فـقـــه الصحـــة

تقديم 

بقلم حسين عبد الرزاق الجزائري
المدير الإقليمي 
لمنظمة الصحة العالمية لشرق المتوسط
لا يخالف أحد في أن الصحة نعمة من أكبر نعم الله عز وجل، وهي في نظر الإسلام أعظم نعمة بعد نعمة الإيمان، إذ يقول رسول الله  " ما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من معافاة ".
على أن ثقة نعمة أخرى لا يكاد الإنسان يؤدي شكرها، ألا وهي أن الله سبحانه " الذي قدر فهدى "، قد دل الإنسان على خير الدنيا والآخرة، وهداه إلى ما فيه مصلحته وحفظ نفسه وعقله ونسله، ومن أجل ذلك اشتملت آيات القرآن الكريم وأحاديث النبيr على عديد لا يحصى من مبادئ حفظ الصحة، التي تحافظ للمرء على سوئه، وتحفظ عليه عافيته، وهي مبادئ مبثوثة في نصوص هذه الشريعة السمحة، بحيث يعجب المرء لم تصنف كما صنف غيرها من النصوص، بطريقة تيسر استنباط الأحكام منها، وتسهل على الإنسان العلم بأحكامها الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. 
ولقد حاول الأخ الدكتور محمد هيثم الخياط، أن ينهض بفرض الكفاية في مجال الفقه الصحي هذا الذي نشير إليه، فأعد- بدعوة كريمة من المنظمة الإسلامية للعلوم الطبية- محاضرة بعنوان " فقه الصحة " ألقاها في المؤتمر الرابع للطب الإسلامي الذي عقد في كرا تشي سنة 1405 للهجرة [1984 للميلاد)، ونشرت في المجلد الذي أصدرته المنظمة الإسلامية عن المؤتمر
.

وقد رأينا تعميم الفائدة بنشر هذه المحاضرة في سلسلة الهدي الصحي، ولاسيما بعد أن تناولها كاتبها بكثير من الإضافات والشروح، وأغناها بما استطاع أغناها به من نصوص الشريعة الغراء، وحرص على تخريج أحاديثها مقتصراً من هذه الأحاديث على ما بلغ مرتبة الحديث الصحيح، أو الحسن على الأقل .
 وليس لنا في ختام هذا القديم إلا  أن نضرع إلى الله عز وجل- وهو أكرم مسؤول- أن يجعلها من العلم الذي ينتفع به، ويلهم قراءها الالتزام بما تشتمل عليه من قواعد صحية مستنبطة من نصوص الشرع، وييسر لكاتبها أن يعيد تحرير فصولها بحيث تتحول إلى كتاب مكتمل، يشتمل على مزيد من التفاصيل الصحية التي تضمن تمام الفائدة منها إن شاء الله .

والله سبحانه من وراء القصد، وهو المستعان.
 
 

ووضع الميزان

هذا حديث في فقه الصحة .

والفقه-كما نعلم- هو العلم بالأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية .

والصحة- كما نعرفها اليوم- حالة من المعافاة الكاملة بدنياً ونفسياً واجتماعياً و ر وحياً .

ونحن نقرأ في مدوناتنا الفقهية نفائس في فقه العبادات وفقه المعاملات وفقه النكاح وفقه الأقضية ، ولكننا لا نقرأ باباً في فقه الصحة. وما ذاك لأنه فقه غير موجود أو أنه عزيز الوجود، بل الواقع إنه مبثوث " هنا وهناك وهنالك حتى ليكاد يطالعك في كل باب من أبواب، الفقه، ولعله من أجل ذلك كاد يخفى من كثرة ما تجلى، وشدة القرب حجاب كما يقولون .

وهذه محاولة متواضعة لوضع خطة لتجريد هذا الفقه وجمعه من مكانه، ساعد عليها هذا التطور الهائل في مفهوم الصحة في العالم بأسره، وما تلا ذلك من تواطؤ المسؤولين عن شؤون الصحة في العالم على غاية يعملون جميعاً من أجلها، ألا وهي إتاحة الصحة للجميع في  عام ألفين إن شاء الله ، مع اتخاذ أسلوب الرعاية الصحية الأولية سبيلاً  إلى ذلك.، وكم كان يجدر بالمسلمين الذين شرفهم الله بحمل رسالة الحضارة، أن يكونوا ، السابقين بالخيرات الداعين إلى هذه المبادئ التي يجدونها مكتوبة عندهم، فقد وصفهم الله عر وجل بكونهم ] خير أمة أخرجت للناس [ [ آل عمران: 110] وهذه الخيرية تقتضي بالطبع أنهم يستطيعون أن يقدموا خير الحلول لمشكلات البشرية، وخير المناهج لتحسين أوضاعها. وأنتم واجدون معي إن شاء الله، أننا في محاولتنا التعرف على فقه الصحة سنجد النهج الأفضل للحفاظ على صحة الإنسان والارتقاء بها على الوجه الأمثل .

ونحن إذ نتحدث عن الصحة لا نقتصر على الطب بمعناه الشائع اليوم أعني طب العلاج. فقد أجمع الأطباء- من قبل ومن بعد- على أن الطب طبان : حفظ  الصحة على الأصحاء، ورد الصحة على المرضى بالمداواة وبالتأهيل. وقد ورد عن النبي r جملة أحاديث، تصف بعض الأدوية لبعض الأمراض. واهتم بها بعض العلماء، ظانين أنها جزء من الدين والوحي الإلهي. ولكن الواقع أن منها ما هو مما عرفته العرب من خبرات البيئة وتجاربها، كما جاء في الحديث المتفق عليه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: " إن كان في شيء من أدويتكم خير- أو قال شفاء- ففي شرطة محجم أو شربة عسل أو لذعة بنار توافق الداء؛ وما أحب أن أكتوي ". ومنها ما يليق ببيئة معينة في حرارتها ومناخها وظروفها، كالبيئة الصحراوية العربية، لا يمكن أن يحمل على العموم لكل الناس- كما بين الإمام ابن القيم رحمه الله في" زاد المعاد "- " ورسول الله  r - كما يقول ابن القيم- إنما بعث هادياً، وداعياً إلى الله وإلى جنته، ومعرفاً بالله، و- مبيناً للأمة مواقع رضاه وآمراً لهم بها، ومواقع سخطه وناهياً لهم عنها…… وما طب الأبدان فجاء من تكميل شريعته، ومقصوداً لغيره… ".

فالمهم في هذا الشطر من شطري الطب، شطر المداواة، أن النبي r قرر مبدأ التداوي وأمر به، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه أبو داو ود عن أسامة بن شريك رضي الله عنهما: " تداووا! " وفي رواية الترمذي: " نعم، يا عباد الله تداووا! " ؛ وفتح باب الأمل على مصراعيه أمام المرضى في إمكان الشفاء من كل مرض كما في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري " ما أنزل الله من داء إلا  أنزل له شفاء "  ؛  وحث الأطباء على التفتيش عن الدواء والقيام بالبحث العلمي الذي يوصلهم إليه، بقوله   r في الحديث الذي رواه مسلم وأحمد عن جابر: " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء، برأ بإذن الله " وفي رواية لاحمد : " إن الله لم، ينزل داء إلا  أنزل له شفاء: علمه من علمه، وجهله من جهله".

والمهم في شطر المداواة أيضاً، أن النبي  r وضع  للناس قضية التداوي في موضعها الصحيح، يوم قيل له- في ما رواه الترمذي عن أبي خز أمة-: " أرأيت رقى تسترقيها، ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئاً؟ فقال r: هي من قذر الله ". مبيناً بذلك- بأبي هو وأمي- أن أقدار الله تدفع بأقدار الله. فلا مكان في الإسلام للتواكل باسم التوكل، بل إن المسلم مأمور بأن يدفع قدر الله بقدر الله، متوكلاً في ذلك على الله .

والمهم في شطر المداواة كذلك، أن النبي  r ، قد قاوم ما يسمى " بالطب الروحاني "، واحترم الطب القائم على الملاحظة والتجربة، والأسباب والمسببات وأبطل ما أشاعته الوثنية الجاهلية عند العرب وغيرهم، من أطرح الأسباب الظاهرة والسنن الكونية، والاعتماد على الأسباب الخفية والقوى المجهولة، من تمائم، ورقي غير مفهومة، وشعوذة يروجها السحرة والدجالون.. فقال r في الحديث الذي رواه الإمام أحمد عن عقبة بن عامر: " من علق تميمة فقد أشرك "، وفي رواية عنه لأبي داو ود والنسائي وابن ماجة والحاكم: " من علق تميمة فلا أتم الله له، ومن علق ودعة فلا ودع الله له " أي لا تركه الله في دعة وسكون. 

 هذا ما كان من أمر ما  و رد في هديه  r في التداوي. أما حفظ الصحة على الأصحاء، فذلك جزء واضح من هديه r، لأن قواعد حفظ الصحة  قواعد عامة، تنسجم مع سنن الله في خلقه، والقوانين التي وضعها الخالق لخليقته، وتسعى إلى المحافظة على خفق الله في وضعه الأمثل، فقد قال سبحانه في سورة الأعلى [1- 2] ]سبح أسم ربك الأعلى الذي خلق فسوى [ ،وقال عز من قائل في سورة الانفطار [ 6-  7] ] يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك ، فعدلك  [ ، وقال تبارك وتعالى في سورة الشمس [ 7 ] :
] ونفس وما سواها [ . فالمحافظة على وضع " السواء " هذا جزء أساسي من مقاصد هذه الشريعة، لأن " الشرع موضوع لجلب مصالح العباد ودرء مفاسدهم " .

- "كما يقول العالم العامل المجاهد الفذ عز الدين بن عبد السلام في كتابه النفيس " قواعد الأحكام في مصالح الأنام" ثم يوضح ذلك بقوله:
" والشريعة كلها: إما تدرأ مفاسد أو تجلب مصالح. فإذا سمعت الله يقول: ] يا أيها الذين آمنوا [ ، فتأمل وصيته بعد ندائه، فلا تجد إلا خيراً يحثك عليه، أو شراً يزجرك عنه، أو جمعاً بين الحث والزجر. وقد أبان في كتابه ما في بعض الأحكام من المفاسد حثاً على اجتناب المفاسد، وما في بعض الأحكام من المصالح حثاً على إتيان المصالح ".

وقد صدق رحمه الله وأحسن إليه، فإن الله سبحانه قال لنبيه  r في سورة الرعد [ 17] ] كذلك يضرب الله الحق والباطل : فأما الزبد فيذهب جفاء ، وأما ما ينفع الناس في دنياهم وأخراهم هو الحق الذي أرسل به رسوله وقال عنه : ] يا أيها الناس قد جاءكم الرسول بالحق من ربكم   [ [ النساء: 170] وقال عنه: ]والذي أنزل إليك من ربك الحق [ [ الرعد: 1] وقال عنه: ] ويرى ا الذين أوتوا العلم الذي انزل إليك من ربك هو 1لحق   [  [ سبأ: 6].

ولعل من خير من وفى هذا الموضوع حقه، الإمام نجم الدين الطوفي الحنبلي في شرحه لحديث " لا ضرر ولا ضرار " إذ قال: " إنه يقتضي رعاية المصالح إثباتاً والمفاسد نفياً " ثم استدل على ذلك بعدة أدلة تفصيلية من الكتاب والسنة، ثم عرض طريقته التي تقوم على " التعويل على النصوص والإجماع في العبادات والمقررات، وعلى اعتبار المصلحة في المعاملات وباقي الأحكام " فقال مبيناً لذلك: " وإنما اعتبرنا المصلحة في المعاملات ونحوها دون العبادات وشبهها لأن العبادات حق للشارع خاص به، ولا يمكن معرفة حقه كماً وكيفاً وزماناً ومكاناً إلا من جهته فيأتي به العبد على ما رسم له... وهذا بخلاف حقوق المكلفين فإن أحكامها سياسة شرعية وضعت لمصالحهم، وكانت [ مصالحهم] هي المعتبرة وعليها المعول ".

" وقد اتفقت الأمة، بل سائر الملل- كما يقول الإمام الشاطبي في " الموافقات "- على أن الشريعة وضعت للمحافظة على الضروريات الخمس، وهي الدين والنفس والنسل والمالي والعقل ".

وهذه هي حقوق الإنسان الأساسية ! 

ونحن واجدون إن شاء الله بعد قليل تأمل، أن ثلاثاً من هذه الضروريات الخمس، وهي النفس والنسل والعقل، لا تكتمل المحافظة عليها إلا بحفظ الصحة. ولكن حفظ الصحة ليس إلا واحداً من عدة أمور لابد منها جميعاً للمحافظة على هذه الضروريات، ولا يتأتى حفظ الصحة ما لم تتوافر تلك الحاجات الأساسية التنموية الأخرى أيضاً، وهي المآكل، والمشارب. "والملبس، والمساكن، والمناكح، والمراكب، والأمن، والتعليم، والدخل.ولو أن النبي r جعل الصحة في المقام الأول فقال: " سلوا الله المعافاة،فإنه لم يؤت أحد بعد اليقين خيراً من المعافاة " [ رواه ابن ماجة عن أبي بكر] وقال:" إنه لا بأس بالغنى لمن اتقى، والصحة لمن اتقى خير من الغنى " [رواه ابن ماجة والحاكم وأحمد عن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عمه ] وقال: " من أصبح منكم معافى في جسده، آمناً في سربه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا "[ رواه ابن ماجة عن عبد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه ] .

فلا عجب إذن، أن نجد في كتاب الله عز وجل، وسنة نبيهr ، كثيراً من النصوص التي تضمن للإنسان حفظ صحته، وتعزيزها، والمحافظة على وضعه السوي الذي فطره الله عليه. ولو أننا تعمقنا في فهم هذه النصوص،وطبقناها تطبيقاً سديداً على ما ينبغي أن يفعله الإنسان، إذن لوجدنا بين أيدينا سافراً مسهباً في فقه الصحة، بناء على أن الشريعة هي النصوص المحكمة، والفقه هو عمل الفكر الإسلامي في إعمال هذه النصوص.

ويأتي في مقدمة هذه النصوص المباركة ذلك النص الفريد الذي لا نجده في أي كلام آخر سوى كلام المعصوم r ،  وهو قوله في الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو : " إن لجسدك عليك حقاً ". وقد توصل الناس بعد أربعة عشر قرناً من تقرير الإسلام لحقوق الإنسان، إلى إصدار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولكنهم لم يتوصلوا بعد إلى إعلان " حق الجسد "، الذي من حقه على صاحبه أن يطعمه إذا جاع، ويريحه إذا تعب، وينظفه إذا اتسخ، ويحميه مما يؤذيه،ويقيه من الوقوع في براثن المرض، ويداويه إذا مرض، ولا يكلفه ما لا يطيق. وهو حق واجب لا يجوز في نظر الإسلام أن ينسى ويهمل لحساب الحقوق الأخرى، ولو كان منها حق الله عز وجل.

ومن أهم النصوص التي نستمد منها فقه الصحة، قوله سبحانه وتعالى في سورة الرحمن [7- 9 ] :

ووضع الميزان :
أن لا تطغوا في الميزان !
وأقيموا الوزن  بالقسط
ولا تخسروا الميزان [

فهذه الآية الجامعة تتحدث عن هذا الميزان، الذي وفي صنعه الله جل وعز في طبيعة هذا الكون بمختلف منظوماته ومنها الإنسان، فتلفت النظر إلى هذا التوازن الذي ينتظم كل شيء.. كل شيء، وتنبه إلى أن أي إخلال به، أياً كان اتجاهه: طغياناً كان أم إخساراً ، يمكن أن يخل بهذا الميزان ويفضي إلى أسوأ العواقب: كما قال سبحانه في سورة يونس [23 ] : ] يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم [ .

ولقد فهم الطبيب العربي المسلم ذلك واستوعبه، وطبقة  في مجال الصحة، معبراً عن هذا التوازن الديناميكي بتعبير الاعتدال. فقال علي بن العباس مثلاً، في " كامل الصناعة " [ج 2/ ص 3]، قبل ألف عام، بكل إيجاز :
" والصحة هي اعتدالا البدن " .

وعبر عن ديناميكية هذا التوازن ابن سينا في " القانون " [ ص 4 طبعة رومية عام 1593 م]- قبل ألف عام أيضاً- بقوله : "الاعتدال الذي للإنسان له عرض [ مجال ] وله في الإفراط والتفريط حدان " .

فهو إذن ميزان يتأرجح بين حدين يحدان الاعتدال.

وللحفاظ على هذا " الميزان الصحي " في حالة الاعتدال، وحمايته من الاختلال، وإعادته إلى الاعتدال كلما اختل، ينبغي أن يكون للمرء " رصيد  صحي أن " إن صح التعبير، وردت الإشارة إليه في حديث البخاري عن  عمر رضي الله عنهما :

" وخذ من صحتك لمرضك "

وهذا الرصيد الصحي قد يعني حالة تغذ ويه حسنة، وقد يعني ذخيرة مناعية جيدة، وقد يعني لياقة بدنية تمكنه من التكيف تكيفاً ناجحاً تلقاء الضغوط التي يتعرض إليها البدن، وقد يعني طمأنينة أو استقراراً عاطفياً وانفعالياً، يجعله قادراً على، مجابهة الكريات النفسية التي تزعزع الكيان.. بل الحق إن الرصيد الصحي إنما هو جماع ذلك كله .

*

هذا الفصل الذي ذكرته من فصول فقه الصحة، هو الذي نعتبره اليوم في منظمة الصحة العالمية من مكتشفات هذا العصر، متحدثين عن  بعدين اثنين للصحة، هما بالحرف " الميزان الصحي " health balance  و" الرصيد الصحي "health potential"كما نطلق على السبل المتخذة للحفاظ على اعتدال الميزان الصحي اسم " حفظ الصحة ، health protection  ، وعلي السبل المتخذة لزيادة الرصيد الصحي اسم " تعزيز الصحة " health promotion . وفى إطار هذين البعدين ، صاغت منظمة الصحة العالمية قبل خمسين سنه فحسب ، تعريفها للصحة على أنها " المعافاة الكاملة ، جسمياً ونفسياً واجتماعياً ، لا مجرد انتفاء المرض أو العجز " .

يذكرنا ذلك بحديث رسول الله  r الذي رواه ابن ماجة عن سيدنا أبي بكر رضي الله عه:
" سلوا الله المعافاة، فإنه ما أوتى أحد بعد اليقين خيراً من معافاة ". وقد كان لهذا التعريف- تعريف منظمة الصحة العالمية- وقع كبير، فقد كان الأطباء من يعرفون الصحة على أنها انتفاء المرض كالذي يعرف الحياة بأنها انتفاء الموت! وأغفل الجهابذة الغربيون في النصف الأول من هذا القرن ما قاله أطباؤنا.. أطباء الحضارة العربية الإسلامية قبل مئات السنين. فالصحة- كما قال الطبيب النفقية ابن رشد، في الكليات"[ ص 31 ] قبل ثمانمة 
عام -:
" هي حالة في العضو، بها يفعل الفعل الذي له بالطبع، أو ينفعل الانفعال الذي له "، أو هي- كما قال علي بن العباس، في " كامل الصناعة " [ ج 2/ ص 3)، قبل ألف عام-:

" حال للبدن، تتم بها الأفعال التي في المجرى الطبيعي "

أو هي- كما قال ابن النفيس، في الموجز في الطب [ص 38 ] قبل سبعمائة عام-:
" هيئة بدنية تكون الأفعال بها لذاتها سليمة.. والمرض هيئة مضادة لذلك  ".

فالصحة عند أطبائنا جميعاً إذن هي الأساس والمنطلق، والمرض هو الهيئة المضادة للصحة. وهم إنما فقهوا ذلك من قول ربهم عز وجل ] خلقك فسواك فعدلك [  [ الانفطار 7 ]، وقوله من قائل: ] خلق فسوى [[ الأعلى: 2]، وقوله سبحانه: ] لقد خلقتا الإنسان فى احسن تقويم [ [ التين: 4 ]، وقوله تبارك وتعالى: ]  ونفس وما سواها  [ [ الشمس: 7] .

ومما يلفت النظر في هذا التعريف، الحديث عن معافاة" كاملة لا عن مجرد معافاة. فمادة " ع ف و " التي تشتق منها المعافاة في لسان، العرب، أصل يدل على الكثرة والفضل. ف " عفو" كل شيء: خياره وأجوده وما صفا منه وكثر.. وهذه هي الصحة التي نريد: الإنسان في خير أحواله وأفضلها وأجودها وأرقاها: بدنياً ونفسياً واجتماعياً وروحياً .
 
 

الصحة نعمة

الإسلام يعتبر الصحة نعمة كبرى يمن الله بها على عباده، به، يعتبرها أعظم نعمة بعد نعمة الإيمان؟ إذ يقول النبي r، في ما رواه البخاري وغيره عن ابن عباس: " نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ " ويقول r في ما رواه ابن، ماجة عن سيدنا أبي بكر رضي الله عنه: " ما أوتي أحد بعد اليقين خيراً من معافاة ". وهي بما أنها نعمة تستحق الشكر عليها من جهة والمحافظة عليها من جهة أخرى . 

والصحة مسؤولية كبرى أمام الله عز وجل، فالنبي  r: " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد؟ " [ رواه الترمذي وابن حيان والحاكم وغيرهم وصححه الحاكم ووافقه الذهبي؟]، ويقول: " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن عمله فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، ،وعن جسمه فيم أبلاه " [رواه الترمذي عن أبي برزة الأسلمي وقال: حديث صحيح).

ولذلك كان من واجب المسلم أن يحافظ على هذه النعمة، ويحذر عليها من التبديل والتغيير بإساءة التصرف وإلا حل به العقاب جزاءً و فاقاً على ذلك، .بمقتضى سنة الله الثابتة وقوانينه: ]  ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله  شديد العقاب [  [ البقرة: 211] ] ذلك بأن الله لم بك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما  بأنفسهم [  [ الأنفال: 

أما المحافظة على هذه النعمة، فتكون برعاية الصحة والقيام بكل ما يبقيها ويحسنها. فكل ما يقرر أهل الذكر من الأطباء أنه مؤد إلى حفظ الصحة، يتوجب على المسلم القيام به انطلاقاً من هذا المبدأ. هذا على أنه قد ورد في الكتاب والسنة كثير من التعاليم التي ترسم للمسلم طرق المحافظة على صحة بدنه جملة، وصحة أعضائه عضواً عضواً .

والأمثلة على ذلك كثيرة مباركة نذكر منها على سبيل المثال لا  الحصر: الوضوء، الذي يفترضه الإسلام على الإنسان كلما انتقض وضوءه ، مع الترغيب في الإكثار منه وتكراره عند كل مناسبة. فقد قال r : " مفتاح الصلاة الطهور " [رواه ابن ماجة والترمذي عن علي رضي الله عنه) وفي رواية " للترمذي عن جابر:" مفتاح الصلاة الوضوء ". بل قد " كان النبي r يتوضأ عند كل صلاة " [رواه الترمذي عن أنس بن مالك] وكان يقول: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن "[ رواه ابن ماجة عن ثوبان] ويقول: " الوضوء شطر الإيمان " ] رواه الترمذي عن أبي مالك الأشعري وقال حديث حسن صحيح]. ويستحب للجنب الوضوء إذا أراد الأكل أو النوم، فقد سئل r  عن الجنب هل ينام أو يأكل أو يشرب فقال: " نعم" إذا توضأ وضوءه للصلاة " [ رواه ابن ماجة عن جابر بن عبد الله]، كما يستحب له الوضوء قبل تكرار مباشرة أهله: " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ " [رواه مسلم وابن ماجة عن أبي سعيد]، وقبل النوم: " إذا أتيت مضجعك فتوضأ وضوءك للصلاة " [ متفق عديه عن البرء بن عازب ] وعند الغضب، والغيبة، ودخول المسجد، والأذان والخطبة، وزيارة القبور، ومن مس الميت ومن حمله، وعند قراءة القرآن.

ومما يضمن من العبادات المحافظة على الصحة: الغسل، وهو فرض عند الجنابة لقوله تعالى: ] وإن كنتم جنباً فاطهروا[ [ المائدة: 6] وقوله سبحانه: ]يا أيها الذين آمنوا لآ تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا[ [ النساء: 43 ] ولكن النبيr  - قد سن لأمته الغسل وحثهم عليه في مناسبات عديدة منها غسل الجمعة لقوله r :" حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: يغسل رأسه وجسده "[ متفق عليه عن أبي هريرة ] وقوله: " من أتى الجمعة فليغتسل " [متفق عليه عن ابن عمر ] ؛ كما يستحب غسل العيدين والغسل عند الإحرام للحج والعمرة، وبعد غسل الميت ولصلاة الاستقاء والكسوف، والاعتكاف، وعند تغير رائحة البدن، ولحضور كل مجمع من الناس. 

ولا يقتصر الأمر على النظافة العامة، بل هناك النظافة الموضوعية اليدين، فقد كان r : " إذا أراد أن يأكل غسل يديه " [ أن يأكل غسل يديه [رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ]، وتقليم الأظفار لقوله عليه السلام: " خمس من الفطرة: الختان والاستحداد [ حلق العانة ] ، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وقص الشارب "[متفق عليه عن أبي هريرة]. وكذلك نظافة الأرجل فقد كان r  [إذا توضأ يدللك أصابع  رجليه بخنصره " [ رواه أبو داود عن المستورد بن شداد ] ويقوله: " ويل للأعقاب من النار . أسبغوا الوضوء " [ رواه أبو داود عن عبد الله بن عمرو ] .

ومن أهم ما ركز عليه الإسلام حفظ صحة الفم فقد حض الإسلام على المضمضة فقال عليه السلام: " إذا توضأت فمضمض " [ رواه أبو داود عن لقيط ابن صبرة ]  وقال: " مضمضوا من اللبن فإن له دسماً " [ رواه أبو داود وأبن ماجة عن ابن عباس ] . كما حض الإسلام على تنظيف اللثة، فقد قال r : "نظفوا لثتكم من الطعام وتسننوا 
[ تسوكوا] " [رواه الحكيم الترمذي في نوادر الأصول - " عن عبد الله بن بشر ألما زني ] . كذلك يحض الإسلام على السواك، لأن السواك كما يقول النبي r  : " مطهر للفم مرضاة للرب " [رواه النسائي وابن خزيمه عن عائشة ] ويقول : "" لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة " [ متفق عليه عن أبي هريرة ] وفي رواية لابن خزيمة عن أبي هريرة " عند كل وضوء ". وفي رواية أخرجها  الطحاوي والبيهقي أحمد عن عبد الرحمن بن عوف: " مع كل وضوء ". وهذه الروايات توضح المقصود بالسواك عند كل صلاة، أي أن يكون السواك مع الوضوء  ، " "لا كما يفعله بعضهم إذ يسوك أسنانه بالمسواك وهو واقف للصلاة، فلا يفعل اكثر من أن ينشر الوسخ الذي على أسنانه ثم يبتلعه.. وخير ما يوضح المراد من النبي r فعله صلوات الله عليه. فقد " كان r  يصلي بالليل ركعتين ثم ينصرف فيأستاك " [ رواه ابن ماجة عن ابن عباس ]، كما " كان r  لا يرقد من  ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ " [ رواه أبو داو ود عن عائشة]. وكان r "إذا دخل  بيته بدأ بالسواك " [ رواه مسلم عن عائشة]، و " كان إذا قام من الليل يشوص فمه بالسواك " [ متفق عليه عن حذيفة ] .

ومشروعية السواك لا تستثني الصائم، بل لعلها فيه أولى وأظهر. فقد روى الطبراني عن عبد الرحمن بن غنم قال: سألت معاذ بن جبل: أتسوك وأنا صائم؟ قال : نعم! قلت: أي النهار؟ قال: غدوة أو عشية! قلت: إن الناس يكرهونه ويقولون إن رسول الله r  قال: لمخلوف  فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك؟ قال: سبحان الله! لقد أمرهم بالسواك ، وما كان بالذي يأمرهم أن ينتنوا  أفواههم عمداً!  ما في ذلك من الخير شيء، بل فيه شر! [ قال الحافظ في التلخيص: إسناده جيد ].

ومن سبل حفظ الصحة نظافة الأذنين فقد صح أن النبي r  : " مسح أذنيه، داخلهما بالسبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما " [ رواه ابن ماجة عن ابن عباس] ونظافة العينين، فقد روي أن النبي r " كان يمسح المأقين " [ رواه ابن ماجة عن أبي أمامه ] ؛ ونظافة الأنف، وقد قال النبي  r: " إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم ا لينتثر " [ رواه مسلم عن أبي هريرة] وقال عليr : " إذا توضأت فانتشر " [رواه ابن، ماجة والترمذي عن سلمة ابن قيس ] ؟ ونظافة الشعر، فقد قال r" من كان له شعر فليكرمه " [ رواه أبو داود ]؛ ونظافة السبيلين والأعضاء التناسلية، فقد قال النبي r : " إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات " [ رواه ابن حزم في المحلي من طريق ابن أخي الزهري [محمد بن عبد الله بن مسلم] مسنداً ]، وكان النبي r كما قال أنس: " إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به " [ متفق عليه عن أنس ]. حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت تعلم نساء المسلمين: " مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن رسول الله r كان يفعله " [ رواه الترمذي عن عائشة ] .وغير ذلك كثير.
*
ومن أهم نعم الله عر وجل، التي تحقق الصحة النفسية والجنسية، وتبني الأسرة التي هي الوحدة المجتمعية الأساسية: الزواج. ولذلك ذكره الله سبحانه في عداد آياته ونعمائه فقال عز من قائل في سورة النحل 721 ] وهي سورة النعم :] والله جعل لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة [ ، [ الروم : 21 ] ، وقال جل وعلا ]  خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها [ [ النساء : 1 ] والزواج سنة من سنن المرسلين كما قال ربنا عز وجل :] ولقد أرسلنا رسلاً من قبلكم وجعلنا لهم أزواجا وذرية [ [ الرعد : 38 ] ، وقد أمر به النبي r  وحض عليه فقال : " النكاح من سنتي فمن لم يعمل بسنتي فليس مني " [ رواه ابن ماجة عن عائشة ]" وقال صلوات الله عليه: " وأتزوج النساء ؛ فمن رغب، عن سنتي فليس مني "[ رواه مسلم عن أنس ]، وقال مخاطباً شباب أمته: " يا معشر الشباب! من استطاع منكم الباءة [ أي مقومات الزواج الجسمية والمادية ] فليتزوج)) [ رواه ابن ماجة عن ابن مسعود]. وقد " نهى رسول الله r عن التبتل [ و هو ترك الزواج ] " [ رواه النسائي عن عائشة وسمرة بن جندب ]،  وقال صلوات الله عليه وسلامة: " لم أوامر بالرهبانية " [ رواه الدار مي عن سعد بن أبي وقاصم] .

ولم يكتف الإسلام بجعل الزواج واجباً فردياً ولكنه جعله كذلك واجباً اجتماعياً ومسؤولية من مسؤوليات المجتمع. ف!تهد خاطب الله عز وجل مجتمع المسلمين بقوله: ] وأنكحوا الأيامى [ أي غير المتزوجين ] منكم ]   [ النور: 32 ]، في الوقت الذي طالب فيه غير المتزوجين بالاستعفاف ريثما تتاح لهيا إمكانات الزواج فقال: وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله [  [  النور: 33]  وذلك لأن الإسلام يعتبر عدم الزواج وعدم الزواج طريقاً من طرق الفساد الكبير، كما يتضح ذلك من قول النبي r : " إذا جاءكم من ترضون دينه وأمانته فزوجوه! إن لا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد كبير " [ رواه ابن ماجة عن أبي هريرة ] .

ولا يدع الإسلام أمراً بهذه الأهمية في نظره للمصادفات، هـ لكنه يتخذ كل الضمانات لنجاحه من النواحي البدنية والنفسية والاجتماعية والجنسية .

فهو يحدد أولاً مواصفات الزوجة، فيقولن النبي r [ في حديث متفق عليه  عن أبي هريرة ] : " تنكح المرأة لاربع  لدينها وحسبها ومالها وجمالها، فاظفر بذات الدين ". وليس في ذلك خط من شأن الجمال والمال والحسب، ولكن فيه توكيداً على الشرط الرئيسي الذين من دونه لا يكون لغيره شأن: ألا وهو الدين.

ويضيف إلى ذلك في حديث آخر أمرين آخرين، يضمن أحدهما استمرار الوفاق والسكينة والمودة والرحمة والحياة  الجنسية المشبعة إشباعاً حلالاً، وهذا أحد مقصدي الزواج، ويضمن الآخر بقاء النوع البشري وهذا هو المقصد الآخر للزواج، فيقول r " تزوجوا الودود الولود " [ رواه النسائي وأبو داو ود عن معقل ابن يسار ] .

ومن ضمانات نجاح الزواج، أن الإسلام يأمر بالنظر  إلى المخطوبة ولا يحبذ الاختيار الغيابي للزوجة فيقول النبي r: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل "[ رواه أبو داود عن جابر ]، وفي حديث آخر رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة عن المغيرة بن شعبة: " انظر إليها فذلك أحرى أن يؤدم بينهما ".

كذلك يرغب الإسلام في تقارب سن الزوجين، فقد " خطب أبو بكر وعمر رضى الله عنهما فاطمة [  بنت النبي r ] فقال: إنها صغيرة! فخطبها على رضي الله عنه فزوجها منه " [ رواه النسائي عن بريده ].

ومن الضمانات الأخرى ضمانات صحة النسل والذرية، وذلك بالأمر بحسن تخير الزوج الآخر امتثالا لقوله r: " تخيروا لنطفكم  " [ رواه ابن ماجة والدر قطني والحاكم عن عائشة ]. وهذا التخير أمر يتغير بالطبع بتغير الأزمنة، بحيث يأخذ في اعتباره كل وسيلة تضمن حسن التخير  بلا استثناء، بما في ذلك الفحوص الطبية الحديثة.

ومن ضمانات نجاح الزواج من الناحية الجنسية، أن الإسلام لا يعتبر العلاقة الجنسية الحلال عملاً مكروهاً أو مستنكراً  أو بخلاف الأولى ، بل  على العكس من ذلك يعتبره عبادة يؤجر عليها الزوجان. إذ يقول النبي r: " وفي بضع أحدكم- أي في جماعه- صدقة! " قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: " أرأيتم لو وضعها في الحرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر! "[ رواه مسلم عن أبي ذر ] 

كما  يوصي الإسلام بالملاطفة والملاعبة واستثارة الشهوة قبل الجماع، فيقول النبي r: " لا يقعن أحدكم على امرأته كما يقع البعير، وليكن بينهما رسول ، ". قيل: وما الرسول؟ قال: " القبلة والكلام " [ رواه الديلمى في سند  الفردوس ] كذلك يأمر كلاً من الزوجين بانتظار الآخر حتى يقضي شهوته، فيقول النبي r: " إذا جامع أحدكم امرأته فليصدقها، فإن قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها حتى تقضي حاجتها " [ أخرجه أبو يعلي ورواه الصنعانى في  المصنف عن أنس ]، هذا مع قول الله عر وجل: ]ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف [ 
[  البقرة: 228 ] .

ويحرم الإسلام الجماع في المحيض لقوله عر وجل ] فاعتزلوا النساء في المحيض ِ[ [ البقرة : 222 ] ، ويبيح جميع الأوضاع الجنسية  [ أوضاع  الجماع ) في الزواج ما دامت في الفرج، لقوله تعالى: ] نساؤكم حرث لكم فائتوا حرثكم أني شئتم [  [ البقرة : 223 ] ، ولقول النبي r : " لا تأتوا النساء في أد بارهن " .

*

ومن سبل تعزيز الصحة: التغذية الحسنة .

فتحري الغذاء الطيب، واجتناب الغذاء الخبيث، ضمانة للصحة، والله سبحانه يقوله في سورة البقرة [ 172 ] 
] كلوا من طيبات ما رزقناكم  [ وفيها أيضا[ 168 ] ] كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً [ . ويقول عز وجل في صفة النبي r في سورة الأعراف [ 157 ] : ]ويحرم عليهم الخبائث [ .

والامتناع عن الغذاء الطيب بلا مسوغ مشروع، أمر مناف للصحة، ولا يسمح به الإسلام. يقوله الله عر وجل في سورة المائدة [ 87 ]  ] لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم [ . 

ـ والتغذية الصحية هي التغذية المتوازنة، تحقيقاً للميزان الذي وضعه الله في كل شيء، وجاء ذكره في سورة الرحمن [7- 9 ]
]  ووضع الميزان :
أن لا تطغوا في الميزان !
ولا تخسروا الميزان [ 
. هي أولاً  التغذية المتوازنة من حيث الكم. فالإسراف في الغذاء مضر بالصحة، لما يؤدي إليه بصورة مباشرة من اضطراب الهضم والتخمة، ولما يؤدي إليه بصورة غير مباشرة من أمراض فرط التغذية التي يقال لها اليوم" أمراض الرخاء " أو " أمراض المتخمة "، ومن  أهمها " السكري " أو مرض السكر، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض شرايين القلب المحدثة للذبحة والجلطة، وأمراض شرايين الدماغ المؤدية إلى السكتة والفالج، وما إلى ذلك. وبذلك تكون المعدة بيت الداء حقاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، وتكون مسؤولة عن طائفة من أخطر الأمراض. وهذا الإسراف في كم الغذاء مخالف لتعاليم الإسلام، إذ يقول الله سبحانه في سورة طه [ 81 ]: ] كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه [ ويقول النبي r في- حديث المقدام بن معدي كرب الذي رواه الترمذي وغيره: " ما ملأ  آدمي وعاء شراً من بطن! بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه- أي يكفيه الحد الأدنى من الغذاء الذي يفي باحتياجاته الحيوية الأساسية- فإن كان لا محالة- وفي  رواية: فإن غلبت الآدمي نفسه- فثلث للطعام وثلث للشراب وثلث للنفس "، ويقول في الحديث الذي رواه مسلم عن جابر : " طعام الواحد يكفي الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية ".

هذا ما كان من أمر التوازن من حيث الكم.

. ولكن التغذية الصحية هي أيضاً التغذية المتوازنة من حيث المحتوى، وهي تشتمل على مزيج من مختلف أنواع الأغذية التي أنعم أ الله بها على عباده،لسد حاجة الجسم من البروتينيات والدهنيات والنشويات والأملاح والفيتامينات، وغيرها، والتي ذكر الله سبحانه معظمها في سورة النحل وهي سورة النعم. إذ فيها قول الله عز وجل في لحوم الحيوانات: ] والأنعام خلقها: لكم فيها دفء منافع ومنها تأكلون [ [ النحل: ه ]، وقوله: ] وهو الذي سخر البحر  لتأكلوا منه لحماً طرياً [  [ النحل: 14)، وفيها قوله في الأغذية النباتية: ] ينبت لكم به الزرع والزيتون والتخيل والأعناب ومن كل الثمرات [  النحل: 11 ] ، وقوله في اللبن ]  نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصاً سائغاً للشاربين [[  النحل: 66] ، وقوله في العسل: ] يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه: فيه شفاء للناس [ [ النحل: 69). هذا إلى قوله سبحانه في سورة الحج [36 ]  ] والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير [ وقوله تعالى في سورة الأنعام [ 141 ]   ] كلوا من ثمرة إذا أثمر [ ، وقوله في سورة يس[ 33 ] : ] وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون [  ويفضل الإسلام الأغذية الكاملة، فيرجح مثلاً  استعمال الدقيق الكامل على الدقيق المنخول، كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن أم أيمن، أنها غربلت دقيقاً فصنعته للنبيr رغيفاً، فقال: " ما هذا؟ " فقالت: طعام نصنعه بأرضنا فأحببت أن أصنع منه لك رغيفاً ؛ فقال: " رديه فيه ثم اعجنيه ". وهذه الأغذية الكاملة تحتفظ بالفيتامينات الضرورية لصحة الجسم، وتضمن حسن حركة الأمعاء فتحمي المرء من الإمساك وتقيه من سرطان القولون.

. ومن القواعد الصحية غسل اليدين قبل الطعام، تحاشياً لتلويثه ببعض ما قد يضر، ووقاية للمعدة من التهيج أو الالتهاب بفعل هذا الضار. وقد " كان r إذا أراد أن يأكل غسل يديه " كما في الحديث الذي رواه النسائي عن عائشة.
. ومن القواعد الصحية حفظ الطعام والشراب من التلوث، والإسلام يأمر بتغطية الطعام حماية له من التلوث كما في الحديث الذي رواه ابن ماجة عن جابر:" غطوا الإناء "، وفي رواية للبخاري عن جابر. خمروا [ أي غطوا ] الطعام والشراب ". كما يحرج  النبي r تلويث الغذاء والماء بمفرغات البدن التي تحمل الجراثيم وتنقل العدوى، فيقول في الحديث الذي رواه، ابن ماجة عن أبي هريرة: " لا يبولن أحدكم في الماء الراكد "، وقد " نهى رسول الله r  أن يبول الرجل في مستحمة " [ رواه الترمذي عن عبد الله بن مغفل ]، وكان يقول:" اتقوا اللاعنين)) قالوا: وما اللاعنان؟ قال: " الذي بتخلي [ يتغوط ] في طريق الناس وفي ظلهم " [ رواه مسلم عن أبي هريرة ]، ويقو ل في الحديث الذي رواه أبو داو ود عن معاذ بن جبل: " اتقوا الملاعن الثلاث : البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل ". ولا يخفى أن تلويث موارد المياه بالبراز وما يشتمل عليه من جراثيم، عامل أساسي في نقل الأمراض، بصورة مباشرة من خلال الماء الملوث، أو غير مباشرة من خلال تلوث الخضراوات والثمرات التي تسقى بهذا الماء. وفي ذكر الظل نكتة لطيفة، لان ما يكون في الظل لا تطهره الشمس، فيبقى مرتعاً خصباً للجراثيم ويعمل على تكثيرها .

*

وهذا النهي عن تلويث الموارد والطرق جزء من توجيهات الإسلام للحفاظ على صحة البيئة. ويقابل ذلك أمر إيجابي بتنظيفها. فقد قال r " إماطة [ أي إزالة] الأذى عن الطريق صدقة " [رواه أبو داود عن أبي ذر ]، و قال: " عرضت على أعماله أمتي: حسنها وسيئها، فوجدت في محاسن أعمالها : الأذى يماط عن الطريق.. " 
[ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي ذر ] وقال: " الإيمان بضع وسبعون شعبة.... وأدناها إماطة الأذى عن الطريق "
 [ رواه مسلم عن أبي هريرة ] .

ولقد حذر الله سبحانه في مواضع متعددة من كتابه الكريم من الفساد في الأرض.. والفساد البيئي جزء من هذا الفساد في الأرض بل هو أول ما يتبادر إلى الذهن في هذا المقام. فقد قال عز من قائل: ]كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين [ [ البقرة: 60] وقال جل شأنه: ] ولا تفسدوا في الأرض [ [  الأعراف: ه 8] وقال سبحانه: ] ولا تبغ الفساد في الأرض [ القصص: 77]. وقد نهى كل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أقوامهم عن الفساد في الأرض .

بل قد خصص الله بالذكر ذلك النوع من الفساد الذي يستأصل النبات والحيوان فقال: ]ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله علي ما في  قلبه  وهو ألد الخصام .. وإذا تولى سعي في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل ؛ والله لا يحب الفساد [[ البقرة: 205 ].

قال الإمام ابن حزم في المحلى محتجاً بهذه الآية: " فمنع الحيوان ما لا معاش له إلا به من علف أو  رعي، وترك سقي شجر الثمر والزرع حتى يهلكا، هو بنص كلام الله تعالى فساد في الأرض وإهلاك للحرث والنسل، والله تعالى لا يحب هذا العمل ".

وقد حرص النبي  r على تشجيع الزراعة بما يزيد الثروة النباتية ويضيف إلى البيئة الصالحة فقالت: " لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة "[ رواه مسلم عن جابر]، وقال: " من أحيا أرضاً ميتة فهي له " [ رواه الترمذى عن جابر وقال حديث حسن صحيح ]. ونهى في مقابل ذلك نهياً شديداً عن قطع الشجر فقال: " من قطع سدرة [ يعني دون مبرر ] صوب الله رأسه في النار ! " [ رواه أبو داود عن عبد الله بن حبشي ].

وكان النبي r أول من أنشأ محميات بيئية لا يجوز قطع شجرها ولا قتل حيوانها. فقد " حمي رسول الله r كل ناحية من المدينة بريداً بريداً  [والبريد اثنا عشر ميلاً  ]: لا يخبط [ ينزع] شجره، ولا يعضد [ يقطع ]، إلا ما يساق به الجمل " [رواه أبو داود عن عدي، بن زيد ]. وكان النبي r " ينهي، أن يقطع من شجرة المدينة شيء " [ رواه أبو داود عن سعد بن أبي وقاص ]، وقال عن المدينة " لا ينفر صيدها.. ولا يصلح أن يقطع منها شجرة، إلا أن يعلف الرجل بعيره " [رواه أبو داود عن علي]؛ وقال r :  " إني أحرم ما بين لابتى المدينة: أن يقطع عضاهها أو يقتل صيدها " [ رواه الإمام أحمد عن سعد بن أبي وقاص] " ؛ وقال عن واد بالطائف : " إن صيد وج وعضاهه حرام " [ رواه الإمام أحمد وأبو داو ود عن الزبير ] .
*
ومن وسائل حفظ الصحة وتعزيزها بالمحافظة على هذه النعمة ، إعطاء كل عضو حقه، كما في قوله r : " وإن لعينيك عليك حقاً " [متفق عليه عن عبد الله بن عمرو ]، وعدم تكليف الإنسان نفسه ما لا يطيق لقوله r: " عليكم ، بما تطيقون " [ متفق عليه عن، عائشة ] . كما أن من وسائل حفظ الصحة وتعزيزها ، كذلك، تقوية الجسم ولاسيما بالرياضات المناسبة، فقد قال r: " المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف " [رواه مسلم عن أبي هريرة ] وقال: " وإن لجسدك عليك حقاً " [رواه مسلم عن عبد الله بن عمرو ] وقال:  " احرص على ما ينفعك " [ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة ] .

*
وأخيراً ففي مقابل كل ما تقدم من سبل حفظ الصحة و. تعزيزها، تحذير شديد من أي تبديل أو تغيير على هذه النعمة لأن الإنسان سيدفع الثمن غالياً. ولا أدل على ذلك من الحديث التالي:

" لم تظهر الفاحشة في قوم قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا " رواه ابن ماجة وأبو نعيم في الحلية عن عبد الله بن عمر ]. وقد حرم الله الفواحش أياً كان نوعها تحريماً قاطعاً فقال جل شأنه:  ] ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن [  [الأنعام: 151] وقال سبحانه: ]قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [ [ الأعراف: 33] 

***


لاضرر ولا ضرار

هذه العبارة الجامعة الفذة حديث شريف رواه الدار قطني عن أبي سعيد الخدرى ، وقال عنه الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وهي مؤكدة بصيغ أخرى كقولة r : " ملعون من ضار مؤمناً  أو مكر به " [ رواه الترمذي عن أبي بكر وقال حديث غريب ] ، وقولة : " من ضار أضر الله به " [ رواه ابن ماجة وأبو داود عن أبي صرامة ] ،  أو قوله: " من، ضار مؤمناً ضار الله به " [ رواه الترمذي عن أبي صرامة وقال حديث حسن غريب ] .

ولعل أجمل ما ورد في تعريف الضرر والضرار، ما ذكره السيد رشيد رضا رحمة الله في تفسير سورة المائدة: " أي: رفع الضرر الفردي والمشترك " ومنه أخذت قاعدة دفع المفاسد وحفظ المصالح مع مراعاة ما علم من نصوص الشارع ومقاصده.

وقد جاء تحريم  الضرر في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى سورة الأعراف [33]: ] قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم [ وقوله في سورة الأنعام [ 120 ] ] وذروا ظاهر الإثم وباطنه [ ، مع قوله ك سبحانه في سورة البقرة [219 ]  عن الخمر والميسر: ] فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما [ فجعل الإثم نقيض النفع فهو الضرر إذن، وهو- كما نرى- محرم بنص القرآن، لا يحل للمسلم أن يضر بنفسه أو يضار بغيره. وذلك في كتاب الله كثير .
 

فلننظر الآن كيف يتجلى هذا المبدأ في شؤون الصحة :

ا- الإضرار بالنفس :

وهذا محرم لقوله عز وجل: ] ولا تقتلوا أنفسكم [ [ النساء: 29] وقوله سبحانه: ] ولا تقتلوا بأيديكم إلى  التهلكة[ 
 [ البقرة: 195] وقوله r " لا ضرر". فلا يجوز للمسلم أن يعرض نفسه لخطر المرض أو الإصابات بأي شكل من الأشكال لقوله-r: " لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه " قالوا: وكيف يذل نفسه؟ قال: " يتعرض من البلاء لما. لا يطيقه " [رواه ابن ماجة وأحمد عن حذيفة، والترمذي وقال: حديث حسن غريب]. ويكون تعرض المرء للأمراض، والإصابات بتعرضه لأسبابها، أو تهاونه في عدم اتقائها، أو تهاونه في حفظ صحته عليه. وقد وجه الإسلام إلى السبيل القويم في ذلك كله، فأوجب على المسلم:

. أن يحرص على ما ينفعه من سبل الحياة الصحية كالتغذية بالغذاء الحسن والاعتدال فيه وفي المشرب، واتخاذ بعض الرياضات التي تحفظ عليه سلامة أعضائه وما إلى ذلك؛ وأن يقدم لجسده كله ولكل عضو من أعضائه حقه من الرعاية والإراحة والعناية، لقولهr" احرص على، ما ينفعك " [ رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة]، ولحديث: " وخذ من صحتك لمرضك " [ عزاه البخاري لابن عمر ]، ولقوله r : " ما أطعمت نفسك لك صدقة " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن المقدام بن معد يكرب] وقوله: " إن لنفسك عليك حقاً "[رواه البخاري عن وهب بن عبد الله]، وقوله: " إن لجسدك عليك حقاً .. وإن لعينيك عليك حقاً… " [ متفق عليه عن عبد الله بن عمرو ] .

. أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الأمراض لابن التوقي يكفل الوقاية. فقد قال r : " ومن يتوق الشر يوقه " 
[ أخرجه الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة]. ويدخل في ذلك البعد عن مصادر المرض كاجتناب مقارفة الزنى واللواط وسائر الفواحش لقوله تعالى: ] ولا تقربوا الزنى أنه كان فاحشة وساء سبيلاً  [ [الإسراء: 32 ] ، وقوله] ولاتقربوا الفواحش ما طهر منها وما بطن  [ [ الأنعام: 151] وقوله سبحانه: ] إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء . بل أنتم قوم مسرفون [ [ الأعراف : 81 ] ، وقوله النبي r " إن أخوف ما أخاف على أمتي عمل قوم لوط "[ رواه ابن ماجة والبيهقي عن جابر ابن عبد الله ]. كما يدخل في الوقاية البعد عن مصادر الإثم، لقوله سبحانه: ] وذروا ظاهر الإثم وباطنه [ [ الأنعام: 120 ] والإثم- كما يقول السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسيره- " كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرهما، وأشدها المضار والمفاسد الاجتماعية ". ومن الإثم المسكرات والمخدرات وكل ما يخامر العقل ؛ " وقد قال ربنا سبحانه: ] يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير [ 
[ البقرة: 219] ، وقال جل جلاله: ] إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل  الشيطان فاجتنبوه [ 
[ المائدة: 90] والاجتناب أعلى درجات التحريم. وقد " نهى رسول الله r عن كل مسكر ومفتر " [ رواه أحمد وأبو داو ود عن أم سلمة ]، وقال r : " ألا إن كل مسكر حرام، وكل مخدر حرام، وما أسكر كثيره حرم قليلة ، وما خمر العقل فهو حرام " [ رواه أبو نعيم عن أنس بن حذيفة ]. ويدخل في التوقي كذلك عدم التعرض للمصابين بالأمراض المعدية. كما يدخل في ذلك التطعيم لتوقى كثير من الأمراض المعدية.

. أن يتخذ كل أسباب الوقاية من الإصابات. والأصل في ذلك ما ورد عن النبي r " إذا غرستم [ أي نزلتم للنوم بالليل] فاجتنبوا الطريق، فإنها طرق الدواب ومأوى الهوام بالليل "[ رواه مسلم عن أبي هريرة]، وقولهr: " إذا أوى أحدكم إلى فراشه فلينفض فراشه بداخلة إزاره، فإنه لا يدري ريما ما خلفه عليه " [ متفق عليه عن أبي هريرة]، وقوله r : " أطفئوا المصابيح إذا رقدتم، وغلقوا الأبواب، وأوكوا [ أي اربطوا أفواه] الأسقية، وخمروا
 [ أي غطوا] الطعام والشراب " [ رواه البخاري عن جابر]، وقوله: " إن هذه النار عدو لكم، فإذا نمتم فأطفئوها عنكم " [ متفق عليه عن أبي موسى]. وقوله: " من بات على ظهر بيت ليس له حجار [ أي جدار] فقد برئت منه الذمة " [ رواه أبو داو ود عن علي ابن شيبان ]. وقد "نهى رسول الله  r عن الوحدة: أن يبيت الرجل وحدة أو يسافر وحده " [ رواه الإمام أحمد عن ابن عمر، وسنده صحيح على شرط البخاري] .

. أن يتداوى إذا أصيب بالمرض لقوله r : " تداووا فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن أسامة بن شريك، ] . 

2- الإضرار بأفراد الأسرة:

الوالدين والولد والزوج والزوجة. وهذا أيضاً محرم داخل في حكم الضرار.فقد أوصى الإسلام الإنسان بوالديه فقال سبحانه: ] ووصينا الإنسان بوالديه حسناً[  [ العنكبوت: 8] وقالت عز من قائل: ] وبالوالدين إحساناً [ 
[ النساء: 36]، وكان رسول الله : r " ينهى عن منع وهات وعقوق الأمهات وعن وأد البنات "[ رواه البخاري في الأدب المفرد عن المغيرة بن شعبة]، وروي عنه أنه قال: " ملعون من عق والديه "، وأي عقوق أسوأ من أن يفرط في صحتهما التي تحفظ عليهما نفسيهما. كذلك أوصى الإسلام الوالدين بالولد، وأوصى كلاً من الزوجين بالآخر وعلى الأخص الزوج بزوجته، فقال النبي r: " استوصوا بالنساء خيراً " [ متفق عليه عن أبي هريرة كما رواه الترمذي عن عمرو بن الأحوص الجشمي في حجة الوداع وقال حديث حسن صحيح ] وقال: " اللهم إني أحرج حق الضعيفين: اليتيم والمرأة " [ حديث حسن رواه النسائي بإسناد جيد عن أبي شريح، خويلد بن عمرو الخز اعي ] وقال r: "… وإن لزوجك عليك حقاً.. وإن لولدك عليك حقاً.. فآت كل ذي حق حقه" [متفق عليه عن عبد الله بن عمرو ] ، وقال r: " وإن لأهلك عليك حقاً" [ رواه البخاري عن وهب بن عبد الله ]، وقال: " والرجل راع في بيته ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وولده وهي مسؤولة عنهم " [ متفق عليه عن عبد الله بن. عمر ] .

فالتفريط في حق الوالد أو الزوجة أو الزوج أو الولد، وفي حفظ صحتهم عليهم ووقايتهم من الأمراض.. حرام، لقوله عز وجل: ] ولا تقتلوا أولادكم [ [ الأنعام: 151]، وقوله سبحانه: ] ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق [  [ الأنعام: 151]، وقوله جل شأنه: ] قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم [ [  الأنعام: 140 ]، وقوله عز من قائل: ] لا تضار والدة يولدها ولا مولود له بولده [  [ البقرة: 233 ]  قال الإمام ابن حزم رحمه الله في التعليق على هذه الآية: " والذي منع أبواه من المضارة به هو الولد بلا شك " [ المحلى: 10 / 107 ] وقوله سبحانه: ] وائتمروا بينكم بمعروف [ [ الطلاق: 6] قال ابن منظور في التعليق على هذه الآية: " وحق كل منهما- أي الوالدين- أن يأتمر في الولد بمعروف " [ اللسان : ع ر ف ]  ومعنى ذلك أن يتشاور الوالدان للتوصل إلى ما فيه مصلحة الولد. ومن ذلك أيضاً قول النبي r : " كفى بالمرء إثماً أن يضيع من بقوت " [ حديث صحيح رواه أبو داود: وغيره عبد الله بن عمرو ]، وقوله:" ليس منا من لم يرحم صغيرنا " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح ] . ومن أظهر مظاهر الرحمة حفظ صحته ووقايته من الأمراض. ومن أهم سبل حفظ صحة الطفل الحرص على إرضاعه من الثدي في العامين الأولين من عمره، فذلك يزوده بالتغذية الفضلى، وبالأجسام المناعية المضادة التي تنتقل إليه من ألام في لبنها، ويحافظ على صحته وصحة أمه بالمباعدة بين الأحمال ، لان الرضاعة تمنع الحيل في الغالب. وقد قال ربنا عز وجل: ] والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة [ [ البقرة: 233] ، وقال سبحانه: ] وفصاله في عامين [  [ لقمان : 14 ] .وقد كان من أهم عناصر البيعة التي يأخذها النبي  r  من النساء جميعاً أن ]  لا يقتلن أولادهن [  [ الممتحنة: 12] .
فالواجب على المرء إذن في حق أفراد أسرته:

. أن، يتخذ كل أسباب وقايتهم من الأمراض، ويدخل في ذلك إبعادهم عن مصادر العدوى، كما يدخل فيه وجوب تطعيمهم بحسب اللزوم لتوقى كثير من الأمراض المعدية فلو فرط الأب أو الأم مثلاً في تطعيم ولدهما، فإنهما يعرضانه للضرر وقد نهاهما الله عز وجل عن ذلك، وقد يؤدي تصرف كهذا منهما مردة إلى الجهل والسفه إلى تعريضه للتهلكة وتعريضهما للخسران لقوله سبحانه: ] قد خسر الذين قتلوا أولادهم سفهاً بغير علم  [ [ الأنعام: 140] .

. أن يحرص على ما ينفعهم من سبل الحياة الصحية كتغذيتهم بالغذاء الحسن وحثهم على الاعتدال! فيه، وجعلهم يتخذون بعض الرياضات التي تحفظ عليهم صحتهم.

. أن يداويهم إذا تعرضوا للمرضى.

وليس يخفى أن من أهم المخاطر التي يتعرض إليها الولد الأعزل الغر، أن يكون أحد أبوبه أو كلاهما مدخناً، فيفسرانه على استنشاق أدخنه السجائر، ويعرضانه إلى الإصابة بمختلف الأمراض التي قد تنشأ عن ذلك. وواضح أن في ذلك حرمة مضاعفة، لما فيه من تفريط بحق الوقاية، وإكراه على التعريض للخطر وهو صغير لا حول له ولا قوة.

3- الإضرار بالناس جميعاً:

ولاسيما بالجار. وهذا محرم لقوله r : " لاضرر  ولا ضرار " وقوله r:  " من ضار أضر الله به " [ رواه ابن ماجة وأبو داو ود عن أبي صرمة ] وقوله:" والله لا يؤمن " قالوا: " من هو يا رسول الله خاب وخسر " قال: " من لا يأمن جارة بوائقه " [ متفق عليه عن أبي هريرة ]. قال الإمام ابن تيميه في فتاويه (1 / 327 ) : " فإذا كان هذا بمجرد الخوف من بوائقه، فكيف فعل البوائق مع عدم أمن جاره منه؟ [ والبوائق : الغوائل والشرور). وقد قال النبي r:  " تكف شرك عن الناس فإنها صدقة منك على نفسك " [ متفق عليه عن أبى ذر ] .

ولابد من التطرق هنا إلى موضوع الأذى. فكثير  من الناس يستعمل تعبير الأذى بمعنى الضرر وهذا غير صحيح. فالأذى أقل من ذلك بكثير، لأنه أي شيء يزعج- مادياً أو معنوياً- أو يؤدي إلى الاشمئزاز  والتقزز أو يجلب الضيق. فإذا كان مثل ذلك منهياً عنه، فالضرر محرم من باب أولي،. والله سبحانه وتعالى يقول: ]  والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير  ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثما مبينا  [ [ الأحزاب : 58) [ والرسول r يقول: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره " [ متفق عليه عن أبي هريرة ] .

لذلك لا يحل للمسلم مثلاً أن يدخن في مركبة مغلقة- سيارة أو طائرة أو مقصورة- فليحق الضرر بجيرانه فيها جميعاً ويعرضهم إلى مخاطر هذا المنشوق الخبيث. وهو وإن كان لا يجوز له أن يدخن ولو كان وحده فيعرض نفسه إلى أسباب المرض والهلاك، فعدم جواز ذلك في حق الغير أظهر. فالجار في مقعد الطائرة جار، وفي الأماكن العامة جار، والجار في داخل، البيت جار ذو فربى.. وقد أمرنا الله سبحانه في سورة النساء بالإحسان إلى  الجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب.. وليس تعريض أي منهم إلى مضار التدخين من الإحسان في شيء. وقل مثل ذلك في الذي يلقي بفضلات بيته إمامه فيؤذي جيرانه ويؤذي المارة، أو الذي يصيب نفايات مصنعه في نهر أو جدول أمام مصنعه، وما شابه ذلك من، البوائق التي ينطبق عليها جميعاً حكم الضرر أو حكم الأذى على الأقل. وقد قال[ النبي r : " من آذى المسلمين في طرقهم وجبت عليه لعنتهم " [ رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن] بل قد حرج رسول اللهr  كثيراً تعريض أي من أفراد المجتمع لأي أذى أو ضرر، وأقر باتخاذ جميع الاحتياطات الكفيلة بوقايتهم من ذلك، فقال مثلاً : " من مر في شيء من مساجدنا أو أسواقنا ومعه نبل[ سهام]، فليمسك أو ليقبض على نصالها بكفه، أن يصيب، أحداً من المسلمين منها بشيء " [ متفق عليه عن أبي موسى ] .

ويدخل في باب الضرر والضرار موضوع العدوى. فلا يجوز للمسلم أن يعدي أخاه، أو يتهاون في ذلك، أو يجلب أسباب العدوى إلى المجتمع، فذلك يندرج  تحت هذه القاعدة الشاملة، قاعدة تحريم الضرر والضرار، وقد قال رسول الله- r: " لا يورد المرض على المصح " [ متفق عليه عن أبي هريرة ]. حتى لقد يميل المرء إلى أن يفهم قوله النبي عليه الصلاة والسلام: " لا عدوي، ولا طيرة " [ رواه، البخاري عن عبد الله بن عمر وأنس بن مالك ]، على أنه نهي عن العدوى كما أنه نهي عن التطير، وليس نفياً للعدوى كما أنه ليس نفياً للتطير، لما يفهم من قوله r  في حديث آخر: " لا طيرة، وخيرها الفأل " متفق عليه ] فهذا ليس نفياً للطيرة بدليل قوله " وخيرها الفأل "، ولكنه نهي عنها وزجر. وهذ1 الفهم ينسجم أيضاً مع آخر الحديث في رواية " وفر من المجذوم فرارك من الأسد ". وحينما استشكل ذلك أحد السامعين لأنه فهم كلام النبي r  على أنه نفي للعدوى، فقال: " أرأيت البعير يكون به الجرب فتجرب الإبل " احتاط النبي r للسائل وغيره خشية أن يؤمن هو  أو غيره برد  الأسباب إلى غير الله عز وجل فقال له: " ذاك القدر، فمن أجرب الأول ؟ " فتلك مبادرة إلى تصحيح خطأ الفهم. ومما يؤيد ذلك أنه قد " سئل رسول الله r  فقيل له: أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً ؟ قال :  هي من قدر الله " [ رواه الترمذي عن أبي خزامة ]. ومثل ذلك ما فهمه سيدنا عمر  بن الخطاب رضي الله عنه يوم أبى الدخول على الطاعون وقال له أبو عبيدة: 

أتفر من قدر الله؟ فقال له: نعم! نفر من قدر الله "، وكان رضي الله عنه في ذلك منسجماً ـ بفهمه العميق للإسلام- مع قول النبي r  الذي لم يكن سمع به من قبل: " إذا سمعتم بالطاعون بأرضي فلا تدخلوها، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها " [ أخرجه البخاري عن أسامة بن زيد] . فالمهم أن يعلم الإنسان أن العدوى من قدر الله وأن مكافحة العدوى من قدر الله، كما أن المرض من قدر الله والتداوي من قدر الله والوقاية أو " التقاة " من قدر الله . والله أعلم بمراد نبيه r .

ويندرج ذلك كله في هذا الحديث الجامع: " ألا أخبركم بالمؤمن؟ من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم! والمسلم: من سلم الناس من لسانه ويده... "[ رواه أحمد عن فضالة بن عبيد، بإسناد صحيح ] . 
****

مشاركة المجتمع

ومشاركة المجتمع هي المبدأ الأهم في أسلوب الرعاية الصحية الأولية الذي تنادي به منظمة الصحة العالمية اليوم. ولكن الأمر يختلف اختلافاً واضحاً بين المجتمع الإسلامي الحقيقي وبين سائر المجتمعات. والأمر يحتاج إلى بعض تفاصيل . ذلك أن مشاركة المجتمع في المفهوم الإسلامي تقوم على عدة دعائم، أهمها: التماسك، والتعاون، والاكتفاء الذاتي، والإحسان.

ا- التماسك :

معلوم أن البناء يتكون، عندما يتحول كل حجر من أحجاره إلى لبنة، أو قل: إن المجتمع يولد عندما يتحول كل فرد من أفراده إلى شخص ،وليس المقصود بذلك في المفهوم الإسلامي أن يذوب الأفراد في بوتقة المجتمع، وإنما المراد أن يتماسك الأشخاص تماسك البنيان، أو إن شئت عبارة النبي r : " المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضاً " وشبك بين أصابعه [ متفق عليه عن أبى موسى ،] قال القرطبي: " فإن البناء لا يتم ولا تحصل فائدته إلا بأن يكون بعضه يمسك بعضاً ويقويه... ". ولا يكون ذلك بالدمج والصهر، وإنما بالتوحيد أو التأليف. وللتأليف بعد غيبي شريف، ذكره الله عز وجل بقوله:  ]وألف بين قلوبهم ؛ لو أنفقت ما في الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم [ 
[  الأنفال: 63 ] .

ومن هنا كان التشبيه الآخر الذي أورده النبي  r لمجتمع المؤمنين: " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ؛  إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " [ متفق عليه عن النعمان بن بشير]. وواضح أن خلايا الجسد لا تعيش عيشة فردية منعزلة، وإلا ماتت جميعاً، بل هناك رابطة تجمع بينها وتجعلها تعيش عيشة الجسد الواحد. وانظر إلى هذه الإشارة اللطيفة في الحديث إلى قوى التماسك، والتعبير عنها بصيغة " التفاعل "، فهو تواد وتراحم وتعاطف : يود كل كلاً، ويعطف كل على كل، ويرحم كل كلاً .

بل لماذا نقوله " التماسك " ولدينا في المصطلح الإسلامي لفظ جميل دقيق هو" ذات البين ".

قال القرطبي رحمه الله في تفسيره: " ذات البين أي الحال التي يقع بها الاجتماع ". وقال السيد رشيد رضا رحمه الله في تفسير المنار [ 9 / 587  ]: " والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق وكل ما بين طرفين، كما قال: ] لقد تقطع بينكم [  ، ويعبر عن هذه الرابطة بذات البين، وأمرنا في الكتاب والسنة بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعاً تتوقف عليه قوة الأمة وعزتها ومنعتها، وتحفظ به، وحدتها ".

ومن أجل ذلك قال النبي : r " ألا أنبئكم بدرجة أفضل من الصلاة والصيام والصدقة؟ قالوا: بلى! قال: إصلاح ذات البين! " ثم قال: " وفساد ذات البين هي الحالقة " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي الدر داء ] .

وقد وضع الإسلام ضمانة مهمة تضمن بقاء هذا التماسك، وهي صلاة الجماعة. وما إخالني بحاجة إلى الحديث عن وجوب صلاة الجماعة وعن التشديد فيها والزجر على التخلف عنها. ولكنى أريد أن أقول: إن في صلاة الجماعة تذكيراً دائماً، يتكرر. خمس مرات في كل يوم، بانتماء المرء إلى مجتمع. وأريد أن أقول: إن التعليمات اليومية أو قل: التذكيرات اليومية التي يكررها الإمام- كل إمام- في صلاة الجماعة هي نفس ما يراد التذكير به في شأن المجتمع كله. ففيها أمر بالاستواء والاستقامة " سووا صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة " [ متفق عليه عن أنس ] وفيها نهي عن الاختلاف خشية اختلاف القلوب " استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم " [رواه مسلم عن عبد الله بن مسعود ]، رص الصفوف ونبذ التباعد " رصوا صفوفكم وقاربوا بينها " [ رواه النسائي عن أنس ]، وفيها اللين بأيدي الإخوان مما يديم الألفة، وفيها الحرص على عدم السماح بأي خلل في الصف الإسلامي أو فرجة يتسلل منها الشيطان " أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكب، وسدوا الخلل، ولينوا بأيدي إخوانكم، ولا تذروا فرجات للشيطان " [ رواه أبو داود عن ابن عمر بإسناد صحيح ] ، بل فيها الترغيب في الانضمام إلى الصف الإسلامي " من وصل صفاً وصله الله " [ رواه النسائي عن عبد الله بن عمر ] والترهيب من الابتعاد عن الصف الإسلامي " لا صلاة للذي خلف الصف " [رواه ، ابن ماجة عن علي بن شيبان ] .

وليس يخفى أن صلاة الجماعة أيضاً  تعلم المسلم الانضباط وحسن الإدارة  والتدبير. فالإمام يهتم بمصلحة المصلين، ويضمن تقيدهم بالتعاليم التي فيها مصلحتهم. وهو في الوقت نفسه رفيق بهم حريصا عليهم، تقدر الناس بأضعفهم كما أوصاه النبي r . ويخفف لأن وراءه الكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة. والمأموم يحرص على تسوية الصف مع أخيه، وينضبط خلف الإمام لا يسبقه في تكبير ولا في ركوع ولا في سجود ولا في قيام.

أما الضمانة الثانية المهمة للتماسك فهي الشورى. فقد أمر الله سبحانه بها نبيه r فقال  ] وشاورهم في الأمر [
[ آل عمران :  159]  واعتبر الشورى صفة مميزة لمجتمع المسلمين فقال عنهم : ]وأمرهم شورى بينهم الشورى [ [ الشورى: 38 ] وقال لهم: ] وائتمروا بينكم بمعروف  [  [ الطلاق: 6 ]  وهذه الشورى ينبغي أن تتحقق على جميع المستويات، ابتداء من مستوى الخلية الاجتماعية الصغيرة، في، صغير الأمر وكبيره، ولاسيما في تدبير ما يواجه المجتمع من شؤون  وشجون.

2- التعاون:

يقول النبي r " خير الناس أنفعهم للناس ". وهذا الحديث [ الذي رواه الدار قطني في " الأفراد " والضياء القدسي في " المختارة" عن جابر ]، تعبير عن المظهر الإيجابي -لجلب المصالح. ومثله r : " أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس "  [ رواه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج وابن عساكر عن بعض أصحاب النبي r بإسناد حسن] وقوله r " من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل " [ رواه مسلم عن جابر بن عبد الله ]. 

فالمفترض في المسلم أن ينفع أخاه ويعمل ما في وسعه على أن يجلب إليه ما فيه مصلحته. ولا يسمح الإسلام للمسلم أن يكون سلبياً أو لا  أبالياً، بل ينزع صفة الانتماء إلى المجتمع الإسلامي نزعاً صارماً عن كل فرد من أفراده لا يهتم بمصلحة الآخرين، لان من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم.

 وينبني هذا الركن على مفهوم أخوة المؤمن للمؤمن، الذي ورد عليه النص في قوله تعالى: ] إنما المؤمنون أخوة [ [الحجرات: 10 ]  ثم وضحه النبي  r كل التوضيح بقوله: " لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير"  [ متفق عليه عن أنس، وزيادة- من الخير- لأبي عوانة والنسائي وأحمد في رواية لهم ]، وقوله -r: " المؤمن أخو المؤمن: يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه " [ رواه أبو داود وخرجه العراقي في تخريج الإحياء] وقوله: " المسلم أخو المسلم: لا يظلمه ولا يسلمه "[ متفق عليه عن ابن عمر  ] وفي رواية: " ولا يخذله " [رواه مسلم عن أبي هريرة]. وهكذا فلا يحل للمسلم أن يرى أي فرد  آخر في المجتمع الإسلامي يتعرض إلى سوء فيقف منه موقف المتفرج ولا يمد إليه يد العون لأنه بذلك يكون قد خذله وأسلمه، لي بل ظلمه حقاً هو له على كل أخ في المجتمع الإسلامي.

وفي الإسلام ضمانة مدهشة تضمن بقاء هذا التعاون والمحافظة عليه، وهي ضمانة فريدة لا تجدهـا في أي نظام آخر ألا وهي فرض الكفاية.

فتحقيق كل مافية مصلحة للمجتمع الإسلامي يعتبر فرض كفاية، أي إنه فرض جماعي، لابد من أن يقام به. ولكنه لما كان يمكن أن يقوم به بعض أفراد المجتمع فحسب، فإن من غير الضروري استنفار جهود الجميع للحصول عليه. ولكن الضمانة تأتي في أنه إن لم يقم به أحد فالكل آثمون. ولذلك يعتبر كل أمريء فرض الكفاية موجهاً إليه قبل سائر إخوانه، ويتنافس وإياهم على القيام به تنفيذاً لقول الله عز وجل: ] فاستبقوا الخيرات [ [البقرة ة 148 ] وقول النبي  r: " بادروا بالأعمال الصالحة " [رواه صدم عن أبي هريرة).

وقد تحدث عن فرض الكفاية العز ابن عبد السلام حين حديثه عن حقوق بعض المكلفين، على بعض، وذكر أن ضابط هذه الحقوق هو " جلب كل مصلحة واجبة أو مندوبة، ودرء كل مفسدة محرمة أو مكروهة. وهي منقسمة إلى فرض عين وفرض كفاية، وسنة عين سنة وكفاية... والشريعة طافحة بذلك، ويدل على ذلك جميعاً قوله تعالى: ]  وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم والعدوان [  [ المائدة : 2 ] وهذا نهي عن التسبب إلى المفاسد وأمر بالتسبب إلى تحصيل المصالح . وقوله تعالي ]  إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى [ [ النحل : 90 ] وهذا أمر بالمصالح وأسبابها،] وينهي عن الفحشاء والمنكر والبغي  [  [ النحل : 90 ] وهذا نهي عن المفاسد وأسبابها " .

3- الاكتفاء الذاتي:

ويعنى بذلك بقاء المجتمع الإسلامي في حالة نمو دائم بناء، كما جاء مثله في الإنجيل: ] كزرع أخرج شطاه فآزره فاستغلظ فاستوي علي سوقه يعجب الذراع [  [الفتح: 29 ]. فكل ابن من أبناء المجتمع الإسلامي كمثل الشط أو الغصن الذي يتفرع عن جذع الشجرة، ولكنه لا يكون عبئاً عليه وإنما يقوم بدوره في دعم المجتمع: " يؤازره ". ونتيجة لهذه المؤازرات المتعددة المتواصلة، يستغلظ المجتمع ويستوي على سوقه ويعجب!

والأصل في ذلك أن المجتمع الإسلامي يوجب على كل فرد من أفراده أن يساهم في دعم المجتمع حتى لا يحتاج إلى الغير بقدر الإمكان. فالمسلم كما يقول النبي r: " يعمل بيده  فينفع نفسه ويتصدق " [ متفق عليه عن أبي موسى]. ثم إن " طعام الواحد يكفي الاثنين  وطعام الاثنين يكفي الأربعة، وطعام الأربعة يكفي الثمانية  [ رواه مسلم بن جابر ]. بل لقد قال r- : " من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان معه فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، فذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حلت لاحد منا في فضل " [ رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري ] وضرب هذا النموذج الرائع لفئة فاضلة من المجتمع الإسلامي  " إن ألا شعريين إذا أرملوا في الغزو  أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما كان عندهـم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم بالسوية فهم مني وأنا منهم " [ متفق عليه عن أبي موسى ] .

والإسلام يأمر المسلم أن يسعى في تأمين دخله، فالله عز وجل يقول: ] وابتغوا من فضل الله [ [ الجمعة: 10 ]  وهو يشجعه على الأعمال التي يستطيع بها أن يستجلب الدخل لنفسه، فيستعف به عن سؤال الناس ويستغني. فالنبي r  يقول: " ومن، يستعفف يعفه الله، ومن يستغني يغنه الله " [ رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ] ، ويقول لأن يأخذ أحدكم أحبله، ثم يأتي بحزمة حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه، خير له من أن يسأله الناس، أعطوه أو منعوه "  [ رواه البخاري عن الزبير بن العوام ]، ويقول: " ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داو ود عليه السلام كان يأكل من عمل يده " [ رواه  البخاري عن المقدام بن معد يكرب]. وبذلك يبنى مجتمع اليد العليا الذي قال عنه النبي r : " اليد العليا خير من اليد السفلي " [رواه البخاري عن عبد الله بن عمرو ].

ثم إن الإسلام لا يسمح بالهدر وإضاعة المال ولا يسمح بالسرف. فقد نهى رسول الله r عن إضاعة المال ونهى الله سبحانه عن الإسراف فقالت: ] ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولاتبسطها كل البسط  [ الإسراء:   29 ] وقال تعالى: ] والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا [ [ الفرقان: 67]، وقال جل شأنه: حالة  ] ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين   [[ الأنعام: 141 ] . بل لقد أمر النبي r بالاقتصاد حتى في ماء الوضوء، وجعل الأمر كله قصداً بين تطرفين.

4- ا لإحسان :

وضع الإسلام ضمانات للمحافظة على المجتمع الإسلامي في حالة سليمة، وأهمها أربع، تتدرج في الأفضلية وتنضوي كل منها في ما فوقها، وهي: الإصلاح، والمعروف،، والصدقة، والإحسان. يجمع ثلاثاً منها قول الله جل وعز   ] لأخير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس  [ [ النساء: 114] ، ويشير إلى الرابعة قوله r: " أن الله كتب الإحسان على كل شيء " [ رواه مسلم عن أبي يعلى شداد بن أوس ] .. وهن جميعاً من سمات المجتمع المحتضر ومن ضمانات حفظه.

أما " الصدقة " فهي اسم جميل يطلقه الإسلام لتعبير عما نقول له اليوم: " المص سلوك الحضاري " أو " التصرف الحضاري ". والسبب في ذلك أنها بدلالة اسمها " مصداق " انتماء المرء إلى المجتمع الإسلامي، يدل على ذلك قول النبي r : " والصدقة برهان " [ رواه مسلم عن أبي مالك الأشعري ].

وهذه المصداقية إنما تتأتى بأنماط متعددة من السلوك، كل منها ينبئ بكل صراحة عن شعور المسلم بالانتماء إلى مجتمع المؤمنين، ومساهمته في تقوية روابط التماسك بين خلايا هذا الجسد ولبنات هذا البنيان.

والإسلام يطلب من المسلم أن يثبت يومياً : مرة في اليوم على الأقل، انتماءه إلى المجتمع الإسلامي، بتصرف حضاري واحد على الأقل. ففي ذلك التوجيه العام الذي أصدره معلم هذه الأمة-r  قال: " على كل نفس، في كل يوم طلعت فيه الشمس، صدقة منه على نفسه " [ رواه أحمد عن أبي ذر بإسناد صحيح ] .

ولقد تبادر إلى ذهن السامع، قصر مفهوم الصدقة على المظهر المالي لها،فسأله : " من أين أتصدق وليس لتا أموال؟ " وكان الجواب التوضيحي الواسع، يبين أن للصدقة أبواباً عديدة :

" لأن من أبواب الصدقة التكبير، وسبحان الله والحمد لله ولا إله الله واستغفر الله"، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتعزل الشوكة عن طريق الناس والعظمة والحجر، وتهدي الأعمى، وتسمع الأصم والأبكم حتى يفقه، وتدل المستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيك إلى اللهفان المستغيث، وترفع بشدة ذراعيك مع الضعيف، كل ذلك من أبواب الصدقة منك على نفسك.. ".ولكن النبي r  في الوقت نفسه لم يدع موضوع الأموال فقال رداً على سؤال " أرأيت إن لم يجد " في رواية متفق عليها عن أبى موسى: " يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق ".

وفي حديث آخر أو رواية أخرى عن أبي ذر:" تبسمك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة، ويصرك الرجل الرديء  البصر صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك صدقة " [ رواه الترمذي- والسياق له- والبخاري في الأدب المفرد وابن حبان ] .

وفي حديث ثالث عن أبي ذر :" سألت النبي.  r: أي العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله وجهاد في سبيله، قلت: فأي، الرقاب أفضل؟ قال أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها، قلت فإن لم أفعل؟ قال: تعين صانعاً أو تصنع لأخرق، قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تدع الناس من الشر فإنها صدقة تصدق بها على نفسك " [ متفق عليه ] .

وفي حديث رابع:" كل كلمة طيبة صدقة، وعون الرجل أخاه صدقة، والشربة من الماء تسقيها صدقة، وإماطة الأذى عن الطريق صدقة " [ رواه البخاري في الأدب المفرد بإسناد حسن ] .
*
أما " المعروف " فهو قطاع من قطاعات الصدقة، لقوله r " كل معروف صدقة " [ رواه البخاري، عن جابر، ومسلم عن حذيفة  ]. ويبين المقصود من " المعروف " قوله النبي r :
" ائت المعروف واجتنب المنكر !" وانظر ما يعجب، أذنك أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم، فائته .." وانظر الذي تكرهه أن يقول لك القوم إذا قمت من عندهم فاجتنبه " [ رواه البخاري في الأدب المفرد عن حرملة بن عبد الله ] .

ومثله قوله r :
" البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس " [رواه مسلم عن النواس بن سمعان ] .

والمعروف على هذا مرادف للبر، والمنكر مرادف للإثم، والإثم- كما يقول السيد رشيد رضا رحمه الله في، تفسيره- " كل ما فيه ضرر في النفس أو المال أو غيرهما، وأشدها المضار والمفاسد الاجتماعية ".

فالمعروف  إذن هو تعبير عن ، ضمير المجتمع الإسلامي الصالح، والمنكر تعبير عما يرفضه ضمير المجتمع الإسلامي الصالح. وإذا كان كذلك وجب التذكير به دائماً، توثيقاً للحمة التماسك بين أفراده، وهذا التذكير هو ما يعرف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فمن أجل المحافظة على صلاح المجتمع لابد من اعتناء أفراد المجتمع بأنفسهم؟ ] يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم [  بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن فعلوا ذلك لا يضرهم ضلا ل من ضل إذا اهتدوا، فهم  الكثرة الكاثرة القوامة على أمر الله: ] يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم ، من ضل إذا اهتديتم [، [ المائدة : 105 ] .

ويمثل لذلك أجمل تمثيل حديث السفينة المشهور، كما يوضحه قول النبي على النبي: " r " انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً " فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أرأيت إن كان ظالماً  كيف أنصره؟ قال: " تحجزه وتمنعه من الظلم، فإن، ذلك نصره " [ رواه البخاري عن انس  ] .
*
وأما " الإحسان " فهو الغاية العظمى في ذلك كله، وتعريفه كما ورد في الحديث المشهور: " الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك " [متفق عليه عن عمر ] . 

لمسة الحسن أو الجمال هذه التي تنطوي فيما تنطوي على الإتقان، والمستمدة من جمال الله عز وجل: " إن الله جميل يحب الجمال " [ رواه مسلم عن ابن مسعود  ]  هي مطلوبة جداً في كل عمل :
] فاصبر صبراً  جميلاً  [ [ المعارج : 5 ] .
] فاصفح الصفح الجميل [ [  الحجر: 85 ] .
]وسرحوهن سراحاً  جميلاً [ [ الأحزاب: 149 ] 
 ] واهجرهم هجراً جميلاً [ [ المزمل: 10 ].

ومطلوب دائماً أن تتجلى في كل من المقومات الأخرى: الإصلاح والمعروف والصدقة، ولذلك ترى أن كثيراً من هذه التعابير يستعمل في مكان الآخر، واكثر ذلك بالطبع استعمال  الإحسان للتعبير عن الصدقة، والعكس، كما أن المعروف يستعمل أحياناً للتعبير عن الإحسان كقوله تعالى:  ] فامسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف  [1[ البقرة: 231 ] وقوله:  ] فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان [ [ البقرة: 229 ] ، وكتوجيه الإنسان إذا أقر بالمعروف أن يكون أمره بالمعروف.

وبعد، فإذا كان "كل فرد من أفراد المجتمع الإسلامي يرى حقاً عليه واجباً أن يقوم يومياً بتصرف  حضاري واحد على الأقل مصداقاً وبرهاناً على انتمائه إلى هذا المجتمع، فستضم كل صدقاته هذه ولاشك عديداً من الصدقات الصحية، من مثل تنحية الأشياء المضرة بالصحة، ومن مثل تقديم الأشياء المفيدة للصحة، ومن مثل المساهمة في إقامة المؤسسات الصحية، وتموينها، والقيام عليها، ومحاربة أي فساد في البيئة أو الصحة العمومية، والعمل على ضمان إيصال التغذية المناسبة والمياه المناسبة إلى كل فرد، والدعوة إلى الممارسات الصحية من مثل التطعيم، ومحاربة سبل العدوى، وغير ذلك كثير. 
*
أما بعد ،
فإن ما عرضته في هذه العجالة لا يعدو  أن يكون فصولاً معدودة محدودة من فقه الصحة الضخم. ولكني أريد أن أقول أيضاً: إن فقه الصحة- كسائر أبواب الفقه- فقه حي متجدد متفاعل صالح لكل زمان ومكان. وقد ذكرت من قبل أن منظمه الصحة العالمية قد دعت، على مدى هذا العقد الأخير إلى أسلوب الرعاية الصحية  الأولية في سبيل تحقيق الصحة للجميع. وقد تقبلت دول العالم هذا الأسلوب بقبول حسن، وحاولت تطبيقه تطبيقاً حسناً. ولكنه مازال يواجه في كل مكان بعد من العراقيل التي، تعوق التقدم الصحي أهمها أربعة  :

1- نقص الموارد من حيث، البنية الأساسية والقوى البشرية .
2- ونقص التعاون بين قطاعات المجتمع .
3- ونقص مشاركة المجتمع .
4- وسوء الإدارة والتدبير .

والعالم اليوم في حاجة إلى الأسلوب الذي يتغلب به على هذه العوائق إن أراد بلوغ هدف الصحة  للجميع .

وهنا يأتي دور المنهج الإسلامي في إيجاد الحل الأمثل .

ومعلوم أن الإسلام في علاجه لمختلف القضايا، يتوجه إليها عادة في إطارها العام، ولا يتوجه إلى أي قضية في معزل عما يحيط بها أو يتصل بها من قريب أو بعيد. وهذه السمة الأساسية من سمات الأسلوب الإسلامي في معالجة قضايا المجتمع، ينبغي أن تكون واضحة في الذهن عند الحديث عن أمور الصحة . فليس يخفى أن الصحة ليست  بمقوم منعزل وإنما هي جزء من مستوى التطور الاجتماعي. ولا يمكن أن تتحسن صحة المجتمع إذا لم يواكب ذلك تحسن في إمداد المياه وتوزيعها، وتحسن في الإصحاح وتصريف القاذورات، وتحسن في مستوى الدخل لدى أفراد المجتمع، وتحسن في التعليم وفي تغذية الإنسان، وتحسن في شروط المسكن والملبس، إلى غير ذلك من الأمور المهمة. 

والأسلوب الإسلامي في الرعاية الصحية يقوم على المقومات الأساسية للمجتمع الإسلامي التي أسلفنا الحديث عنها، وهي التماسك والتعاون والاكتفاء الذاتي والإحسان. فبالاكتفاء الذاتي يحصل توفير الموارد بنوعيها: الموارد البشرية لان كل فرد من أفراد المجتمع سيشارك في العمل، والموارد المادية لان ذلك سيكون بأقل ما يمكن من التكاليف. وبالتعاون تزول الأسوار التي تفصل بين قطاعات المجتمع، ويتحرر المختصون من الزنزانات التي تحول بينهم وبين المشاركة الشاملة، فإذا بالعامل والزارع والمهندس والتاجر والطبيب جميعاً فريق واحد يتعاونون على البر والتقوى والخير والمصلحة. وبالتماسك حل جيد لمشكلات سوء الإدارة والتدبير، ولاسيما بتطبيق مبدأي الانضباط والشورى على الوجه الأكمل. وبالإحسان تكتمل مشاركة المجتمع، إذ يسعى كل امرئ إلى إتقان عمله: يقوم به وهو يشعر بأن الله يراه فيسعى إلى أدائه على أحسن وجه وأكمله، ويعتبر عمله صدقة من الصدقات يؤديها بكل ما تقتضيه العبادة من نظافة وطهارة وإخلاص، ثم يهتم بكل جزئية من  الجزئيات لأن النبي r  قال: " لا تحقرن من المعروف شيئاً " [ رواه أبو داود عن جابر بن سليم، والترمذي وقال حديث حسن صحيح  ] . 

هي إذن أولاً دعوة إلى تغيير أنماط الحياة السيئة المنكرة التي يعيشها الإنسان اليوم بابتعاده عن منهج الإسلام، والاتجاه بها إلى أنماط الحياة الصالحة التي يدعو إليها الإسلام. وهذا مبدأ كوني خالد: ] إن الله  لا يغير ما بقوم حتى  يغيروا ما بأنفسهم [ [ الرعد : 11 ]  وتغيير أنماط الحياة وحده يحسن صحة الإنسان ويخفض تكاليف الرعاية الصحية خفضاً كبيراً .

ولكنها ثانياً دعوة " إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي في الاحتياجات التنموية الأساسية لا تركز على أمور الصحة وحدها ولكنها تعتبر الصحة جزءاً من كل. الاحتياجات التنموية الأساسية .

ومفهوم توفير الاحتياجات التنموية الأساسية هذا، مفهوم عميق الجذور في حضارة الإسلام. و الطالع لسير ة النبي r يلفت نظره أن أول ما اهتم به r  بعد أن استقر به المقام في المدينة، هو أن يوفر لهذا المجتمع الوليد الحد الأدنى من الاحتياجات  الأساسية.

وقد كان في مقدمة هذه الاحتياجات: الأمن، وهو الشرط الذي لا يمكن لسائر الاحتياجات أن تلبي وتزدهر إلا في ظله. وقد بين القرآن الكريم في مواضع عديدة  أهمية الأمن، فذكر لنا دعاء أبينا إبراهيم صلوات الله عليه: ] رب اجعل هذا بلداً آمناً وارزق أهله من الثمرات [  [  البقرة: 126 ] ، وذكر لنا أن يوسف عليه السلام قال لأبويه وأخوته: ] أدخلوا  مصر إن شاء الله آمنين [  [ يوسف: 99 ]  ، ومن على قريش فقال: ] أولم نمكن  لهم حرماً  آمناً يجبى  إليه ثمرات كل شئ [ [ القصص: 57 ]  وقال: ] فليعبدوا رب هذا البيت  الذي أطعمهم من جوع وأمنهم من خوف [  [  قريش: 3- 4 ] وقال  النبي  r: "- من أصبح منكم آمناً في سربه، معافى في جسده، عنده قوت يومه، فكأنما، حيزت له الدنيا بحذافيرها "[ رواه الترمذي عن عبد الله بن محصن الأنصاري عن أبيه وقال: حديث حسن ]. ومن أجل ذلك آخى النبي r  ،بين المهاجرين والأنصار، ثم أبرم معاهدة مع اليهود ورد نصها في وثيقة المدينة المشهورة  وفيها " أن يهود بني عوف ( وكذا سائر قبائل اليهود) أمة مع المؤمنين "، وإن كان " لليهود دينهم وللمسلمين دينهم "، وفيها " أن من خرج  آمن ومن قعد بالمدينة آمن ".

ومن هذه الاحتياجات الأساسية التي اهتم النبي r  بتأمينها: الماء. ففي حديث عثمان رضي الله عنه وأرضاه أن رسول الله r   قدم المدينة وليس بها ماء يستعذب [ أي يعتبر عذباً ] غير بئر رومه ، فقال رسول الله r  : " من يشتري بئر  رومه فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين بخير له منها في الجنة ؟ "، فاشتراها ذو النورين رضي الله عنه وأرضاه وجعلها تحت تصرف المسلمين [ رواه الترمذي عن عثمان رضي  الله عنه وقال: حديث حسن ]. وقد قال النبي r   " إفراغك من دلوك في دله أخيك صدقة " [ رواه الترمذي عن أبي زر  ]. وقال: " والشربة من الماء تسقيها صدقة "[ رواه البخاري في الأدب المفرد عن أبي ذر  ] .

ومن هذه الاحتياجات الأساسية كذلك: الغذاء، وقد قرنه الله سبحانه بالأمن في الآيات التي تقدمت، وكذلك قرنه به النبي r   في الحديث الذي سبق. وقد حض النبي r   على الزراعة التي بفضلها يتـوافر الغذاء فقال: " لا يغرس المسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة "[ رواه مسلم عن جابر  ]. بل قال : " إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليفعل " [رواه الإمام أحمد عن أنس بن مالك ] .

ومن هذه الاحتياجات الأساسية: المسجد، وهو في الإسلام ساحة العبادة ودار التربية ومدرسة العلم "وندوة الأدب ومكان اجتماع المسلمين. وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أنس قصة يناء المسجد، وفيها كيف كان الرسول r يشارك  أصحابه الكرام في  حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، ويجهد كأحدهم، ويكره أن يتميز عليهم.

ومن هذه الاحتياجات الأساسية: التعليم، وقد حض النبي rعلى طلب العلم، بل جعل ذلك فريضة تتصف بكل 
ما تتصف به الفرائض من طهارة وإخلاص ووجوب، فقال r: " طلب العلم فريضة على كل مسلم " [رواه ابن ماجة عن أنس بن مالك ] ولا خلاف بين العلماء في أن لفظ المسلم يشمل الذكر والأنثى، بل إن كثيراً من العلماء يرويه: " طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة ". ولا يخفى أن اعتبار طلب العلم فريضة من الفرائض يوجب على الدولة الإسلامية أن تلزم المسلمين بها رجالاً ونساءً، لأنها جزء من المعروف ،وقد جعل الله من واجبات  الذين يمكنهم في الأرض أن يقيموا الفرائض ويأمروا بالمعروف ] الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة  وأمروا بالمعروف [ [ الحج: 41] .

كذلك قال النبي r : " الناس: عالم ومتعلم، ولا خير في ما بعد ذلك " [ رواه الدار مي عن أبي الدر داء ] ، وجعل فداء الأسرى يوم بدر أن يعلم من يعرف القراءة والكتابة منهم عدداً من المسلمين. بل حدد r  نوعية العلم المطلوب فقال: " اللهم إني أسألك... علماً نافعاً  " [ رواه الإمام أحمد عن أم سلمة ] وقال: " اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع "[ رواه مسلم عن زيد بن أرقم ] .. كما حدد الطريقة التربوية المثلى للتعليم والتعلم فقال r  " إنما العلم بالتعلم " [ حديث حسن أخرجه الخطيب في تاريخه عن أبي هريرة ] ، وقال يعلم أصحابه : " علموا، ويسروا ولا تعسروا، وبشرو ا ولا تنفروا " [ رواه البخاري في الأدب المفرد وأحصد عن ابن عباس ] .

ومن هذه الاحتياجات الأساسية استدرار  الدخل، وإنما يكون ذلك بالعمل، وقد قال النبي r " ما آكل أحد طعاماً قط، خيراً من أن يأكل من عمل يده.وإن نبي الله داو ود كان يأكل من عمل يده " [ رواه البخاري عن المقدام بن معدي كرب ] ، وقال: " خير الكسب كسب  يد العامل إذا نصح " [ رواه أحمد عن أبى هريرة ] ، وقال r " أطيب الكسب عمل الرجل بيده "  [رواه أحمد والطبراني في الأوسط. والحاكم عن رافع بن خديجه ]، وقال صلوات الله عليه: " على كل مسلم صدقة " قالوا : فإن لم يجد؟ قال : " فيعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق " [ متفق عليه عن أبي موسى الأشعري ] .

ونحن في أمس الحاجة اليوم إلى اتباع هذا النهج الذي شرعه لنا الرسول الكريم r، ولا نشك لحظة في أنه سيثبت نجاحه، فيصلح أمر آخر هذه الأمة بما صلح به أولها. وإنما نطلق  عليه اسم أسلوب توفير الاحتياجات التنموية الأساسية   إبرازاً  لمنطلقه الإنمائي أو الإعماري الذي هو غاية رئيسية من غايات وجود الإنسان على هذه الأرض والله سبحانه قد بين ذلك بقوله:  ] أنشأكم من الأرض نحيى واستعمركم فيها [ [هود : 61 ] وهو ما فهمه العالم المسلم أبن خلدون بثاقب  نظره وعمق تفكيره، وعبر عنه في المقدمة [ص 43 ] بقوله: " الاجتماع ضروري  للنوع الإنساني، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراد الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم.. وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعاً لهذا العلم ".  ولقد يسر الله سبحانه السبل للإنسان لعمارة الأرض، كما يتبين من قوله تعالي ] ولقد مكناكم في الأرض وجعلنا لكم فيها معايش [  [ الأعراف 10 ]  وقو له سبحانه :  ] وجعل لكم  الأرض ذلولاً فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه [ [الملك :15 ]  ولذلك كان طبيعياً  أن يلتزم المرء المسلم بطاعة ربه في تحقيق غاية العمران، أو قل: التنمية بمصطلح اليوم، وأن ستفرغ في العمل التنموي جهده، ويبذل غاية طاقته  وأقصى وسعه، لان ربه عز وجل يأمره بذلك فيقول: " فإذا فرغت فانصب  ! [ [ الشرح : 7 ]  ،  ولأن نية r يقول له : " اليد العليا خير من اليد السفلي " [ متفق عليه عن حكيم بن حزام ] 

وسواء تم تقبل هذا النهج على الصعيد الرسمي أم لم يتم، فإن المسجد يستطيع  أن يقوم بدوره القيادي كما أريد له في الإسلام. ويمكن للأئمة والوعاظ والخطباء والمدرسين أن يقودوا الأمة في تصحيح وضعها الاجتماعي كله، ووضعها الصحي على الخصوص. ومن  أجل ذلك يكون من واجب المؤسسات الصحية ومركز الطب الإسلامي في طليعتها، إعداد المواد العلمية والتعليمية اللازمة لتزويدهم بالمعارف الصحية الأساسية في ظلال الإسلام وكذلك إعداد الطرائق التعليمية البسيطة الرخيصة التكلفة، فالنبي r قد بعث معلماً، وقال لأمته: " علموا ويسروا  بشروا ولا تنفروا " [رواه البخاري في الأدب المغرد وأحمد عن ابن عباس ]  وسن. استعمال أبسط الطرق  التعليمية حتى للأمة الأمية التي لا تكتب ولا تحسب.

وأريد أن أختم بمثال بسيط: إمام المسجد في القرية الصغيرة، الذي أخذ يعلم الناس كيف يستعملون نفس الطعام الذي يتوافر لديهم استعمالاً  أفضل، وعلمهم وعلم أولادهم كيف يقضون على الحشرات والهوام التي تنقل الأمراض وقد أمر النبي r  بقتلهن ، وعلمهم اتقاء الحوادث اقتداء بهدي رسول الله r  في أمره للمسلم أن يقبض على نصال السهام بيده خشية أن يصيب أحداً من المسلمين، وعلمهم الطرق البسيطة القليلة التكلفة لمكافحة كثير من الأمراض كاستعمال الماء البارد في خفض حرارة المصاب بالحمى اقتداء بهدي النبي r : " الحمى من فيح جهنم فأبردها بالماء " [ متفق عليه عن عائشة ] ، وعلمهم النظافة في المأكل والمشرب والمسكن والملبس، وعلمهم المحافظة على البيئة ونهاهم عن إفسادها لحرمة الفساد في الأرض أياً كان نوعه، وعلمهم كيف يعين كل منهم أخاه ويحرص على نفعه، وعلمهم الحرص على كل معروف والأمر  به، والابتعاد عن كل منكر  والنهي عنه، فوجههم إلى أسلوب الحياة الإسلامي الذي يضمن للناس السعادة في أ ولاهم وأخراهم.
إلى هذا الإمام في قريته الصغيرة النائية.. تحية.

****