آخر في قوله r ( لكل داء دواء) فهو تقوية لنفس المريض والطبيب في آن واحد. فالمريض حينما يوقن أن لديه داء فإن روحه المعنوية ترتفع ويستطيع جسده أن يتغلب على سبب المرض وكذلك الطبيب إذا علم أن لهذا الداء دواء- أمكنه طلبه واجتهد في التفتيش عليه وبحث من خلال تجاربه العلمية والعملية عن تركيب الأدوية التي تنفع في علاج مثل هذه الأمراض.

وننتقل الآن إلى نقطة بحثنا وهي الوقاية من الأمراض.. فنقول بعون الله أن رسول الله r قد عني موضوع الوقاية من مواقف عديدة منها حديثه المشهور الذي روي في المسند عنه r أنه قال (ما ملأ آدمي وعاء شرا من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لابد فاعلا، فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه) في هنا ينبه إلى الوقاية من التخمة والزيادة في الأكل والشرب وإلى القانون الذي ينبغي مراعاته في الطعام والشراب فهناك الكثير من الأمراض القي تنتج عن الإفراط في الطعام والشراب وسببها إدخال الطعام على المعدة قبل هضم الطعام السابق ، والزيادة في القدر الذي يحتاجه البدن ، وتناول الأغذية القليلة النفع البطيئة الهضم، والإكثار من الأغذية المختلفة التركيب في فإذا ملأ الإنسان بطنه من الأغذية واعتاد ذلك ، أورثته هذه العادة أمراضا متنوعة من عسر الهضم وصعوبة التنفس والانتفاخ وتعب الكبد والخمول والكسل والصداع وغيرها.

وإذا توسط في الغذاء وتناول منه قدر الحاجة وكان معتدلا في كميته ونوعه كان انتفاع جسمه به أفضل من انتفاعه بالغذاء الكثير. ويفرق الرسول صلوات الله وسلامه عليه هنا بين مرتبتين هما مرتبة الحاجة ومرتبة الكفاية. فحاجة الإنسان هي ما عبر عنه r بقوله لقيمات يقمن صلبه. والباحث الآن في كمية السعرات الحرارية التي يحتاجها الجسم والمقارن لهذه السعرات وكميات الطعام التي تحتويها سيجد أنه تكفيه فعلا هذه اللقيمات كي يمارس حياته بدون تعب أو مجهود. فإن تجاوز مرتبة الحاجة فأقصى ما أوصي به الرسول r هو ملء الثلث بالطعام فهذه هي مرتبة الكفاية التي إن جاوزها الإنسان بدا يشعر بالتعب وأثنى هذا على كمية الشراب الذي يشربه ناهيك عن حركة الحجاب الحاجز التي تساعد في التنفس والتي سوف يعوقها امتلاء المعدة بالطعام والشراب. وهكذا نجد أن الإنسان كي يتقي الكثير من الأمراض فعليه باتباع هدي الرسول r في طعامه وشرابه. وهكذا نجد في هذا الحديث معالم واضحة في الوقاية ليس أمراض الجهاز الهضمي.

وننتقل إلى جانب آخر من جوانب الوقاية من انتشار مرض معين قد نشأ في بعض الناس وكيف نمنع انتشاره بين الآخرين . وكيف ينصح الرسول r " أن هذا الطاعون رجز على من كان قبلكم ، أو على بني إسرائيل فإذا كان بأرض فلا تخرجوا منها فرارا منه ". وإذا كان بأرض فلا تدخلوها. وعن عائشة رضي الله عنها قالت. يا رسول الله فما الطاعون قال (غدة كغدة الإبل المقيم فيها كالشهيد والفار منها كالفار من الزحف). وأخرج البخاري في صحيحه أن الطاعون لا يدخل المدينة) وقبل أن نبين ما في هذه الأحاديث من مواقف نحكي هذه الحادثة التي حدثت في عهد عمر بن الخطاب رضي، الله عنه ورواها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال (خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى الشام حتى إذا كان بسرغ وهي قرية طرف الشام مما يلي الحجاز) لقيه أهل الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه فأخبروه أن الوباء قد وقد بالشام (يقصد الطاعون) قال ابن عباس قال عمر. ادع لي المهاجرين الأولين فدعوتهم فاختلفوا فقال بعضهم قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله r ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال عمر ارتفعوا عني (أي انصرفوا من عندي) ثم قال ادع لي الأنصار فدعوتهم له فاستشارهم وسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم فقال ارتفعوا عني ثم قال ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهإجرة  الفتح فدعوتهم فلم يختلف عليه رجلان فقالوا: نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم علي هذا الوباء. فنادى عمر في الناس أني مصبح على ظهر (أي مسافر غدا) فأصبحوا عليه فقال أبو عبيدة  ابن الجراح أفرارا من قدر الله فقال عمر لو غيرك قالها يا أبا عبيدة نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله. أرأيت لو كانت لك إبل فهبطت واديا له عدوتان أحدهما خصبة ، والأخرى جدبة أليس أن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله قال فجاء عبد الرحمن ابن عوف وكان متغيبا في بعض حاجته فقال: إن عندي من هذا علما سمعت رسول الله r يقول إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه- قال فحمد الله (عمر بن الخطاب) ثم انصرف.

والطاعون وباء شديد الخطورة وأول من وصفه هم قدماء المصريين في تذاكرهم الطبية وقد حدث طاعون مريع في عام 542 قبل الميلاد واكتسح شمال أفريقيا وآسيا وأوروبا أي العالم القديم كله واستمر ينتشر من بلد إلى بلد ما يقرب من خمسين عاما وقد أصيب في هذا الوباء مائة مليون شخص تقريبا وكاد أن يبيد أكثر من نصف سكان العالم آنذاك (Cecil&loed Text Book of Medicine 1971) فهو بصورته هذه رجز وعذاب لا يضارعه عذاب كما أخبر بذلك رسول الله r حتى قال إن هذا الطاعون رجز على من كان قبلكم. 

واستمر الطاعون في الظهور من فترة إلى أخرى وقد ظهر في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وكان مشهورا بطاعون عمواس. وعمواس هي قرية من قرى الشام ظهر فيها هذا الوباء ثم انتشر في كثير من مدن الشام وأدى إلى استشهاد عدد كبير من الصحابة رضوان الله عليهم وفيه جرت تلك المحاورة التي ، أوردناها آنفا نقلا عن الأمامين البخاري ومسلم بين الصحابة رضوان الله عليهم وفيه وقعت تلك المناظرة بين عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما حين قال أبو عبيدة لعمر: أفرارا من قدر الله؟ فأجاب عمر نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله وبين أن اتخاذ الأسباب هو من قدر الله وأن التوكل على الله والثقة به والاعتماد عليه لا يتنافى اتخاذ الأسباب والأخذ بها بل أن اتخاذ الأسباب هو نفسه من الإيمان بقدر الله لأن الأسباب كليا بيد الله وهي مربوبة مقهورة. وهي من سنن الله الكونية والسير؟ فق السنن الكونية لا ينافي الإيمان بالله والتوكل عليه والثقة به. واستمر الطاعون في الظهور من حين لآخر وظهر بصورة وباء عالمي في القرن الرابع عشر الميلادي واكتسح أوروبا وآسيا وكان عدد ضحاياه في أوروبا وحدها خمسة وعشرين مليونا وهم ربع سكان أوروبا آنذاك وقد أطلق عليه اسم الموت الأسود. لأنه قلما ينجو منه أحد ولأن القروح التي كانت تظهر على الجلد وفي الإبط والمنطقة الأربية (GROIN) أو ما يسمى (المراق) والرقبة كانت سوداء وما حولها من الجلد له حمرة داكنة.

(Price Text Book of the practice of Medicine)

وتكرر ظهور الطاعون منذ ذلك التاريخ في مناطق متعددة من العالم ولا يزال يوجد حتى الآن في مناطق من الهند بصورة مرض متوطن. وبصورة أقل في جنوب الصين وبعض جزر أندونيسيا وبعض مناطق مدغشقر وكينيا وأمريكا الجنوبية وبعض مناطق الولايات المتحدة الأمريكية ويصيب بصورة خاصة في هذه المناطق الحيوانات البرية ويسمى بالطاعون البري، وأكثر الحيوانات إصابة به هي الجرذان والفئران والجربوع (وهي كلها من القوارض ، " المدينة الوحيدة في العالم التي لم يصبها الطاعون خلال القرون الطويلة والأحقاب البعيدة والآماد السحقية هي المدينة المنورة تصديقا لحديث رسول الله r. إن الطاعون لا يدخل المدينة).

ونلاحظ هنا: أن الأحاديث الشريفة سالفة الذكر قد حددت ماذا ينبغي على المرء أن يفعله إذا ظهر هذا الوباء (إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه. وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه، وحديث جابر، " الفار من الطاعون كالفار من الزحف والصابر فيه كالصابر في الزحف) فالحجر الصحي يعتبر من أهم وسائل مقاومة انتشار الأمراض الوبائية في عصرنا هذا. ويظهر بجلاء مما تقدم أن الأحاديث النبوية الشريفة قد حددت أسس ومباديء الحجر الصحي كأوضح ما يكون التحديد فهي تمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون كما أنها تمنع أهل تلك البلدة من الخروج منها ومفهوم الحجر الصحي مفهوم حديث لم تعرفه البشرية إلا في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ولا تزال تتعثر تنفيذه إلى يومنا هذا. ومنع السليم من الدخول إلى أرض الوباء قد يكون مفهوما إلى حد كبير دون الحاجة إلى معرفة دقيقة بالطب. ولكن منع سكان البلدة المصابة بالوباء من الخروج منها وخاصة الأصحاء منهم قد يبدو عسيرا على الفهم بدون معرفة واسعة بالعلوم الطبية الحديثة. فالمنطق والعقل يفرضان علي السليم الذي يعيش في بلده بها وباء أن يفر منها إلى بلدة سليمة حتى لا يصاب هو بالوباء. هكذا يقول العقل والمنطق أما الطب الحديث فيقول غير هذا . إنه يقول مثلما يقول الحديث النبوي الشريف ويؤكده. إنه يقول إن الشخص السليم في منطقة الوباء قد يكون حاملا للميكروب. وكثير من الأوبئة تصيب العديد من الناس. ولكن ليس كل من دخل جسمه الميكروب يصبح مريضا. فكم من شخص يحمل جراثيم المرض دون أن يبدو عليه أي أثر من آثار المرض. فالحمى الشوكية والتيفود والسل والكوليرا وكذلك الطاعون قد تصيب أشخاصا عديدين دون أن يبدو على أي منهم علامات المرض بل ويبدو الشخص وافر الصحة سليم الجسم. ومع ذلك فهو ينقل المرض إلى غيره من الأصحاء. وهناك أيضا فترة الحضانة وهي الفترة الزمنية التي تسبق ظهور الأعراض منذ دخول الميكروب إلى الجسم. وفي هذه الفترة يكون انقسام الميكروب وتكاثره على أشده. ومع ذلك فلا يبدو على الشخص في فترة الحضانة هذه أنة يعاني من أي مرض، ولكنه بعد فترة قد تطور وقد تقصر على حسب نوع المرض والميكروب الذي يحمله تظهر عليه أعراض  المرض الكامنة في جسمه. ومن المعلوم أن فترة حضانة فيروس كالإنفلونزا مثلا هي يوم أو يومان بينما فترة حضانة التهاب الكبد الفيروسي قد تطول إلى ستة أشهر كما أن ميكروب السل قد يبقى كائنا في الجسم عدة سنوات دون أن يحرك ساكنا.

ولكنه لا يلبث بعد تلك الحقبة من الزمن أن ينتشر في الجسم. والشخص السليم الحامل للميكروب وكذا الشخص المريض الذي لا يزال في طور الحضانة يعرض الآخرين للخطر دون أن يشعر هو أو يشعر عند الآخرون. لذلك جاء منع رسول الله r لأهل البلدة المصابة بالوباء من أن ينتقلوا منها تشريعا رائعا، ومعجزة طبية وعلمية ظهرت حقيقتها اليوم بعد مضي أربعة عشر قرنا من الزمان. فالشخص السليم في المنطقة الموبوءة قد يكون حاملا بالميكروب كما قد يكون في فترة الحضانة للميكروب.

فإذا: خرج من بلدته تلك لم يلبث أن يظهر عليه الوباء فيعدي غيره وينقل بذلك المرض إلى آلاف الناس. لذلك فقد جاء المنع شديدا والوعيد مرعبا. (والفار من الطاعون كالفار من الزحف). كما جاء الوعد مرعبا وحاثا على الإقامة والصبر (1لمقيم فيه كالشهيد) (والصابر فيه كالصابر في الزحف). ولا يمكن أن يتأتى ذلك لبشر إلا أن يكون نبيا رسولا.

لذلك، فإن حديث الطاعون معجزة كاملة من معجزات الرسول r. ودليل قاطع على صدق رسالته. إذ لا يمكن لبشر عاش لا ذلك الزمان أن يعلم ما في الغيب إلا أن يوحي إليه. وقضية الحجر الصحي وما يتعلق بها كان غيبا من الغيوب التي أظهرها الله تعالى إلى عالم الشهادة في القرن العشرين. ومن المحاولات الجادة لعلماء المسلمين في تفسير سبب المنع من الخروج من البلدة التي بها الوباء ما روي عن الإمام الغزالي حين قال (إن الهواء في البلدة المصابة بالوباء لا يضر من حيث ملاقاته ظاهر البدن بل من حيث دوام الاستنشاق فيصل إلى القلب والرئة فيؤثر في الباطن ولا يظهر على الظهر إلا بعد التأثير في الباطن فالخارج من البلد الذي يقع به الوباء لا يخلص غالبا مما استحكم فيه أي أنه ينطلق وهو يحمل معه الميكروب  إلى بلاد أخرى فينقل بذلك العدوى إلى غيره من الناس بسبب خروجه من بلده المصابة بالوباء.

وفي تفسير سبب المنع من الدخول إلى الأرض التي يقع بها الطاعون قال ابن القيم.. " إن لهذا المنع عدة حكم ": 
الأولى: تجنب الأسباب المؤذية والبعد عنها.
الثانية: الأخذ بالعافية التي هي مادة المعاش والمعاد.
الثالثة. أن لا يستنشقوا الهواء الذي قد فسد فيمرضون.
الرابعة: أن لا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك فيحصل لهم بمجاورتهم من جنس أمراضهم.
الخامسة: حمية النفوس عن الطيرة والعدوى فلا تتأثر بهما وبالجملة فالنهي عن الدخول في أرضه الأمر بالخطر والحمية والنهي عن التعرض لأسباب التلف وفي النهي عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم والتفويض فالأول تأديب وتعليم والثاني تفويض وتسليم .

وفي ختام هذه العجالة نرى أن الإسلام وعنايته بأمر الوقاية من الأمراض قد أخذ حقه ووضح لكل ذي عين.. ويأتي من الأمور المستقرة في نفوس المسلمين وتأكد ارتباطه بالقدر وبأنه جزء منه. وأنه لا ينافي التوكل على الله لأن كل شيء بأسره وكل شيء بإرادته سبحانه وتعالى والله الهادي إلى سواء السبيل.