نشرة الطب الإسلامي العدد الخامس (407 - 412) 1988

أثر الانحلال الإباحي على الصحة العامة
دراسة في التجربة الأمريكية

للدكتور ماهر حتحوت
الولايات المتحدة الأمريكية

عوامل المرض ومسبباته قدم الحياة ، سواء كانت كائنات جرثومية أو طفيليات أو عوامل طبيعية من حر أو قر أو إشعاع ، أو استعدادات وراثية تترك أثرها المباشر أو غير المباشر على صحة الإنسان وبنيته . ونحن نكتشف ما نعده جديداً وهو في الحقيقة ليس بجديد ، وإنما هو قديم كامن لم نعرف عنه أو عن علاقته بالصحة إلا ما شاء الله . 

ولعل العامل الأهم في تحديد مدى إصابة الإنسان بهذه العوامل هو سلوك الإنسان ذاته . فالذي يعرى في البرد او يتدثر في الحر أو ينكشف للإشعاع أو يبيح للجراثيم يصبح الفريسة السهلة بما كسبت يداه . 

وبين تشابك هذه العوامل وتعددها وتعقدها جهد الإنسان أن يتحسس طريقة للسلامة ، ومن هنا كان طب ودواء ووقاية غير أن الطب في زماننا الحديث … وفي صراعه البطولي في المعارك الجزئية غفل عن الصورة العامة للحياة ، وعن أثر السلوك على الصحة . وأمعن الطب في محاولة تطوير العقاقير واختراع الآلات وإحراز الجراحات المعجزة على حساب النظرة الشمولية التي تسبر أغوار الداء وتشخص أسبابه وتتعرف أصوله . ومن هنا نشأ ذلك الوضع المتعاكس ، إذ ازدهر الطب واستشرى المرض في آن واحد . 

وهنا يصبح دور الطبيب المسلم دورا حيويا ، إذ أنه خلال مواكبته للتقدم الطبي ومعايشته مرضاه .. وبشعوره أنه من آثار رحمة الله التي تسع الناس البر منهم والفاجر والمسلم والكافر يمتد تشخيصه إلى الأصول العامة للأدواء ويتناولها تناولا وقائيا وعلاجيا .

وقد استقر سدنة الطب في الغرب على أن مهمة الطبيب هي مهمة علمية موضوعية محايدة لا هي وعظية ولا إرشادية . ورفعوا شعار أن الطبيب يطبب لا يبشر . 

وبينما استحوذ العلاج على طاقة الطبيب في الغرب فلا يزال الطبيب المسلم .. يعتبر الوقاية هي خط الدفاع الأول وخط الدفاع قبل الأخير ، وقد علمه القرآن مفهوم التوقي الذي يمنع البلاء قبل وقوعه … ( قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة ) . سورة التحريم /6 .

(واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) سورة الأنفال / 25 . وغير ذلك الكثير من آي الكتاب وأحاديث الرسول الخاتم r .

والطبيب المسلم يرى أو يجب أن يرى عملية التوقي هذه لا يمكن أن تتحدد في نطاق ضيق وإنما هي سلوك شامل ومركب بقدر تشابك وتعقد أسباب الأدواء التي أشرنا إليها في البداية .. إذ لا يمكن مثلا أن نتوقي الجدري ونهمل الملاريا أو أن نحارب الميكروب ونهمل الإشعاع أو أن نكافح السرطان ونتغاضى عن العنف والجريمة الناتجة من الخمر والمخدر لأن النتيجة لأي من هذه الأدواء هي تعاسة الإنسان وتهديد سلامته .

يرى الطبيب المسلم بحسه الإسلامي أن الوقاية عملية شاملة ، صيغة متكاملة تتمثل في إسلام الإنسان وجهه لله وهو محسن ، فيسلك طريقا للنجاة موصوفا مرصوفا، ويرى بوضوح مسئوليته أن يدل الناس على ذلك الطريق إن لم يكن كمعتقد فعلي الأقل كسلوك ، وهو يفعل ذلك لا محاكما ولا مدينا ، ولا واعظا ، أو محاضرا ولكن طبيبا ائتمنه الله على صحة الناس وأسرارهم .. وهو لذلك يشخص أدواء الناس ويرتاد معهم سبل الوقاية ثم يرجع الجزئيات كلها إلى أصل واحد وهو أن الإنسان كائن مسئول لن يترك سدى ، وهو كائن مؤثر في الحياة ومتأثر بها ، وأنه من غير الممكن أن ينحصر في ذاته أو أن يعبد هواه ثم يتوقع سعادة أو سلامة لنفسه أو لغيره في دنياه أو أخراه . 

وعلى ذلك فإن الإباحية ليست دعوة للحرية ولكنها ادعاء وتلبيس تؤدي إلى وبال الجسوم وخبال الألباب . ولا تصيبن الذين ظلموا خاصة . وقد أدى غياب هذه النظرة السابرة والشاملة عن ساحة الطب الحديث إلى ما يأتي أولا : عزل الطبيب عن الإنسان . وتحصنه وراء المختبرات والأجهزة والأرقام . وثانيا : حرمان المجتمع من صوت عارف ومحترم وجهوري إذا سمع اتبع .. صوت العلم الذي يؤثر في الناس على اختلاف الملل والنحل . وقد تركت مهمة التنبيه لمواطن الخطر لرجال الدين وعلماء الاجتماع . أما رجال الدين في الغرب فقد خفت صوتهم حينا وعلت عليه الأصوات أحيانا واتهموا بأنهم إما يقولون فيما لا يعلمون أو يعلون عكس ما يقولون .. ففقدوا بذلك الأهلية التي يحتاجها من يريد أن يغير حياة الناس .

أما علماء الاجتماع فاكتفوا بالإحصاء والرصد دون التنبيه إلى مخاطر الطريق متعللين بالموضوعية العلمية فانصرف جل جهدهم إلى توصيف الظواهر الاجتماعية لا إلى محاولة صياغة المجتمع ، وقطعا لا إلى صياغته طبقا لفلسفة واضحة ترتكز على مسئولية الإنسان ، ناهيك عن قيم الأديان . 

أدى ذلك إلى أضرار صحية بالغة القبح والخطورة أجتزيء للتدليل عليها بعضا يسيرا من الإحصاءات .

وأحب وأنا بهذا الصدد أن أنبه أولا : أنني لا أقصد أن أدعي أن الغرب يشارف الانهيار فهذه سذاجة لا تليق بذوي الأحلام ، لا يقول بها إلا من رأي الغرب زيارة عابرة أو قراءة طائرة وهو يغفل عن المحاولات الجادة والقدرة المثيرة خاصة في أمريكا على المراجعة والتصحيح . وثانيا : لا أقصد أن أعقد مقارنة بين غرب وشرق فلنا من همومنا وأدوائنا ما يستوعبنا عن المقارنات .. " وكلنا في الهم شرق " .. وغرب .

وإنما أريد أن أدلل على عواقب فلسفة معينة تبيح للإنسان أن يتخذ إلهه هواه . وتخلط بين الحرية والإباحية ، وتجرد الإنسان من عزة الانتماء وشرف المسئولية وبذلك نلقي نظرة سريعة على بعض الأرقام : ـ

على مدار العشرين سنة الأخيرة زادت نسبة الحمل غير الشرعي من 15 % إلى 51% . 

في ذلك العام يتوقع في أمريكا مليون ومائة ألف حمل في سن المراهقة ـ 75 % من هذه الحالات لم يكن الحمل فيها مقصودا ، ربعمائة ألف حالة من هاته ستجهض مبكرا بينما أكثر من مائة ألف أخرى ستسقط في أشهر الحمل الأخيرة ـ وتتكلف الحكومة 2 , 1 مليون دولار لكل أم مراهقة . 

70% من أمهات السفاح يعشن على نفقة التأمين الاجتماعي للدولة الذي يمول بواسطة دافعي الضرائب . 

فيظل هذه الفوضى أصبح 51 % من الحالات الداخلية في المستشفيات لشباب تحت الثامنة عشر هي لحالات ناتجة عن مضاعفات الإباحية الجنسية ، وزادت نسبة الإصابة بالسيلان للفتيات المراهقات 400% في السنوات العشرين الأخيرة !

في كل يوم يصاب 33000 ألف مواطن أمريكي بمرض من الأمراض التي تنتقل بالممارسة الجنسية (STD) ويبلغ المجموع هذا العام 12 مليونا . 

ويمكننا بسهولة تصور مدى الخسارة المادية والصحية المتمثلة في هذه الأرقام . 

يزيد الطين بلة أن هذه الفوضى تغذى بإعلام يتوخى الكسب المادي على حساب الصحة الاجتماعية .. ولنظر الآن لبعض الحقائق بذلك الشأن . 

يقول ليبرت سباركفين في كتابه " النافذة المبكرة " إن الشخص العادي يشاهد ثلاثين ومائتين وتسعة آلاف وضع جماع أو دال على جماع في العام الواحد . وأن 81% من هذه الحالات تمثل علاقات غير زواجية . لو انتقلنا من منطقة الإباحية الفسيولوجية إلى الإباحية الشاذة كاللواط مثلا وجدنا الحقائق تنذر بشر مستطير . 

ولا أريد في هذه الوريقة أن أتناول مرض الانهيار المناعي المكتسب AIDS ، فأحسب أن في مثل هذا الجمع من سيعطيه حقه من تغطية علمية ، أحب فقط أن أذكر ثلاث نقاط : 

أولا : إن ذلك المرض عالمي الانتشار ، وإن جزءا كبيرا من الفارق الظاهر بين بعض المجتمعات وغيرها قد يكمن في دقة التشخيص والجرأة في الإعلان الذي تتميز به بعض المجتمعات دون بعضها الآخر . ومنذ عام 1986 حيث كانت الحالات في الولايات المتحدة خمسا وعشرين ألفا ، فإنها تتضاعف كل عام حتى عامنا هذا .

ثانيا : إن ذلك المرض يصيب أبرياء نقل لهم دم من من مصاب آن حاجة وعدد كبير منهم من الأطفال .

ثالثا : إن ذلك المرض يتناسب طرديا مع انتشار المخدرات ، ويمثل المدمنون مستودعا متخما لهذا الداء . 

وفي عام 1985 احتل مرضى الإيدز ثلاثة وعشرين ألف سرير من مستشفيات نيويورك بزيادة 18 % عن العام السابق له ، وتقدر تكاليف العيادة الداخلية فقط للمريض الواحد بحوالي 147000 دولار بمعدل 635 دولاراً في اليوم الواحد . 

وليست مشكلة الشذوذ منحصرة في الإيدز وأحيل المهتمين إلى البحث الذي قدمته لمؤتمر الطب الإسلامي في كراتشي منذ عامين وفيه ناقشت متلازمة القولون اللواطي ، وهو مركب مرضى يستشري في الشواذ وينتقل منهم إلى الآخرين عن غير طريق الممارسة الجنسية من أطعمة وأشربة وغيرها . 

كذلك وبخصوص صورة أخرى من صور الإباحة أحب أن أحيل المهتمين إلى البحث الذي قدمه الكاتب لمؤتمر الطب الإسلامي الأول الذي عقد في الكويت ، بعنوان ( مشكلة طبية مستعصية اقتراح حل إسلامي ) الذي ركز على مشكلة الإدمان الكحولي في المجتمع الأمريكي . مبينا الأضرار الوخيمة لذلك النوع من الإباحة غير أني في هذا المقام أود أن أضيف نقطتين إلى البحث القديم المشار إليه . أولا آخر الإحصاءات هذا العام عن الأضرار الواقعة على المواطنين الأبرياء بسبب سكر السكارى وأكتفي لذلك بعرض الشريحة التي نشرت في مجلة الخمر والإدمان عام 1988 مبينا الآتي : 

47% أو ما يعادل 81 مليونا من البالغين في الولايات تعرضوا في وقت أو آخر في حياتهم لمعاناة نفسية أو جسمية أو اجتماعية نتيجة لسكر شخص آخر وهي حقيقة تجسد الظلم الواقع على الشرائح البريئة في المجتمع . 

هناك علاقة وطيدة بين الخمر والمخدرات ، حيث بين التقرير المنشور في عام 1987 للجمعية الطبية الأمريكية لمكافحة الخمر أن نسبة الوفاة بين الكحوليين هي ثلاثة أعال لها بين سائر الناس . 

يضيق مقام هذه الورقة عن استعراض كل مظاهر الإباحة وإنما اجتزأنا لنبين أبعاد قضية .

من المهم أن نعي أن الإباحية ظاهرة لا تقبل التجزيء ولكنها تبدأ في منطقة ثم تتولد في مناطق أخرى كما يتكاثر العفن ، لا يمكن أن تكون إباحية خمر من غير إباحية مخدرات وبالتالي عنف جريمة وبيع أعراض فاستشراء أمراض إلى آخر المركب المنكود . ذلك أن هذه الإباحيات لا ترتبط ببعضها فقط ارتباط الأسباب بالمسببات وإنما هي أيضا تشترك في أصل واحد وتنتج من قاعدة فلسفية واحدة تتخلص في : لا هدف ولا مسئولية ، خذ ما تستطيعه الآن وكل الذي فوق التراب تراب . 

في وسط هذا الركام الكثيف على الطبيب المسلم من منطلق علمي طبي أن يكون الصوت الصارخ في البرية يتحدى المقولات شبه العلمية المطروحة وأن يدعو ويعمل على معالجة أصول الأدواء . 

وأحب أن أدعو زملائي الأطباء المسلمين للآتي : 

1 - أن نفرد الجزء الأكبر من مؤتمراتنا ومن جهودنا الجماعية لتكوين استراتيجية طبية تقوم على النظرة العميقة والشاملة لصحة الناس ، بدلا من استهلاك كل الطاقة في محاولة إثبات فوائد العمل أو أن في السنة المطهرة كتاب عقاقير . 

2 - أن تتضمن هذه الاستراتيجية إجراء أبحاث منضبطة علميا تثبت زيف المحاولات المبتسرة التي تعالج الظواهر دون الجواهر والأعراض دون الأمراض .

وربما يحفز ذلك إناسا أن يعيدوا التفكير والتقدير ، فيصبحون لذلك أطوع للهداية وأبعد عن الغواية .. ( فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره الإسلام ) سورة الأنعام / 125 .