ضوابط التداوي بالرقى والتمائم في الفقه الإسلامي

الدكتور محــــمـد عثمان شـــــــبير

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله.

(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون)(131).

(يـا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً)(132). (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً)(133).

أما بعد! فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

وإن موضوع التداوي بالرقى والتمائم من الموضوعات المهمة في هذا العصر، والتي يحتاج إليها كثير من الناس، وبخاصة بعد أن انتشرت مراكز العلاج بالرقى والتمائم، وكثر من أقحم نفسه في معالجة الناس بها دون أن يعرف أصول التداوي بها، والضوابط الشرعية لها. كما كثر المترددون على تلك المراكز وتهافتوا عليها من غير معرفة حقيقية للغث والسمين منها؛ فكتبت هذا البحث لبيـان

131- سورة آل عمران: (102)

.132- سورة النساء: (1).

133- سورة الأحزاب : (70-71).

حقيقة التداوي بالرقى والتمائم، وأحكامها الشرعية، وضوابط التداوي بها. ولما كان البعد الفقهي هو الأساس في هذا البحث، فقد رجعت إلى عدد وافر من المصادر الفقهية التي تمثل أكثر المذاهب الفقهية ذيوعاً، هذا بالإضافة إلى كتب العقيدة، وكتب تفسير القرآن الكريم، وشروح الأحاديث النبوية الشريفة، وكتب اللغة والمصطلحات وغير ذلك.

وقد قسمت هذا البحث إلى ثلاثة مباحث وخاتمة:

تكلمت في المبحث الأول: عن حقيقة التداوي بالرقى والتمائم، وفي المبحث الثاني: أحكام التداوي بالرقي والتمائم، وفى المبحث الثالث: ضوابط التداوي بالرقى والتمائم، وفى الخاتمة لخصت أهم نتائج البحث. والله أسال أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن يجعله في ميزان حسناتي يوم لا ينفع مال ولا بنون.

المبحث الأول
حقيقة التداوي بالرقى والتمائم

لما كان الحكم على الشيء فرعاً عن تصوره، فلابدّ من بيان حقيقة التداوي بالرقى والتمائم. ولتحقيق ذلك لابد من معرفة معنى التداوي وحكمه، وموقع الرقى والتمائم منه، وبيان معنى كل من الرقى والتمائم، وواقع الرقى والتمائم في الجاهلية.

المطلب الأول: موقع الرقى والتمائم من التداوي.

التداوي بالرقى والتمائم نوع من أنواع التداوي. فما معنى التداوي وما حكمه وما أنواعه؟

أولاً : معنى التداوي

التداوي لغة: مصدر تداوى، أي تناول الدواء. وهو مأخوذ من داواه مداواة: عالجه (134). وجمع الدواء أدوية، وهو: اسم لما استعمل بقصد إزالة المرض والألم"(135). ويطلق على المرض الداء. وهو مصدر من داء الرجل يداء. وفى لغة: دَوى يَدْوَى دوي. وجمع الداء أدوية وهو: "علة تحصل بغلبة الأخلاط على بعض"(136).

والتداوي لا يخرج في استعمال الفقهاء عن المعنى اللغوي له. فهو: "ما يكون به شفاء المرض بإذن الله من عقار (طبي)، أو رقية، أو علاج طبيعي: كالتدليك ونحوه"(137).

134-انظر معجم مقابيس اللغة لابن فارس (2/309) والمصباح المنير للفيومي (1/278) والقاموس المحيط للفيرزو ابادي (1656)

.135- انظر الكليات لابن البقاء العكبري (2/339)

.136- انظر التعريفات للجرجاني (138)

. 137- انظر الفتاوى الهندية (5/354) وكتاب الجامع من المقدمات لابن رشد (313) والقوانين الفقهية لابن جزي (4859) والمجموع للنووي (5/95) والانصاف للمرداوي (2/463).

ثانياً : حكم التداوي

اتفق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على مشروعية التداوي(138)، واستدلوا لذلك بما يلي:

1- روى الإمام مسلم - بسنده - عن جابر بن عبد الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله عز وجل"(139).

فالحديث فيه إشارة إلى مشروعية التداوي، لأن الأشياء تداوى بأضدادها، فإذا لاقى الدواء الداء برئ بإذن الله تعالى المريض. لكن قد يدق المرض، وتغمض حقيقته، وقد تغمض حقيقة طبع الدواء فيتأخر البرء. قال القرطبي: هذه كلمة صادقة العموم لأنها خبر عن الصادق عن الخالق؛ ألا يعلم من خَلَقَ. فالداء خلقه، والشفاء والهلاك فعله، وربط الأسباب بالمسببات حكمته، وحكمه. وكل ذلك بقدر لا معدول عنه(140).

ولهذا كانت وصفات النبي صلى الله عليه وسلم الطبية قطعية متيقنة قال ابن القيم: "وليس طبه- صلى الله علية وسلم- كطب الأطباء، فإن طب النبي صلى الله عليه وسلم متيقن قطعي إلهي صادر عن الوحي ومشكاة النبوة، وكمال العقل. وطب غيره أكثره حدس وظنون. ولا ينكر عدم انتفاع كثير من المرضى بطب النبوة، فإنه إنما ينتفع به من تلقاه بالقبول، واعتقاد الشفاء له"(141).

138- انظر شرح النووي على مسلم (14/191) ش ح(2204)

.139- أخرجه مسلم في صحيحه كتاب السلام: باب لكل داء دواء واستحباب التداوي ح(2204) وانظر تحفة الأشراف ح(2785) وأحمد في مسنده (3/335).

140- انظر فيض القدير للمناوي (5/283).141- انظر الطب النبوي لابن القيم (35-36).

2- وما روى الترمذي -بسنده- عن أسامة بن شريك قال: "قالت الأعراب : يا رسول الله ألا نتداوى؟ قال: نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء، أو قال: دواء- إلا داءً واحداً. قالوا يا رسول الله وما هو؟، قال: الهرم"(142).

فالحديث يدل على أن التداوي مباح غير مكروه، وقد سمى الهرم داء، لأنه جالب للتلف: كالأدواء التي يتعقبها الموت والهلاك(143).

3- ما روى أبو داود بسنده- عن أبى الدرداء قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن الله أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء فتداووا، ولا تتداووا بمحرم"(144).

فالحديث يدل على جواز التداوي، لأن إنزال الدواء من الله تعالى أمارة على ذلك(145).

ثالثاً : أنواع التداوي وموقع الرقى والتمائم منها

استعمل النبي صلى الله عليه وسلم في علاج أمراض البدن ثلاثة أنواع من الأدوية وهى: أحدها: العلاج بالأدوية الطبيعية، مثل العسل والحبة السوداء. والثاني: العلاج بالأدعية والأذكار: كالرقي بآيات القرآن الكريم. والثالث: العلاج المركب من الأمرين(146).

142- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الرجل يتداوى ح(3855) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الدواء والحث عليه ح(2045) قال أبو عيسى: وهذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح(3436) وانظر تحفة الأشراف ح(127) وأحمد في مسنده (4/278) وانظر صحيح سنن ابن ماجة ح(2772).

143- انظر معالم السنن للخطابي (5/346) ش ح(3706).

144- ذكره الهيثمي في المجمع (5/86) وقال: رواه الطبراني ورجاله ثقات. وحسنه الألباني في الصحيحة ح(1633) وقال: هذا إسناد حسن ورجاله ثقاب معروفون غير ثعلبة هذا، ذكره ابن حبان في (الثقات) وروى عنه جمع، فهو حسن الحديث إن شاء الله تعالى إذا لم يخالف. وله شواهد ذكرها الألباني في السلسلة الصحيحة تحت ح(1633).

145- انظر الفواكه الدواني للنفراوي (2/440).

146- انظر الطب النبوي لابن القيم (24).

ويرجع سبب هذا التنوع إلى طبيعة تكوين الإنسان، فهو مركب من بدن، وروح. قال تعالى (الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين. ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين. ثم سواه ونفخ فيه من روحه. وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلاً ما تشكرون)(147).

فالأدوية الطبيعية تناسب البدن، والأدوية الإلهية تناسب البدن والروح معاً، فهي تؤدى إلى اطمئنان القلب وقوته وانتعاشه، كما تؤدى إلى قوة النفس ودفع الأوهام التي ينتج عنها كثير من أمراض البدن.

ولهذا ينبغي على المسلمين استعمال النوعين من الأدوية، دون إفراط أو تفريط، أو دون إهمال لأحدهما، وتزيد في الآخر. فنرى بعض الناس يُفِّرطُون في التداوي بالأدوية الإلهية من الرقى والتمائم والتعويذات مقتصرين في علاج الأمراض على الأدوية الطــبيعية. فهؤلاء قد حرموا أنفسهم من بركات القـرآن الكريم والأدعية والأذكار. وفى المقابل نجد آخرين أهملوا الدواء الطبيعي وزهدوا الناس فيه، وأفرطوا في استعمال الأدوية الروحية، ولم يقفوا عند الرقى الشرعية، وأدخلوا فيها ما ليس له معنى، وأصبحوا يكتبون الأحجبة والتمائم، ويستعينون في كتابتها بكتب الدجل والشعوذة، واتخذوا ذلك حرفة ومورداً للرزق فضلوا وأضلوا، وأوقعوا الناس في حبائلهم، وأكلوا أموالهم بالباطل.

والاعتدال في ذلك اتباع هدى النبي صلى الله عليه وسلم في علاج الأمراض، بحيث يجمع بين التداوي بالأدوية الطبيعية والعقاقير الطبية التي دلت الأبحاث العلمية على فائدتها في علاج الأمراض، وبين التداوي بالأدوية الإلهية من الرقى الشرعية التي ضبطتها الشريعة الإسلامية. ومما يؤيد ذلك ما روى الإمام مسلم عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا اشتكى الإنسـان الشيء

147- سورة السجدة: (7-9).

منه، أو كانت به قرحة أو جرح؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم بإصبعه هكذا (و وَضَع سفيان سبابته على الأرض ثم رفعها) باسم الله تربة أرضنا بريقة بعضنا ليشفى به سقيمنا"(148).

ومعنى الحديث أنه يأخذ بريق نفسه على إصبعه السبابة، ثم يضعها على التراب، فيعلق بها شيء: فيمسح به على الموضع الجريح أو العليل، ويقول هذا الكلام في حال المسح(149). فهو يجمع بين الأدوية الطبيعية، والأدعية والأذكار.

وروى عن علي رضى الله عنه: لدغت النبَّي صلى الله عليه وسلم عقربٌ وهو يصلى، فلما فرغ، قال: لعن الله العقرب، لا تدع مصلياً ولا غيره. ثم دعا بماء وملح فجعل يمسح عليها ويقرأ (قل يا أيها الكافرون …) و(قل أعوذ برب الفلق) و(قل أعوذ برب الناس)(150).

فالحديث يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم استعمل الدواء المركب من الأدوية الطبيعية والأدعية والأذكار.

148- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب رقية النبي (صلى الله عليه وسلم) ح(5746) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمه والنظرة ح(2194) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3895) وابن ماجة في سننه: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3521) وانظر تحفة الأشراف ح(17906) وأخرجه أحمد في مسنده (6/93) والبغوي في شرح السنة (5/224) والنسائي في اليوم والليلة ح(1023) وابن السني في اليوم والليلة ح(576)

.149- انظر شرح النووي على مسلم (14/184) ش ح(2194).

150- أخرجه ابن ماجة في سننه: كتاب إقامة الصلاة: باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة ح(1246) وانفرد به- انظر تحفة الأشراف ح(16125). وصححه الألباني في صحيح سنن ابن ماجة ح(1030). وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ح(547) و(548).

بهذا يتبين أن الرقى والتمائم عنصر مهم في باب التداوي من أمراض البدن والروح، وهى المرتكز الأساسي في العلاج لكل من الطبيب والمريض. فما حقيقة الرقى والتمائم؟ هذا ما سنجيب عنه في المطلب التالي- إن شاء الله تعالى.

المطلب الأول : حقيقة الرقى والتمائم

أولاً : معنى الرقى

الرقى في اللغة: جمع رقية. وهى اسم من الرقِي. يقال: رقى الراقي المريض يرقية رَقياً و رُقيا. وأصل (رقى) يرجع إلى ثلاثة أمور هي: الصعود، والبقعة من الأرض والتعويذ. وجاء في الأمر الثالث قوله تعالى. (كلاً إذا بلغت التراقي وقيل من راقٍ) (151). أي من يرقيه تنبيهاً إلى أنه لا راق يرقيه برقية فيحميه0 والراقي صانع الرقية، أو صاحب الرقى، والمرْقى المريض الذي يقرأ عليه. والمرقاة وسيلة الرقى(152).

ولا يخرج المعنى الاصطلاحي للرقية عن المعنى اللغوي لها، فهي ألفاظ خاصة يحدث عند قولها الشفاء من المرض إذا كانت من الأدعية التي يتعوذ بها من الآفات: من الصرع والحمى.

ومن الرقى ما ليس بمشروع كرقى الجاهلية(153). وقد عرفها ابن الأثير بأنها: "العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة: كالحمى والصرع وغير ذلك من الآفات(154).

والعوذة في اللغة: اسم من العوذ، فتقول عاذ به عوذاً وعياذاً ومعاذاً: التجأ واعتصم به(155).

والعوذة والمعاذة: التي يتعوذ بها الإنسان من فزع أو جنون(156).

151- سورة القيامة: (26-27)

152- انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (2/126) والمصباح المنير للفيومي (1/322) والمفردات للراغب (201) والمعجم الوسيط (1/368).

153- انظر الموسوعة الفقهية الكويتية (24/261) والفروق للقرافي (4/147).154- أنظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/254).

155-انظر معجم مقاييس اللغة لابن فارس (4/183) والمصباح المنير للفيومي (2/597) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/318) والمعجم الوسيط (2/461)

. 156- انظر معجم مقايـيس اللغة لابن فارس (4/184).

ثانياً : معنى التمائم

التمائم في اللغة: جمع تميمة. وهى مأخوذة من تمَّ الشيء يتم تكملت أجزاؤه. فأصل "تم" الكمال. وسميت التميمة بهذا الإسم، لأنها تمام الدواء والشفاء المطلوب(157).

والتميمة في الاصطلاح تطلق على معنيين:

الأول: خرزات كان العرب يعلقونها على أولادهم يتقون بها العين في زعمهم(158).

والثاني: ورقة يكتب فيها شئ من القرآن أو غيره، وتعلق على الرأس، مثلاً: للتبرك(159).

ثالثاً : الرقى والتمائم في الجاهلية

استعمل العرب في الجاهلية الأدوية الطبيعية من البصل، والثوم والحلبة، والحبة السوداء، والعسل والأدوية الروحية من الرقى والتمائم. لكن غلب على النوع الأخير تأثرها بالشرك والسحر والخرافة.

1. تأثر الرقى والتمائم في الجاهلية بالشرك.
اختلطت الرقى والتمائم في الجاهلية بالكهانة والعرافة والتنجيم، فادعى محترفوها معرفتهم للغيب. واستعانوا بغير الله تعالى من الجن والشياطين والكواكب والنجوم.

أ- فالكهانة: ادعاء علم الغيب وذلك عن طريق اتصال الأرواح البشرية بالأرواح المجردة من الجن والشياطين، واستعلامهم عن الأحوال الجزئية للإنسان، ومعرفة أسراره، وما يتعرض له في يومه ومستقبله من مرض وشقاء، وعافية وشفاء(160). ويسمى متعاطي الكهانة "الكاهن" وهو: "الذي يخبر عن الكوائن في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار ومطالعة علم الغيب"(161).

157- انظر معجم مقايـيس اللغة لابن فارس (1/339) والمصباح المنير للفيومي (1/106).

158- انظر حاشية ابن عابدين (6/363).

159- انظر حاشية الجمل (1/76).

160- انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (1/364) وأبجد العلوم لصديق حسن (2/453).

161- انظر التعريفات للجرجاني (235) والمقدمة لابن خلدون (87).

ب- العرافة: هي معرفة الاستدلال ببعض الحوادث الخالية على الحوادث الآتية بالمناسبة أو المشابهة الخفية التي تكون بينهما، أو الاختلاط، أو الارتباط؛ على أن يكونا معلولي أمر واحد، أو يكون ما في الحال علة لما في الاستقبال(162). ويطلق على محترفها "العراف" وهو "المنجم أو الحازي الذي يدعي علم الغيب "(163). وسموا العراف بالطبيب كما جاء في قول الشاعر:

فقلت لعراف اليمامة داوني
فإنك إن داويتني لطبيب

د- والتنجيم: هو الاعتقاد بأن بين طلوع النجوم وغروبها أمراضاً وأوبئة وعاهات في الناس والإبل. وكانوا ينسبون إلى النجوم التأثيرات. ويسمى محترف التنجيم "المنجم" وهو: "كل من يدعى الغيب من مستقبل بعيد ومكنونات الصدور"(164). وكان أهل الجاهلية يتوجهون للمنجم يسألوه عن الغيب(165).

2-تأثر الرقى والتمائم في الجاهلية بالسحر.

تأثرت الرقى والتمائم في الجاهلية بالسحر والسحرة، وكتبت العقد والعزائم لمداواة المرضى ولأغراض أخرى. فقد زعم العرب في الجاهلية أنها تؤثر في الأبدان والقلوب ، فتشفى أو تُمرض، أو تقتل، أو تفرق بين المرء وزوجه، أو غير ذلك"(166). ويزاول السحرة صناعتهم بالتقرب إلى الشياطين بأنواع القبائح التي فيها مدح الشياطين والشرك بالله تعالى. وقد عرف العرب عدة أنواع من السحر كالشعبذة، والعزيمة، والطلاسم.

162- انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (1/357) وأبجد العلوم الصديق حسن (2/379)

.163-انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير (3/218).

164- انظر معجم لغة الفقهاء لقتيبي وقلعجي (463).

165- انظر أبجد العلوم لصديق حسن (2/551)

. 166- انظر التوقيف على مهمات التعاريف للمناوي (399) والمغني لابن قدامة (8/15).

أ - فالشعبذة: ويقال لها الشعوذة معرب من شعباذة، وهو اسم رجل ينسب إليه علم الشعوذة. وهى: الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها، مبنية على خفة اليد، وصرف البصر عما يفعله المشعوذ(167).

ب- والعزيمة من الرقى التي كانوا يعزمون بها على الجن. وجمعها عزائم، فيقال عزم الراقي- كأنه أقسم على الداء(168). وأصلها- كما ذكر القرافي الإقسام والتعزيم على أسماء معينة زعموا أنها أسماء ملائكة وكلهم سليمان بقبائل الجان، فإذا أقسم على صاحب الاسم ألزم الجن بما يريد(169).

جـ- والطلاسم أو الطلسمات: جمع طلسم. وهى أسماء خاصة كانوا يزعمون أن لها تعلقاً بالكواكب، تجعل في أجسام من المعادن أو غيرها تحدث آثاراً خاصة. ولذلك يستعين صاحبها بالمنجمين(170).

3- تأثر الرقى والتمائم في الجاهلية بالخرافة.

اختلطت الرقى والتمائم في الجاهلية بالخرافات والأوهام فزعموا أن للحروف خصائص معينة تفيد في شفاء الأمراض، كما زعموا أن بعض الأحجار تجلب الخير وتدفع الشر.

أ - علم الحروف: وهو علم باحث عن خواص الحروف إفراداً وتركيباً وموضوعه الحروف الهجائية. ويزعمون أن للحروف جسماً، وروحاً، ونفساً، وقلباً، وعقلاً، وقوة كلية. وقوة طبيعية. وأنهم يمزجون بعلمهم قوى الحروف والكلمات بقوى الكواكب؛ فيرشدهم هذا المزج إلى المغيبات، ويدلهم على المقدرات. وتوهموا أن للحروف خواصَّ: فمنها النارية والهوائية والمائية والترابيـة على حسب تنوع العناصر: فالألف

167-انظر المفردات للراغب (226).168- انظر لسان العرب لابن منظور (3/769).169- انظر الفروق للقرافي (4/147). 170- انظر الفروق للقرافي (4/142) وتذكر أولى الألباب لداود الانطاكي (2/154).

للنار، والباء للهواء، والجيم للماء، والدال للتراب. ثم يرجع كذلك على التوالي من الحروف والعناصر إلى أن تنعقد. وتستعمل الحروف النارية لدفع الأمراض الباردة، ولمضاعفة قوة الحرارة، حيث تطلب مضاعفتها إما حساً أو حكماً. وتُستعمل الحروف المائية لدفع الأمراض الحارة من الحميات وغيرها، خرافات وأوهام ولمضاعفة القوة الباردة(171).

ب - الأحجار والخرز.

تعلم العرب في الجاهلية ممن سبقهم ما نُقِلَ عنهم من خرافات وأوهام تتعلق بالأحجار والخرز ومن ذلك:

1- اليشب أو اليصب: وهو حجر فضي يزعمون أنه يقطع نزف الدم، ويرد العين، ويدفع السحر إذا علق على الرقبة أو العضد، وإذا علق على الفخذ نفح من عسر الولادة، وإذا علق على الرقبة بحيث يحاذي المريء والمعدة نفع في أمراض المعدة(172).

2- العقيق: وهو على سبعة أنواع: الأحمر الكبدي، والأحمر الوردي، والأصفر، والأبيض، والأسود، والأزرق، وذو اللونين؛ يزعمون أنه يسكن الروع عند الخصام، ويدخل في علاج العين(173).

3- الزمرد: يؤخذ من جبل في أسوان، يدفع داء الصرع. وإذا علق بمحاذاة الكبد دفع مرض "الدوسنطاريا"(174).

4- خرزة العفرة: زعموا أن المرأة إذا شدتها على حقويها (موضع شد الإزار على الخاصرة) تمنع الحمل(175)

. 5- خرزة الوجيهة: للوقاية من الأمراض(176).

171- انظر مفتاح السعادة لطاش كبرى زاده (2/592) وأبجد العلوم لصديق حسن (2/236)

.172- انظر معدن النوادر في معرفة الجواهر للبيهقي (113)

. 173- انظر معدن النوادر في معرفة الجواهر للبيهقي (100)

. 174- انظر معدن النوادر في معرفة الجواهر للبيهقي (89)

.175- انظر الطب عند العرب لأحمد شوكت الشطي (16).

176- انظر الطب عند العرب لأحمد شوكت الشطي (16).

المبحث الثاني
أحكام التداوي بالرقي والتمائم

يشتمل هذا المبحث على أمرين؛ الأول: مشروعية التداوي بالرقى والتمائم. والثاني: الأحكام المتعلقة بأنواع التداوي بالرقى والتمائم.

المطلب الأول: مشروعية التداوي بالرقى والتمائم.

اتفق الفقهاء على مشروعية التداوي بالرقى والتمائم في الجملة(177)، واستدلوا لذلك بما يلي:

1- قوله تعالى:

(وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلاّ خساراً)(178).

فالمراد بكون القرآن الكريم شفاء للإنسان من جهتين: من جهة القلب؛ فهو يشفيه من الجهل والريب والضلال، لما فيه من الهداية؛ ومن جهة البدن، فهو يشفيه من الأمراض التي تصيبه، لما فيه من البركة(179).

2- المعوذتان:

(قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن شر حاسد إذا حسد)(180).

177- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) والفتاوي الهندية (5/356) والجامع لابن رشد (308) والمنتقى للباجي (7/258) والشرح الصغير للدردير (4/678) والإفادة لابن حجر (77) وصرع الجن للإنسان لابن تيمية (61) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/455).

178- سورة الإسراء: (82).

179- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/316) وتفسير الماوردي (2/453) وزاد المسير لابن الجوزي (5/79)

.180- سورة الفلق

(قل أعوذ برب الناس ملك الناس إله الناس من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس)(181).

قال القرطبي: هذه السور (يقصد سورة الفلق)، وسورة الناس والإخلاص تعوَّذ بهن النبي صلى الله عليه حين سحرته اليهود". وقال في معنى"من شر ما

خلق"؛ قيل من إبليس وذريته، وقيل جهنم، وقيل: هو عام؛ أي من شر كل ذي شر خلقه الله عز وجل(182).

وقوله تعالى :
(وأيوب إذ نادى ربه أنى مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر، وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين)(183).

ذكر الله تعالى عن أيوب عليه السلام ما كان أصابه من البلاء في ماله، وولده، وجسده، فقد أصيب فيه بالمرض الشديد، وجاءه الأطباء من كل مكان، فلم يفلحوا في تحقيق الشفاء له، فدعا الله عز وجل بأن يزيل ما فيه من بلاء، فاستجاب له وشافاه مما هو فيه من مرض، وأعاد إليه أهله وماله(184).

4- روى البخاري -بسنده- عن أبى سعيد الخدري رضي الله عنه أن ناساً من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أتوا على حي من أحياء العرب فلم يَقْروهم. فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك. فقالوا هل معكم من دواء أو راقٍ؟ فقالوا: إنكم لم تقرُونا، ولا نفعل حتى تجعلوا لنا جُعلاً، فجعلوا لهم قطيعاً من الشاة، فجعل يقرأ بأم القـرآن ويجمع بزاقه ويتفل فبرئ. فأتوا بالشـاء فقالوا: لا نأخذ حتى نسأل النبـي

181- سورة الناس

182- انظر الجامع حكام القرآن للقرطبي (20/251).

183- سورة الأنبياء الآيات: (83-84)

.184- انظر تفسير القرآن العظيم لابن كثير (3/188).

صلى الله عليه وسلم. فسألوه فضحك وقال: وما أدراك أنها رقية. خذوها واضربوا لي بسهم"(185). وفى رواية للترمذي "أن الذي رقاه أبو سعيد الخدري. وفيه أنه قرأ الحمد لله سبع مرات، وأن الغنم كانت ثلاثين شاة(186). فقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة على الرقية بأم القرآن، وهو دليل على المشروعية.

وروى البخاري -بسنده- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذُ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس اذهب الباس واشفه أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سَقماً"(187). 6- وقد أجمع العلماء على جواز الرقية بكتاب الله تعالى، وما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم(188).

185- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب الرقية من العين (2/940). والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5749). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب جواز أخذ الأجر على الرقية بالقرآن والأذكار ح(2201). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3900). والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في أخذ الأجر على التعويذ ح(2070) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه كتاب التجارات: باب أجر الراقي ح(2156). وانظر تحفة الأشراف ح(4249) و(4307).

186- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب أخذ الأجر على التعويذ ح(2070) وقال هذا حديث حسن صحيح وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1685).

187-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض (2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجه في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180).

188- انظر الجامع لابن رشد (309) وزاد المسلم للشنقيطي (4/83).

7- قال ابن القيم: "ومن المعلوم أن بعض الكلام له خواص ومنافع مجربة. فما ظنك بكلام رب العالمين الذي فضله على كل كلام"(189).

وقال ابن تيمية: "الأدوية أنواع كثيرة، والدعاء والرقى أعظم نوعى الدواء حتى قال أبقراط: نسبة طبنا إلى طب أرباب الهياكل كنسبة طب العجائز إلى طبنا. وقد يحصل الشفاء بغير سبب اختياري، بل بما يجعله الله في الجسم من القوى الطبيعية"(190).

الشبهات التي ترد على مشروعية التداوي بالرقى والتمائم

أورد بعض العلماء بعض الشبهات التي ترد على مشروعية التداوي بالرقى والتمائم سأوردها وأجيب عنها- إن شاء الله تعالى.

1- مشروعية التداوي بالرقي والتمائم تتعارض مع حديث مدح ترك الرقية. فقال صلى الله عليهوسلم في صفة الذين يدخلون الجنة بغير حساب: "هم الذين يتطيرون، ولا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون"(191).

ولذا يكره التداوي بها. يجاب عن ذلك بأن الجـمع بينه وبين أحاديث مشروعية التداوي بالرقى والتمائم ممكن من عدة وجوه وهي:

189- اأنظر الطب النبوي لابن القيم (177).

190- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (3/116)

.191- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب من لم يرق ح(5752) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين الجنة بغير حساب ولا عذاب ح(216) والترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (81) ح(2454) وقال هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده (1/271). وقال الهيثمي في المجمع (10/405) رجال أحمد والبزار رجال الصحيح. وأخرجه الطبراني في الكبير (18/23) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب ما جاء في استحباب ترك الاكتواء والاسترقاء (9/341) والبغوى في شرح السنة (15/135) ح(4322).

أ- حديث: "لا يسترقون"، يحمل على الرقى الجاهلية التي تتضمن الكفر والسحر والكلام غير المعروف. وأما الرقى بآيات القرآن والأذكار المعروفة فلا نهى فيها، بل هو سنة(192).

ب-حديث: ولا يسترقون " يحمل على الأفضلية لا على الوجوب وأما الأحاديث الأخرى فتحمل على الجواز مع أن ترك التداوي أفضل(193).

ج- حديث: "لا يسترقون"، يحمل على صفة الأوليـاء الصـابرين على البـلاء، المُعْرِضين عن أسباب الدنيا الذين لا يلتفتون إلى شيء من علائقها، وتلك درجة الخواص لا يبلغها غيرهم.

وأما الأحاديث الأخرى التي ترخص في التداوي بالرقى؛ فتحمل علـى أنها خاصة بعوام الناس الذين لم يصلوا إلى مرتبة الخواص(194).

2- مشروعية التداوي بالرقى تتعارض مع أحاديث النهى عن الاسترقاء. فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الرقى، وقال: "إن الرقى والتمائم والتولة(195) شرك"(196). ولذا يمنع التداوي بها.

وأجيب عن ذلك من عدة وجوه:
درجة الخواص لا يبلغها غيرهم. وأما الأحاديث الأخرى التي ترخص في التداوي بالرقى؛ فتحمل علـى أنها خاصة بعوام الناس الذين لم يصلوا إلى مرتبة الخواص(194). 2- مشروعية التداوي بالرقى تتعارض مع أحاديث النهى عن الاسترقاء. فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن الرقى، وقال: "إن الرقى والتمائم والتولة(195) شرك"(196). ولذا يمنع التداوي بها. وأجيب عن ذلك من عدة وجوه:

وأجيب عن ذلك من عدة وجوه:
أ- أن النهي عن الرقى كان في بداية الإسلام، ثم نسخ بأحاديث الجواز.

ب- النهي خاص بالرقى المجهولة المكتوبة بغير العربية ولا يعرف معناها.

192- انظر شرح النووي على مسلم (14/169) ش ح(2186) والنهاية في غريب الحديث لابن الأثير (2/255).

193- انظر شرح النووي على مسلم (14/ 169) ش ح(2186).

194- انظر النهاية لاين الأثير (2/255) والفواكه الدواني للنفراوي (2/440) وإحياء علوم الدين للغزالي (4/287).

195- التوله: تميمة تصنع للمرأة ليحبها زوجها، وهي ضرب من السحر وإنما كان ذلك من الشرك لأنهم أرادوا دفع المضار وجلب المنافع من عند غير الله- انظر حاشية ابن عابدين (6/364) وفتح الباري لابن حجر (10/196) ش ح(5735)

. 196- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530). وانظر تحفة الأشراف ح(9643). وأخرجه أحمد في مسنده (1/381) والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350) وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288).

ج- أن النهي لقوم كانوا يعتقدون منفعتها وتأثيرها بطبعها، كما كانت الجاهلية تزعمه في أشياء كثيرة(197).

3- القول بمشروعية الرقى قادح في التوكل على الله تعالى. ويؤيد ذلك ما روى الترمذي قال صلى الله عليه وسلم: "من اكتوى أو استرقى، فقد برئ من التوكل"(198).

ويجاب عن ذلك بأن الاسترقاء لا يكون قادحاً في التوكل ولا منافياً له، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان على غاية من التوكل وكان يسترقي. فقد روت السيدة عائشة رضى الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركتها"(199).

وقال ابن القيم في رد هذه الشبهة: "إن هذه الأحاديث- يقصد أحاديث جواز التداوي- لا تنافي التوكل كما لا ينافيه دفع داء الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها بل لا يتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيــاتلمسبباتها قدراً وشرعا

197- انظر شرح النووي على مسلم (14/169) ش ح(2186) والمنتقي للباجي (7/258) والشرح الصغير (4/770) والفواكه الدواني للنفراوي (2/440).

198- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية الرقية ح(2062) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب الكي ح(3489) وانظر تحفة الأشراف ح(11518) وأخرجه أحمد في مسنده (4/249) والبيهقي في الكبرى (9/341) وابن أبي شيبه في مصنفه (8/69) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1677)

.199- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ترقى الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) وأحمد في مسنده (6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ذلك- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182).

وإن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة ويضعفه من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزاً ينافى حقيقته التوكل الذي هو اعتماد القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه. ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً ولا توكله عجزاً"(200).

وأما الحديث الذي استدل به من أثار هذه الشبهة فيحمل على من اعتقد منفعتها وتأثيرها بطبعها كما كانت الجاهلية تزعم.

4- القول بمشروعية التداوي بالرقى والتمائم قادح في إيمان المسلم بالقضاء والقدر، فالمرض من قدر الله تعالى، فلا يدفع بالتداوي. لأن قدر الله لا يدفع ولا يرد.

ويجاب عن ذلك بأن التداوي من قدر الله تعالى ، فيدفع قدر الله بقدره. روى الترمذي عن أبى خزاعة عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: "أرأيت رقة نسترقي بها ودواء نتداوى به وتقاة نتقيها هل ترد من قدر الله شيئاً؟ قال: هو من قدر الله"(201).

قال ابن القيم: "هذا السؤال - يقصد ما في الحديث- هو الذي أورده الأعراب على رسول الله صلى الله عليه وسلم. وأماّ أفاضل الصحابة فأعلم بالله وحكمته وصفاته من أن يوردوا مثل هذا.

وقد أجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بما شفى وكفى. فقال هذه الأدوية والرقى والتقى من قدر الله. فما خرج شئ من قدره، بل يرد قدره بقدره، وهذا الرد من قدره، فلا سبيل للخروج عن قدره بوجه ما.

200- انظر الطب النبوي لاين القيم ص(15) وتلبيس إبليس لابن الجوزي (278)

. 201- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب الرقى والأدوية ح(2072) وقال هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء ح(3437). وأحمد في مسنده (3/421). قال الهيثمي في المجمع (5/85): رواه الطبراني والحرث لم أعرفه وبقية رجاله رجال الصحيح غير أبي خزاعة. وضعفه الألباني في ضعيف سنن ابن ماجة ح(749).

وهذا كرد قدر الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها، وكرد قدر العدو بالجهاد، وكل من قدر الله الدافع والمدفوع والدفع. ويقال لمورد هذا السؤال: هذا يوجب عليك أن لا تباشر سبباً من الأسباب التي تجلب بها منفعة، أو تدفع بها مضرة، لأن المنفعة والمضرة إن قدرتا لم يكن بد من وقوعهما، وإن لم تقدرا لم يكن سبيل إلى وقوعهما. وفى ذلك خراب الدين والدنيا، وفساد العالم، وهذا لا يقوله إلا دافع للحق معاند له، فيذكر القدر ليدفع حجة المحق عليه: كالمشركين الذين قالوا: (لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا )(202). (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا)(203) . فهذا قالوه دفعاً لحجه الله عليهم بالرسل(204).

5- التداوي بالرقى من القرآن يعرض كتاب الله تعالى إلى خطر كبير إن فشل المعالج في العلاج، فسوف يؤدى ذلك إلى فقدان الثقة بالقرآن(205).

والجواب على ذلك: أن فشل العلاج لا يرجع إلى القرآن. لأن الله تعالى أخبرنا بأنه شاف، والرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن ذلك لنا وطبقه في واقع حياته على نفسه وأهله وأصحابه فبرئ المريض الذي عولج به، فلا تتأثر عقيدة المسلم بذلك. وإنما يرجع الفشل إلى المريض، أو إلى المعالج، أو إلى طريقة الوصفة وكميتها؛ فهناك شروط محددة للرقية والمريض والمعالج- سيأتي بيانها في المبحث الثالث- فإذا تخلف شرط منها لم يتأثر المريض بالرقية وفشل العلاج.

المطلب الثاني: الأحكام المتعلقة بأنواع الرقى والتمائم. قسـم العلماء الرقى والتمائم- باعتبار طريقة استعمالها- إلى ثلاثة أقسام وهى: القراءة على المريض، تعليـق التميمـة، تعاطى غسالة الرقية والتميمة. وسوف أبين حكم كل قسم منها، ومايتعلق به من أحكام.

202- سورة الأنعام: (148).203- سورة النحل: (35).

204- انظر الطب النبوي لابن القيم (16).

205- انظر الطب النبوي لابن القيم.

أولاً: القراءة على المريض والدعاء له.

اتفق الفقهاء على جواز أن يقرأ المريض على نفسه، وأن يستعين بغيره ليقرأ عليه بالرقى الشرعية. كما اتفقوا على أنه يجوز للمريض أو لمن يقرأ عليه أن يضع يده على مكان الألم أثناء القراءة(206). ويؤيد ذلك ما ذكرت من أحاديث المشروعية، ويضاف إلى ذلك ما روى البخاري -بسنده- عن عائشة رضي الله عنها قالت " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعوذ بعضهم يمسحه بيمينه ويقول: أذهب الباس رب الناس، واشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقماً"(207). وقــال صلى الله عليه وسلم لعثمان ابن أبى العاص الثقفي لما شكا إليه وجعاً في جسده: "ضع يدك على الذي تألم من جسدك وقل باسم الله ثلاثاً، وقل أعوذ بالله وقدرته من شر ما أجد وأحاذر"(208).

206- انظر عمده القاري للعيني (17/399) والاستذكار لابن عبد البر (27/29) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (20/258) وفتح الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735).

207- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675)؛ ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186)؛ والترمذي في سننه كتاب الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974)؛ وابن ماجة في سننه: كتاب الطب، باب ما عوذ به النبي، وعوذ به ح(3523)؛ انظر تحفة الأشراف ح(4363)، واخرجه أحمد في مسنده 3/28/56؛ والنسائي في اليوم والليلة ح(1005)، قال النووي: هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله من شر كل نفس قيل، يحتمل أن المراد بالنفس؛ نفس الآدمي، وقيل يحتمل أن المراد بها العين، فإن النفس تطلق على العين، ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم 14/170.

208-أخرجه مالك في موطأه: كتاب العين: باب التعوذ والرقية من المرض (2/942) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب وضع يده على موضع الألم مع الدعاء ح(2202) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3891) والترمذي في سننه: كتاب الطب: باب (29) ح(2087) وقال هذا حديث حسن صحيح وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3522) وانظر تحفة الأشراف ح(9774) وأخرجه أحمد في مسنده (6/390) والنسائي في اليوم والليلة ح(1001) قال النووي: يستحب وضع يده على موضع الألم ويأتي بالدعاء المذكور- انظر شرح للنووي على صحيح مسلم (14/189) شرح (2202).

* حكم النفث والمسح

النفث لغة: من نفث من فمه نفثاً رمى به أو قذف به. والنفث قذف الريق القليل، وهو أقل من التفل(209). فنفث الراقي هو النفخ في اليدين بدون ريق، أو بريق قليل، ومسح جسم المريض. فما حكم النفث في الرقية؟ اختلف الفقهاء في نفث الراقي ومسحه على قولين:

القول الأول : ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في رواية، وهو قول عطاء ومحمد بن سيرين إلى جواز النفث والمسح(210). واستدلوا لذلك بما يلي:

1- ما روى البخاري -بسنده- عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم: "كان ينفث على نفسه في المرض الذي مات فيه بالمعوذات، فلما ثقل كنت أنفث عليه بهن وأمسح بيد نفسه لبركته"(211). وفى رواية: "كان ينفث على يديه ثم يمسح بهما رأسه فالحديث صريح في جواز النفث والمسح عند الرقية"(212).

209- انظر المصباح المنير للفيومي (2/845) والمفردات للراغب (500)

. 210- انظر المراجع الفقهية السابقة

.211- أخرجه مالك في الموطأ: كتاب العين: باب التعوذ والرقية في المرض (2/193) والبخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب في المرأة ترقى الرجل ح(5751) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3602) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) وأحمد في مسنده (6/104) والنسائي في اليوم والليلة ح(1009) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه. قال: ولا اعتبار بما يخرج عليه من بلة ولا يقصد ذلك- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182).

212- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي: وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر- انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735).

2- وروى البخاري -بسنده- عن عائشة رضي الله عنها، قالت: "كان رسول الله إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بقل هو الله أحد وبالمعوذتيـن جميعاً،

3- ثم يمسح بهما وجهه وما بلغت يداه من جسده". قالت عائشة: " فلما اشتكى كان يأمرني أن أفعل ذلك به"(213).

4- وفائدة النفث والمسح كما قال القاضي عياض: التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسه الذِّكرْ، كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر. وقد يكون على سبيل التفاؤل بزوال الألم من المريض كانفصال ذلك عن الراقي(214).

القول الثاني: ذهب أحمد في رواية إلى كراهة النفث والمسح في الرقية، وهو قول إبراهيم النخعي، والضحاك، وعكرمة. والحكم، وحماد. فقال عكرمة: "لا ينبغي للراقي أن ينفث ولا يمسح ولا يعقد"(215). واستدلوا لذلك بقوله تعالى.

(قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شر غاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد ومن حاسدٍ إذا حسد)(216).

فهي تدل على كراهة النفث في الرقية.

213- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(5748) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب رقية المريض بالمعوذات والنفث ح(2192) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب كيف الرقى ح(3902) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب النفث في الرقية ح(3529) وانظر تحفة الأشراف ح(16589) قال النووي وسئلت عائشة عن نفث النبي (صلى الله عليه وسلم) في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه- انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/182) قال ابن حجر: فائدة النفث التبرك بتلك الرطوبة أو الهواء الذي ماسة الذكر كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر- انظر فتح الباري (10/197) ش ح(5735).

214- انظر فتح الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735).

215- انظر الاستذكار لابن عبد البر (26/34) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (20/458) والآداب الشرعية (2/457).

216- سورة الفلق.

والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز النفث والمسح عند الرقية للأحاديث الصريحة في ذلك، وأما الاستدلال بسورة الفلق فلا يصح؛ لأن المكروه ما كان من نفث السحرة وأهل الباطل، ولا يلزم منه ذم النفث مطلقاً ولاسيما بعد ثبوته في الأحاديث الصحيحة(217). ولأن فيه استعانة بتلك الرطوبة والهواء والنفس المباشر للرقية والذكر والدعاء- كما قال ابن القيم- فإن الرقية تخرج من قلب الراقي وفمه، فإذا صاحبها شيء من أجزاء باطنه من الريق والهواء والنفس كانت أتم تأثيراً، وأقوى فعلاً ونفوذاً، ويحصل بالازدواج بينهما كيفية مؤثرة شبيهة بالكيفية الحادثة عند تركيب الأدوية. وفى النفث سر آخر، فإنه تستعين به الأرواح الطيبة والخبيثة، ولهذا تفعله السحرة كما يفعله أهل الإيمان … وذلك لأن النفس تتكيف بكيفية الغضب والمحاربة، وترسل أنفاسها سهاماً لها، وتمدها بالنفث والتفل الذي معه شيء من ريق مصاحب لكيفية مؤثرة(218).

ثانياً : تعليق التميمة:

اتفق الفقهاء على عدم جواز تعليق التميمة بالمعنى الجاهلي(219). وهى "الخرزة التي تعلق على الأولاد يتقون بها العين في زعمهم(220). "وعلى هذا المعنى تحمل أحاديث النهي عن تعليق التمائم.

واختلفوا في جواز تعليق التميمة بالمعنى الآخر وهو: "ورقة يكتب فيها شيء من القرآن أو غيره، وتعلق على الرأس مثلاً للتبرك"(221).

217-انظر فتح الباري لابن حجر (10/209) باب (39)

.218- انظر الطب النبوي لابن القيم (179).

219- انظر المراجع الفقهية التي سترد في القول الأول.

220- انظر حاشية ابن عابدين (6/363).

221- انظر حاشية الجمل (1/76).

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة في قول إلى جواز تعليق التميمة في عنق المريض أو على رأسه. وهو ما قال به بعض السلف مثل عائشة رضي الله عنها، وعبد الله بن عمرو بن العاص، والضحاك، وأبى جعفر: محمد بن على، ومحمد بن سيرين، وسعيد بن المسيب(222).

فقد سئل سعيد بن المسيب عن التعويذ يعلق قال: إذا كان في قصبة أو رقعة يحرز فلا بأس"(223).

وعن الضحَّاك أنه لم يكن يرى بأساً "أن يعلق الرجل الشيء من كتاب الله إذا وضعه عند الجماع، وعند الغائط"(224). ورخَّص أبو جعفر محمد بن على في التعويذ يعلق على الصبيان(225). وكان ابن سيرين لا يرى بأساً بالشيء من القرآن يعلقه الإنسان(226). وقال الإمام مالك: " لا بأس بتعليق الكتب التي فيها أسماء الله عز وجل على أعناق المرضى على وجه التبرك"(227).

وروى عن الإمام أحمد بن حنبل أنه أجاز ذلك وكان يكتب بخطه، فقد قال المروذى: "شكت امرأة إلى أبى عبد الله أنها مستوحشة في بيت وحدها، فكتب لها رقعة بخطه: بسم الله وفاتحة الكـتاب والمعوذتين وآية الكرسي". وقال: وكتب أبو عبد الله من الحمى؛ بسم الله الرحمن الرحيم، بسـم الله وبالله ومحمد رسول الله (يا نار كوني برداً

222- انظر حاشية ابن عابدين (3/364)-(6/363) والفتاوى الهندية (5/356) والجامع لابن رشد (309) والقوانين لابن جزي (486) والشرح الصغير (4/769) والمعيار المعرب (11/29) واسهل المدارك (7/368) والفتاوى الحديثية لابن حجر (90) والمجموع للنووي (9/56) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/455-459) والدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان لابن تيمية (62).

223- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319)

.224- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).

225- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319)

.226- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).

227- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/319).

وسلاماً على إبراهيم وأرادوا به كيداً فجعلناهم الأخسرين)(228).

"اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل اشف صاحب هذا الكتاب بحولك وقوتك وجبروتك إله الحق آمين".

وقال الميموني: "سألت أبا عبد الله عن التمائم تعلق بعد نزول البلاء؟ قال أرجو أن لا يكون به بأس".

وقال أبو داود: "رأيت على ابن لأبي عبد الله وهو صغير تميمة في رقبته في أديم".

قال الخلال: "قد كتب هو من الحمى بعد نزول البلاء، والكراهة من تعليق ذلك قبل وقوع البلاء. وهو الذي عليه العمل"(229). واستدل من أجاز ذلك بما يلي:

1- ما روى البيهقي-بسنده- عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم أنها قالت: "وليست بتميمة ما علق بعد أن يقع البلاء". وفى رواية: التمائم ما علق قبل نزول البلاء، وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة"(230).

فهو يدل على جواز تعليق التميمة بعد نزول البلاء، وهو موقوف على عائشة رضي الله عنها، لكن له حكم المرفوع.

1- ما روى مسلم في صحيحه عن جابر - في الرقية من العقرب- "من استطاع منكم أن ينفع أخاه فليفعل"(231).

فإذا ثبت النفع بالتعليق فلا بأس من فعله.

228- سورة الأنبياء: (69-70).

229- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/456) والدليل والبرهان على صرع الجن للإنسان (61)

. 230-أخرجه البيهقي في الكبرى (9/350) وقال صحيح والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي

.231-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمة والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده (3/382) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/348) قال الألباني: وفي الحديث استحباب رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز-انظر الصحيح ح(472).

2- ولأن القرآن الكريم مبارك : لقوله تعالى:
(كتاب أنزلناه مبارك)(232).

فتعليقه على الإنسان يحقق البركة له.

القول الثاني: ذهب الإمام أحمد في رواية إلى أن التعليق للتميمة مكروه كراهة شديدة تصل إلى التحريم ، فقد سُئل الإمام أحمد عن تعليق التميمة فقال: "التعليق كله مكروه كان ابن مسعود يتشدد فيه". وهو ما قال به ابن عباس وحذيفة وعقبة بن عامر(233). واسدتلوا لذلك بما يلي:

1- ما روى أبو داود -بسنده- عن عبد الله بن مسعود قال، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الرقى والتمائم والتولة شرك(234).

قالت زوجة عبد الله بن مسعود لزوجها؛ لم تقول هذا؟ والله لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي يرقيني، فإذا رقاني سكنت، فقال عبد الله: إنما ذاك عمل الشيطان كان ينخسها بيده، فإذا رقاها كف عنها، إنما كان يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "اذهب الباس رب الناس اشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"(235).

232- سورة الأنعام: (155).233- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/459).

234- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530) وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائم (9/350). وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288).

235- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3530) وانظر تحفة الأشراف ح(9643) وأخرجه أحمد في مسنده (1/381). والحاكم في مستدركه (4/217) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وأقره الذهبي. وأخرجه البيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب التمائـم (9/350). وانظر صحيح سنن أبو داود للألباني ح(3288).

2- وروى أحمد -بسنده- عن عقبه بن عامر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من علق تميمة فقد أشرك"(236).

فهو يدل على أن من علَّق على نفسه أو على غيره تميمة فقد فعل أهل الشرك(237).

3- وروى الترمذي -بسنده- عن عيسى بن عبد الرحمن بن أبى ليلى، قال: "دخلت على عبد الله بن عكيم أبى معبد الجهني أعوده وبه حمرة فقلنا: ألا تعلق شيئاً؟ قال: الموت أقرب من ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: من تعلق شيئاً وكل إليه"(238).

فهو يدل على عدم جواز تعليق التميمة، لأن الله تعالى لم يشفه بذلك، وإنما يوكل شفاءه إلى ذلك الشيء فلا يحصل الشفاء.

4- روى الإمام أحمد -بسنده- عن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"(239).

236- أخرجه أحمد في مسنده (4/156) وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقاب (5/103). وأخرجه الحاكم في مستدركه (4/219) وسكت عنه وكذلك الذهبي. قال الألباني: وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقاب رجال مسلم غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ليلي المصري وثقة يعقوب بن سفيان وابن حبان وصحح له الحاكم (4/384) وقد أخرجه (4/219) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور- انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح(492).

237- انظر فيض القدير للمناوي (6/180).

238-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية التعليق ح(2079) وقال: وفي الباب عن عقبة بن عامر: قال المبارك فوري في التحفة (6/201) وحديث عقبة بن عامر أخرجه أحمد وأبـو يعلي والطبراني بمعناه. قال الهيثمي في المجمـع: رجاله ثقات. وأخـرجه أحمد في مسنده (4/310- 311) والحاكم في مستدركه (4/216) وسكت عنه هو والذهبي. والبغوي في شرح السنة (12/160) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1691)

.239-أخرجه أحمد في مسنده (4/154) والهيثمي في المجمع (5/103) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم ثقات. والحاكم في مستدركه (4/216) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. والحديث حسن لغيره- راجع الترغيب للمنذري وهامشه (4/202-203) ح(5064) و(5065) و(5066) بتحقيق محي الدين مستو وآخرين. وانظر تحفة الأحوذي (6/201) والضعيفة للألباني ح(1266).

والراجح ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من جواز تعليق ما فيه ذكر الله، فإنه إنما جُعل للتبرك والتعوذ، ومن وكل إلى ذكر الله وأسمائه أخذ الله بيده. وأما أحاديث النهي عن التعليق فهي محمولة على تعليق تمائم الجاهلية التي يظن بها أنها تجلب الخير وتدفع الشر، فإن ذلك حرام، والحرام لا شفاء فيه، وكذا تمائم العرّافين والكُهان التي يكتب فيها غير القرآن.

ثالثا : تعاطى ماء الرقية والسوائل المقروء عليها:

من الطرق المستعملة في العلاج بالرقى والتمائم أن يكتب في ورقة أو إناء نظيف سوراً من القرآن، أو آيات منه، أو الأذكار، أو أسماء الله تعالى؛ ثم يغسله بالماء، فيَغتسل بالماء أو يشربه ويمسح جسده بها. أو أن يقرأ آيات من القرآن على ماء أو زيت فيتعاطاه المريض. وأُطلق على ذلك "النشرة" فهل يجوز ذلك؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية وأحمد في رواية إلى جواز ذلك(240). وبه قال بعض السلف فذُكر عن ابن عباس أنه أمر أن يكتب لامرأة يعسر عليها ولادها آيتان من القرآن يغسل ويسقى.

وقال أيوب "رأيت أبا قلابة كتب كتاباً من القرآن، ثم غسله بماء وسقاه رجلاً كان به وجع"(241). وعن محمد بن مروان عن أبى جعفر قال: "من وجد في قلبه سوءاً فليكتب "يس" في جام بزعفران ثم يشربه". وعن مجاهد قال: "لا بأس أن يكتب القرآن ثم يغسله ويسقي المريض"(242).

240- انظر حاشية ابن عابدين (6/364) وأسهل المدارك للكشناوي (3/367) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/318) والفتاوى الحديثية لابن حجر (90) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/456) والدليل والبرهان لابن تيمية (61).

341- انظر الطب النبوي لابن القيم (170-171)

. 342- انظر نوادر الأصول للحكيم الترمذي (333).

وقال الإمام عبد الله المروزي: "لا بأس بالتداوي بالنشرة، تكتب في ورق أو إناء نظيف سور من القرآن، أو بعض سور، أو آيات متفرقة من سورة، أو سور، مثل آيات الشفاء … ثم قال: وما زال الأشياخ من الأكابر رحمة الله عليهم يكتبون الآيات من القرآن والأدعية فيسقونها لمرضاهم ويجدون العافية"(243).

قال صالح بن أحمد بن حنبل ربما اعتللت فيأخذ أبى قدحاً فيه ماء، فيقرأ عليه ويقول: اشرب منه واغسل وجهك ويديك.

ونقل عبد الله بن أحمد بن حنبل أنه رأى أباه يعوّذ في الماء ويقرأ عليه ويشربه، ويصب على نفسه منه. قال عبد الله: ورأيته قد أخذ قصعة النبي صلى الله عليه وسلم فغسلها في جب الماء ثم شرب فيها.

ورأيته غير مرة يشرب ماء زمزم فيستشفي به، ويمسح به يديه ووجهه. وقال يوسف بن موسى إن أبا عبد الله كان يؤتى بالكوز ونحن بالمسجد فيقرأ عليه ويعوذ.

وقال أحمد: "يكتب للمرأة إذا عسر عليها ولادها في جام أبيض، أو شيء نظيف: بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين".

(كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلاّ ساعة من نهار بلاغ)(244).

(كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها)(245).

ثم تسقى منه وينضح ما بقى على صدرها(246).

واستدلوا لذلك بما يلي:

1- ما روى ابن السني -بسنده- عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا عسر على المرأة ولادها أخذ إناء لطيفاً (نظيفاً) يكتب فيه:

343- انظر المدخل لابن الحاج (4/121) وأسهل المدارك للكشناوي (3/367).

244- سورة الأحقاف: (35)

.245-سورة النازعات: (46)

. 246-انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (2/456-457).

(كأنهم يوم يرون ما يوعدون .. إلى آخر الآية)… و (كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها) و(لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب)… إلى آخر الآية. ثم يغسل ويسقى المرأة منه وينضح على بطنها وفرجها"(247).

2- ما روي عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقرأ بالمعوذتين في إناء، ثم تأمر أن يصب على المريض(248).

3- ولأن القرآن الكريم مبارك ، والبركة تلحق كل شيء تلاقيه من ماء وغيره، فيكون الماء مباركاً ببركة القرآن الكريم، فيقع بذلك الماء الشفاء إن شاء الله تعالى.

القول الثاني: ذهب أحمد في رواية الخلال إلى عدم جواز التداوي بغسالة الرقية، وهو ما ذهب إليه الحسن البصري وإبراهيم النخعي(249). واستدلوا لذلك بما روى عن الحسن البصري قال: سئل أنس عن النشرة فقال: "ذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عنها فقال: هي من عمل الشيطان"(250). والراجـح ما ذهب إليه

247- قال شيخ الإسلام ابن تيمية: يجوز أن يكتب للمصاب وغيره من المرضى شيئاً من كتاب الله بالمداد المباح ويغسل ويسقى كما نص على ذلك أحمد وغيره. وروى الإمام أحمد علاج عسر الولادة عن ابن عباس (ر) وقال: يكتب في إناء نظيف فيسقى. قال عبد الله بن الإمام أحمد: رأيت أبي يكتب للمرأة في جام أو شيء نظيف- انظر فتاوى أبي تيمية (19/64) وزاد المعاد لابن القيم (4/358) والأثر موقوف علي ابن عباس(ر) ولم يرفعه إلى النبي (صلى الله عليه وسلم)

. 248 - انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/318).

249- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/318) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/456)

. 250- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في النشرة ح(3868) وأحمد في مسنده (3/294) والهيثمي في مجمعه (5/102) وقال رواه البزار والطبراني في الأوسط ورجال البزار رجال الصحيح. وأخرجه ابن أبي شيبه في مصنفه (7/387) وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ح(3277).

أصحاب القول الأول من جواز تعاطي ماء الرقية والسوائل المقروء عليها، لأنه استعمال لسائل اختلط بشيء له فضل، وهذا له أصل في السنة؛ فقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يتبركون بفضلة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم ينفث على الرقية ويمسح بها المريض. أما الحديثان اللذان استدل بهما المجيزون فقد بحثت عنهما فلم أجد من ذكرهما في كتب السنة المعتبرة.

وأما حديث "النشرة" الذي استدل به المانعون فيحمل على ما إذا كانت النشرة مخالفة لما في القرآن والسنة، أو على النشرة المعروفة عند أهل السحـر والتعزيم- كما قال البيهقي: "القول فيما يكره من النشرة، وفيما لا يكره- كالقول في الرقية(251).

251- انظر السنن الكبرى للبيهقي (9/351).

المبحث الثالث

ضوابط التداوي بالرقى والتمائم

لكي تؤتى الرقى ثمارها المرجوة، وهي تحقيق الشفاء للمريض؛ لا بد من مراعاة الضوابط الشرعية- عند استعمالها- في كل من الرقية، والراقي، والمرقى.

المطلب الأول: الضوابط الشرعية للرقية. بينا سابقاً أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب ممن كانوا يرقون قبل الإسلام أن يعرضوا عليه رقاهم للنظر في إقرارها واعتبارها شرعية. فما الضوابط التي ينبغي أن تقيد الرقية بها حتى تكون شرعية؟

أولاً: أن يكون للرقية أصل في القرآن أو السنة:

اتفق الفقهاء على أنه يشترط في الرقية أو التميمة أن يكون لها أصل في القرآن أو السنة. بأن تكون موافقة لهما(252). فتجوز الرقية بآية أو آيات من كتاب الله تعالى، أو باسم من أسمائه، أو بصفة من صفاته، أو بذكر الله تعالى أو دعائه الذي ورد في القرآن أو السنة.

ويؤيد ذلك ما روى مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: "جاء آل عمرو بن حزم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالوا: يا رسول إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، وإنك نهيت عن الرقى. قال: فعرضوها عليه. فقال: ما أرى بأساً من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلينفعه"(253).

252- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) والشرح الصغير للدردير (4/768) والجامع من المقدمات لابن رشد (307) والمجموع للنووي (9/54) وفتح الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735) والآداب الشرعية لابن مفلح (1/455).

253- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب الرقية من العين والنملة والحمه والنظرة ح(2199) وأحمد في مسنده (3م382) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية (9/348) قال الألباني: وفي الحديث رقية المسلم لأخيه المسلم بما لا بأس به من الرقى، وذلك ما كان معناه معروفاً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز- انظر الصحيح ح(472).

فقد طلب النبي صلى الله عليه وسلم من آل عمرو بن حزم أن يعرضوا عليه رقاهم ليرى هل هي موافقة لما جاء به من القرآن أو لا. فأقرها لأنها موافقة. وقال لهم: "ما أرى بأساً".

وروى الترمذي عن أبى سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ ويقول: "أعوذ بالله من الجان ومن عين الإنسان، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما"(254).

وقال الربيع سألت الشافعي عن الرقى فقال: "لا بأس إن رقى بكتاب الله، أو بما يعرف من ذكر الله"(255).

أما إذا لم يكن للرقية أو التميمة أصل في القرآن أو السنة، أو لم تكن موافقة لهما، فيحرم التداوي بها؛ فلا يجوز التداوي بالرقى اليهودية والنصرانية المخالفة لما في القرآن والسنة، ولا يجوز التداوي بتعليق خرزة زرقاء، أو حلقة من حديد أو نحاس أو خزف، ولا بتراب قبر ولي، أو بتعليق قطعة سترة تابوت ولي، أو بالشرب من ماء طاسة الضربة "الرجه"، أو غير ذلك من الخرافات التي ورثها الناس عن الشعوب الجاهلية؛ مما لا يوجد له أصل في القرآن والسنة.

والقرآن الكريم كله شفاء يصح التداوي بأية سورة منه، أو آية منه؛ لقوله تعالى: (وننزل من القرآن ما فيه شفاء ورحمة للمؤمنين)(256). وهنا "من" الآية للبيان، وليست للتبعيض، لأنه يلزم من كونها للتبعيض أن بعض القرآن لا شفاء فيه، وهو ليس كذلك(257).

254- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا حديث حسن غريب والنسائي في سننه: كتاب الاستعاذة من عين الجان ح(5509) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3511) وانظر تحفة الأشراف ح(4327) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681).

255-انظر فتح الباري لابن حجر(10/195) ش ح(5735)

. 256- سورة الإسراء: (82).257- انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/315).

لكن الأولى تحرى الآيات والسور التي ورد استعمالها في الرقى والتعوذات، لإعطاء نتائج سريعة. ومن ذلك:

1- فاتحة الكتاب.

2- المعوذات (قل هو الله أحد …، قل أعوذ برب الفلق… ، وقل أعوذ برب الناس…)

. 3- آية الكرسي (البقرة 255)

. 4- أســـماء الله تعالى وصفاته

. 5- آيات الأدعـــية والأذكــار.

وفى الســنة النبوية وردت تعــوذات لكثير من الأمراض تنظر في مواضعها من كــتب الأحاديث. وكان النبــي صلى الله عليه وسلم يكثر من اســتعمال هذه الرقيــة: "اللهــم رب الناس اذهب الباس اشــف أنت الشافي لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر ســـقماً"(258). وكان صلى الله عليه وسلم إذا مرض رقاه جبريـل عليه الســلام فقال: "باسـم اللـه يبريك، من كل داء يشـفيك ، ومن شـــر حاســـد إذا حســد، وشر كل ذي عيـن".

258- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف ح(17638) وأخرجه احمد في مسنده (3/267) و(04/259) و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحة جمعتها في كتاب الأذكار. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180).

وفى رواية قال جبريل: "باسم الله أرقيك من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، الله يشفيك، باسم الله أرقيك"(259).

ثانياً: أن لا تتضمن الرقية شركاً.

الشرك لغة: من أشرك بالله إذا كفر به فهو مشرك(260). وشرك الإنسان في الدين ضربان(261).

الأول: الشرك العظيم، وهو إثبات شريك لله تعالى. يقال أشرك فلان بالله وذلك أعظم كفر. قال تعالى:

(إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً)(262).

وهذا الضرب أنواع وهى:

1- شرك الاستقلال: وهو إثبات إلهين مستقلين كشرك المجوس

. 2- شرك التبعيض: وهو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى.

3- شرك التقريب: وهو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى، كشرك متقدمي الجاهلية.

259- أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى ح(2186) والترمذي في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في التعوذ للمريض ح(974) وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب ما عوذ به النبي (صلى الله عليه وسلم) وما عوذ به ح(3523) وانظر تحفة الأشراف ح(4363) وأخرجه أحمد في مسنده (3/28-56) والنسائي في اليوم والليلة ح(1005) قال النووي هذا تصريح بالرقى بأسماء الله تعالى وفيه توكيد الرقية والدعاء وتكريره، وقوله من شر كل نفس قيل: يحتمل أن المراد بالنفس نفس الأدمي وقيل يحتمل أن المراد بها العين فإن النفس تطلق على العين ويقال رجل نفوس إذا كان يصيب الناس بعينه. انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/170).

260- انظر المصباح المنير الفيومي (1/423).

261- انظر تقسيم الشرك في: المفردات للراغب الأصفهاني (259)، بصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي 3/313، الكليات لأبي البقاء (3/70)

.262- سورة النساء: (116).

4- شرك التقليد: وهو عبادة غير الله تبعاً للغير، كشرك متأخري الجاهلية.

5- شرك الأسباب: وهو إسناد التأثير للأسباب العادية، كشرك الفلاسفة والطبائعيين ومن تبعهم على ذلك، فمن قال في الأسباب العادية: إنها تؤثر بطبعها فقد كفر. بخلاف من قال: إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فلا يكفر وإنما يعتبر فاسقاً(263).

الثاني: الشرك الأصغر، وهو مراعاة غير الله معه في بعض الأمور، وهو الرياء والنفاق المشار إليه بقوله تعالى:

(جعلا له شركاء فيما آتاهما)(264).

فينبغي أن تخلو الرقية والتميمة من أي نوع من أنواع الشرك(265). كما روى عن عوف بن مالك الأشجعي قال: كنا نرقى في الجاهلية، فقلنا: يا رسول الله كيف ترى ذلك؟ فقال: "اعرضوا علي رقاكم. لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"(266).

وبناء على ذلك، لا يجوز التداوي بكل رقية أو تعزيم أو قسم فيه شرك بالله، وإن أطاعته به الجن أو غيرهم، وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التداوي به(267). ولا تجوز الاستعانة بالودع والخرز وغير ذلك لكشف الضر وعلاج المرضى، لقوله تعالى:

263- انظر تقسيم الشرك في: المفردات للراغب الأصفهاني (259) وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (3/313) والكليات لأبي البقاء (3/70).

264- سورة الأعراف: (190).

265-أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك ح(2200) وأبو داود في سننه: كتاب الطب باب ما جاء في الرقى ح(3886) والحاكم في مستدركه (4/212) وقال وهذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. والطبراني في الكبير (18/49) والبيهقي في الكبرى: كتاب الضحايا: باب إباحة الرقية ح(9/349)

.266-انظر الاستذكار لابن عبد البر (26/34) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (20/458) والآداب الشرعية (2/457)

.267- انظر شرح العقيدة الطحاوية (570) وكتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب ضمن مجموعة التوحيد (236).

(قل أرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره)(268).

وروى الإمام أحمد -بسنده- عن عمران بن الحصين رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً في يده حلقة من صفر، فقال: ما هذا؟، قال: من الواهنة. فقال: انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهناً، فإنك لو مت وهي عليك ما أفلحت أبدً"(269).

ولا يجوز التداوي برقى تتضمن الاستغاثة بالموتى الذين انقطع عملهم ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، كما روى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"(270). ثالثاً: أن لا تتضمن الرقية سحراً.

السحر في اللغة: من سحر يسحر سحراً، بمعنى صرف الشيء عن وجهه. ويطلق على أربعة أمور وهى: الأول: ما لصق بالحلقوم والمريء من أعلى البطن ويقال له الرئة. والثاني: الخداع والشبهة، أو إخراج الباطل في صورة الحق. والثالث: الوقت: وهو السَّحر أو الصبح. والرابع: كل ما لطف مأخذه ودق، فيقال في الشيء الشديد الخفاء أخفى من السحر(271).

والسحر في الاصطلاح يطلق على ثلاثة معان وهي:

268- سورة الزمر: (38)

. 269-أخرجه ابن ماجة في سنن: كتاب الطب: باب تعليق التمائم ح(3531) واحمد في مسنده (4/445) والهيثمي في المجمع (5م1039)، وقال: رواه احمد والطبراني وفيه مبارك بن فضالة وهو ثقة وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. وحسن البوصيري في الزوائد إسناده- ورد الألباني تحسينه وحكم بضعفه. انظر ضعيف سنن ابن ماجة للألباني ح(772) والضعيفة للألباني (1029).

270-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب صفة القيامة: باب (59) ح(2524) وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأحمد في مسنده (1/293) والطبراني في الكبير (11/123) ح(11243) وابن السني في عمل اليوم والليلة ح(425) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(2043) والسنة لابن أبي عاصم ح(316)

. 271- انظر مجمع مقاييس اللغة لابن فارس (3/138) والمصباح المنير للفيومي (1/364).

الأول: الخداع، وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يفعله بخفة يد، وما يفعله النمام بقول مزخرف عائق للأسماع. وعلى ذلك قوله تعالى:

(سحروا أعين الناس واسترهبوهم)(272).

وقوله تعالى:

(يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى)(273).

والثاني: استجلاب معاونة الشيطان بضرب من التقرب إليه. قال تعالى:

(هل أنبئكم على من تـنزل الشياطين، تـنزل على كل آفاك أثيم)(274).

وقال تعالى:

(ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر)(275).

والثالث: ما يذهب إليه "الذين لا يفصحون ولا يبلون" وهو اسم لفعل يزعمون أنه من قوته يغير الصور والطبائع، فيجعل الإنسان حماراً. ولا حقيقة لذلك عند المحصلين(276).

فالذي يعنينا في بحثنا هو النوع الثاني، وهو الذي يعتمد الساحر في رقاه على الجن والشياطين. وقد اتفق العلماء على منع التداوي بالرقى التي تتضمن السحر كالعقد والعزائم والطلسمات التي تشتمل على أسماء معينه، يزعم السحرة أنها ملائكة وكلهم سليمان بقبائل الجان، فإذا أقسم على صاحب الاسم ألزم الجن بما يريد.

وبعضهم يقسم على أسماء خاصة يزعمون أن لها تعلقاً بالكواكب تجعل في أجسام من المعادن أو غيرها، ويزعمون أنها تحدث آثاراً خاصة(277).

272- سورة الأعراف: (116).

273- سورة طه: (66

).274-سورة الشعراء: (221-222).

275- سورة البقرة: (102)

. 276- انظر المفردات للراغب (226) وبصائر ذوي التمييز للفيروز آبادي (3/198).

277- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) وأسهل المدارك (3/366) والفروق للقرافي (4/147) والمجموع للنووي (9/56) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/455).

ومما يؤيد منع هذه الرقى، وما يقوم به السحرة من أعمال السحر قوله تعالى: (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا، إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى)(278). وقولـه صلى الله عليه وسلم: "اجتنبوا السبع الموبقات. قيل يا رسول وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحـر، وقتل النفـس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل مال اليـتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمــنات"(279).

وقال ابن حجر في الحكمة من منع تلك الرقى "يدعي تسخير الجن له ، فيأتي بأمور مشتبهة مركبة من حق وباطل يجمع إلى ذكر الله وأسمائه ما يشوبه من ذكر الشياطين والاستعانة بهم والتعوذ بمردتهم"(280).

ولا يصل الساحر إلى مرحلة الاستعانة بالشياطين إلا بعد أن يتنازل عن عقيدته ودينه، وأن يتفانى في طاعة الشياطين، فيعصى الله تعالى ويعبد ما سواه. فقد كان يعيش في أوائل هذا القرن ساحر بالوجه القبلي من مصر، وكان يطلب من أعيان الناس أن يلقوا خواتمهم في البحر، فإذا فعلوا أعادها إليهم، وكان يأتي بعجائب أكثر من ذلك. فلما مات أراد ابنه أن يزاول صنعته، فنهته أمه عن ذلك ، فلما سألها عن السبب، فتحت "دولاباً وأخرجت منه صنماً وقالت له: إن أباك كان يسجد لهذا الصنم لكي تساعده الشياطين على إظهار العجائب؛ فلا تكفر كما كفر أبوك(281).

وقد لاحق المحتسبون السحرة في كل مكان في المجتمع الإسلامي ومنعوهم من كتابة الرقى السحرية: كالعقد والعزائم، وأوقعوا بهم أشد العقوبات. قال ابنالأخوة

278- سورة طه: (69).

279- أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الوصايا: باب قول الله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا)-النساء 10-ح(2766) ومسلم في صحيحه: كتاب الإيمان: باب بيان الكبائر وأكبرها ح(145) وأبو داود في سننه: كتاب الوصايا: باب اجتناب آكل مال اليتيم ح(3673) وانظر تحفة الأشراف ح(12915)

. 280- انظر فتح الباري لابن حجر (10/196)ش ح(5735).281- انظر هادي الأرواح لمصطفى محمد الطير (90).

"ويلزمهم بالقسامة أنهم لا يكتبون لأحد من الناس شيئاً من الروحانيات مثل: محبة، وتهييج، ونزيف، ورمد، وعقد لسان، وغير ذلك؛ فإن السحر حرام فعله، ومتى وجد أحداً يفعل ذلك عزره ليرتدع به غيره(282).

رابعاً: أن تكون الرقية بلغة مفهومة المعنى.

اتفق الفقهاء على أنه يشترط في الـرقية أن تكون بلغة مفهومة المعنى(283). فيقرأ على العربي بلغة عربية. ولذا لا تصح الرقية بلغة أعجمية أو عبرية أو غير ذلك من اللغات. كما لا تصح الرقية بالدعوات المجهولة التي لا تعرف لها حقيقة ولا أصل، وإنما يزعم أهلها أنها من الدعوات المستجابة.

ومن ذلك: لمخيثا وشمخيثا وباغليهوش، كشهشطليوس، قطيهوج وطحير طمحيليال، برهيم، يالوش، هميالوش، طياروش، طلوش، طلش، عجريش، وهليش، مراهيش(284).

ويدل على منع التداوي بتلك الرقى قول النبي صلى الله عليه وسلم لمن كان يرقي قبل الإسلام: "اعرضوا على رقاكم؛ لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك"(285).

قال ابن حجر: "دل الحديث أنه ما كان من الرقى يؤدى إلى الشرك يمنع، وما لم يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدي إلى الشرك، فتمنع احتياطاً"(286).

282- انظر معالم القربة في أحكام الحسبة لابن الأخوة (276)

. 283- انظر حاشية ابن عابدين (6/363) ونصاب الاحتساب للسنامي (250) والقوانين لابن جزي (486) والجامع لابن رشد (309) والشرح الصغير للدردير (4/769) والمعيار المعرب (11/87) وفتاوى العزبن عبد السلام (341) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/455-459).

284- انظر الإبداع في مضار الابتداع لعلى محفوظ (425)

. 285- أخرجه مالك في الموطأ (2/272 التمهيد). ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب لا بأس بالرقى مالم يكن فيه شرك ح(2200). وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ح(3886). والطبراني في الكبير (18/49). والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: باب اباحة الرقية (9/349)

.286-انظر فتح الباري لابن حجر (10/195) ش ح(5735).

وقال ابن عابدين: "إنما تكره العوذة إذا كانت بغير لسان العرب ولا يدرى ما هو ولعله يدخله سحر أو كفر أو غير ذلك"(287).

وقال ابن تيمية: "نهي علماء المسلمين عن الرقي التي لا يفقه معناها لأنها مظنة الشرك، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك"(288).

وسبب منع الرقى إذا كانت باللغة الأعجمية، أو بما لا يدرى معناه أنها مظنة الشرك بالله تعالى والسحر؛ فتمنع تلك الرقى وإن لم يعرف الراقي أنها شرك أو سحر، ولا يجوز للمريض استعمالها والتداوي بها.

خامساً: أن تكتب الرقية أو التميمة بطاهر.

إذا كانت الرقية مكتوبة في ورقة، فلابد أن تكتب بمادة طاهرة كالحبر، والزعفران، وبعض الأصباغ. فلا يجوز أن يكتبها بما هو نجس كالدم، والبول، والغائط؛ لأن كلام الله تعالى وأسماءه وصفاته ينبغي أن تـنزه عن ذلك.

قال ابن تيمية: "لا يجوز كتابتها بدم كما يفعله الجهال، فإن الدم نجس، فلا يجوز أن يكتب به كلام الله"(289).

المطلب الثاني: الضوابط الشرعية للراقي.

لما كانت الرقى والتمائم (الطب الروحاني) على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء للمرضى بإذن الله تعالى، فلما عز هذا النوع، لجأ الناس إلى الطب الجسماني. فما هي الضوابط الشرعية التي ينبغي مراعاتها في الراقي؟ أولاً: أن يكون الراقي مسلماً.

يشترط فيمن يعالج المرضى بالرقى والتمائم أن يكون مسلماً فلا يجوز لغير المسلم أن يعالج بها عند الإمام مالك بن أنس في رواية(290).

287-انظر حاشية ابن عابدين (6/363)

.288-انظر إيضاح الدلالة لابن تيمية ضمن مجموعة الرسائل المنيريه (2/103).

289- انظر الآداب الشرعية لابن مفلح (1/457)

.290- انظر المنتقى للباجي (7/258) وأسهل المدارك للكشناوي (3/367).

لأن غير المسلم سواء أكان يهودياً أم نصرانياً لا يعلم بحقيقة الرقى الإسلامية التي توافق كتاب الله تعالى وسنة نبيه، وإذا مارس هذا العمل سيرقي بكتابه من التوراة، أو الإنجيل، أو بالسحر. فإذا رقى بكتابه فلا يجوز، لأن ذلك

الكتاب دخله التحريف؛ بدليل قوله تعالى:

(من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا)(291).

وقال تعالى:
(فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم وجعلنا قلوبهم قاسية يحرفون الكلم عن مواضعه ونسوا حظاً مما ذكروا به)(292).

وقد يقع التبديل لكتب أهل الكتاب بغير قصد بسبب ترجمتهم لكتبهم من لغة إلى لغة كما هو معلوم من حالهم بالضرورة. ومن المعلوم أن إبدال كلام الله بغير اللفظ الذي أنزل به ممنوع؛ لما يؤدى له من تغيير المعاني الكثيرة، وانتهاك حرمته وعظمته، وحينئذ لم تبق فائدة في رقاهم ألبتة(293). وإذا رقى غير المسلم بالسحر فلا يجوز، كما بينت عند الضوابط الشرعية للرقية.

وقد خالف في ذلك الإمام الشافعي فأجاز لغير المسلم أن يرقى المسلم(294). وهو رواية ثانية للإمام مالك رواها عنه ابن وهب(295). كما روى الإمام مالك عن عمرة بنت عبد الرحمن أن أبا بكر الصديق دخل على عائشة، وهى تشتكي ويهودية ترقيها، فقال أبو بكر: "ارقيها بكتاب الله"(296).

291- سورة النساء: (46)

.292- سورة المائدة: (13).

293- انظر زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم للشنقيطي (4/83)

. 294- انظر المجموع للنووي (9/56) وفتح الباري لابن حجر (10/197) ش ح(5735) والإفادة لما جاء في المرض والعيادة لابن حجر الهيتمي (77).

295- انظر الجامع لابن رشد (309) والمنتقى للباجي (7/258)

.296- انظر فتح الباري لابن حجر (10/196-197) ش ح(5735).

والذي أميل إليه ما ذهب إليه الإمام مالك وهو اشــتراط الإسلام في الراقي، فلا يجوز للمسلم أن يقصد غير المسلم من أجل الرقية بعد أن استقر الطب الروحاني عند المسلمين وتحددت معالمه في القرآن الكريم، وبين النبي صلى الله عليه وسلم بفعله وقوله. حتى قال أبو سعيد الخـدري رضـي الله عنه: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلك يتعوَّذ من الجان وعين الإنسان حتى نزلت المعوذتان، فلمّا نزلتا أخذ بهما وترك ما سواهما"(297). وأمّا ما روي عن أبي بكر فهو محمول على أنه كان في بداية الإسلام، وقبل تحديد معالم الطب الروحاني الإسلامي. أمّا بعد استقراره فلا يجوز للمسلم أن يسترقي بما عند غير المسلمين من رقى.

ثانياً: أن يكون الراقي عدلاً في دينه.

نبه كثير من العلماء إلى ضرورة تحقق العدالة والصلاح في الراقي الذي يرقى بذكر الله تعالى وأسمائه وصفاته، لأن الشفاء الذي يأذن به الله تعالي يحصل على لسان الراقي الصالح. دون الطالح. قال ابن التبين: "الرقى بالمعوذات وغيرها من أسماء الله هو الطب الروحاني إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشفاء بإذن الله"(298). وقال الخطابي: "الرقية التي أمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم هو ما يكون بقوارع القرآن وبما فيه ذكر الله على ألسن الأبرار من الخلق الطاهرة النفوس وهو الطب الروحاني. وعليه كان معظم الأمر في الزمان المتقدم الصالح أهله. فلما عزّ وجود هذا الصنف من أبرار الخليقة مال الناس إلى الطب الجسماني، حيث لم يجدوا للطب الروحاني نجوعاً في الأسقام، لعدم المعاني التي كان يجمعها الرقاة المقدمة من البركات"(299). ولأن لنفس الراقي أثراً في نفس المرقي، فالنفس الصالحة الطيبة إذا التقت بنفس المريض (المرقي) حصل بينهما فعل وانفعال، كالذي يحصل بين الداء والدواء؛ فإذا أصاب الدواء الداء برئ.. بإذن

297- أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقية بالمعوذتين ح(2065) وقال: هذا حديث حسن غريب. والنسائي في سننه: كتاب الاستعاذة: باب الاستعاذة من عين الجان ح(5509). وابن ماجة في سننه: كتاب الطب: باب من استرقى من العين ح(3511). وانظر تحفة الأشراف ح(4327). وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1681).

298- انظر فتح الباري لابن حجر (10/198) ش ح(5736)

.299- انظر عمدة القاري للعيني (17/403).

الله تعالى. قال ابن القيم: "ونفس الراقي تفعل في نفس المرقي فيقع بين نفسيهما فعل وانفعال، كما يقع بين الداء والدواء، فتقوى نفس المرقى وقوته بالرقية على ذلك الداء فيدفعه بإذن الله. ومدار تأثير الأدوية والأدواء على الفعل والانفعال، وهو كما يقع بين الداء والدواء الطبيعيين؛ يقع بين الداء والدواء الروحانيين(300). ومما يؤيد ذلك تبرك الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يؤتى إليه صلى الله عليه وسلم بالمرضى وأصحاب العاهات والمجانين فيمسح عليهم بيده الشريفة، فيزول ما بهم من مرض وجنون وعاهة(301). ووضع يده الشريفة صلى الله عليه وسلم على يد حنظلة بن حذيم وبرَّك عليه فكان حنظلة يؤتى بالرجل الوارم وجهه، أو الشاة الوارم ضرعها، فيقول: "بسم الله" على موضع كف رسول الله، فيمسحه فيذهب الورم(302).

وحقيقة عدالة الراقي: هي صفة في الإنسان تحمله على أداء ما وجب عليه من فرائض وواجبات: كالقيام بالصلاة، والصيام، والزكاة، والتحلي بالأخلاق الفاضلة من صدق وأمانة وتقوى ومروءة، كما تحمله على اجتناب الكبائر من شرك بالله، وسحر، وكذب، وبدعة مكفرة، وإصرار على صغائر الذنوب، وتجنب ما فيه خسة من التصرفات(303).

فإذا ترك شيئاً مما وجب عليه، أو أتى شيئاً مما يجب عليه اجتنابه؛ فليس بعدل ولا يجوز للمسلم أن يسترقيه؛ لأنه غير أهل أن يجري الله على يديه الشفاء بالرقى والتمائم. ولذا لا يجوز استرقاء العصاة والسحرة والكهنة والعرافين أو منيستعمل وسائلهم.

كما نبه إلى ذلك الإمام مالك وبينه الباجي: "كأن يرقى وفى يده حديدة، أو ملح، أو عقد في خيط؛ ووجه ذلك عند الباجي- أنه لم يعرف وجه منفعته فإنه يكره استعماله لما يضاف إليه"(304).

ومما يدل على عدم جواز استرقاء الكهنة والعرافين ما روى البخاري -بسنده- عن عائشة رضي الله عنها قالت: "سأل ناس رسول صلى الله عليه وسلم عن الكهان؛ فقال: ليس بشيء. فقالوا: يا رسول الله إنهم يحدثوننا أحياناً بشيء فيكون حقاً. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه، فيخلطون معها مائة كذبة"(305). فهو يدل على النهي عن إتيان الكهان.

قال القرطبي: "يجب على من قدر على ذلك من محتسب وغيره أن يقيم من يتعاطى شيئاً من ذلك من الأسواق، ويُنكِّر عليهم أشد النكير وعلى من يجيء إليهم، ولا يغتر بصدقهم في بعض الأمور، ولا بكثرة من يجيء إليهم ممن ينسب إلى العلم فإنهم غـير راسخين فـي العـلم، بل من الجهـال بما في إتيانهم من المحذور" (306). وروى مســلم -بســنده- عن صفية عن بعض أزواج النبـي صلى الله عليه وسلم قال: "من أتى عرافاً فســأله عن شيء، لم تقبل له صــلاة أربعيـن ليلة"(307).

304-انظر المنتقى للباجي (7/258)

.305-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب الكهانة ح(5762) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ح(2228) وانظر تحفة الأشراف ح(17349)

.306-انظر فتح الباري لابن حجر (10/221) ش ح(5762).

307-أخرجه مسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب تحريم الكهانة وإتيان الكهان ح(2230) وأحمد في مسنده (4/68) و (5/380) والبيهقي في الكبرى: كتاب النكاح: باب إتيان النساء في أدبارهن (7/198).

وفى رواية لأبى داود قال صلى الله عليه وسلم: "من أتى كاهناً فصدقه بما يقول فقد بريء مما أنزل الله على محمد"(308).

حل السحر بالسحر.

قد يتبادر إلى الذهن سؤال وهو: هل يجوز لمن سُحر أن يأتي السحرة والكهان لحل السحر عنه؟

اتفق الفقهاء على أن السحر يحل بالرقى والتمائم الشرعية، واختلفوا في جواز حل السحر بالسحر.

القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من المالكية في قول، والحنابلة في قول وابن القيم من الحنابلة إلى عدم جواز إتيان الكُهّان والعرافين لحل السحر بالسحر. وهو منقول عن ابن مسعود، والحسن البصري، ومحمد بن سيرين. واستدلوا لذلك بعموم الأدلة التي تنهى عن إتيان الكهان والعرافين. فقد روي عن الحسن البصري أنه قال: "لا يحل السحر إلا ساحر". وروى عن محمد بن سيرين، أنه سئل عن امرأة يعذبها السحرة فقال رجل: أخط خطا عليها وأغرز السكين عند مجمع الخط وأقرأ القرآن. فقال محمد بن سيرين ما أعلم بقراءة القرآن بأساً، وما أدري ما الخط والسكين"(309).

308- أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في الكاهن ح(3904) والترمذي في سننه: كتاب الطهارة: باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض ح(135). وقال لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأشرم عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي هريرة. وابن ماجة في سننه: كتاب الطهارة: باب النهي عن إتيان الحائض ح(639) وانظر تحفة الأشراف (13536) وأخرجه أحمد في مسنده (2/408-476) والبيهقي في الكبرى (7/198) والطحاوي في شرح معاني الآثار (3/44) وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي ح(116)

309-انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (2/49) والتاج والإكليل لمختصر خليل للمواق مع مواهب الجليل (6/256) والمغنى لابن قدامة (8/154) وفتح الباري لابن حجر (10/233) ش ح(5765) وعمدة القاري للعيني (17/224).

القول الثاني: ذهب المالكية في قول، والحنابلة في قول إلى جواز حل السحر بالسحر للضرورة، وهو مروي عن سعيد بن المسيب.

وتوقف فيه الإمام أحمد. قال ابن قدامة: "توقف أحمد في الحل، وهو إلى الجواز أميل(310). وروى البخاري عن قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته أيحل عنه أو ينشر؟ قال: لا بأس إنما يريدون به الإصلاح فإن ما ينفع لم ينه عنه"(311).

والراجح عدم جواز حل السحر بالسحر، لأن حله بالرقى الشرعية ممكن. فلا يصار إلى الحرام مع وجود المشروع ولو للإصلاح والضرورة، لأن الضرورة تكون في حالة عدم وجود طريقة مشروعة.

ثالثاً: أن يعتقد الراقي أن الله هو الشافي.

اتفق العلماء على أنه ينبغي على الراقي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الشافي هو الله سبحانه وتعالى، وأن الرقية لا تؤثر بذاتها، بل بإذن الله تعالى وقدرته، لأن الذي أنزل الداء هو الذي أنزل الدواء، وهو الذي يرفع البلاء ويدفعه(312)، وإلا وقع الراقي في شرك الأسباب الذي أشرنا إليه سابقاً، فمن قال: إن الأسباب بما فيها الرقى تؤثر بطبعها في المريض فتشفيه فقد أشرك بالله تعالى وكفر. ويدل على ذلك ما يلي:

310-انظر المراجع السابقة

.311-أخرجه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في كتاب الطب: باب هل يستخرج السحر- انظر فتح الباري لابن حجر (10/232) وقال الحافظ ابن حجر في التعليق (5/49) رواه الأثرم في السنن وساق إسناده ثم قال: ,إسناده صحيح.312-انظر حاشية ابن عابدين (6/364) والذخيرة للقرافي 013/311) والمجموع للنووي (9/56) وفتح الباري لابن حجر (10/195) ش ح(5735) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/455).

1- قوله تعالى:
(أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته قل حسبي الله عليه يتوكل المتوكلون)(313).

فالآية تخاطب المشركين الذين كانوا يعترفون أن الله عز وجل هو الخالق للأشياء كلها، لكنهم يتوجهون بالدعاء والعبادة إلى غير الله ليكشف عنهم الضر، ويدفع البلاء؛ مع أنه لا يملك لهم ضراً ولا نفعاً.

2- وروى الترمذي -بسنده- عن النبي صلى الله عليه وسلم: من تعلق شيئاً وكل إليه"(314). وفى رواية: "من علق تميمة فقد أشرك"(315). وفى رواية: "من تعلق تميمة فلا أتم الله له، ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له"(316).

فهي تدل على أن التمائم لا تؤثر بذاتها، ومن اعتمد عليها بذاتها فقد أشرك، ويوكل شفاؤه إلى تلك التمائم فلا يحصل الشفاء له.

313- سورة الزمر: (38)

.314-أخرجه الترمذي في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في كراهية التعليق ح(2079) وقال: وفي باب عن عقبة بن عامر: قال المبارك فوري في التحفة (6/201) وحديث عقبة بن عامر أخرجه أحمد وأبو يعلي والطبراني بمعناه. قال الهيثمي في المجمع: رجاله ثقات. وأخرجه أحمد في مسنده (4/310-311) والحاكم في مستدركه (4/216) وسكت عنه هو والذهبي. والبغوي في شرح السنة (12/160) وانظر صحيح سنن الترمذي للألباني ح(1691).

315-أخرجه أحمد في مسنده (4/156) وقال الهيثمي في المجمع: رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد ثقات (5/103) وأخرجه الحاكم في مستدركه (4/219) وسكت عنه وكذلك الذهبي. قال الألباني: وهذا إسناد صحيح. رجاله ثقات رجال مسلم غير دخين وهو ابن عامر الحجري أبو ليلي المصري وثقة يعقوب بن سفيان وابن حبان وصحح له الحاكم (4/384) وقد أخرجه (4/219) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي منصور- انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني ح(492).

316-أخرجه أحمد في مسنده (4/154) والهيثمي في المجمع (5/103) وقال: رواه أحمد وأبو يعلي والطبراني ورجالهم ثقات. والحاكم في مستدركه (4/216) وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي. والحديث حسن لغيره- راجع الترغيب للمنذري وهامشه (4/202-203) ح(5065) و(5066) بتحقيق محي الدين مستو وآخرين. وانظر تحفة الأحوذي (6/201) والضعيفة للألباني ح(1266).

3- وروى البخاري -بسنده- عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوِّذ بعض أهله يمسح بيده اليمنى ويقول: "اللهم رب الناس أَذهب الباس واشف، أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقماً"(317).

فقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن كل ما يقع من الدواء والتداوي إن لم يصادف تقدير الله عز وجل لم ينجح(318).

رابعاً: أن يكون الراقي خبيراً بطرق المعالجة بالرقية الشرعية.

ينبغي أن يستعان في كل شيء بأعلم أهله، أو بالمختصين فيه. وعلم الرقى الشرعية أو الطب النبوي أصبح علماً قائماً بذاته، وهو: "علم باحث عن الطب الذي ورد في الأحاديث النبوية الذي داوى به المرضى"(319). وقد أفرد بكتب خاصة في مجامع السنة النبوية، ففي صحيح البخاري كتاب الطب، وفى سنن الترمذي كـتاب الطب، وفى سنن أبى داود كتاب الطب .. إلخ. كما وأفرد بمؤلفات مستقلة مثل: الطب النبوي لأبى نعيم أحمد بن عبد الله الأصفهاني (430هـ)، الطب النبوي لجعفر بن محمد المستغفري (432 هـ)، والطب النبوي لمحمد بن أبى بكر ابن قيم الجوزية ( 751 هـ ). هذا بالإضافة إلى كتب الأذكار والدعوات التي أفردها المصنفون بكتب مستقلة. وقد اشتملت هذه الكتب وغيرها على وصفات لكل مرض، وطرق متعددة للمعالجة، وعوارض لبعض الأمراض وأسبابها، وغير ذلك.

317-أخرجه البخاري في صحيحه: كتاب الطب: باب دعاء العائد للمريض ح(5675) ومسلم في صحيحه: كتاب السلام: باب استحباب رقية المريض ح(2191) وأبو داود في سننه: كتاب الطب: باب في تعليق التمائم ح(3883) والترمذي في سننه: كتاب أحاديث شتى: باب في دعاء المريض ح(3576) وقال هذا حديث حسن وابن ماجة في سننه: كتاب الجنائز: باب ما جاء في ذكر مرض الرسول (صلى الله عليه وسلم) ح(1619) وانظر تحفة الأشراف (17638) وأخرجه أحمد في مسنده (3/267) و(4/259)و(6/42) والنسائي في اليوم والليلة ح(1042) وابن السني في اليوم والليلة ح(543) قال النووي: الحديث فيه استحباب مسح المريض باليمين والدعاء له وقد جاءت فيه روايات كثيرة صحيحه جمعتها في كتاب الأذكار انظر شرح النووي على صحيح مسلم (14/180)

.318-انظر عمدة القاري للعيني (17/407).319-انظر أبجد العلوم لصديق حسن (2/360).

واستيعاب ما في هذه الكتب من معلومات يحتاج إلى همة عالية وذكاء، لأن العلم بالتعلم. ونبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن علم الرقى يحتاج إلى التعلم في حديث الشفاء بنت عبد الله حيث قالت: دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا عند حفصة فقال: ألا تعلمين هذه رقية النملة كما علمتيها الكتابة"(320).

ولمّا كان الناس متفاوتين في استعدادتهم وأفهامهم ومداركهم واستيعابهم فلا بد أن يتفاوتوا في تحصيلهم العلمي لهذا العلم وإتقانهم له. وإذا كان الأمر كذلك، فلا بد من الاستعانة في علاج الأمراض بالرقى الشرعية بأعلم الناس بها، وأحذقهم، وأتقاهم، وأورعهم، وأكثرهم خشية من الله تعالى.

المطلب الثالث: الضوابط الشرعية للمرقي.

المرقي هو محل الرقية. وهو يشمل الإنس، والجن، والحيوان. وسوف أقتصر في هذا المطلب على الإنسان، لأنه محل التكريم من الله تعالى.

أولاً: أن يعتقد المرقى أن الشافي هو الله.

ينبغي على المرقي أن يعتقد اعتقاداً جازماً أن الشافي هو الله سبحانه وتعالى، كما بينت في اعتقاد الراقي؛ لأن ذلك الاعتقاد أنفع علاج له. فإن وجد الراقي إيمان المرقى واعتقاده في ذلك ضعيفاً قواه بإعطائه درساً في العقيدة، يبين فيه أن كمال التلقي للعلاج يحصل بالإيمان بالله تعالى، والإذعان له، والاعتقاد بأنه الشافي ولا شفاء بعده، وأن هذه الرقى لا تؤثر بذاتها، وإنما بقدر الله. ولذا فلا ينتفع بها من أنكرها، أو سخر منها، أو شك فيها أو فعلها مجرباً لا يعتقد أن ذلك ينفعه(321).

320-أخرجه أبو داود في سننه: كتاب الطب: باب ما جاء في الرقى ح(3887). وأحمد في مسنده (6/372). والحاكم في مستدركه (4/14) عن أبي حثمة القرشي أن رجلاً من الأنصار خرجت به نملة فدل أن الشفاء بنت عبد الله ترقي من النملة فجاءها فسألها أن ترقيه فقالت: والله ما رقيت منذ أسلمت فذهب الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بالذي قالت الشفاء، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفاء فقال: "اعرضي علي فعرضتها عليه فقال: أرقيه وعلميها حفصة كما علمتيها الكتابة"- قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ووافقه الذهبي. والبيهقي في السنن: كتاب الضحايا: باب اباحة الرقية (9/349). انظر صحيح سنن أبي داود للألباني ح(3291). النملة: قروح تخرج في الجنبين، ويقال أيضاً أنها تخرج في غير الجنب ترقى فتذهب بإذن الله قال الخطابي: وفي الحديث دليل على أن تعليم الكتابة للنساء غير مكروه- معالم السنن (5/364)

. 321-انظر الطب النبوي لابن القيم (171) وفتح الباري لابن حجر (10/205) ش ح(5740) والآداب الشرعية لابن مفلح (3/98).

ثانياً: أن يتعاطى الرقى للعلاج من الأمراض عند بعض الفقهاء.

الرقى والتمائم يتعاطاها المريض لعلاج الأمراض، فلا يجوز أن يتعاطاها الصحيح للوقاية من الأمراض والاحتراز منها عند الإمام مالك في رواية، وأحمد في رواية الخلال(322)، لقول عائشة رضي الله عنها: "التمائم ما علق قبل نزول البلاء، وما علق بعد نزول البلاء فليس بتميمة"(323). أي أن التميمة المنهي عنها ما علقت قبل نزول البلاء، وأما ما علق بعد نزول البلاء فليس من التمائم المنهي عنها.

وخالف في ذلك الشافعية، ومالك في رواية أشهب وأحمد في رواية، حيث ذهبوا إلى عدم اشتراط هذا الشرط، فأجازوا الرقية للصحيح والمريض لعموم أدلة جواز الرقية .؟

والراجح ما ذهب إليه الشافعية ومن معهم من عدم اشتراط هذا الشرط، لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين وغيرهما أنه كان يقرأ بالمعوذات قبل النوم خوفاً من الشيطان والجن.

ثالثاً: صيانة الرقى عن الإهانة.

ينبغي على المرقى أن يحافظ على الرقى التي يستعملها ويصونها عن الإهانة لأنها تتضمن آيات من القرآن الكريم وأسماء الله وصفاته. فإن كانت تمائم تعلق على جسده فإنها تلف لفاً محكماً وتحفظ في وعاء من شمع، أو كيس من جلد، بحيث لا تتسرب إليها النجاسة والقاذورات. ولا يدخل بها بيت الخلاء، ولا يقعد عليها، وينـزعها عند الجماع(324). وإن كانت سائلاً مقروءاً عليه أعد للشرب سمى الله على كل نفس وعظم النية فيه، فإن الله يؤتيه على قدر نيته. وإن كان معداً للاغتسال فلا يصبه على كناسة، أو في حفرة نجاسة، أو على موضع يوطأ. ولكن يصبه ناحية من الأرض في بقعة لا يطأها الناس، ويحفر حفرة في موضع طاهر ويصبه فيها(325).

322-انظر الجامع لابن رشد (310) والقوانين لابن جزي (486) والآداب الشرعية لابن مفلح (2/460)

.323- انظر المراجع السابقة والإفادة لابن حجر الهيثمي (77) وفتح الباري لابن حجر (10/196) ش ح(5735)

.324-انظر حاشية ابن عابدين (6/364) والفتاوي الهندية (5/356) واسهل المدارك (3/367) والجامع لأحكام القرآن للقرطبي (10/320) ومغنى المحتاج (1/37) وحاشية الجمل (1/76) والآداب الشرعية لابن مفلح (1/457).

325-انظر نوادر الأصول للحكيم الترمذي (335).

رابعاً: أن يبتعد المرقى عن المعاصي في فترة العلاج وبعدها.

ينبغي على المرقي أن يبتعد عن المعاصي صغيرة كانت أو كبيرة- في جميع الأوقات وبخاصة في أثناء العلاج، فلا يستمع للغناء، ولا يتناول الدخان، ولا يهمل في صلاته. وإذا كانت امرأة فلا تتبرج، ولا تخرج كاسية عارية، فإن فعل الطاعات واجتناب المعاصي من أعظم العلاجات كما قال ابن القيم: "من أعظم علاجات المرضى فعل الخير والإحسان، والذكر والدعاء، والتضرع والابتهال إلى الله، والتوبة، ولهذه تأثير في دفع العلل وحصول الشفاء أعظم من الأدوية الطبيعية "(326).

326- انظر الطب النبوي لابن القيم (114).

خاتمة

بعد عرض موضوع البحث وهو التداوي بالرقى والتمائم، تتضح بعض النتائج التالية:

1- القرآن الكريم دواء من عند ربنا شفاء لأمراض عقولنا، وأمراض نفوسنا، وأمراض أبداننا، وأمراض مجتمعاتنا لا تنقضى عجائبه، ولا يخلق من كثرة الرده والاستعمال؛ ينبغي الاستفادة منه في جميع الحالات.

2- يغلب على الرقى والتمائم في الجاهلية التأثر بالشرك والسحر والخرافة، فيمنع استعمالها، وتجب محاربتها.

3- الرقى والتمائم في الإسلام منزهة عن الشرك والسحر والخرافة، وموافقة لما في القرآن والسنة من سور وآيات وأدعية مأثورة، فيجوز استعمالها؛ ولا يتنافى ذلك مع التوكل على الله تعالى، ولا مع الإيمان بالقضاء والقدر.

4- النفث والمسح المصاحبان لقراءة الرقية جائزان شرعاً لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لهما أثناء الرقية.

5- تعليق التمائم المكتوب فيها آيات من القرآن الكريم وأدعية وأذكار جائز شرعاً شريطة أن يصان عن الإهانة.

6- تعاطى سوائل (ماء، زيت زيتون، زيت الحبة السوداء) الرقى والتمائم سواء أكانت غسالة أو مقروءاً عليها جائز شرعاً شريطة أن يصونها المرقى عن الإهانة.

7- يشترط في الرقية الشرعية: أن يكون لها أصل في القرآن والسنة، وأن تكون منزهة عن الشرك والسحر والخرافة، وأن تكون بلغة مفهومة المعنى.

8- يشترط في الراقي الممارس للرَّقية: أن يكون مسلماً، عدلاً في دينه، معتقداً اعتقاداً جازماً بأن الله هو الشافي، خبيراً بأمور الرقية

. 9- يشترط في الإنسان المرقى، أن يكون معتقداً بأن الله هو الشافي، مطمئناً للعلاج بالرقى، محافظاً لما يستعمله منها.

10- العلاج بالرقى والتمائم الشرعية لا يلغي وجود الطب الجسماني والطبيعي، وينبغي الاستفادة منهما دون إفراط في أحدهما أو تفريط في الآخر.

 

ÏÖæÇÈ