|
رسالة إلى الرقاة مقدمة الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد: فلما ابتعد الناس عن منهج الله وأصبحوا في منأى عن آياته في عصرنا هذا، جرت فينا السنة الإلهية ابتلاءً من الله تعالى لينظرنا هل نكفر أو نرجع، قال تعالى: (ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا فلا تعجل عليهم)(479). وحيث إن ظاهرة الأمراض المتعلقة بالجن قد انتشرت، فقد انبرى لها من سخرهم الله تعالى لخدمة عباده من أصحاب المنهج القويم، ثم فُتِح الباب فكان الناس فيه ثلاثة أصناف: الأول: مرتزقة مشعوذون فهؤلاء- لا حياهم الله - لا يستحقون منا إلا الطرد كي لا يفسدوا على الناس عقائدهم. الثاني: من التزموا منهج السلف في العلاج بالقرآن، فأفادوا واستفادوا لهم الأجر الجزيل من الله تعالى. الثالث: جماعة من المسلمين يحبون الخير وابتغاء مرضاة الله، ولكنهم ضلوا الطريق عن حسن نية، ولم يجدوا موجها، ولم يدركوا أصول هذا الفن من العلم. لذلك كان لزاما علىَّ أن أكتب إليهم هذا البحث؛ فإلى الصنف الأول: تحذير الناس منه وصرفهم عنه. وإلى الصنف الثاني: ذكرى لي ولهم لعل الذكرى تنفعنا. وإلى الصنف الثالث: تعليم وتوجيه. وبعد، فهذه رسالة مفيدة مختصرة أوجهها لكل راق سلك طريق العلاج بالقرآن الكريم.. أوجهها لكل مؤمن ومؤمنة من أتباع الرسول المعلم محمد بن عبد الله صلى الله 479- سورة مريم: (83). عليه وسلم.. فيها ذكرى لمن أراد أن يذكر، أو أراد شكورا.. وأوجهها لمن نذروا أنفسهم لخدمة إخوانهم المسلمين. لمن يخافون الله ويرجون ثوابه، ولمن يشعرون بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم بالدعوة إلى الله وعلاج إخوانهم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد ضمنتها ثلاثة فصول: الأول: فيما يتعلق بالرقية؛ كونها آيات وأحاديث لمساعدة الناس. الثاني: فيما يتعلق بالراقي نفسه والآداب التي يجب أن يتحلى بها، وأدواته، وأهم المعلومات التي يحتاج إليها. الثالث: خمنته مسألة طال الخلاف فيها وهي: مسألة الجلوس للرقية. وقد وضعت لها ضوابط وشروط؛ توفيقا بين الآراء وخروجا من الخلاف، والله أعلم. وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقني والمسلمين العلم النافع والعمل الصالح الخالص لوجهه الكريم. وصلى الله وسلم على قدوتنا ومعلمنا وإمامنا وقائدنا محمد بن عبد الله وآله وصحبه ومن والاه إلى يوم الدين. أخي في الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: يقول الله عز وجل: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين)(480). وقال تعالى: (وتعاونوا على البر والتقوى)(481). 480- سورة الذاريات: (55) .481- سورة المائدة: (2). وعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه أنه قال: "بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والنصح لكل مسلم"(482). ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه"(483). 482- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ح(55). وأبو داود في سننه: كتاب الأدب في النصيحة ح(4944) والترمذي في سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في النصيحة ح(1932). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه: كتاب البيعة: باب النصيحة للإمام ح(4208). وانظر تحفة الأشراف (2053). وأخرجه أحمد في مسنده (1/351) و(2/297) قال الخطابي: النيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته. والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر به ونهى عنه. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم -انظر جامع العلوم والحكم لابن لاجب ص (74). كما أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الشروط: باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة ح(2715) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ح(56). والترمذي في سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في النصيحة ح(1933). وقال: وهذا حديث صحيح. والنسائي في سننه: كتاب البيعة: باب البيعة على النصح لكل مسلم ح(4167). وانظر تحفة الأشراف ح(3210) وأخرجه أحمد في مسنده (4/358 و365) .483- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الإيمان: باب من الإيمان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه ح(13). ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدليل على أن من خصال الإيمان أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه من الخير ح(45). والترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (59) ح(2523) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه: كتاب الإيمان: باب علامة الإيمان ح(5031) وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب في الإيمان ح(66) وانظر تحفة الأشراف ح(1239). قال العلماء رحمهم الله: معناه لا يؤمن الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل لمن لم يكن بهذه الصفة. والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات -شرح النووي على صحيح مسلم (2/16). أخي في الله بدافع من التوحيد، والحب لكم في الله، أكتب لكم هذه الرسالة لعل الله أن ينفع بها؛ سائلا المولى عز وجل أن يزيدني وإياكم علماً وعملا وإخلاصا، وأن يجعلني وإياكم ممن إذا أعطي شكر، وإذا أذنب استغفر، وإذا ابتلي صبر. أخي في الله إعلم وفقك الله للعلم والعمل والإخلاص في ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله"(484). ويقول رسول صلى الله عليه وسلم: "لأنْ يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم"(485). وأن كل عمل له مثوبته إذا أقدم عليه الإنسان باحتساب وإخلاص ومتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسـلم، والشعور بأنه رسـالة يجـب أن يؤديها وبشرط أن لا يتحول العمـل إلى وظيفة لكسـب الرزق؛ وكذلك العلاج بالقرآن إذا تحول إلى وظـيفة لكسب المال - فتلك طامة كبرى. 484- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب فضل إعانة الغازي في سبيل الله بمركوب وغيره وخلافته في أهله ح(1893).وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في الدال على الخير ح(5129). والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء الدال على الخير كفاعله ح(2680) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده (4م120) و(5/272 و273). قال النووي: المراد بمثل أجر فاعله أن له ثوابا بذلك الفعل كما أن لفاعله ثواباً ولا يلزم أن يكون قدر ثوابهما سواء -أنظر شرح النووي على صحيح مسلم (13/39) .485- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام والنبوة وأن لا يتخذ بعضهم بعضاً أربابا من دون الله ح(2942). ومسلم في صحيحه: كتاب فضائل الصحابة: باب فضائل علي بن أبي طالب ح(2406). وأبو داود في سننه: كتاب العلم: باب فضل نشر العلم ح(3661). وأحمد في مسنده (5/333). قال النووي: حمر النعم: هي الإبل الحمر وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء وأنه ليس هناك أعظم منه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (15/178). تمهــــيد القرآن شفاء من كل داء قال تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)(486). قال: ابن كثير - رحمه الله: القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين، أي يذهب ما في القلوب من أمراض، من شك ونفاق وشرك وزيغ وميل. فالقرآن يشفي من ذلك كله، وهو أيضا رحمة يحصل فيها الإيمان والحكمة وطلب الخير والرغبة فيه، وليس هذا إلا لمن آمن به وصدقه واتبعه فإنه يكون شفاء في حقه ورحمة. أما الكافر الظالم نفسه بذلك فلا يزيده سماعه للقرآن إلا بعدا وكفرا، والآفة من ذلك الكافر لا من القرآن لقوله تعالى: (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد)(487)، كما فهمها المفسرون(488). قال قتادة - في قوله تعالى: (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين) قال: إذا سمعه المؤمن انتفع به وحفظه ووعاه. (ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)، أي لا ينتفع به الظالم ولا يحفظه ولا يعيه. فإن الله جعل هذا القرآن شفاء ورحمة للمؤمنين(489). 486- سورة الإسراء: (82) .487- سورة فصلت: (44).488- انظر مثلاً تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/59) .489- المرجع السابق (3/59). قال القرطبي - رحمه الله: القرآن شفاء للقلوب بزوال الجهل عنها وإزالة الريب، ولكشف غطاء القلب من مرض الجهل. وكذلك شفاء من الأمراض الظاهرة بالرقي والتعوذ ونحوه(490). فالأصل في التداوي يكون بالقرآن ثم بالأسباب الدوائية - فالقرآن طب القلوب ودواؤها، وعافية الأبدان وشفاؤها فمنه ينزل ما هو شفاء للإنسان. فالله تبارك وتعالى قال "شفاء" ولم يقل "دواء" لأنها نتيجة ظاهرة، أما الدواء فيحتمل أن يشفي وقد لا يشفي. يقول ابن قيم: فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية وأدواء الدنيا والآخرة، وما كل أحد يؤهل ولا يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق، وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداء أبدا -إلى أن يقول- فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه فمن لم يشفه القرآن فلا شفاه الله، ومن لم يكفه فلا كفاه الله(491). ولقد أعلن إبراهيم عليه السلام الاحتياج الحقيقي إلى الله تعالى، كما جاء على لسانه عليه السلام: (الذي خلقني فهو يهدين. والذي هو يطعمني ويسقين. وإذا مرضت فهو يشفين. والذي يميتني ثم يحيين. والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)(492). ومن هنا نعلم أن حسن القصد ونية التوكل، وطلب الشفاء من الله.. كل ذلك مقرون بالإيمان، فالإيمان من المعالج بأن الله هو الشافـي، والإيمان من المريض بـأنفي القرآن الشفاء، وبدون ذلك لا يتم الشفاء؛ لأن الشافي هو الله تعالى. 490- انظر جامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/316) .491- انظر زاد المعاد لابن القيم (4/352). 492- سورة الشعراء: (78-82). ولا يفهم من هذا الكلام وذاك ترك الأسباب الدوائية كالذهاب إلى المستشفيات والمصحات النفسية مثلا، لكن الأساس في علاج أي مرض هو القرآن الكريم ويضم إليه السبب الدوائي لأنه لابد من اليقين بأن الشفاء من الله. وإذا نزل الشفاء نفع الدواء بإذن الله، وليس العكس لقوله تعالى: (وإذا مرضت فهو يشفين)(493). فالدواء مجرد سبب من الأسباب الشفائية. والعلاج بالقرآن الكريم والرقى الشرعية هو إحياء لسنة نبوية كريمة كانت مهجورة، وقد عدها ابن قيم -رحمة الله- من هجر القرآن فقال: ومن هجر القرآن هجر التدواي والاستشفاء به(494). فالعلاج بالقرآن حقيقة واقعة لا ينكرها إلا جاهل أو حاقد، استفاد منه كثير من الناس، بل إن هناك بعض الأمراض ليس لها علاج إلا في كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم. وقد جاء في الفتوى رقم 8016 في 22 / 1 / 1405 هـ الصادرة عن اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالمملكة العربية السعودية برئاسة سماحة الوالد الشيخ بن باز ما نصه: "تجوز الرقية بالقرآن وبالأذكار والدعوات الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم للحفظ والوقاية ولدفع ما أصيب به الإنسان من الأمراض …. إلخ"(495). 493- سورة الشعراء: (80) .494- انظر الفوائد لابن القيم (ص 156) .495- انظر فتاوي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء -العقيدة (1/164). الفصل الأول: أحكام الرقية الشرعية المبحث الأول: الرقى المبحث الأول الرقـــــــى
الرقى جمع رقية، وهي عوذة يتعوذ بها، من العوذ وهو الالتجاء -وهي آيات وأذكار وأدعية تقرأ على المريض. والاستعاذة لا تكون إلا بالله، والالتجاء لا يكون إلا إلى الله تعالى. جاء في كتاب الله العزيز أن امرأة عمران نذرت ما في بطنها محررا... (فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله اعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم)(496). وقال تبارك وتعالى: (فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا. قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا)(497). وقال تعالى: (إدفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك رب أن يحضرون)(498). همزات الشياطين. المراد بها نزغات الشياطين كما في قوله تعالى: (وإما ينزغك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم)(499). نلاحظ من النصوص الآنفة أن امرأة عمران استعاذت لابنتها بالله من الشيطان الرجيم. وأن مريم استعاذت لنفسها بالرحمن من هذا الذي تمثل لها بشرا سويا. 496- سورة آل عمران: (36). 497- سورة مريم: (17-18) .498- سورة المؤمنون: (96-98) .499- سورة الأعراف: (200). فسواء كان مصدر الخوف والخطر هو الشيطان، أو كان إنسانا يعجز المستعيذ عنه، فالمستعاذ به والملتجأ إليه هو الله تعالى. فدفع عداوة الشيطان واتقاء كيده ووساوسه وإيذائه لا يكون إلا بالالتجاء منه إلى الله. والرقية في حقيقتها التجاء ولوذ بالله وإلى الله، وهو تعالى وحده الذي يرفع البلاء عما ألم بمن نرقيه من عين، أو جن، أو حسد، أو سحر، أو سائر الأمراض والأسقام. وجاءت النصوص في الرقية متعددة مختلفة، فمنها ما يفيد النهي عنها، ومنها ما يفيد الندب إليها، ومنها ما يفيد الإباحة. (1) فالذي يفيد النهي، قوله صلى الله عليه وسلم: "أن الرقى والتمائم والتوله شرك" (500). فالحديث جمع الرقى مع التمائم والتولة تحت مسمى الشرك. والتمائم جمع تميمة وهو ما يعلق على المريض، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من علق تميمة فقد أشرك"(501). 500- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883). وإبن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530). وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى. كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350). وأنظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288) .501- أخرجه أحمد في مسنده (4/156). وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقاب (5/103). وأخرجه الحاكم في مستدركه (4/219) وسكت عنه وكذلك الذهبي. قال الألباني: وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقاب رجال مسلم غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ليلي المصري وثقة يعقوب بن سفيان وابن حبان وصحح له الحاكم (4/384) وقد أخرجه (4/219) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور -انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح(492). والتولـه نوع من السحر. وهي شيء تصنعه المرأة تجلب محبة زوجها لها، أو الرجل يصنعه يجلب محبة امرأته له. وهذا الحديث لا حجة فيه لمن منع الرقي مطلقا، فهو محمول على الرقي الشركية. ولهذا الحديث قصة مع ابن مسعود وزوجته - رضي الله عنها - حيث رأى في عنقها خيطا فقال: ما هذا؟ قالت: خيط رقي لي فيه، فأخذه ابن مسعود فقطعه ثم قال: إن آل عبد الله لأغنياء عن الشرك، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الرقى والتمائم والتولة شرك"، وعلَّم زوجته رقية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها: إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أذهب البأس رب الناس، واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"(502). فهذا الحديث لا حجة فيه لمن منع الرقى مطلقا لان ابن مسعود رضي الله عنه منع من تلك الشركية التي فيها خيط ولا يعلم بما رقي. ثم هو نفسه رضي الله عنه يعلم زوجته رقية رسول الله صلى الله عليه وسلم "أذهب البأس رب الناس...." (2) ومن النصوص التي تفيد الندب ما وراه جابر رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "إني أرقي من العقرب"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"(503). 502- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التائم ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530). وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381) والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح إسناده ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350). وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288). 503- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده (3/382) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/348) قال الألباني: وفي الحديث إستحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً مشروعا، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز -انظر الصحيحة ح(472). وهذا الحديث يحمل على رقية جربت منفعتها دون أن يكون فيها شرك. فالرقى التي تؤدى إلى الشرك تُمَنع. وكذلك الرقي التي لا يُفْهم معناها، لأنها قد تؤدي إلى الشرك، فتُمْنع أيضا احتياطا، كما جاء في حديث عوف بن مالك رضي الله عنه قال: كنا نرقي في الجاهلية فقلنا: يا رسول الله! كيف ترى ذلك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "اعرضوا على رقاكم، لا بأس بالرقي ما لم يكن فيه شرك"(504). فالمشروع من الرقى مندوب إليه سواء كان من العين أو من غيرها. ورسول الله صلى الله عليه وسلم رقى واسترقى، وأمر بالرقى وأجازها. فإذا كانت بالقرآن أو بأسماء الله تعالى وصفاته فهي مباحة، أو مأمور بها، إنما جاءت الكراهية والمنع فيما كان بغير اللسان العربي، فإنه ربما كان كفرا أو قولا يدخله شرك. قال القرطبي الرقي ثلاثة أقسام: أحدها: ما كان يرقى به في الجاهلية، مما لا يعقل معناه، فيجب اجتنابه؛ لئلا يكون شرك أو يؤدى إلى شرك. الثاني: ما كان بكلام الله تعالى أو أسمائه، فيجوز، وما كان مأثورا فيستحب. الثالث: ما كان بأسماء غير الله تعالى من ملك أو صالح أو مُعَظَّم من المخلوقات فهذا يجب اجتنابه(505). 504- أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ح(2200). وأبو داود في سننه: كتاب الطب باب ما جاء في الرقى ح(3886) والحاكم في مستدركه (4/212) وقال وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والطبراني في الكبير (18/49) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/349). 505- انظر فتح الباري لابن حجر (10/196-197) ش ح(6735). قال الحافظ بن حجر في فتح الباري: وقد اجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط: 1) أن تكون بكلام الله أو بأسمائه أو بصفاته. 2) أن تكون باللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره. 3) أن يعتقد كل من الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى(506). قال صديق حسن خان(507): وكل عمل ودعاء ينشر المرض والداء ينفع من الأسقام والأدواء يصدق أنه نشرة، ويجوز الانتفاع به، إن كان من ألفاظ القرآن والسنة، أو من المأثور من السلف الصلحاء، الخالي عن أسماء الشرك وصفاته، باللسان العربي، وإلا كان حراما وشركا. قال الشيخ محمد بن صالح العثيمين: الرقية بالنسبة للراقي سنة لما فيها من الإحسان للمرقي، أما بالنسبة للمرقي فإنها مباحة، والأفضل عدم طلبها لحديث الذين يدخلون الجنة بغير حساب ومن أوصافهم أنهم لا يسترقون. المبحث الثاني قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: والصائل المعتدي يستحق دفعه سواء كان مسلما أو كافرا. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من قتل دون ماله فهو شهيد" -أخرجه أحمد، وهو صحيح- فإذا كان المظلـوم له أن يدفع عن ماله ولو بقتل الصائل العادي، فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته؟ فإن الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه، وقد يفعل معه فاحشة إنسى بإنسى، وإن لم يندفع إلا بقتل جاز قتله. 506- انظر فتح الباري لابن حجر (10/195) ش ح(5753) .507- المحدث المفسر ناصر السنة، قامع البدعة، السيد أبو الطيب صديق بن حسن بن علي الحسيني القنوجي البخاري. ولد في قنوج بالهند 1248 هـ الموافق 1832م وتوفى 1307 هـ الموافق 1889م -انظر الدين الخالص للقنوجي (2/343). له أن يدفع عن ماله ولو بقتل الصائل العادي، فكيف لا يدفع عن عقله وبدنه وحرمته؟ فإن الشيطان يفسد عقله ويعاقبه في بدنه، وقد يفعل معه فاحشة إنسى بإنسى، وإن لم يندفع إلا بقتل جاز قتله. وأما إسلام صاحبه والتخلي عنه فهو مثل إسلام أمثاله من المظلومين، وهذا فرض على الكفاية مع القدرة. ففي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم "المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه." فإن كان عاجزاً عن ذلك، أو هو مشغول بما هو أوجب منه أو قام به غيره لم يجب. وإن كان قادرا، وقد تعين عليه، ولا يشغله عما هو أوجب منه؛ وجب عليه(508). جاء في كتاب الدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان لشيخ الإسلام ابن تيمية تحت عنوان "استحباب ووجوب دفع أذى الجن، وجوب نصر الإنسان المصروع" بما نصه: إذا عرف الأصل في هذا الباب فنقول يجوز بل يستحب وقد يجب أن يذب عن المظلوم وأن ينصر، فإن نصر المظلوم مأمور به بحسب الإمكان(509). أما قول السائل هل هذا مشروع؟ فهذا من أفضل الأعمال، وهو من أعمال الأنبياء والصالحين، فإنه ما زال الأنبياء والصالحون يدفعون الشياطين عن بني آدم بما أمر الله ورسوله(510). 508- انظر مجموع لفتاوي لابن تيمية (19/56) .509- انظر الدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان لابن تيمية (ص 47) .510- المرجع السابق (ص 53). المبحث الثالث رقية التحصين: هي التي تعمل قبل حصول المرض كالالتزام بأذكار الصباح والمساء وأذكار النوم وغيرها من أذكار اليوم والليلة، وقراءة آية الكرسي والإخلاص والمعوذتين بعد كل صلاة وقبل النوم. كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين ويقول إن أباكما كان يعوذ بها إسماعيل وإسحق: "أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"(511). رقية العلاج: 511- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: "هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلا على أنه ولو كان مخلوقاً لما صح الاستعاذة به". وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن صحيح وأبن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3525) وأنظر تحفة الشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007). الهامة: واحدة من الهوام وهي ذوات السموم. اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل او جنون أو نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء - أنظر شرح السندي على سنن ابن ماجة (4/125) . 512- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه: كتاب الجنائزك باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3523) وانظر تحفة الأشراف ح(4363) واخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا حديث تصريح بالرقى باسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله في شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمى وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق على العين ويقال رجل النفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرقى أهله يقول: "أذهب البأس، رب الناس اشف وأنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما"(513). وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه من اشتكى شيئا يضع يده على الذي يشتكي ويقول: "بسم الله (ثلاث مرات) أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبع مرات)"(514). وعن عائشة رضي الله عنها "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، قالت: فلما اشتد وجعه كنت أنا أقرأ عليه وأمسح عليه بيمينه رجاء بركتها"(515). 513- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ح(1619) وانظر تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/32) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر النووي على صحيح مسلم (14/180) 514- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء (2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم وياتي بالدعاء المذكور -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/189) شرح (2202). 515- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ترقي الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وابو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ماجة في سننهك كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح016589) واحمد في مسنده (6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بله ولا يقصد ذلك -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182). وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا عاد مريضا وضع يده على صدره وقال: "أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك - سبع مرات"(517). من غير شك أن يرقي الإنسان نفسه أفضل من أن يرقيه غيره. فالأحاديث التي أتت بالرقي تحث على أن يرقي المسلم نفسه. كأن يقول اللـهم رب النــاس أذهب الباس اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما(518). 516- انظر التمهيد لابن عبد البر (8/129). 517- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب الدعاء للمريض عند العيادة ح(3106) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (32) ح(2060) وقال حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو وأحمد في مسنده (1/239-243) والحاكم في مستدركه (1/432) عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن ماجة في صحيحه (714) موارد والنسائي في اليوم والليلة ح(1043) وابن السني في اليوم والليلة ح(544) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1698). 518- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ح(1619) وانظر تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42). والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء لـه وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار أنظر النووي على صحيح مسلم (14/180). وإذا اشتكى يضع يده مكان الذي يؤلمه ويقول: بسم الله (ثلاثا)، أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر (سبعاً)(519). فالأفضل أن يرقي الإنسان نفسه وأولاده وزوجه، ويعوذ أولاده كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ الحسن والحسين: "أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامه"(520). فإن تعسر عليه أن يرقي نفسه وأولاده وزوجه، كأن يكون جاهلاً بالرقية وشروطها، ذهب لمن يثق بدينه وعلمه من أهل الصلاح ليرقيه. المبحث الرابع الاستشفاء لغة طلب الشفاء، كالاستغفار طلب المغفرة. والاستشفاء يكون من مرض، والمرض نوعان: 1) مرض حسي: وهو المرض العضوي، والمسبب عن علة. 2) مرض غير حسي (معنوي): وهو ما لا تعرف له علة، ولاتدرك له حقيقة؛ كالعين مثلا، فإنها ليست مرضا محسوسا ولا عضويا. 519- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور -انظر شرح للنوي على صحيح مسلم (14/189) شرح (2202). 520- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه لو كان مخلوقاً لما صح الاستعاذة به. وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007) الهامة: واحدة من الهوام وهي ذوات السموم. اللامة: بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل أو جنون أو نحوهما. أي في كل عين تصيب بسوء -انظر شرح السندي على سنن إبن ماجة (4/125). والاستشفاء بالرقى والتعاويذ يشمل
القسمين معا الحسي والمعنوي، واليقين بالله تعالى ضرورة. لأن الله تعالى
هو الذي أنزل الداء، وأنزل الدواء، وبيده فالواجب على المسلم المحافظة على عقيدته مما يفسدها أو يخل بها، فلا يتعاطى ما لا يجوز من الأدوية، ولا يذهب إلى المخرفين والمشعوذين ليتعالج عندهم من الأمراض لأنهم يمرضون قلبه وعقيدته؛ ومن توكل على الله كفاه. وبعض الناس يعلق أشياء على نفسه سواء كانت هذه الأشياء من القرآن أو من غيره كالخرز، والعظام، والودع، والخيوط، وأسماء الشياطين والجن، والطلاسم؛ بقصد دفع الضر أو جلب المنفعة. وهو ليس فيه مرض حسي، وإنما فيه مرض وهمي، وهو الخوف من العين أو الحسد. أو يعلق هذه الأشياء على سيارته، أو بيته، أو دكانه. وهذا كله من ضعف العقيدة، وضعف توكله على الله. وإن ضعف العقيدة هو المرض الحقيقي الذي يجب علاجه بصدق التوحيد والعقيدة الصحيحة. ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من تعلق شيئا وكل إليه"(522). أي وكله الله إلى ذلك الشيء الذي تعلقه. فمن تعلق بالله، والتجأ إليه، وفوض أمره إليه كفاه، وقرب إليه كل بعيد، ويسر لـه كل عسير. ومن تعلق بغيره من المخلوقين، والتمائم، والأدوية؛ خسر عقيدته، وانقطعت صلته بربه، وخذله الله. 521- سورة الشعراء: (80) .522- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية التعليق ح(2079) وقال وفي الباب عن عقبة بن عامرك قال المبارك فوري في التحفة (6/20) وحديث عقبة بن عامر أخرجه احمد وأبو يعلي والطبراني بمعناه. قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات. وأخرجه أحمد في مسنده (4/310-311) والحاكم في مستدركه (4/216) وسكت عنه هو والذهبي. وأخرجه البغوي في شرح السنة (12/160) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1691). المبحث الخامس جاءت النصوص في الرقية من كل ألم، من العين، وألم السن، والرأس، والبطن، ومن كل عرق ينبض في الجسم. 1) تقدم حديث ابن مسعود مع زوجته رضي الله عنه في قوله لها: كان يكفيك أن تقولى كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أذهب الباس رب الناس واشف، أنت الشافي، شفاء لا يغادر سقما"(523). 2) عن عثمان بن أبي العاص أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: بي وجع قد كاد يهلكني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "امسحه بيمينك سـبع مرات، وقل: أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ما أجد، قال: فعلت ذلك فأذهب الله عز وجل ما كان بي، فلم أزل آمر به أهلي وغيرهم"(524). 523- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول صلى الله عليه وسلم ح(1619) وانظر تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3م267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180) . 524- أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(35229 وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه احمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/189) شرح (2202). 3) عن عائشة رضي الله عنها، كان النبي صلى الله عليه وسلم، إذا اشتكى الإنسان أو شكا -إذا كانت به قرحة أو جرح قال: "بإصبعه هكذا بالأرض ثم رفعها وقال: بسم الله، تربه أرضنا، بريقة بعضنا، يشفي بها سقيمنا، بإذن ربنا"(525). 4) وقد رقى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد اشتكيت؟ قال: نعم قال: "بسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد الله يشفيك، بسم الله أرقيك"(526) . (5) عن خالد بن الوليد - رضي الله عنه، أنه شكا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فزعا بالليل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أعلمك كلمات علمنيهن جبريل عليه السلام، وزعم أن عفريتا من الجن يكيدني، فقال: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ في الأرض وما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن"(527). 525- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي صلى الله عله وسلم ح(5746) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2194) وابو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3895) وابن ماجة في سننه: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3521) وانظر تحفة الأشراف ح(17906) واخرجه أحمد في مسنده (6/93) والبغوي في شرح السنة (5/224) والنسائي في اليوم والليلة ح(1023) وابن السني في اليوم والليلة ح(576) .526- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه كتاب الجنائز باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3523) وأنظر تحفة الأشراف ح(5363) واخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله من شر كل نفس قيل يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق على العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170). 527- أخرجه أحمد في مسنده (3/419) والهيثمي في المجمع (10/127) وقال رواه أحمد وابو يعلي والطبراني بنحوه ورجال أحد إسنادي أحمد وأبي يعلي وبعض أسانيد الطبراني رجال الصحيح، وكذلك رجال الطبراني. وأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه: كتاب الدعاء: (10/357) ح(9650) وعبد الرزاق في مصنفه (36:11) ح(19833) وأبو نعيم في الحلية (5/377) وابن السني في اليوم والليلة ح(637) قال الألباني في شرح العقيدة الطحاوية (178) صحيح رواه أحمد (3/419) وابن السني (631) عن عبد الرحمن بن حنبش مرفوعاً بسند صحيح. 6) عن علي - رضي الله عنه، قال: "لدغت النبي صلى الله عليه وسلم عقربٌ وهو يصلي، فلما فرغ قال: "لعن الله العقرب، لا تدع مصليا ولا غيره، ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقرأ: قل يا أيها الكافرون، وقل أعوذ برب الفلق، وقل أعوذ برب الناس" -رواه إبن ماجه والترمذي، وإسناده حسن(528). 7) عن الشفاء بنت عبد الله عن رسول الله صلى اله عليه وسلم أنه قال: "ألا تُعلِّمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة"(529). 8) عن عائشة رضي الله عنها، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما لصبيكم هذا يبكي؟ فهلا استرقيتم له من العين"(530). 9) عن أبي سعيد الخدري أن نفرا رقوا لديغا بفاتحة الكتاب على قطيع من الغنم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وما يدريك أنها رقية، قد أصبتم، اقسموا لي واضربوا لي معكم سهما"(531). 528- أخرجه ابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة ح(1246) وأنفرد به. وأنظر تحفة الأشراف (16125) قال الهيثمي في المجمع (5/111) رواه الطبراني في الصغير وإسناد حسن انظر صحيح سنن ابن ماجة للألباني ح(1030) وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ح(547) و(548) .529- أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ح(3887) واحمد في مسنده (6/372) والحاكم في مستدركه (4/56) عن أبي حثمة القرشي ان رجلا من الأنصار خرجت به نملة فدل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة فجاءها فسألها أن ترقيه فقالت والله ما رقيت منذ أسلمت فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي قالت الشفاء فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء فقال: أعرضي على فأعرضتها عليه فقال أرقيه وعلميها حفصة كما علمتها الكتابة -قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. واخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/349) وانظر صحيح سنن أبي داود للألباني ح(3291) والسلسلة الصحيحة للألباني ح(178) النملة: قروح تخرج في الجنبين، ويقال أنها تخرج أيضاً في غير الجنب ترقى فتذهب بإذن الله عز وجل. قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن تعليم الكتابة للنساء غير مكروه -انظر معالم السنن (5/364). 530- أخرجه أحمد في مسنده (6/72) وقال الهيثمي في المجمع (5/112) رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه سهل بن مودود ولم أعرفه، وبقية رجاله رجال الصحيح قال الألباني: وهذا إسناد حسن رجاله كلهم ثقاب، رجال الشيخين غير أبي أويس وهو عبد الله بن أويس، قال في التقريب (صدوق يهم) وأخرج له مسلم في الشواهد -انظر السلسلة الصحيحة للألباني ح(1048). 531- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين باب الرقية من العين (2/940) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5749) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى (3900) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ ح(2070) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب التجارات: باب أجر الراقي ح(2156) وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307). 10) عن علي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ما من مريض لم يحضر أجله يتعوذ بهذه الكلمات إلا خفف عنه: بسم الله العظيم، أسأل الله رب العرش العظيم أن يشفيه - سبع مرات"(532). 11) عن ابن عباس رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "هاتوا ابنَّي حتى أعوذهما بما عوذ به إبراهيم ابنيه إسماعيل وإسحق، أعيذكما بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة، ومن كل عين لامة"(533). 532- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الجنائز: باب الدعاء للمريض عند العيادة ح(3106) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (32) ح(2060) وقال حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث المنهال بن عمرو وأحمد في مسنده (1/239-243) والحاكم في مستدركه (1/432) عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من عاد مريضاً لم يحضر أجله فقال عنده سبع مرات أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك إلا عافاه الله من ذلك المرض. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. وأخرجه ابن جان في صحيحه (714) موارد والنسائي في اليوم والليلة ح(1043) وابن السني في اليوم والليلة ح(544) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1698) . 533- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب أحاديث الأنبياء: باب (10) ح(3371) وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في القرآن ح(4737) وقال: هذا دليل على أن القرآن ليس بمخلوق. مستدلاً على أنه لو كان مخلوقاً لما صح الاستعاذة به. وأخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (18) ح(2067) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وإبن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي صلى الله عليه وسلم وما عوذ به ح(3525) وانظر تحفة الأشراف ح(5627) وأخرجه أحمد في مسنده (1/270-136) والنسائي في اليوم والليلة ح(1007). الهامة: واحدة من الهوام وهي ذوات السموم. اللامةك بتشديد الميم أي ذات لمم، واللمم كل داء يلم من خبل او جنون أو نحوهما. أي من كل عين تصيب بسوء -انظر شرح السندي على سنن ابن ماجة (4/125). المبحث السادس بعض الناس يتحرجون من طلب الرقية والعلاج، مع أنهم بحاجة إليها، محتجين بأن هذا ينافي التوكل. هؤلاء الذين يتحرجون من طلب الرقية يحتجون بحديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب. والحديث رواه ابن عباس، رضي الله عنه، قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فقال: عرضت على الأمم فجعل النبي يمر ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، والنبي ومعه الرهط، والنبي ليس معه أحد. ورأيت سوادا كثير سد الأفق فرجوت أن تكون أمتي؛ فقيل هذا موسى وقومه، ثم قيل انظر إلى الأفق، فرأيت سوادا كثيرا سد الأفق، فقيل لي هذه أمتك ومعهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب. فتفرق الناس ولم يبين لهم. فتذاكر أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أما نحن فولدنا في الشرك، ولكن آمنا بالله ورسوله، ولكن هؤلاء هم أبناؤنا. فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "هم الذين لا يتطيرون ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. فقام عكاشة بن محصن فقال: أمنهم أنا يا رسول الله؟ قال: نعم. فقام آخر فقال أمنهم أنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم - سبقك بها عكاشة"(534). 534- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من لم يرق ح05752) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان باب الدليل هلى دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ح(216) والترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (81) ح(2454) وقال هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده (1/271) وقال الهيثمي في المجمع (10/405) رجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في الكبير (18/23) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك الاكتواء والاسترقاء (9/341) وأخرجه البغوى في شرح السنة (15/135) ح(4322). هذه ثلاثة أصناف للسبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب: لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون؛ فمن حقق هذه الصفات كان من الذين على ربهم يتوكلون. وقيل هذه أربع صفات للسبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، أنهم لا يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. التطير يأتي بمعنى التشاؤم ويأتي بمعنى الفأل. فإن كان في شؤم فهو المراد بهذا الحديث، وهو المنهي عنه. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا عدوى ولا طيرة والشؤم في ثلاث: المرأة، والدار، والدابة"(535). أما إذا أريد بالتطير الفأل فهذا حسن، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا طيرة وخيرها الفأل"(536). فالفأل من الطيرة. وكان النبي صلى الله عليــه 535- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الطيرة ح(5753) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ح(2225) وابو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الطيرة ح(3921) والترمذي في سننه: كتاب الأدب باب ما جاء في الشؤم ح(2833) وقال هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه كتاب الخيل: باب شؤم الخيل ح(3570) وانظر تحفة الأشراف (6826) وأخرجه أحمد في مسنده (2/153) قال الخطابي: الشؤم في هذه الأشياء: أنه لا يأتي الرجل في اختيارها والتفتيش عن دين المرأة وأخلاقها، وعن أصالة الفرس وجودتها، وعن أساس الدار ومتانة بنيانها، ولا يتفحص عن ذلك ويسأل أهل الخبرة العارفين الناصحين، بل يغتر بظاهر جمالها، وحسن منظرها. ثم يتبين بعد ذلك سوءها، وما بها من شر، ويصعب عليه التخلص منها فيبقيها على مضض، موهما نفسه أنه يمكنه الإنتفاع بها، مع أنه لا يحاول إصلاحها، أو تكون هي غير قابلة للإصلاح فيكون ذلك شقاء عليه أي شقاء، ولو أنه تخلص منها لكان خيراً له، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لفروه بن مسيك "دعها عنك" -انظر معالم السن للخطابي (5/380). 536- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الطيرة ح(5754) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطيرة والفأل وما يكون فيه من الشؤم ح(2223) وابو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الطيرة ح(3916) والترمذي في سننه: كتاب السير: ما جاء في الطيرة ح(1621) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة ح(3537) وانظر تحفة الأشراف ح(1259) وقال النووي: قيل يا رسول الله وما الفأل؟ قال: الكلمة الحسنة يسمعها أحدكم. وفي رواية لا طيرة ويعجبني الفأل الكلمة الحسنة الكلمة الطيبة. وفي رواية واحب الفأل الصالح -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/218). وسلم "إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع يا نجيح، يا راشد"(537). وكان إذا بعث عاملاً سأله عن اسمه فإن أعجبه فرح به"(538). وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمر، فإن رأي طيرا طار عن يمينه تيامن به واستمر، وإن رآه طار عن شماله تشاءم به ورجع. وكان بعضهم يزجر الطير فإذا طار الطير شمالا تطير به(539). أيضا من صفات السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب أنهم لا يكتوون. والكي أيضا نوعان: فإن كان الشفاء من المرض بالكي محتملا وليس محققا. أو كان الجرح الذي يتركه الكي أكبر من المرض، أو وجد دواء يصار إليه قبل الكي، فلا يجوز الكي، لأنه من باب التعذيب بالنار. وكذلك كي الصحيح لئلا يعتل، هذا هو الكي المنهي عنه، والمراد به في حديث السبعين ألف(540). أما إذا كان الكي سبباً في حصول الشفاء، ككي الجرح إذا فسد ونزف وككي العضو إذا قطع، فالكي هنا واجب؛ خاصة إذا لم توجد طريقة للاستشفاء غير الكي. والنبي صلى الله عليه وسلم اكــتوى للجـرح الذي أصابه في أُحُــد، فقد أحـرقتفاطمة - رضي الله عنها - 537- أخرجه الترمذي في سننه كتاب السير: باب ما جاء في الطيرة ح(1622) وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح. انظر صحيح سنن الترمذي للألباني (1316) وانظر فتح الباري لابن حجر (10/215) ش ح(5755-5756). 538- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب باب في الطيرة ح(3920) وأحمد في مسنده (1/257-304) و(5/347) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح(3319) وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ح(762) وأنظر فتح الباري لابن حجر (10/215) ش ح(5756) قال البغوي: وينبغي للإنسان أن يختار لولده وخادمه الأسماء الحسنة فإن الأسماء المكروهة قد توافق القدر -شرح السنة (12/176) .539- انظر فتح الباري (10/121) ش ح(5753-5754).540- قال الحافظ ابن حجر: والنهي فيه محمول على الكراهية أو على خلاف الأولى لما يقتضيه مجموع الأحاديث -فتح الباري (10/155) ش ح(5704). حصيرا فحشت به جرحه صلى الله عليه وسلم(541). وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن كان في شيء مما تداوون به خير ففي شرطة محجم أو لسعة بنار"(542). وقد كان الكي نافعا ومجربا لبعض الأمراض. والنهي الوراد في الحديث "لايكتوون" محمول على من ينسب الشفاء إليه كالجاهلية، بخلاف من يراه سببا وأن الله هو الشافي. أيضا من صفات السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب، أنهم لا يسترقون. أي لا يطلبون الرقيه، وذلك في حال الصحة وخشية وقوع المرض، اعتقادا منهم أنها تمنع حلوله. أما من يطلب الرقيه والعلاج بعد حصول المرض، فهذا لا بأس به، ولا شيء فيه. وهذا من تعاطي الأسباب التي أمرنا الله بالأخذ بها. فمن وثق بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ونبيا؛ لم يخدش في توكله تعاطيه للأسباب. 541- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب حرق الحصير ليسد به الدم ح(5722) ومسلم في صحيحه: كتاب الجهاد والسير: عزوة احد ح(1790) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب التداوي بالرماد ح(2092) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سنة. كتاب الطب: باب دواء الجراحة ح(3464) وانظر فتح الباري لابن حجر (10/156) ش ح(5704). 542- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من اكتوى أو كوى غيره وفضل من لم يكتو ح(5704) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لكل داء دواء واستحباب التداوي ح(2205) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الكي ح(3491) وانظر تحفة الأشراف ح(5509) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك الاكتواء والاسترقاء (9/341) قال السندي في شرحه على سنن ابن ماجة: وقوله "الشفاء في ثلاث" "أي منفردة لا مجتمعة" و"شرطه محجم" من شرط الحاجم إذا ضرب على موضع الحجامة ضرباً شق به الجلد وإضافتها إلى الحجم للملابسة. والكي فإنه أشد الثلاثة فلا ينبغي استعماله إلا لضرورة. وبالجملة فإن النهي للتنـزيه -انظر سنن ابن ماجة (4/113). فالنبي صلى الله عليه وسلم رقى واسترقى وأمر بالرقية. والصحابة رضوان الله عليهم رقى بعضهم بعضا، واسترقى بعضهم من بعض، وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينههم. والنبي صلى الله عليه وسلم استرقى. كما قالت عائشة، رضي الله عنها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد والمعوذتين جميعا ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده. قالت عائشة رضي الله عنها فلما اشتكى -أي في مرضه الذي مات فيه- كان يأمرني أن أفعل ذلك به(543). فالنبي صلى الله عليه وسلم رقى واسترقى وأمر بالاسترقاء، فقد أمر عائشة رضي أن تسترقى من العين، كما قالت عائشة، رضي الله عنها: "أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أسترقي من العين"(544). وقال صلى الله عليه وسلم لأم سلمة عــندما 543- أخرجه البخاري في صحيحه: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ماجةفي سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وأنظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي صلى الله عليه وسلم في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر -انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735) . 544- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5738) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2195) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3512) وانظر تحفة الأشراف (16199) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله (9/347) وأنظر شرح معاني الآثار للطحاوي (4/327) قال الحافظ ابن حجر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن يسترقى من العين أي يطلب الرقية ممن يعرف الرقى بسبب العين -انظر فتح الباري (19/201). وجد عندها الجارية وبها السفعة قال: استرقوا لها فإن بها النظرة"(545). فطلب الرقيه لا يخدش في التوكل إذا كان بعد وقوع المرض، بل هو من تعاطي الأسباب. "ورأى النبي صلى الله عليه وسلم ابني جعفر بن أبي طالب وهما ضارعان فقال: مالي أراهما ضارعين؟ قالوا تسرع إليهما العين. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استرقوا لهما"(546). قال الزرقاني: والأمر بالرقى وأنها نافعة لا يعارضه النهي عنها في عدة أحاديث كخبر الذين لا يسترقون، لأن الرقية المأذون فيها ما كانت باللسان العربي أو بما يفهم معناه، ويجوز شرعا، مع اعتقاد أنها لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله عز وجل، والمنهي عنها ما فقد فيها شرط من ذلك(547). 545- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية العين ح(5739) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2197) والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله ح(9/348) وانظر شرح معاني الآثار للطحاوي (4/327) قال النووي: السفعة يعني بوجهها صفرة، وقيل سواد وقال ابن تيمية هي لون يخالف لون الوجه، وقيل أخذه من الشيطان -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/185) قال ابن عبد البر: فيه دليل على أن العين تسرع إلى قوم فوق اسراعها إلى آخرين، وأنها تؤثر في الإنسان بقضاء الله وقدره وتصرعه في أشياء كثيرة. وإنما يسترقى من العين إذا لم يعرف العائن. وأما إذا عرف الذي أصابه بعينه فإنه يؤمر بالوضوء -التمهيد (2/269). 546- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين (2/939) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2198) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية من العين ح(2066) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3510) وأحمد في مسنده (3/333) وقال الهيثمي في المجمع (5/109) رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية بكتاب الله (9/348) والطحاوي في شرح معاني الآثار (4/327). 547- انظر شرح الزرقاني على موطأ مالك (4/232) ش ح(1812). قال النووي: لا مخالفة، بل المدح في ترك الرقى التي هي من كلام الكفار، والرقى المجهولة التي بغير العربية، وما لا يعرف معناه؛ فهذه مذمومة لاحتمال أن معناه كفر أو قريب منه، أو مكروه. وأما الرقي بالقرآن والأذكار المعروفة فلا نهي عنها، بل هي سنة. ومنهم من قال بالجمع بين الحديثين؛ أن المدح في ترك الرقى للأفضلية وبيان التواكل، والذي فعل الرقى وأذن فيها لبيان الجواز مع أن تركها أفضل؛ وبهذا قال ابن عبد البر. والمختار الأول، وقد نقلوا الإجماع على جواز الرقى بالآيات وأذكار الله تعالى كما في كتاب الطب والإيمان. ثم قال النووي: وأما قولهم في الرواية الأخرى يا رسول الله! إنك نهيت عن الرقى، فأجاب العلماء بأجوبة منها: 1- كان نهيا أولا، ثم نسخ، وأذن فيها وفعلها واستقر الشرع على الإذن. 2- النهي عن الرقى المجهولة كما سبق . 3- النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها. أقول في النهاية، أنه من يستطيع الصبر وتحمل المرض فالصبر أفضل له من الاسترقاء والتداوي، كما جاء في حديث الجارية عندما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شئت دعوت الله لك، وإن شئت تصبري ولك الجنة. فقالت أصبر ولكن ادع الله أن لا أتكشف"(548). 548- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب المرض: باب فضل من يصرع من الريح ح(5652) ومسلم في صحيحه: كتاب البر والصلة: باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن ح(2576) وأحمد في مسنده (1/347) قال الحافظ ابن حجر: من فوائد الحديث: فضل من يصرع. وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة. وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة. وفيه دليل على جواز ترك التداوي. وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجع وأنفع من العلاج بالعقاقير، وأن تأثير ذلك وإنفعال البدن عنه أعظم من تأثير الأدوية البدنية ولكن إنما ينجع بأمرين: أحدهما من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقوة قلبه بالتقوى والتوكل على الله والله أعلم -انظر فتح الباري (10/115). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن كل أمره له خير، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له. وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له. وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن"(549). أما من لا يستطيع الصبر، وقد يصاب بالجزع نتيجة المرض فالتدواي والاسترقاء في حقه أفضل، والله أعلم. المبحث السابع الرقية لجميع الأمــــــراض قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من عين أو حمة"(550). 549- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الزهد: باب المؤمن أمره خير كله ح(2999)، وأحمد في مسنده (4/332)، وانظر فتح الباري لابن حجر (10/106): كتاب المرض. قال المنذري: النبي صلى الله عليه وسلم يبشر المؤمن بما يصيبه ويخبره أن كل شيء أحاطه كسب منه ثوابا: فإن أمده الله بنعم فحمده نال أجرا، وإن أصابته سيئة فصبر نال ثوابا؛ فهو في الحالتين مكرم مثاب مؤجر -الترغيب والترهيب (4/278). 550- أخرجه أبو داود في سننه كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3884) والترمذي في سننه كتاب الطب باب ما جاء في الرخصة في ذلك ح02064) وقال: وروى شعبه هذا الحديث عن حصين عن الشعبي عن بريدة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما رخص فيه من الرقى ح03513) وانظر تحفة الأشراف ح(1945) وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقى (9/348) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح(3289) قال الخطابي الحمة: اسم ذوات السموم. وقد تسمى أبره العقرب والزنبور حمة، وذلك لأنها مجرى السم، وليس في هذا نفي جواز الرقية في غيرها من الأمراض والأوجاع، لأنه قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رقى بعض أصحابه من وجع كان به، وقال للشفاء"علمي حفصة رقية النملة" وإنما معناه: أنه لا رقية أولى وأنفع من رقية العين والسم. وهذا كما قيل لا فتى إلا علي.. ولا سيف إلا ذو الفقار -معالم السنن (5/363) ش ح(3736). العين معلومة ومعروفة، وهي الإصابة بالعين أو الحسد. والحمة هي ذوات السموم كالعقرب والحية أو غيرهما من ذوات السموم. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا رقية إلا من عين أو حمة" هذا ليس معناه تخصيص جواز الرقية من العين والحمة فقط. وإنما معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرقية من العين والحمة. وقد رقى النبي صلى الله عليه وسلم من غير العين والحمة. فقد أذن النبي صلى الله عليه وسلم في رقية النملة وغيرها والنملة جروح وقروح تكون في الجسم. وقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي سعيد الخدري، عندما رقى سيد القوم اللديـغ؛ بالفاتحة. قال له صلى الله عليه وسلم: "وما أدراك أنها رقية؟" فيه تصريح بأن الفاتحة رقية، فيستحب أن يقرأ بها على المريض واللديغ وغيرهما من أصحاب الأسقام والأمراض. والمراد من الحصر في قول النبي صلى الله عليه وسلم "لا رقية إلا من عين أو حمة" أي لا رقية أنفع. كما قيل: "لا سيف إلا ذو الفقار"(551). 551- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/184-188). الفصل الثاني الراقي في الكتاب والسنة المبحث الأول : صلة الراقي بربه المبحث الثاني : قبل البدء في العلاج المبحث الثالث : ادعاء علم الغيب في العلاج المبحث الرابع : كلام المصروع من فعله المبحث الخامس : العلاج بالقرآن المبحث السادس: : أدوات الراقي 1- العلم قبل العمل 2- الإخلاص 3- الاتباع 4- قوة الإيمان 5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 6- القدوة 7- الدعوة قبل العلاج 8- الفتنة الكبرى المبحث الأول التقلبات التي تصيب القلوب سببها الفتن التي تواجه المسلم أو توجه إليه. فقد يقترن المرء بأصدقاء أشرار. وقد يبتلى بمجتمع فاجر ضال تحكمه شريعة الشيطان. وقد تسيطر الجاهلية على وسائل الإعلام، وتملك توجيه الناس؛ والقلوب تتأثر بما حولها. ولذلك كان على المسلم أن يكون حذرا، وعليه أن يأخذ بالأسباب التي تثبته وتديم صلته بربه ومنها: 1) أن يلح على الله أن يثبته ويحفظه من شياطين الجن والإنس، كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم دائم القول: "يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك"(552) . 2) أن يُكْثِر من ذكر الله، فذكر الله حصن حصين، يشرح النفس ويطمئن القلب. كما قال الله تبارك وتعالى: (ألا بذكر الله تطمئن القلوب)(553). وقوله تبارك وتعالى: (يا أيها الذين
آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا وسبحوه بكرة وأصيلا)(554). 552- أخرجه الترمذي في سننه كتاب الدعوات: باب (95) ح(3533) وقال هذا حديث حسن. وأحمد في مسنده (3/257) وقال الهيثمي في المجمع (10/176) رواه أحمد في إسناده حسن وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(2792) وانظر كتاب السنة لابن أبي عاصم (1/98-106) .553- سورة الرعد: (28). 554- سورة الأحزاب: (41- 42) .555- سورة آل عمران: (191). وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله في كل أحوال حياته وفي كافة الأحيان(556). 3) أن يديم قراءة القرآن، فإنه حبل الله المتين والصراط المستقيم. فمن عمل به سعد. وهو يُقوِّم ويصلح النفوس (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم)(557). 4) أن يحافظ على الفرائض، ويكثر من النوافل؛ كما جاء في الحديث القدسي: "وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصــره الذي يبصر به، ويده 556- أخرجه البخاري في صحيحه تعليقا: كتاب الآذان: باب هل يتبع المؤذن فاه وههنا وههنا وهل يلتفت في الآذان. ومسلم في صحيحه: كتاب الحيض: باب ذكر الله تعالى في حال الجنابة ح(373) وأبو داود في سننه: كتاب الطهارة: باب في الرجل يذكر الله تعالى على غير الطهر ح(18) والترمذي في سننه: كتاب الدعوات: باب ما جاء أن دعوة المسلم مستجابة ح(3395) وقال هذا حديث حسن غريب. وابن ماجة في سننه: كتاب الطهارة: باب ذكر الله عز وجل على الخلاء والخاتم في الخلاء ح(302) وانظر تحفة الأشراف ح(16361). قال النووي: هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد وشبهها من الأذكار وهذا جائز بإجماع المسلمين وإنما اختلف العلماء في جواز قراءة القرآن للجنب والحائض فالجمهور على تحريم القراءة عليهما جميعا ولا فرق عندنا بين آية وبعض آية فإن الجميع يحرم ولو قال الجنب سم الله أو الحمد لله ونحو ذلك إن قصد به القرآن حرم عليه وإن قصد به الذكر أو لم يقصد شيئا لم يحرم ويجوز للجنب أو الحائض أن يجريا القرآن على قلوبهما وأن ينظرا في المصحف -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (4/68) على هذا فلا يجوز للجنب ولا للحائض أن يرقي أحدهما بشيء من القرآن قبل التطهر. 557- سورة الإسراء: (9). التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها. ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه"(558). 5) أن يحرص على الصحبة الطيبة، وحضور مجالس العلم، والسعي إلى لقاء الإخوة في الله. كما قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده"(559). 558- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الرقاق: باب التواضع ح(6502) والبيهقي في الكبرى (3/346) وأبو نعيم في الحلية (4-5) والحديث رواه أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكملة "وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته". قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذا حديث شريف قد رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد ورد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد فإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور، والله أعلم بالعواقب وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة التردد: -انظر الفتاوي لابن تيمية (18/129). قال ابن رجب: المراد بالتردد أن الله تعالى قضى على عباده بالموت كما قال تعالى: كل نفس ذائقة الموت -آل عمران (185)-والموت مفارقة الروح للجسد، ولا يجعل ذلك إلا بألم عظيم جداً، وهو أعظم الآلام التي تصيب العبد في الدنيا، قال عمر رضي الله عنه لكعب: أخبرني عن الموت؟ قال: يا أمير المؤمنين، هو مثل شجرة كثيرة الشوك في جوف ابن آدم، فليس منه عرق ولا مفصل إلا ورجل شديد الذراعين، فهو يعالجها ينـزعها، فبكى عمر الحلية (5/365) قال ابن رجب: فلما كان الموت بهذه الشدة والله تعالى قد حتمه على عباده كلهم، ولا بد لهم منه، وهو تعالى يكره أذى المؤمن ومساءته، سمي ذلك ترددا في حق المؤمن، فأما الأنبياء فلا يقبضون حتى يخيروا -انظر جامع العلوم والحكم (ص 348) ش ح(38) .559- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ح(2699) وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في المعونة للمسلم ح(4946) والترمذي في سننه: كتاب القراءات: باب (12) ح(2954). وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ح(225) وانظر تحفة الأشراف ح(12510) وقوله "في بيت من بيوت الله: قال الطيبي شامل لجميع ما يبني لله تقربا إليه من المساجد والمدارس والربط". وقوله "يتدارسونه" قيل شامل لجميع ما يتعلق بالقرآن من التعلم والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه. ونقول: والاستشفاء به. وقوله: حفتهم الملائكة أي طافوا بهم وداروا حولهم تعظيماً لصنيعهم -انظر شرح السندي على سنن ابن ماجة (1/148). المبحث الثاني قبل البــــدء في العــــــلاج لمن أرد أن يهيء نفسه للعلاج بالقرآن، عليه قبل البدء في ذلك بدراسه التوحيد دراسة كافية، حتى لا يقع في حبائل الشرك والكفر، فيقرأ كتب التوحيد ويدرسها دراسة وافية ككتاب فتح المجيد، أو كتاب التوحيد والعقيدة الطحاوية. ويقرأ كتب شيخ الإسلام ابن تيميه، وتلميذه ابن القيم؛ خاصة في هذا العلم. المبحث الثالث ادعاء علم الغيب في العلاج لا يعلم الغيب إلا الله وحده: (قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله)(560). وقد يُطلع رسله على ما شاء من غيبه، لحكمه يعلمها الله: (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا. إلا من ارتضى من رسول)(561). فمن ادعى علم الغيب بأي وسيلة من الوسائل غير من استثناه الله من رسله؛ فهو كاذب كافر، سواء ادعى ذلك بواسطة قراءة الكف، أو الفنجان، أو الكهانة، أو السحر، أو التنجيم، أو غير ذلك. وهذا الذي يحصل من بعض المشعوذين والدجالين في الإخبار عن مكان الأشياء المفقودة، وعن أسباب بعض الأمراض؛ فيقولون فلان عمل لك كذا وكذا فمرضت بسببه، إنما هو استخدام للجن والشياطين، ويُظْهرون للناس أن هذا يحصل عن علم منهم. 560- سورة النمل: (65). 561- سورة الجن: (26-27). وقد يذهب بعض الجهال وضعاف الإيمان إلى هؤلاء المشعوذين فيسألهم عن مستقبل حياته، وما يجري عليه، وعن زواجه، وغير ذلك. ومن ادعى علم الغيب، أو صَدَّق من يدعيه فهو مشرك كافر، لأنه يدعي مشاركة الله فيما هو من خصائصه. إنما هذا كله من أعمال الشياطين الذين يسترقون السمع(562). قال رسول صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنا أو عرافا فسأله عن شيء فلا تقبل له صلاة أربعين ليلة"(563). هذا مجرد السؤال، أما إن كان مصدقا فينطبق عليه قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"(564). 562- قال النووي: كانت الكهانة في العرب ثلاثة أضرب أحدها يكون للإنسان ولي من الجن يخبره بما يسترقه من السمع من السماء وهذا القسم بطل من حين بعث الله نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. والثاني: إن يخبره بما يطرأ أو يكون في أقطار الأرض وما خفي عنه مما قرب أو بعد وهذا لا يبعد وجوده، ونفت المعتزلة وبعض المتكلمين هذين الضربين وأحوالهما ولا استحالة في ذلك ولا بعد في وجوده لكنهم يصدقون ويكذبون والنهي عن تصديقهم والسماع منهم عام. والثالث: المنجمون وهذا الضرب يخلق الله تعالى فيه بعض الناس قوة ما لكن الكذب فيه أغلب. ومن هذا الفن العرافة وصاحبها عراف وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفته بها وقد يعتضد هذا الفن ببعض في ذلك بالزجر والطرق والنجوم وأسباب معتادة وهذه الأحزاب كلها تسمى كهانة وقد أكذبهم كلهم الشرع ونهى عن تصديقهم وإتيانهم والله أعلم -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/223). 563- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهانة ح(2230). وأحمد في مسنده (4/68) و(5م380). والبيهقي في الكبرى: كتاب النكاح: باب إتيان النساء في أدبارهن (7/198). 564- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الكاهن ح(3904). والترمذي في سننه: كتاب الطهارة: باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض ح(135). وقال لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأشرم عن أبي تيمية الهجيمي عن أبي هريرة. وأبن ماجة في سننه: كتاب الطهارة: باب النهي عن إتيان الحائض ح(639). وانظر تحفة الأشراف (13536). وأخرجه أحمد في مسنده (2/408-476). والبيهقي في الكبرى (7/198) والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/44). وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح(116). المبحث الرابع كلام المصروع من فعله فائدة في بيان حركات المصروع وكلامه، هل هي من فعله أو فعل الجني؟ قال العلامة بدر الدين شلبي: أكثر الناس يعتقدون أن كلام المصروع من فعل الجن ويضيفونه إليه. ولا دليل نقطع به على أن ما سمع منه كلام له أو للشيطان فيكون الكلام للمصروع، وإضافته إلى الشيطان مجازاً. فالمتكلم من قام بالكلام، لا من فعل الكلام. والكلام الذي يقوم به البشر قد يكون من فعله وكسبه، وقد يكون مضطراً إليه (565). قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل: قلت لأبي إن قوما يقولون إن الجن لا تدخل في بدن الإنسي؟ قال يا بني! يكذبون، هو ذا يتكلم على لسانه، يعني لسان المصروع، فقد جعل المتكلم هو الجني. فكذلك الحركة والله أعلم(566). المبحث الخامس العلاج بالقرآن على المعالج بالقرآن، قبل البدء في الرقية والعلاج، أن يتبع الخطوات التالية: (1) أن يأمر من معه بالمحافظة على الطاعات، ويعرفهم أن الشافي الحقيقي هو الله وحده. (2) أن يخرج ما مع المريض من أحجبة، أو تمائم، أو نحوهما؛ فهذا شرك يجب إنكاره بالقول، وإزالته بالفعل. 565- انظر آكام المرجان في أحكام الجان للشبلي (ص 110) . 566- المصدر السابق (ص 107-110). (3) أن لا يتم علاج النساء إلا في وجود محارم لكل منهن. ويجب على المرأة ألا تكون متبرجة، ولا متعطرة؛ بل ترتدي الملابس الشرعية. (4) أن يأمر صاحب البيت إن كان متزينا بزينة محرمة أن يدعها. فإن العلاج بالقرآن ما هو إلا دعاء وقبول. المبحث السادس أدوات الراقي 1- العلم قبل العمل إبليس عليه لعنة الله يعمل جاهدا للنيل من دين العبد ما استطاع. فهدفه الأول أن يجعل العبد يشرك بالله ويكفر به. فإن لم يستطع جاهده على ترك الفرائض وفعل الكبائر. فإن لم يستطع جاهده على ترك السنن وفعل المكروهات. فإن لم يستطع لبَّس عليه في الطاعة، فيحبب له التلهي بالمباح عن المستحب والواجب. فإن لم يقدر حبب إليه التلهي بالمستحب عن الواجبات. فإن ترك ما أوجبه الله عليه، فقد عصى الله وخالف أوامره، ولا ينفعه انشغاله بالمستحب، فالله لم يوجب المستحبات إلا بعد الفراغ من الواجبات. لذا نرى كثيرا ممن اشتغل بالعلاج بالقرآن دخل في هذا المجال قبل تحصيله وإلمامه به. وقد ظنوا الأمر سهلا، ونسوا أن العدو في هذه المعركة ليس بالهين ولا بالساذج، بل هو عدو لدود ماكر، قد ملأ الحقد قلبه. لدرجة أنه يقتل نفسه من أجل إضلال العباد وكفرهم. فينبغي لمن أراد أن يشتغل في مجال العلاج بالقرآن أن يتسلح بالعلم النافع، والدعوة إلى الله، ومعرفة مكائد الشيطان. قال تعالى: (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)(567). 567- سورة الأنعام: (121). أخبر الله تعالى أن الشياطين يوحون إلى أوليائهم من السحرة والكهنة، ومن يتولاهم، ولو دعى دين الإسلام، فهو من المشركين الذين يوحي لهم الشيطان. فالشيطان يلبس على الإنسان يوقعه في الشرك من حيث لا يشعر، يزعم له. كذبا أنه قد اسلم على يديه، وتاب لله عز وجل، وندم على ما فعل، فَيُهوِّن عليه المعالج ويخبره أن الله غفور رحيم، ويطمئن ويركن إليه، والجن بدوره يعرض على هذا المعالج العون والمساعدة. فإن صدقه هذا المعالج، وقع في الفخ، فيترك هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويُقبل على عدوه، وبه يستعين، فيصحبه هذا الجني في علاج المرضى فيخبره أن هذا به جني، وذاك به سحر، وآخر به عين وحسد، فيلبس عليه؛ حتى يخرج هذا المعالج عن هدي محمد صلى الله عليه وسلم، ويتبع هدي إبليس اللعين. هذا أخطر ما يمكن أن يناله الشيطان من هذا المعالج، فإن ظفر بذلك وإلا فإنه سيجاهده حتى يوقعه في الكبائر والمعاصي. 2- الإخلاص لاشك أن المعالج بالقرآن المخلص لله تعالى في عمله يكون علاجه للمريض نافعاً بإذن الله، وينفع به الناس. والإخلاص هو عمل القلب الذي يراد به وجه الله تعالى لا غيره. وهو شرط لقبول الأعمال. لأن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه كما قال تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة)(568). وقال تعالى: (قل إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله)(569). 568- سورة البينة: (5) .569- سورة آل عمران: (29). والإخلاص هو المقياس الحقيقي لقوة الرقية. وذلك أن المعالج حين يرقي المريض يكون همه علاج هذا المريض محتسبا لله، جاعلا نصب عينيه قول النبي صلى الله عليه وسلم "من نَفَّس عن أخيه كربة، نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة"(570). وقولـه صلى الله عليه وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى"(571). والنية هي الأصل، تجد رجلين يصليان في صف واحد مقتديين بإمام واحد، يكون بين صلاتيهما كما بين المشرق والمغرب. لأن القلب مختلف؛ أحدهما قلبه غافل، بل ربما يكون مرائيا في صلاته - والعياذ بالله - يريد بها الدنيا، والآخر قلبه حاضر، يريد بصلاته وجه الله واتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بينهما فرق عظيم، فالعمل على ما في القلب، وعلى ما في القلب يكون الجزاء يوم القيامة. 570- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر: باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن ح(2699) وأبو داود في سننه: كتاب الأدب: باب في المعونة للمسلم ح(4946) والترمذي في سننه: كتاب القراءات: باب (12) ح(2954). وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب فضل العلماء والحث على طلب العلم ح(225) وانظر تحفة الأشراف ح(12510). وقوله "في بيت من بيوت الله: قال الطيبي: شامل لجميع ما يبني الله تقرباً إليه من المساجد والمدارس والربط". وقوله"يتدارسونه" قيل شامل لجميع ما يتعلق بالقرآن من التعلم والتعليم والتفسير والاستكشاف عن دقائق معانيه. ونقول: والاستشفاء به". وقوله: "حفتهم الملائكة" أي طافوا بهم وداروا حولهم تعظيماً لصنيعهم-انظر شرح السندي على سنن ابن ماجة (1/148) .571- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب بدء الوحي: باب كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ح(1). ومسلم في صحيحه: كتاب الإمارة: باب قوله صلى اله عليه وسلم إنما الأعمال بالنية ح(1907). وأبو داود في سننه: كتاب الطلاق: باب فيما عني به الطلاق والنيات ح(2201) والترمذي في سننه: كتاب فضائل الجهاد: باب ما جاء فيمن يقاتل رياء للدنيا ح(1653) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه: كتاب الطهارة: باب النية في الوضوء ح(75). وابن ماجة في سننه: كتاب الزهد: باب النية ح(3227). وانظر تحفة الأشراف ح(10612). والبيهقي في الكبرى (1/298). فإذا كان الله في كتابه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في سنته يؤكدان على إصلاح النية، فالواجب على الإنسان أن يُصلح نيته، ويُصْلح قلبه. فالواجب على المعالج بالقرآن أن يكون همه وهدفه شفاء المريض وإخلاص النية لله تعالى. 3- الاتباع ينبغي للمعالج بالقرآن أن يكون متبعا لهدي محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رقيته وعلاجه. ولا ينبغي له التوسع في مجال الرقى. خاصة أن بعض الرقاة والمعالجين بالقرآن يتوسعون في هذا المجال، محتجين بقول النبي صلى الله عليه وسلم "وما أدراك أنها رقيه"(572). وكأن هناك رُقى لم يوضحها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو القائل: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" وفي رواية" "من عمـل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد"(573). 572- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الرقى بفاتحة الكتاب ح(5736). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ (2071) وقال: هذا حديث حسن صحيح، ثم قال: ورخص الشافعي للمعلم أن يأخذ على تعليم القرآن أجرا ويرى له أن يشترط على ذلك. وابن ماجة في سننه: كتاب التجارات: باب أجر الراقي ح(2156). وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307) وأخرجه الداقطني في سننه (3/65). والبيهقي في الكبرى (6/124). والبغوي في شرح السنة ح(2187) .573- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الصلح: باب "إذا اصطلحوا على صلح جور فالصلح مردود ح(2697). ومسلم في صحيحه: كتاب الأقضية: باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور ح(1718).وأبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في لزوم السنة ح(4606). وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب تعظيم حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والتغليظ على من عارضه ح(14). وانظر تحفة الأشراف ح(17455). وأخرجه أحمد في مسنده (6/240-270). والبيهقي في الكبرى: كتاب آداب القاضي: باب من اجتهد ثم رأى أن اجتهاده خالف نصاً أو إجماعاً أو ما في معناه رده على نفسه وعلى غيره (10/119). قال النووي: هذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهو من جوامع كلمة صلى الله عليه وسلم فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (12/16). قال ابن رجب الحنبلي: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وكما أن حديث "إنما الأعمال بالنيات" ميزان للأعمال في باطنها، وكل عمل لا يراد به وجه الله فليس لعامله فيه ثواب، فكذلك هذا الحديث ميزان للأعمال في ظاهرها، فكل عمل لا يكون عليه أمر الله ورسوله فهو مردود على عامله، وكل من أحدث في الدين ما لم يأذن به الله ورسوله فليس من الدين في شيء(574). وكما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك"(575). بعض المعالجين بالقرآن يقتفون أثر المشعوذين فيضعون الآيات في غير مواضعها، ويستعينون بالجن المسلم -حسب زعمهم- في علاجهم عن طريق التبخير أو غيره، مما يؤدي إلى الشرك -والعياذ بالله- فالحذر الحذر من ذلك. 4- قوة الإيمان يُشترط في المعالج بالقرآن أن يكون قوى الإيمان. فالإيمان سلاح المؤمن. ويختلف هذا السلاح قوة وضعفا من شخص لآخر. وحيث إن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وكذلك جميع شعب الإيمان وما تزيده ضدها ينقصه. 574- أنظر جامع العلوم والحكم لابن رجب (1/176) شرح (5). 575- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب السنة: باب في لزوم السنة ح(4607). والترمذي في سننه: كتاب العلم: باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع ح(2685). وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب السنة: باب اتباع سنة الخلفاء الراشدين المهديين ح(43). وانظر تحفة الأشراف ح(9891). وأخرجه أحمد في مسنده (4/126). والدرامي في سننه (1/44-45). والحاكم في مستدركه (1/95-96) وقال: هذا حديث صحيح ليس له علة ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب آداب القاضي: باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي (10/114). وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(2157). قال أبو الدرداء رضي الله عنـه: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم تركنا والله على مثل البيضاء عليها ونهارها سواء -انظر صحيح سنن ابن ماجة للألباني ح(5). فيجب على المعالج أن يكون قوي الإيمان، لأنه يتعامل مع كفرة الجن. والله تبارك وتعالى يقول: (إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)(576). فقوة الإيمان عند المعالج تجعله يملك السيطرة على الشيطان، فيتحكم في الحالة التي أمامه. والمعالج بالقرآن يجب أن يكون تقيّاً يخاف الله، فيخوف الله منه عدوه. يخشى الله، فيجعل الله في وجهه مهابة. وبقدر ما يكون العبد المسلم تقيّاً بقدر ما يخضع له عدوه. والشيطان ضعيف بكفره ومعاصيه، والعبد قوي بإيمانه وتقواه. وقد بلغ من تقوى الإمام أحمد بن حنبل أنه أرسل قبقابه للجني بدون أن يذهب إلى المريض، فقال الجني المتلبس للجارية: سمعا وطاعة، وخرج من الجارية. وبعد أن مات الإمام أحمد بن جنبل رجع الجني وصرع الجارية، وذهب إليه من يأمره بالخروج فرفض، وقال: ذاك أحمد أطاع ربه فأطاع الله له كل شيء(577). 5- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينبغي للمعالج بالقرآن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، بدرجاته الثلاث: باليد، أو باللسان، أو القلب. وبشرط العلم فيما يأمر والعلم فيما ينهي، والرفق فيمن يأمر وفيمن ينهي، فقد وصف الله المؤمنين فقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة)(578). 576- سورة الحجر: (42) . 577- آحكام المرجان في أحكام الجان لبدر الدين الشلبي ص(114).578- سورة التوبة: (71). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من رأي منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"(579). وقال تبارك وتعالى: (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون)(580). وظاهر النصوص وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل مسلم؛ كل على قدر طاقته، أينما كان. فإذا رأى المعالج بالقرآن في المريض منكراً كتعليق حجاب أو غيره، وجب عليه إزالة هذا المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة، وينصح المريض بالسر ويخوفه من الله وأليم عقابه، سواء كان هذا المنكر ترك صلاة، أو شرب دخان، أو حلفا بغير الله، أو لبس خاتم ذهب للذكور، أو تصويراً، أو غناء وموسيقى، أو غيره ذلك من المناكير. وللأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
آداب يجب على المعالج بالقرآن أن يتخلق بها، منها: 579- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب كون النهي عن المنكر من الإيمان ح(49). وأبو داود في سننه: كتاب الصلاة: باب الخطبة يوم العيد ح(1140). والترمذي في سننه: كتاب الفتن: باب ما جاء في تغير المنكر باليد ح(2179) وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنائي في سننه: كتاب الإيمان: باب تفاضل أهل الإيمان ح(5023). وابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في صلاة العيدين ح(1275). وانظر تحفة الأشراف ح(4085). قال النووي: أما قوله صلى الله عليه وسلم "فليغيره" فهو أمر إيجاب بإجماع الأمة وقد تطابق على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الكتاب والسنة وإجماع الأمة وهو أيضاً من النصيحة التي هي الدين. ونقول: ما لم يؤدي ذلك إلى منكر اشد وما لم يؤدي ذلك إلى إيذاء الأمر والناهي -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (2/22). 580- سورة آل عمران: (104). (2) أن يكون ورعا لا يأتي الذي ينهى عنه، ولا يترك الذي يأمر به؛ لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون)(581). وقوله تعالى: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون)(582). (3) أن يكون حسن الخلق حليما يأمر بالرفق، وينهى باللين، ولا يغضب لنفسه بل يصبر لقوله تعالى: (وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور)(583). قال تعالى: "واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة"(584). أي لا تختص بالمعتدي، بل تتناول من رأى منكراً ولم يغيره. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس مفاتيح للخير، مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير. فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، و ويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه"(585). فعلى المعالج بالقرآن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وأن يحسن الظن بمن يأمرهم وينهاهم، باعتبارهم بشراً على الأرض وليسوا ملائكة. 581- سورة الصف: (3). 582- سورة البقرة: (44) .583- سورة لقمان: (17) . 584- سورة الأنفال: (25). 585- أخرجه ابن ماجة في سننه كتاب السنن: باب من كان مفتاحاً للخير ح(237) وانفرد به. وانظر تحفة الأشراف ح(550). وصححه الألباني: انظر صحيح سنن ابن ماجة ح(194). قال ابن الأثير: وقوله صلى الله عليه وسلم "فطوبى" فعل من الطيب، وقيل اسم للجنة، وقيل شجرة فيها -انظر النهاية في غريب الحديث (1413) -والويل: الهلاك. فإذا أخطأ بنو آدم خطأ، وإذا أذنبوا فقد أذنب أبوهم الأول: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما)(586). فلا غرابة إذاً أن يخطئ الناس ويصيـبوا: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)(587). فانظر إلى إيناسه تبارك وتعالى لهم، حين ناداهم "يا عبادي"، وأضافهم إلى ذاته المقدسة تلطفاً بهم. إن سب الناس ولعنهم ولو كانوا عصاة منحرفين، لا يصلحهم، ولا يقربهم من الخير. وأولى من هذا أن تتقدم إلى أخيك العاصي فتدعوه أو تدعو لـه، ولا تدعه فريسة للشيطان، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم"(588). وقد قال أحد الحكماء "بدلاً من أن تلعن الظلام أضيء شمعة تنير الطريق". 6 - القدوة ينبغي للمعالج بالقران أن يكون قدوة للناس. فإذا أنعم الله عليه بكونه سبباً في شفاء الناس، فإن الناس يتساءلون بم استحق هذه المنزلة؟ فينبغي له أن يكون قدوة للناس في عبادته ومعاملته، وفي شأنه كله. وهذه التزكية مطلب شرعي، قال تعالى: (قد أفلح من زكاها)(589). وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اتق المحارم تكن أعبد الناس"(590). 586- سورة طه: (115).587- سورة الزمر: (52). 588- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الحدود: باب ما يكره من شارب الخمر وأنه ليس بخارج عن الملة ح(6781). وأبو داود في سننه: كتاب الحدود: باب الحد في الخمر ح(4477). واحمد في مسنده (1/438). والبيهقي في الكبرى (8/331) . 589- سورة الشمس: (9) . 590- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الزهد: باب الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس ح(2312)، قال أبو عيسى: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث جعفر بن سليمان. وأحمد في مسنده (2/310). وصححه الألباني: انظر صحيح سنن الترمذي ح(1876). وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح(930). فينبغي للمعالج بالقرآن أن يكون مقتديا برسول الله صلى الله عليه وسلم في كل شيء عاملا بقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة)(591). محبا لله صادقا في محبته؛ متبعا للنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته، ومعاملته، وأخلاقه، وسلوكه، وسياسته، واقتصاده، وأمور حياته كلها. قال تعالى: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)(592). ومن ذلك جمال المظهر، وطيب الباطن والظاهر. ويتحقق ذلك بإزالة الشهوات والشبهات، وتعلم ما يحتاجه المسلم من العلوم الإسلامية من: توحيد، وقرآن، وحديث، وفقه، وسيرة. وليكن جميل المظهر، لأن الله جميل يحب الجمال. ومن ذلك حف الشارب، وإكرام اللحية، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "خالفوا المشركين، اخفوا الشوارب، وأوفروا الحى"(593). ومن جمال المظهر عدم إسبال الثياب تحت الكعبين لقولـه صلى الله عليه وسلم: "ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار"(594). فالإسبال حرام سواء قصد الخيلاء أم لم يقصدها. 591- سورة الأحزاب: (21) . 592- سورة آل عمران: (31). 593- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس: باب تقليم الأظفار ح(5892) ومسلم في صحيحه: كتاب الطهارة: باب خصال الفطرة ح(259) والترمذي في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء في إعفاء اللحية ح(2772) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وانظر تحفة الأشراف ح(8177) والنسائي في سننه: كتاب الطهارة: باب إحفاء الشارب وإعفاء اللحية ح(15). وأخرجه أحمد في مسنده (2/16) . 594- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب اللباس: باب ما أسفل من الكعبين فهو في النار ح(5787). وابن ماجة في سننه: كتاب اللباس: باب موضع الإزار أين هو ح(3573). وانظر تحفة الأشراف ح(4136). وأخرجه أحمد في مسنده (3/5-6-31-97). والبيهقي في الكبرى (2/244). فحياة المعالج بالقرآن وسلوكه الخاص والعام موضع ملاحظة، فحين يكون بعيدا عن الالتزام بالسنن والنوافل - فضلا عن الواجبات - فإنه يكون فتنة للناس، حيث يصرفهم بسلوكه عن دين الله. 7 - الدعوة قبل العلاج مما لا شك فيه أن مجال العلاج بالقرآن أحسن مجال للدعوة إلى الله تعالى، إذ يلتقي هذا المعالج بعشرات المرضى، يجلسون إليه، ويستمعون لما عنده من معلومات ومبادئ، ينظرون إلى سلوكه وتعامله؛ فإذا كان المعالج بالقرآن يحمل توحيدا علميا وعمليا أثر في مرضاه تأثيرا طيبا بإذن الله. فينبغي للمعالج بالقرآن أن يعيد تنظيم حياة المريض، ويرسم له البرنامج العلاجي والإصلاحي، ويربط المريض بخالقه: (ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه)(595). مذكراً المريض بقوله تعالى: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له)(596). فالبعد عن الله عز وجل يورث العيش المر، والضنك، وتسلط الشياطين. 8 - الفتنة الكبرى أعظم الفتن ما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنها حيث قال: "ما تركت فتنة بعدى أضر على الرجال من النساء"(597). 595- سورة الكهف: (28) . 596- سورة الزمر: (53-54). 597- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح: باب ما يتقي من شؤم المرأة ح(5096). ومسلم في صحيحه: كتاب الرقاق: باب أكثر أهل الجنة الفقراء ح(2740). والترمذي في سننه: كتاب الأدب: باب ما جاء في تحذير فتنة النساء ح(2789) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الفتن: باب فتنة النساء ح(3998) وانظر تحفة الأشراف ح(4188) وأخرجه أحمد في مسنده (5/200) والبيهقي في الكبرى (7/91). وقال صلى الله عليه وسلم: "فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء؛ فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء"(598). هذا باب عظيم من أبواب الفتنة قد يقع فيها المعالج من حيث لا يدري ولا يشعر. فقد يزين الشيطان للمعالج أن الخلوة بالمريضة أفضل من جهة عدم إحراجها، ومن جهة عدم إطلاع الناس من أقربائها على أسرارها، فيحدث في ذلك معصية، وكبيرة من الكبائر، يكفر بسببها صاحبها إذا استحلها. فالحذر الحذر أيها الأخ المعالج من أن ينال منك الشيطان ذلك، بأن يوقعك في شيء من هذه الكبائر من المعاصي والمنكرات، فإن هذا أعظم مطلب يطلبه منك الشيطان بعد الشرك بالله. وحديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأمـر معلوم ومشهور. فقد حذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فقال: "إياكم والدخول على النساء"(599). وقال صلى الله عليه وسلم أيضا: "لا يخلو رجل بامرأة إلا مع ذي محرم"(600) -فكيف بجلسة بين اثنين الشيطان ثالثهما، فيكون بذلك وليهما والله عدوهما، فأنَّى يستجاب لهما، وأنَّى يكون الخير. 598- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الذكر والدعاء: باب أكثر أهل الجنة الفقراء، وأكثر أهل النار النساء وبيان الفتنة بالنساء ح(2742). وأحمد في مسنده (3/19-22-46-61-84). وابن حبان في صحيحه -انظر الإحسان ح(3211). والبيهقي في السنن (7/91). والحميدي في مسنده ح(752). والمنذري في الترغيب (3/448). وابن خزيمة في صحيحه ح(1699) وابن أبي شيبة في مصنفه (13/424). 599- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح باب لا يخلون رجل بإمرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة ح(5232). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها ح(2172). والترمذي في سننه: كتاب الرضاع: باب ما جاء في كراهية الدخول على المغيبة ح(1174) وقال: حديث عقبة بن عامر حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده (4/149) والبيهقي في الكبرى (7/90) وابن أبي شيبة في مصنفه (4/409) .600- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب النكاح: باب لا يخلون رجل بإمرأة إلا ذو محرم والدخول على المغيبة ح(5233). ومسلم في صحيحه: كتاب الحج: باب سفر المرأة مع محرم إلى الحج وغيره ح(1341) وأحمد في مسنده (1/18). والمنذري في الترغيب (3/39). وعبد الرزاق في مصنفه ح(12548). قال النووي: محتمل أن يريد محرماً لها أوله وهذا الاحتمال الثاني هو الجاري على قواعد الفقهاء فإنه لا فرق بين أن يكون معها محرماً لها كإبنها وأخيها وأمها وأختها أو يكون محرماً له كأخته وبنته وعمته وخالته فيجوز القعود معها في هذه الأحوال ثم إن هذا الحديث مخصوص أيضاً بالزوج فإنه لو كان معها زوجاً كان كالمحرم وأولى بالجواز وأما إذا خلى الأجنبي بالأجنبية من غير ثالث معها فهو حرام بإتفاق العلماء أو كذا لو كان معها من لا يستحي منه لصغره كإبن سنتين أو ثلاث ونحو ذلك فإن وجوده كالعدم وكذا لو اجتمع رجال بإمرأة أجنبية فهو حرام بخلاف ما لو اجتمع بنسوة أجانب فإن الصحيح جوازه -انظر شرح النووي على صحيح مسلم (9/109). هذه بعض القواعد للرقية الشرعية أقدمها نصيحة للإخوة العاملين في مجال العلاج بالقرآن الكريم والرقية الشرعية. وكذلك لمن ابتلوا ببعض الأمراض، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: "الدين النصيحة"(601). 601- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان أن الدين النصيحة ح(55). وأبو داود في سننه: كتاب الأدب باب في النصيحة ح(4944). والترمذي في سننه: كتاب البر والصلة: باب ما جاء في النصيحة ح(1932). وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي في سننه: كتاب البيعة: باب النصيحة للإمام ح(4208). وانظر تحفة الأشراف (2053). وأخرجه أحمد في مسنده (1/351) و(2/297). قال الخطابي: النصيحة كلمة يعبر بها عن جملة هي إرادة الخير للمنصوح له فمعنى النصيحة لله سبحانه: صحة الاعتقاد في وحدانيته وإخلاص النية في عبادته. والنصيحة لكتابه: الإيمان به والعمل بما فيه. والنصيحة لرسوله: التصديق بنبوته وبذل الطاعة له فيما أمر ونهى عنه. والنصيحة لعامة المسلمين: إرشادهم إلى مصالحهم -انظر جامع العلوم والحكم لابن رجب ص (74).
|