|
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وأصحابه أجمعين، والتابعين، ومن تبع هداهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد: فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في دولة الكويت ممثلة في قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية فيها إلى جانب قيامها بإصدار الموسوعة الفقهية التي ناهزت إلى اليوم الأربعين جزءا ولم تتم بعد. وقيامها بإصدار العديد من فهارس الكتب والمراجع الفقهية الهامة في المذاهب الأربعة، مما يسر على الفقهاء والباحثين الرجوع إلى هذه المراجع والاستفادة منها والحصول على مقصودهم بأيسر طريق. والتي قامت بإحياء العديد من كتب التراث والمخطوطات الإسلامية الهامة، بتحقيقها على يد خبراء مختصين في فنونها وتخصصاتها، ونشرها في أحسن صورة. لم تنس العناية بكل ما هو مهم من الموضوعات الفقهية والبحوث الخاصة التي يحتاج إليها المسلمون في حياتهم العلمية والعملية، وبخاصة منها ما تضاربت فيه الأقوال، أو داخلته الشبهات، أو استغله استغلالاً سيئاً بعض الجاهلين أو المغرضين. ومن ذلك موضوع الرقية الشرعية، حيث نسيها البعض، وحذفوها من جدول الاستشفاء بها، وكأنها ضرب من الخرافة في نظرهم، وظنها آخرون نوعا من الاستشفاء الخاطئ الذي عفا عليه الزمان وتجاوزه التقدم العلمي في نطاق الطب، وعدها بعض الناس ضرباً من الشعوذة وابتزاز الأموال بغير حق. وقد سهّل - بكل أسف- كثير من الجاهلين أو المرتزقة لهؤلاء مهمة الإغراق في هذا الفهم الخاطئ، وجعل الرقية طريقاً للارتزاق وسلب الأموال والوصول إلى الثروة بحق وبغير حق حتى نسي الأكثرون معنى الرقية الشرعية التي ورد فيها العديد من النصوص الشرعية في القرآن والسنة، بشروط وضوابط تضعها في مكانها الصحيح من موضوع الاستطباب والاستشفاء بها من كافة الأمراض والعلل الجسدية والنفسية والاجتماعية من غير غلو ولا شطط. وقد جاءت ندوة التشافي بالقرآن الكريم التي عقدت في الكويت في 26-28/ جمادى الآخرة/1418هـ تحت رعاية الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان، لتضع الأرقام على الحروف في هذا الموضوع المهم الحساس في الوقت نفسه، حيث ضمت هذه الندوة مجموعة من البحوث العلمية التي تقدم بها نخبة متميزة من العلماء، بينوا من خلالها معنى الرقية الشرعية، ومشروعيتها، وشروطها، وكافة أحوالها، مع الأدلة على ذلك من القرآن الكريم والسنة المطهرة، وبينوا أنها وسيلة مهمة من وسائل الاستشفاء الناجع المشروع، من غير إهمال أو تجاوز لقيمة وأثر التشافي بالأدوية الطبية، والاستفادة من البحوث المعاصرة في نطاق التقدم الطبي. وقد رأت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية - بالتعاون مع الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان- من الفائدة بمكان أن تساهم في نشر بعض هذه البحوث المميزة لعامة المسلمين، لتصحيح بعض المفاهيم الخاطئة التي عمت بينهم في هذا الموضوع المهم، ولتبين لهم الضوابط الشرعية اللازمة للرقية الشرعية بالقرآن الكريم والسنة المطهرة. كما رأت أن تقدم بين يدي هذه البحوث مجموعة من الفتاوى التي أصدرتها هيئة الفتوى ولجنة الأمور العامة التابعة لها في الوزارة، عن أحكام الرقية الشرعية وضوابطها. والوزارة إذ تقدم هذا السفر الكريم إلى عامة المسلمين لترجو من الله تعالى في ذلك الأجر والمثوبة، وأن ينتفع المسلمون من هذه البحوث الهامة. مع الإشارة إلى أن هذه البحوث قد تضمنت الكثير من التداخل والتكرار، لأنها في حقيقتها بحوث متفرقة، قدمت من علماء متعددين، إلا أنها تكمل بعضها البعض، وتعرض بمجموعها صورة جيدة واضحة صحيحة للرقية الشرعية. والله تعالى من وراء القصد، وهو أجل وأعلم. والحمد لله رب العالمين. وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا وشفيعنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله وأصحابه وأتباعه ومن دعا بدعوته إلى يوم الدين. وبعد: فإن القرآن الكريم قد أنزله الله - تعالى - على قلب نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - لمقاصد متعددة، من أهمها: أن يكون هداية للناس جميعاً، بل للإنس وللجن، لأن رسالته- صلى الله عليه وسلم - كانت على الإنس وعلى الجن. وفي القرآن الكريم سورة بأكملها تسمى بسورة "الجن"، وقص علينا القرآن الكريم أن نفرا من الجن استمعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يقرأ القرآن، وآمنوا به وصدقوه، وعادوا إلى أقوامهم ليقولوا لهم: "يا قومنا أجيبوا داعي الله". وهداية القرآن الكريم تمتاز بأنها عامة وتامة وواضحة، لأنها من عند الله - تعالى - الذي لا يكلف نفساً إلا وسعها. كذلك من المقاصد التي من أجلها أنزل الله تعالى - القرآن الكريم، أن يكون معجزة ناطقة في فم الدنيا بصدق القرآن الكريم، وبصدق من أنزل عليه هذا القرآن، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم. وقد تحدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - أعداءه أن يأتوا بمثله فعجزوا، ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور من مثله فما استطاعوا، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة واحدة من مثله، فارتدوا على أدبارهم خاسرين قال - تعالى - "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله، وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين. فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين" [سورة البقرة: الآيتان 23، 24]. كذلك من المقاصد التي من أجلها أنزل الله - تعالى - القرآن الكريم: أن يتقرب الناس بقراءته، وبالاستماع إليه، وبالعمل بأحكامه وآدابه وتشريعاته إلى خالقهم - عز وجل. قال - تعالى - : "إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة، وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور" [سورة فاطر: 29]. وفي الحديث الشريف: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه" رواه البخاري. وفي حديث آخر: "الماهر بقراءة القرآن الكريم مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران عند الله". متفق عليه. وإن ما قامت به الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان، من جهود مشكورة في خدمة القرآن الكريم، وفي بيان أوجه الانتفاع بهداياته، وبتشريعاته، وبموضوع الاستشفاء به، وإن فيما كتبه العلماء الأعلام المتخصصون، فيما كتبوه في ذلك ألوان من البحوث العلمية النافعة، لاشتمالها على النصوص المتنوعة، وعلى الأدلة المتكاثرة، التي تثبت صحة ما ذهبوا إليه في بحوثهم القيمة. وإن الأزهر الشريف ليتقدم بخالص الشكر والتقدير للجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان، ولكل من ساهم بجهوده الجليلة في موضوع "الاستشفاء بالقرآن". وندعو الله - تعالى - لنا جميعاً، بأن يهدينا إلى صراطه المستقيم، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. شيــــخ الأزهـــر
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي جعل القرآن شفاء للناس ورحمة، وجعله حمانا بذكره والتعلق به من همزات الشياطين ومن حضورهم مجامع المتقين. أحمده وأشكره وأثني عليه بما هو أهله وبما ينبغي لكمال وجهه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد. فلقد سعدت بقراءة بعض بحوث كتاب "التشافي بالقرآن". تلك البحوث الخاصة بالرقى الشرعية وأثرها في اطمئنان القلوب وانشراح الصدور وارتياح النفوس وما ينتج عنها من هداية وشفاء، وما ذكره الباحثون في هذا الكتاب القيم من قيود وشروط وضوابط للرقية حتى تكون رقية شرعية نافعةً. سعدت بقراءة الكتاب وبالبحوث المشتمل عليها بعد أن رغب إليَّ من لا أستطيع رد إرادته ورغبته. رغب إليَّ في التقديم لهذا الكتاب القيم فرأيت أن يكون تقديمي لهذا الكتاب مساهمة مع أهله في بحث متواضع يتعلق بالرقية الشرعية وبالأمراض النفسية والمقارنة بينها وبين الأمراض النفسية حيث إن المرض النفسي ينتج انقباض النفس وضيق الصدر والتبرم بالحياة وهذه العوارض النفسية تضعف حركة الدورة الدموية ونشاط المناعة في الجسد فتتسلط الفيروسات في الجسد ويحصل لكل فيروس أثره ونتيجة تسلطه ونشاطه وهذا معنى تكاثر الأمراض وتعددها وظهور أمراض ما كان للسابقين عهد بها، وكذلك معنى تعدد العيادات النفسية واتجاه مجموعة من طلاب العلم الطبي إلى التخصص في أمراض النفوس وأدواء القلوب. وحيث إن الرقى قد قام بممارستها دخلاء عليها فشوهوها وجعلوا لها اختصاصات تتسم بالطلاسم والشعوذة والدجل والكهانة وادعاء علم الغيب فيما يتعلق بأسباب الأمراض النفسية وأن الأرواح الخبيثة والأشباح المخيفة لها تسلط وإشاعة لهذه الأمراض وأن رقاهم تؤثر على هذه الأرواح والأشباح فتطردهم وتحمي مرضاهم من أضرارهم. هكذا يدعون فجعلوا رقاهم طباً بديلاً عن الرقى الشرعية والأدوية المادية فجاء هذا الكتاب ممثلاً لمجموعة من أهل الصلاح والتقوى وسلامة الاعتقاد وصدق التوجه إلى كشف عوار هؤلاء الدخلاء عبدة المردة والشياطين واقتناعاً مني بنبل الهدف وسمو القصد ووجاهة الاحتساب عند الله تعالى فقد كان مني المساهمة بما يلي: لقد خلق الله الإنسان بيده الكريمة، ونفخ فيه من روحه الزكية، وجعله روحاً وجسداً، وجعل الروح جوهر الحياة، وضمن لها البقاء وجعل الجسد وعاءً حافظاً لها إلى أجل، مُقيداً قدرتها على الانطلاق والتحليق في آفاق الكون إلا في حال خلود الجسد إلى النوم فلها انطلاق محدود بزمـن النوم قال تعالى: {الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجلٍ مسمى إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون}(1). وقد اختص الله تعالى بالكمال المطلق وكتب على خلقه النقص في المال والنفس والثمر لحكم أرادها وأسرار اقتضتها حكمته وخبرته وكمال علمه قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين}(2). والإنسان فرد من أفراد خلق الله مكون من روح وجسد ويعتري كلاً منهما النقص في الخلق والخُلق والشعور والإحساس. فالروح كائن حي معرض للنقص والقصور وتعتريها الأمراض النفسية من قلق واكتئاب واضطراب وهبوط وتذبذب في الشعور والإدراك ووسوسة تفرز التردد والشكوك والانهيار النفسي والإحباط عن الاتجاه السوي، كما أن الروح معرضة للأمراض النفسية من سحر وآثار حسد. والجسد كائن حي ما دامت الروح كامنة فيه يعتريه من الأمراض الحسية المختلفة ما يعتريه في سمعه وبصره وقواه المتعددة في الظاهر والباطن. ونظراً إلى أن الله قد ميز الإنسان في خلقه وفضله على الكثير من خلقه بعقل يدرك الخير من الشر، والهدى من الضلال، وبقلب يعي ويبصر، وبمدارك تهدي إلى ما تقتضيه فطرة الله التي فطر الناس عليها ومن ذلك القدرة على التدرج في آفاق العلم واختراق حجب الكون لمعرفة خصائصه وعجائبه وغرائبه ثم الإفادة من هذه الخصائص بما هيأ للإنسان حياة حضارية خدمته في كثير من شئون حياته من حيث حمايته والحفاظ على حقوقه والأخذ بأسباب سلامته من الأمراض وتمكينه من عمارة الأرض والقيام بخلافته فيها، كما ضمنت هذه الحياة الحضارية للإنسان كرامته وفضله وتميزه على كثير من مخلوقات الله فضلاً عن عناية الله تعالى بالإنسان في تيسير أمر استقامته وصلاحه وهداه وذلك بإرسال الله رسله وأنبيائه وبإنزاله تعالى كتبه لخلقه تبيناً لكل شيء وهدى وموعظة وبشرى لأولى الألباب. فاجتمع للإنسان من أسباب السعادة والطمأنينة والتميز التحصيل العلمي من وحي السماء ونتاج العقل مما جعله يقود سفينة الكون البشري في الحياة الدنيا إلى ما وصلت إليه الآن من علوم مختلفة في شئون الروح والجسد والحياة. علوم في حكمة الوجود وحق الواجد، وعلوم في فلسفة الكون، وعلوم في خصائص المجتمعات وشرائحها ومكامن وجودها ووسائل نهوضها وتدنيها، وعلوم في طب الإنسان والحيوان والنبات، وعلوم في خصائص الكون والحياة والسعادة، وعلوم في أحوال النفس والروح من ضيق وانشراح. (1) سورة الزمر آية (42) ويهمنا في هذه المناسبة من العلوم علوم طب الإنسان المكون من الروح والجسد، فللروح طبٌ خاصٌ بها اصطُلِح على تسميته بالطب النفسي، وللجسد طب هو الطب العام ولكل من الطبين رجالهُ المختصون به وأدويته المختصةُ به. ونظراً إلى أن الروح كائن حي أمره إلى الله وسره مما اختص الله تعالى بعلمه فإن الروح يعتريها من الأمراض ما يجعلها تتعثر في توفير السعادة لوعائها وهو الجسد. وتحقيقاً للإدارة الإلهية: ما من داء إلا وله دواء علمه من علمه وجهله من جهله. وإدراكاً للكثير من أمراض الروح وأن فيها ما يعالج بالعقاقير الطبية، ومنها ما يعالج عن طريق اختراق حجب المواقع النفسية، ومنها ما يعالج عن طريق الرقى والأدعية الشرعية، فقد تعددت العيادات النفسية وظهر لكل عيادة أهلها والمختصون بها. وموضوع بحثنا العيادة النفسية المختصة بأمراض الروح ووخزات الشيطان وهي أمراض حقيقية ذاتُ شَبَهٍ بالروح من حيث الوجود وانتفاءُ الظهور للسمع والبصر واللمس. وقد وجد من غلاة عبَّاد العقل والحس من ينكر مثل هذه الأمراض وينكر أدويتها بحجة سلامة الجسد من المرض وإنكار أمراض لا يكون في الجسد مكان حسي لها وإرجاع ذلك إلى الوهم والخيال. وهذا في الواقع راجع إلى قصور الإدراك وإنكار الوجود ونقص الإيمان وتحكيم العقل وجوداً وعدماً والاقتصار على ما يتحقق بالمشاهدة فقط. والصحيح الذي تؤديه الوقائع أن الوجود ليس محصوراً في الحسي الملموس المشاهد. فالكهرباء كامنة في أسلاكها قوةٌ تستخدم لأغراض مختلفة وهي قوةٌ مدمرة هذه القوة لا يميزها من يقدم له سلكان أحدهما مشحون بالقوة الكهربائية والآخر خالٍ منها وكذلك الأمر بالرياح والأعاصير فهي قوة تدمر كل شيء بأمر ربها ويرسلها الله تعالى لواقح وبشري بين يدي رحمته ومع ذلك لا يبصرها البصر ولا يلمسها اللامس وأرواح بني الإنسان والجان والملائكة والحيوان والنبات أرواح موجودةٌ حقيقية لا يمارى في وجودها عاقل ولا مجال لمشاهدتها ولا لمسها. هذا القول يعطينا القناعة والتسليم بإمكان وجود آثار لأسباب يتعذر الإحساس بها من حيث السمع والبصر واللمس. ونظراً إلى أن هذه الحقيقة الكونية محل إيمان وتسليم من قبل أهل الديانات السماوية وبالأخص أمة الإسلام فقد وجد أدعياء العلم والمعرفة من حشر نفسه في زمرة علماء أمراض الروح والنفس لا سيما فيما يتعلق بالرقي والتمائم والأدعية، وذلك بالدخول في مجالات الشعوذة والدجل واستخدام مردة الشياطين والجن والأخذ بالطلاسم والرموز فأعطوا الطب الشرعي فيما يتعلق بالروح والجسد تعتيماً وتلبيساً وتضليلاً وخلطاً بين الحق والباطل والحقيقة والخيال. فيتعين على أهل الفضل والعلم من ذوي الاعتقاد السليم والإيمان الصادق أن ينيروا للمسلمين طريق الرشاد وأن يتابعوا التحذير من محترفي الدجل والخرافة والشعوذة عبدة الجان والشياطين فيحذروهم من أعمالهم الشركية والتضليلية، ومن أعمالهم الانتهازية لسلب الأموال والتسلط على الأعراض وإفساد النفوس والقلوب. وأن يقوموا بإيضاح الفروق بين الرقى والأدعية الشرعية، وبين ما يقدمه أولئك المشعوذون الدجاجلةُ من خبث وسوء وضلال وإضلال. فالرقى الشرعية والأدعية المشروعية طبٌ نفسي لا يصل الشكُ إلى التردد في قبوله واعتباره لا سيما من المسلمين الذين يشهدون بربوبية الله وألوهيته وأنه الشافي المعافي لا حول ولا قوة إلا به تعالى ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن. فلقد تضافرت النصوص الشرعية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم في اعتبار القرآن هدىً وشفاء قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء}(1). وقال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}(2) وقال تعالى: {وإما ينزغنك من الشيطان نزع فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}(3) وقال تعالى: {وإذا مرضت فهو يشفين}(4) ومن السنة ما في صحيح مسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان إذا اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم رقاه جبريل قال: بسم الله يُبريك، ومن كل داء يَشفيك، ومن شر حاسد إذا حسد، وشر كل ذي عين) (5) رواه مسلم (4055). وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه أن جبريل رقى رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل هذا. وروى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: (أذْهِب الباس ربَّ الناسِ واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاءً لا يغادر سقما). فلما مرض رسول الله صلى الله عَليه وسلم وثَقَلَ أخذتُ بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع فانتـزع يده من يدي ثم قال: (اللهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى). قالت فذهبت أنظر فإذا هو قد قضى(6). (1) سورة فصلت آية (40) (2) سورة الإسراء آية (82) (3) سورة فصلت آية (80) (4)سورة الشعراء آية (80) (5) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: الطب والمرض والرقى (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/169) (6) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: استحباب رقية المريض (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/180) وعنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا مرض أحدٌ من أهله نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيها جعلت أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه؛ لأنها كانت أعظم بركة من يدي(1). وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسان الشيء منه، أو كانت به قرحة أو جرح قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا-ووضع سفيان سبابته بالأرض ثم رفعها-(باسم الله تُرْبةُ أرضنا بريقة بعضنا ليُشفى به سقيمنا بإذن ربَّنا) (2). وعنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يأمرها أن تسترقي من العين(3) . وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الرقية من العين والحمة والنملة(4). قال النووي: النملة قروح تخرج في الجنب
والحمة كل ذات سم(5). وفيه عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا في سفر فمروا بحي من أحياء العرب فاستضافوهم فلم يضيفوهم. فقالوا لهم: هل فيكم راق؟ فإن سيد الحي لديغ أو مصاب، فقال رجل منهم: نعم فأتاه فرقاه بفاتحة الكتاب فبرأ الرجل فأعطي قطيعاً من غنم فأبى أن يقبلها وقال: حتى أذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وذكر ذلك له فقال يا رسول الله والله ما رقيت إلا بفاتحة الكتاب فتبسم وقال: (وما أدراك أنها رقية ثم قال خذوا منهم واضربوا لي بسهم معكم) (7). وفي رواية: فجعل يقرأ أم القرآن ويجمع بُزاقه ويتفل فبرأ الرجل (8). هذه النصوص الشرعية من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تبين لنا أن الرقية مشروعة ولا شك أن شرع الله حق وصدق في حقيقته ووجوب الإيمان به، فالرقية الشرعية علاج لأمراض الروح والنفس والبدن قال صلى الله عليه وسلم: (ولا بأس بالرقى ما لم يكن شرك). (1) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: استحباب رقية المريض (صحيح مسلم مع شرح النووية: 14/183) (2) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/184) .(3) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: استحباب الرقية من العين والنملة والحمة (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/184) . (4) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/184) .(5) شرح النووي على مسلم: 14 / 184 . (6) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/187) . (7) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/187) . (8) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/187). ونظراً لوجود أدعياء على الرقية شوهوا أمرها فقد اتجه مجموعة من أهل العلم ومحققيهم إلى وضع شروط لاعتبار الرقية شرعية ومنها ما يلي: 1- أن تكون من كتاب الله تعالى، أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو من الأدعية المباحة المشتملة على التعلق بالله وحده لا شريك له في جلب الخير ودفع الشر وعلى الوحدانية في الشفاء من الله قال تعالى: {وإذا مرضت فهو يشفين}(1). 2- ألا تشتمل على صيغٍ مجهولةٍ من طلاسم ورموز ونحو ذلك. 3- أن تكون باللغة العربية خشية أن يكون في اللغات الأخرى من الخلل والزلل في الدعاء والتعلق ما لا يجوز ويجهله أهلها. 4- ألا يعتمد فيها ومنها الشفاء المباشر بل هي سبب والشافي هو الله وحده حيث جعل الله الرقية سبباً للشفاء والشفاء خاص بالله تعالى. 5- أن يكون المسترقي من أهل الإيمان بالله رباً وإلهاً واختصاصاً بالحول والقوة فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن قال تعالى: {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً}(2). 6- ألا يكون الراقي من أهل الضلال والانحراف والتعلق بغير الله والتقرب إلى من يتعلق به الشياطين ومردة الجان بوسائل العبادة والخضوع كأن يطلب ممن يسترقيه شيئاً من أثوابه، أو أضفاره، أو شعوره، أو معلومات عن أسرته أو نحو ذلك مما هو مسلك الدجاجلة والمشعوذين وعبدة الشياطين. فإذا تخلف شرط من هذه الشروط تحولت الرقية إلى ضرب من الدجل والوهم والشعوذة وقد يصل الأمر إلى الشرك بالله، واتجه إليها الاستثناء من الإباحة في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا بأس بالرقى ما لم يكن شرك). وخلاصة البحث أن الإنسان مكون من روح ومادة وأن سلامة الإنسان وقدرته على ممارسة الحياة وتعامله مع علاقاته المختلفة في الحياة يعتمد في الغالب على سلامة روحه وجسده فالجسد هو وعاء الروح، ولا تكون الروح في ارتياح وانشراح وصفاء إلا بسلامة الجسد من الأمراض، ولا يكون الجسد في سلامة وصحة وانطلاق إلا بسلامة الروح من أمراضها. (1) سورة الشعراء آية (80). (2) سورة الإسراء آية (82). وأمراض الروح غير أمراض الجسد وأمراض الجسد غير أمراض الروح وهذا يفسر ما يقولـه الأطباء لمرضاهم حينما يكون المرض نفسياً فيقولون ليس فيك مرض وإنما هو وهم ويقولون هذا لجهلهم بأمراض الروح. ولا شك أن للأمراض النفسية آثار على حصول الأمراض المادية على الجسد فحينما يكون المريض نفسياً في حال من الضيق والاكتئاب والضجر والتبرم يحصل من ذلك ضعف الدورة الدموية وضعف المناعة في الجسد ومن ثم حصول الفيروس في الجسد فتحصل بذلك الأمراض الجسدية. فالإنسان ممزوج في خلقه بين الروح والجسد فلا حياة له بدون الروح ولا وجود للروح بدون الجسد ولكل من هذين العنصرين خصائص يختص بها في الكيان والاتجاه والأمراض وقد أدرك هذا خبراء الطب والاجتماع والفلسفة فقاموا بإيجاد ما يسمى بالطب النفسي ووجد له علماء مختصون به وبخصائصه وأدوائه وأدويته حتى صار الطب النفسي قرين طب الأجساد من حيث الأهمية والاعتبار والاختصاص والتخصص فأنشأت المستشفيات الخاصة بالأمراض النفسية وقامت الدراسات المتتابعة في شكل مؤتمرات وندوات وحلقات علمية بتتبع أحوال النفس وما يعتريها من أوهام ووساوس وخلجات وانتكاسات في التفكير والتركيز والنظر، بل أوجدت كليات وأقسام في الجامعات العالمية ومراكز علمية تختص بالنظر في علوم النفس وما يكون سبباً في نشاطها أو انتكاساً وفي أدوائها وأدويتها. وهذا يعني التسليم بالروح وأنه كائن حي يعتريه ما يعتري الأجساد من أمراض وأسقام وأعراض إلا أن حقيقة هذا الكائن العجيب وتصور كنهه وحقيقة مما اختص الله بعلمه قال تعالى: {ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً}(1). ومن المسلم به لدى عقلاء البشر وعلمائهم أن الروح جوهر الحياة وأن لأمراضها أحوالاً غالبها أمور معنوية قد لا يعترف الماديون بآثارها في الشفاء ولكن الواقع يصدمهم ويجعلهم في حيرة بالغة وهم يرون الروح المريضة تشفى بإذن الله ثم بأسباب معنوية ليس للأدوية المادية نصيب منها. لا شك أن العلاج الروحي له من التأثير ما للعلاج المادي من الشفاء - بإذن الله - كما أن له من الوقاية من أمراض النفس ما للأدوية المضادة ولا يرد على هذا القول إنكار ما لم يكن له وجود حسي مادي. (1) سورة الإسراء آية (85). فالعين حق وقد أمرنا تعالى بالاستعاذة منها فقال: {قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن حاسدٍ إذا حسد}(1). وقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه مسلم في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: (العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين وإذا استُغسلتم فاغسلوا) (2). والسحر حق وقد أمرنا الله بالاستعادة من الساحرات والنفاثات في العقد لسحرهن. والله سبحانه وتعالى لا يأمرنا إلا بالحقيقة ومحتمل الوقوع قال تعالى: {واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ومارون وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحدٍ إلا بإذن الله}(3). وليس للمشاهدة الحسية نصيب للإحساس بفعل العين أو السحر. ومع هذا فهما حقيقتان وآثارهما محسوسة مشاهدة فدواء هذين المرضين دواءٌ غير محسوس بالمشاهدة وإنما هو معنوي له أثره في الوقاية والعلاج كحال هذين المرضين من حيث انتقاء مشاهدتهما الحسية. فالعين إشعاع خبيث من عين العائن ليس للمشاهدة نصيب في إدراكه وكذلك علاجها رقية مبنية على القراءة والنفث وآثارها معنوية ليس للمشاهدة نصيب في إدراكه وكذلك الأمر بالنسبة للسحر داءً ودواءً. وكذلك الأمر بالنسبة للروح ما يعتريها من أمراض غير السحر والعين فإن هذه الأمراض وأدويتها الغالب فيها أن لا يكون للمشاهدة نصيبٌ في إدراكها. أرجو أن أكون بما قدمته من ورقة بحث قد أسهمت في تمييز الطب الشرعي عن طب الخرافة والشعوذة والدجل وأثبت ما للروح من أحوال تعتريها فتؤثر فيها صحةً وسقماً وأن عصمتها من الأمراض النفسية في اللجوء إلى الله تعالى: {أَمَّنْ يُجيب المضطرَ إذا دعاه ويكشف السوء}(4). وقال تعالى: {وإمَّا ينزغنَّك من الشيطان نزغٌ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم}(5). وقال تعالى: {وقل ربِّ أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربِّ أن يحضُرون}(6). (1) سورة الفلق. (2) الحديث: أخرجه مسلم في كتاب السلام. باب: الطب والمرض والرقى (صحيح مسلم مع شرح النووي: 14/171) .(3) سورة البقرة آية (102). (4) سورة النمل آية (62). (5) سورة المؤمنون آية (97) . (6) سورة فصلت آية (36). وقال تعالى: {قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد}(1). والالتزام بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق. وبالله التوفيق وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. والحمد لله رب العالمين. وبعد فأرجو أن ينفع الله بهذا الكتاب وأن يجعله إسهاماً متميزاً في بيان الحق والطريق إليه وكشف عوار أهل الدجل والكهانة والشعوذة والتصوف للتحذير منهم ومن اللجوء إليهم فقد قال تعالى: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا) (2). ولا شك أن هذا الكتاب من أهم الكتب المعاصرة في موضوع الرقى الشرعية وبيان قيودها وشروطها وضوابطها وأهلها المختصين بها فجزى الله القائمين بإعداد هذا الكتاب خير جزاء وأتمه وجعله في موازين حسناتهم. والله المستعان. كتبه / عبد الله بن سليمان المنيع (1) سورة الفلق . (2) سورة الجن آية (6). مــا من داء إلا ولـــه دواء إن من مظاهر رحمة الله بعباده أنه ما ترك شيئاً فيه مضرة بعباده أو فساد لحياتهم إلا أوجد له العلاج والبلسم الشافي. وجاء البناء التشريعي لدينه العظيم على هذا المعنى مؤكداً له، فقد حرم مفاسد الدين والدنيا كلها، وأوجد لها بديلاً من جنسها يأخذ بيد عباده إلى السلامة من شرور تلك المفاسد ويهديهم إلى ما يحقق لهم صلاح دنياهم وأُخراهم، ويضع أقدامهم على طريق الهداية. وفي إطار ما تهدف إليه مقاصد الشرعية من حماية مصالح الناس ورفع الضرر عنهم وتحقيق الأسباب التي يحققون بها رضا ربهم والقيام بما فرضه عليهم من القيام بعبادته وتوحيده وعدم الإشراك به شيئاً والسعي في مناكب الأرض بالعمل النافع. ولقد شرع الإسلام الطب والعلاج وأرشد إليه القرآن الكريم في المواطن التي نهانا فيها عن إلقاء النفس في التهلكة أو قتل النفس أو أخذ الحذر من كل ما يضر بالإنسان في دنياه وآخرته. ولهذا فقد أرشد القرآن الكريم إلى التماس العلاج من أمراض القلوب وأمراض النفوس وأمراض الأبدان، وجاءت سنة النبي صلى الله عليه وسلم- مؤكدة لهذا الذي أرشد إليه القرآن الكريم وجاءت الأدية عليه في الأحاديث النبوية الكثيرة التي دعت للعلاج وأرشدت إلى تلمسه بل إن الإجماع انعقد على هذا مما يجعل أمر مشروعية العلاج والتداوي أمراً لا يمكن إنكاره. ومع أن التشافي بالقرآن الكريم يعتبر من ضمن ما أرشد إليه الإسلام إلا أن المسلمين لم يعطوا هذا الجزء الحيوي من بناء التشريع ما يستحقه من اهتمام وما يجب أن يلقاه من دراسة وتأصيل وعناية، وظل أمر العلاج بالقرآن الكريم على نحو ما شرعه الله ورسوله مهملاً، حتى بدت نذر الجهالة والخرافات تطل على كثير من بقاع الإسلام بوجه قبيح وأفكار شيطانية أصبحت تمثل خطراً على حياة الناس وأعراضهم وسمعتهم وصحتهم، ودخل ميدان العلاج تحت اسم القرآن بعيداً عن منهجه كثير من الدجالين والمشعوذين الذين أساؤوا للإسلام والمسلمين أبلغ إساءة وأظهروا صورته في مرآة القنوات الإعلامية الغربية وغيرها على نحو لا يرضاه مسلم على دينه وعقيدته. وقد جاءت ندوة التشافي بالقرآن التي نظمتها الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان على النحو الذي يقطع الطريق على الدجالين والمشعوذين ويفضح أمرهم، ولترد عن دين الله ما أحدثه به أولئك الدجالون المتطفلون من إساءة وتشويه وخاصة في هذه الظروف لتصحيح المفاهيم السائدة عن التشافي بالقرآن الكريم ورد الاعتبار له. وهذه الندوة هي بداية طريق طويل يجب أن نقطعه سوياً حتى نضرب على أيدي كل من تسول له نفسه الأمّارة بالسوء استغلال ديننا الحنيف لمآرب أو مكاسب شخصية ستعود بالضرر الكبير علينا جميعاً. ونناشد كل صاحب ضمير حي وحريص على دينه أن يتعاون معنا على رفع شأن ديننا الحنيف وأن نعرفه للعالم بصورة متفتحة ورؤية بعيدة عن كل غلو وتعصب، لأننا نحن المسلمين في أمس الحاجة إلى جهود لتخليص ديننا مما شابه من تشويش في معانيه وحتى مقاصده. ونحمد الله جميعاً سائلينه جل جلاله أن يهدينا جميعاً إلى سواء السبيل. الدكتور عبد الرحمن العوضي
وفـــوق كل ذي علــم عليــم نعم تواصلت آي القرآن العظيم تثرى على مدى ثلاثة وعشرين عاماً، لتربط ذلك الإنسان بخالقه وتدله على طريق العلم وتجعل منه خليفة الله في الأرض. ولقد اتصل القرآن الكريم بالعلوم جميعاً، حين جعل الإسلام دين الفطرة فأشار إلى حقيقة العلاقة الأولية بين الماديات وما أعظم قوله سبحانه ((فأقم وجهك للدين حنيفا. فطرة الله التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)) فالآية الكريمة أوجزت تمام انطباق الإسلام على سنن الله التي خلق عليها الإنسان، سواء تعلقت بالبدن أو النفس، أو بما يحيط بالإنسان وما يتفاعل معه. من هنا أدرك العلماء الصادقون عظمة خلق الله وتيقنوا من عجزهم حين اقتربوا أكثر من معرفة بعض أسرار المادة التي أودعها الله في خلقه، ولا عجب أن يكون أكثر الناس قرباً إلى الله أوسعهم علماً، فالإنسان الذي أتبع علمه تأمله تجده قريباً لخالقه ملتصقاً بتعاليمه ((إنما يخشى الله من عباده العلماء)). ولقد عرفنا نحن الأطباء قدرة الخالق وعظمته حين وجدنا أنفسنا مدبرين عند اقترابنا، بعيدين حين وصولنا، فكأنما العلم أبحر لا ينتهي واحد إلا ويكون الذي يليه أوسع منه وأعمق، وحين زاد جهلنا في ذروة علمنا، أدركنا أن لا مناص من التمسك بعلم الله والنظر بعيداً فوق المادة لعلنا ننجح في فهم بعض ما غاب عن بني الإنسان قروناً طويلة، فيوم أن حسب الإنسان أنه قادر على الإمساك بأسرار المعرفة وحقيقة المادة، وجد نفسه في وسط أمواج من الأسرار تتوسع دوائرها بما لا قبل له بها، فظهرت أمراض جديدة وتوسعت دوائر التحدي أمام علماء المادة وتبع كل ذلك معاناة جديدة للإنسان حيث انتشرت الأوبئة وازدادت الأمراض التي لم يعهدها بنو البشر من قبل ووجد الإنسان نفسه في حيرة بعد أن كان قد وصل إلى قمة الثقة في ما يملكه من علم مادي. من هذا كله كان من واجب علماء المسلمين أن يبادروا إلى ربط العلاقة المادية بالسمو الروحي، تلك هي الفطرة التي تكونت منها الحياة، فلا معرفة حقيقية دون ذلك الربط ولا علم نافع من غير ذاك الفهم، ومن أجل ذلك كانت ندوة التشافي بالقرآن التي نقدم لها هنا، فهي تهدف، فيما تهدف إليه، إلى توثيق العلاقة الروحية بالأثر المادي وتثبت تفاعل المادة بالروح وأيضاً تأثير الروح بالمادة، فكلاهما خلق الله ومعرفتهما من مسالك العلم التي ينتفع بها العالمون. لهذا كان التأكيد على وجود تلك العلاقة خدمة للباحثين وأيضاً معرفة شروطها الحقيقية التي شرعها الخالق سبحانه لتحقيق الفائدة القصوى من تلك المعرفة، وأخيراً لتجنب أولئك الذين يجهلون وهم يدعون العلم والذين زاد عددهم في زماننا هذا. فهل حققت هذه الندوة كل ذلك، هذا ما دعونا الله من أجله ونسأله سبحانه أن يستجيب، اللهم آمين. الدكتور
دعت لجنة الأورام بالجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان إلى الندوة الفقهية الطبية الأولى حول التشافي بالقرآن الكريم صفوة من الفقهاء والأطباء المسلمين من دولة الكويت، وجمهورية مصر العربية، والمملكة العربية السعودية، والأردن، والولايات المتحدة الأمريكية في الفترة ما بين 26-28 جمادى الآخرة 1418 هجرية، الموافق 27 إلى 29 أكتوبر 1997م، تحت رعاية معالي وزير العدل ووزير الأوقاف والشؤون الإسلامية الأستاذ/ محمد ضيف الله شرار وبرئاسة الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي رئيس مجلس إدارة الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان... وعقدت جلسات المحاضرات والمناقشات بفندق "هوليداي إن" خلال هذه الفترة، كما أقيمت ندوتان جماهيريتان ضمن فعاليات الندوة بمركز الطب الإسلامي، أتيحت الفرصة فيهما لأكبر عدد من جمهور المهتمين والمهتمات بمجال الندوة... ولقد تم تشكيل اللجان على النحو التالي:
1- المشرف العام الدكتور عبد الرحمن عبد الله العوضي 2- اللجنة التحضيرية الدكتور خالد أحمد الصالح الشيخ عبد الله الحداد الشيخ عبد المحسن الرويشد السيد عصام راشد التوحيد 3- اللجنة العلمية الدكتور يوسف يعقوب السلطان الأستاذ الدكتور محمد الأحمدي أبو
النور الدكتور خالد أحمد الصالح الدكتور مصطفى محمود حلمي 4- هيئة التحرير الأستاذ الدكتور محمد الأحمدي أبو النور الدكتور مصطفى محمود حلمي الدكتور يوسف يعقوب السلطان الشيخ عبد المحسن الرويشد وفي يوم الأربعاء 28 جمادى الآخرة 1418 هـ، الموافق 29 أكتوبر 1997/، وبعد استكمال المناقشات في محاور الندوة الثلاثة وهي: 1. 1-مشروعية الرقية. 2. ضوابط الرقية الشرعية . 3. التشافي بالقرآن من الناحية الطبية. اجتمعت لجنة الصياغة بحضور كل من الأستاذ الدكتور على ناصر فقيهي -
المملكة العربية السعودية الأستاذ الدكتور عجيل جاسم النشمي
- دولة الكويت القرارات والتوصيات وقد صاغ المجتمعون القرارات والتوصيات التالية: أولاً : فيما يتعلق بمشروعية الرقية 1- الرقية قديمة في تاريخ البشرية، عرفها العرب في الجاهلية، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم ما عرض عليه منها، إذا لم تتضمن شركاً، كما أوحي إليه صلى الله عليه وسلم في القرآن والسنة آيات وأحاديث تدل على مشروعيتها . 2- الرقية الشرعية هي ما يقرأ من الدعاء وقاية أو استشفاء بالقرآن الكريم، وبالأحاديث النبوية الثابتة في ذلك، وبأي دعاء آخر لا يتعارض مع القرآن والسنة. 3- الرقية مشروعة باتفاق العلماء، وهي سنة مستحبة لا تتنافى مع التوكل ولا تتعارض مع الأخذ بالأسباب الأخرى . 4- للقرآن الكريم بألفاظه وللصيغ الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم منزلة وخصوصية. ثانياً : فيما يتعلق بضوابط الاستشفاء بالرقية 1- أن تكون الرقية بالقرآن الكريم وبالأحاديث النبوية الثابتة في ذلك أو بأي دعاء آخر لا يتعارض مع القرآن والسنة. 2- أن يعتقد كل من الراقي والمرقي أن الرقية لا تؤثر بذاتها وإنما ذلك بإذن الله عز وجل. 3- أن يكون الراقي مسلماً وأن تكون الرقية بلغة مفهومة، ويندب للمسترقي أن يقصد أهل الصلاح والعلم والتقى. محذورات الرقى : . 2- أن لا تقترن بمحرم، كالخلوة بأجنبية أو كشف عورة أو مس من لا تحل.3- لا يجوز اتخاذ التمائم السحرية التي تقوم على الخرافة كتعليق خرزة زرقاء أو حجاب فيه سحر أو التولة (ما يقصد به جلب المحبة بصورة غير شرعية)، وأما التمائم المتضمنة آيات من القرآن وأدعية فهي ممنوعة أيضاً سدا للذريعة. أخذ الأجرة على الرقية: ثالثاً : فيما يتعلق بالعلاقة بين الرقية والطب 1- الرقية ليست بديلاً عن الطب. 2- تثني الندوة على الجهود المبذولة لاستخدام التشافي بالقرآن والسنة كمنهاج حياة في إطار التوجيهات الإسلامية على نحو علمي منهجي كما هو متبع في مركز معهد الطب الإسلامي في مدينة (بنما سيتي) بالولايات المتحدة الأمريكية وتدعو إلى تشجيع تلك الجهود لتكون نواة لعمل علمي متكامل في هذا المجال. 3- تدعو الندوة إلى تشجيع لجنة الأورام في الجمعية الكويتية لمكافحة التدخين والسرطان ومؤازرتها بالدعم المادي والقوى البشرية وأبحاثها النظرية والتطبيقية للتمكن من تقديم نتائجها الإحصائية في الندوة القادمة . 4- اعتبار الجانب الدعوي هدفاً أساسياً من أهداف التشافي بالقرآن الكريم. 5- يجوز أن تخضع ممارسات الرقى لعمل البحث العلمي الميداني تحت إشراف الأطباء والفقهاء لتحديد تأثيراتها الإيجابية. 6- طبع كتيبات في الرقى الشرعية وتأصيل ضوابطها وكيفيتها وتوزيعه على الناس لا سيما في المساجد والمستشفيات لتنمية وعيهم لهذا النوع من العلاج. رابعاً : التوصيات العامة 1- توجيه أفكار المسئولين بالأقطار الإسلامية لمضاعفة جهودهم المبذولة في ملاحقة الدجالين والمشعوذين الذين يستخدمون الرقى للابتزاز وأكل أموال الناس بالباطل وصدهم عن سبيل الله. 2- تستلفت الندوة أنظار المسئولين عن الدعوة الإسلامية في الأقطار الإسلامية إلى توعية خطباء المساجد وأئمتها لموضوع الرقية الشرعية ليمارسوها هم احتساباً وليواجهوا في توجيهاتهم الدجالين والمشعوذين. 3- التأكيد على أن القرآن الكريم منهج شامل لمناحي الحياة الإنسانية والأصل فيه أنه هداية للناس ورحمة والاستشفاء بالرقية جزء من منهجه في علاج الروح واستقامة الجسد. 4- عقد ندوة مقبلة تخصص للتوعية بحقيقة السحر والحسد وما يتصل بهما لتحصين الناس من شرورها المدمرة.
|