الماء والإصحاح في الإسلام

تقديم
بقلم الدكتور حسن عبدالرزاق الجزائري
المدير الإقليمي 
لمنظمة الصحة العالمية لشرق البحر المتوسط

في هذا العام بلغت منظمة الصحة العالمية أشدها، وبلغت أربعين سنة من عمرها المديد إن شاء الله.

وإذا كان هذا النوع من المناسبات يستدعى وقفة تأمل، يلقي فيها المرء نظرة على ما تمكن من إنجازه، إن منظمة الصحة العالمية لتعتز بمنجزاتها من خلال، برامجها العديدة، التي يكمل بعضها بعضاً وتسير سيراً حثيثاً نحو تحقيق غايتها هادفة في مجموعها إلى إتاحة الصحة للجميع.

ولعل من أبرز ما تعتز به المنظمة، هو ما بدأ يلوح في الأفق من عمل مشترك يساهم فيه الجميع، لتعزيز الصحة والحفاظ عليها.

فالحقيقة التي لا تقبل جدالاً هي أن الصحة مسؤولية الفرد والمجتمع على السواء  فالفرد أياً كان موقعه، وأياً كانت طبيعة اختصاصه، له دور أساسي في العمل الصحى. وليست الصحة من اختصاص الأطباء أو السلطات الصحية فحسب، بل لابد من مشاركة الجميع في توفير الصحة للجميع، استجابة لقول اللة عز وجل: " وتعاونوا على البر والتقوى لا تعاونوا على الإثم والعدوان ". فالمرأة في بيتها، والفلاح في أرضه، والعامل في مصنعه، والأستاذ في مدرسته، والجندي في ثكنته، وكل فرد، كبير أو صغير، يستطيع أن يعمل من أجل الصحة أو ضدها. ودور الفرد لا يقتصر على الحفاظ على صحته، بالتزام السلوك الصحى، كالحرص على النظافة، والاعتدال في الأكل، وتخصيص دقائق من وقته للرياضة، بل إن عليه أن يبتعد عن كل ما يضر بصحته أو بصحة الآخرين.

 فمن المعروف بداهة، أن ممارسة أي حق من حقوق الإنسان تقتضي منع عدوان الآخرين على هذا الحق. فالذي يمسك سلاحاً نارياً فيقتل ظلماً. واحداً من الناس، إنما يعتدي على حق الناي جميعاً في الحياة، " فكأنما قتل الناس جميعاً ". ومثله الذي يلوث الماء، أو يفسد البيئة، أو يهمل تطعيم أطفاله، فيساعد على انتشار عوامل المرض وتكاثرها، فهو كذلك يعتدي على حق الناس جميعاً في الحياة الصحية. وبعد فلما كان للدين سلطان قوة في نفوس أبناء هذا الإقليم، وكان في الإسلام كثير من المباديء التي. تحفظ على الإنسان صحته، وتدعوه لما يحييه، وتنأى به عن التعرض للمخاطر والأضرار، وترسم له سبل اتقاء المفاسد والآثام، تقد رأى المكتب الإقليمي أن يستطلع رأي عدد من جلة علماء الدين، حول الحكم الشرعي في بعض الأمور التى تتعلق بالصحة. وكان موضوع " الماء والإصحاح " من أهم هذه المواضيع، لما لذلك من أثر بالغ في صحة الفرد والمجتمع على السواء.

وقد تكرم فضيلة الأستاذ الدكتور عبد الفتاح الحسيني الشيخ، رئيس جامعة الأزهر، مشكوراً، بتزويد المكتب الإقليمي- بناء على طلب المكتب- بدراسة وافية حول الماء والإصحاح في الإسلام. وقام الدكتور محمد هيثم الخياط مدير حفظ الصحة وتعزيزها في المكتب بإعداد هذه الدراسة للنشر بعد إضافة الجوانب الصحية إليها، ليكون هذا العمل أكثر استيعاباً وأبلغ نفعاً بإذن الله.

 وإنا لنرجو أن يستجيب قراء هذا الكتاب لما يقرأونه من حكم شرعي، ويعملوا على الانتفاع بالماء على أفضل وجه واتقاء إيقاع المضرة والمفسدة بأنفسهم وأهليهم ومواطنيهم، تلبية لقول اللة عز رجل: " يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم  ".

المحرم 1409 هـ
آب / أغسطس 1988
 

تمهيد

الماء من أهم المواد الضرورية للحياة، لا يستطيع الإنسان أن يعيش بدونه أكثر من أيام قليلة. فقد جعل الله منه كل شىء حي، إذ يؤلف ثلثي خلايا البدن، وتسعين بالمئة من سوائله (الدم واللمف والسائل النخاعي)، وفيه تجري جميع التفاعلات الحيوية في البدن، وهو يساهم في تنظيم حرارة الجسم بالتعرق.

والجسم يطرح كل يوم ما بين لترين وثلاثة ألتار من الماء، في الكليتين (1400 غ)، والجلد (855 غ)، والرئتين (800 غ)، والأمعاء (. بضعة غرامات).. ويعوضها بالماء الذي في طعام الإنسان وشرابه.

والماء ضروري  لوضوء الإنسان واغتساله ونظافة بدنه: "وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم يه " (الأنفال: 11) وهو ضروري  كذلك لنظافة مسكنه وحوائجه، وضرري  أيضا للنظافة العامة، ولا غنى عنه للصناعة ولا الزراعة:"وهو الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا. به نبات كل شىء " (الأنعام: 99).

وكل ماء عذب في الأرض كان أجاجاً، لأنه آت من ماء البحار التي تغمر ثلاثة أرباع سطح الأرض. ومن هذا الماء المالح يقطر الله للإنسان والحيوان. والنبات مالا غنى لهم عنه هن الماء العذب، يقطره بجهاز تقطير ليس كمثله جهاز، يسخن بأشعة الشمس العظيمة الحرارة. فإذا ما تبخر الماء بحرارة الشمس، تكثف في  كثف ليس له نظير: الجو العلوي كله والجبال.. والرياح مسخرة تحمل البخار من الأرض إلى الجو، وتحمل السحاب في الجو إلى حيث يشاء الله أن تنزل الأمطار.. فإذا سالت الأودية وفاضت الأنهار، وحملت الخصب والنماء. إلى الأقطار، تبخر بعض الماء، وغاز في الأرض منه بعض، وصار باقية إلى البحر الذي جاء منه. فالماء بين البحر والجو واليابسة في دورة مقدرة متصلة لا انقطاع فيها ولا توقف ولا تعثر، عليها مدار الحياة في الأرض، ولا تنتهي أبداً إلا أن يشاء الله الذي أذن لها بالابتداء: " والله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها، كذلك النشور" (فاطر:9)... " إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار، والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة ، وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " (البقرة : 64).

ويقسم الماء العذب إلى ثلاثة أقسام: المياه الجوية، والمياه السطح، والمياه الغائرة أو الجوفية. فالمياه الجوية هي كل ما أمطرت السماء من مطر وثلج وبرد وما أشبه ذلك، وهي من أنقى المياه في طبيعتها لأنها مياه مقطرة: " وأنزلنا من السماء ماء طهورا " (الفرقان: 48). ولكن هذه المياه قد تتلوث قليلاً أو كثيراً، بما تجرفه أثناء نزولها، من غبار الهواء وغازاته وأقذاره، ولاسيما في بدء المطرأو في الأمطار الأولى خاصة. فلو جمعت هذه المياه بعد المطرة الأولى، وفيما بعد بدء المطر في كل مرة، كانت هذه المياه نقية تماما، ولو أنها فقيرة بالأملاح.

والمياه السطحية هي المياه التي على سطح الأرض. وتكون إما جارية كالأودية والأنهار، أو راكدة كالبحيرات.. وهي تجرف معها ما تقدر على حمله من الأجسام والمواد المختلفة من أنقاض نباتية وحيوانية، وذرات ترابية ومعدنية، وجراثيم : " أنزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها ، فاحتمل السيل زبداً رابياً " (الرعد:17). ولذلك تكون المياه السطحية المياه مياهاً ملوثة، ولكنها قد تصفو من تلقاء نفسها بالآليات التالية:

(1) التثفل، بأن يرسب ما في الماء من الأجسام الصلبة والمواد المعلقة إلى القاع، وخاصة إذا جرى الماء جرياناً طويلا، ولاسيما في الأراضي القاحلة ؛ (2) فعل الشمس والهواء اللذين يقتلان الجراثيم السطحية ، (3) الفعل الحيوي لبعض الجراثيم التى تفكك المواد العضوية وتمنع نمو بعض الجراثيم الأخرى، (4) التمديد أو التخفيف، بورود ماء جديد جارٍ جريانا طويلا ؛ (5) الحيوانات والنباتات المائيةالتي تمتص الأقذار وتتغذى بها، كالبط  والوز والسمك، والنيلوفر والقصب والطحالب.

أما المياه الغائرة أو الجوفية فهي مياه تغيض في التربة التي يكون فيها من المسام ما يساعد على نفوذ الماء: " وأنزلنا من السماء ماءً بقدر فأسكناه في الأرض " (المؤمنون: 18). وهذه المياه تنفذ في الأرض، وتسيل فيها منحدرة حتى تصادف طبقة كتيمة ( وفاضاً ) ،  لا تسمح بتخطيها والنفوذ منها، كطبقة صخرية أو غضارية، فتقف فوقها وتتراكم وتشكل المياه الغائرة السطحية. وفد تجد هذه المياه منفذاً لها من لحق الوادي، فتخرج بشكل عين أو ينبوع ، أو أنها تجد لها منفذا فيما تحت الوفاض الأول، فتغور بعدها حتى تصل إلى طبقة كتيمة ثانية، تتراكم  فوقها، وتشكل المياه الغائرة العميقة أو الجوفية. وترشح هذه المياه من مسام " الأرض يجعلها تروق وتصفو قليلاً أو كثيراً.

 ثم إن مياه هاتين الطبقتين، يمكن أن تنبجسن من الأرض بشكل ينبوع ، أو أن يستخرجها الإنسان بحفر بئر: " ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض" ( الزمر : 21 ) " وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار ، وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء  " (البقرة : 74) " .

والينابيع على شكلين: حقيقة وغير حقيقة . فالينبوع الحقيقي هو محرج  المياه الغائرة العميقة. وتكون مياهه ثابتة المقدار والحرارة  تقريبا، فلا تؤثر فيها مباشرة كثرة الأمطار التي تهطل في محفله، أي حوضه الذي يستقي منه، ولا برودة سطح الأرض أر سخونته، وما ذلك إلا لعمق الطبقة التي تنفذ مياهه منها، وبطء الترشح من المسام الدقيقة الضيقة، وهذا مما يؤكد حسن الترشح ونقاوة الماء.

أما الينبوع غير الحقيقي، فهو الينبوع الذي تؤثر فيها كثرة الأمطار مباشرة، فيغزر كثيرا في الربيع ويشح أو ينضب في الفصول الأخرى. وتكون حرارته متبدلة كذلك مع تبدل الفصل. ومثل هذه المياه لا ئؤمن نقاوتها، لقرب اتصالها سطح الأرض، وفيه ما فيه.

وأما الآبار فهي كذلك على نوعين: عادية وارتوازية. فالآبار العادية يحتفرها الإنسان في الأرض حتى يصل إلى طبقة المياه الغائرة، فيستخرج ماءها بالدلاء أو المضخات اليدوية أو الكهربائية. أو الآ بار الارتوازية فيخرج ماؤها من تلقاء نفسه، لكون مستوى الماء في باطن الأرض أعلى من فوهة البئر.

ماء الشرب

الماء الشروب (الصالح للشرب) رائق، عديم اللون والرائحة، مستطاب الطعم، معتدل البرودة. وهو قليل المواد المعدنية، لا يزيد ما فيه من الأملاح الكلسية على 15, . غ باللتر. وهو خالٍ من الأمونية (غاز النشادر) وأملاح النتريت والنترات وغير ذلك من المواد العضوية التي تدل على تلوثه، كما أنه خالي من المواد السامة كأملاح الرصاص والزرنيخ، ومن الغازات السامة. والماء الشروب لا يحتوي على شيء من الطفيليات أو بيوضها أو صغارها، ولا من الجراثيم المرضية مطلقاً، ولا يزيد عدد الجراثيم غير المرضية فيه على (100) . جرثومة في كل سنتيمتر مكعب منه.

أما الماء الملوث، فهو الماء الذي يحتوي على مواد عضوية ناتجة عن التفسخ، أو على جراثيم مرضية، أو على طفيليات. وهو يتصف عادة بتعكره وتلوثه، وبظهور رائحة خاصة وطعم تفه. على أنه قد يبقى الماء رائقا في الوقت الذي يكون فيه محتويا على عدد كبير من الجراثيم المرضية، التي يجب أن تكشف بطرقها الخاصة.

ومن أهم الأسباب في تلوث المياه الجوية، ما تجلبه معها من الهواء، وما يقع في الصهاريج التى تجمع فيها من أقذار؟ وفي تلبث المياه السطحية ما يلقى فيها من أشلاء وفضلات، أو ما يصب فيها من قاذورات ؛ وفي تلبث المياه الجوفية . حدوث ترشيح قذر، ووصوله إلى طبقة الماء، من مزبلة قريبة أو مرحاض مجاور أو ما شابه ذلك.

دور الماء الملوث في نقل الأمراض

كثيرة هي الأمراض التي تنتقل بالماء الملوث، ولاسيما تلك التي تسببها بعض الجراثيم أو الطفيليات التى يحتوي عليها براز الإنسان المريض أو بوله، وفي مقدمتها الحمى التيفية [ التيفود ] وداء البلهارسيا  المنشقات]  وداء الديدان الشصية [الملقوات أو الانكيلوستوما] وسائر الديدان.

 أما الحمى التيفية [ التيفود ] فتكون جراثيمها في أمعاء الإنسان ودمه وبوله. فاتصال بول المصاب بها أو اتصال برازه بالماء، يمكن أن يؤدي إلى نقل جراثيمهاإن كانت فيه. ولقد كان الماء من أهم وسائل نقل هذا المرض وانتشاره في الناس قبل اتخاذ الوسائل الحديثة لتطهيره ومراقبته في البلدان الراقية، ولكنه مازال عامل مهما في نقلها في البلدان المتخلفة.

وأما مرض البلهارسيا [ أو داء المنشقات،، فهو مرض يتصف بالتهاب في المثانة (يتجلى بتبول الدم) أو التهاب قي القولون (يتجلى بالزحار [ الدوسنطاريا،). وتنطرح  بيوض الطفيلي مع البول في النوع الأول، ومع البراز في النوع الثاني. حتى إذا ما بلغت الماء، ولاسيما الماء الراكد القليل الحركة، فإنها تنفقس عن يرقة صغيرة، لا تلبث أن تدخل أحد أنواع الحلزون أو في ذوات القواقع، حيث تتخلق فيه خلقاً من بعد خلق، حتى تتحول إلى يرقة ذات ذنب، تدعى الذانبة [ سركاريا]. وهذه الذوانب تسبح في الماء، حتى تصادف إنساناً يغتسل في الماء، أو يسبح فيه، أو يغسل فيه ثيابه، أو يشرب منه، أو يخوض في ماء الري، وإذ ذاك تخترق بشرة الجلد، بأن تدس نهايتها الأمامية في الجلد وتستغني عن ذيلها.

وفي غضون أربع وعشرين ساعة، تكون الذوانب قد وصلت إلى الدم، فتجول في الدوران الدموي، ثم ينتهى بها المطاف إلى داخل الكبد، حيث تكبر وتبلغ وتتزاوج، ثم تهاجر إلى جدران المثانة أو الأمعاء لتبيض.

وواضح أن السبب في استمرار هذه الدورة الموذية، هو مواصلة التبول أو التغوط بشكلٍ يصل معه البول أو البراز إلى المياه السطحية، ولا سيما المياه الراكدة، وأن الوقاية تكون بالامتناع عن هذا الفعل الذميم، الذي نهت عنه الشريعة الإسلامية نهيا واضحا صريحا، كما سيأتي  فصيله في هذا البحث.

وأما الديدان الشصية فهي ديدان تكون في الأمعاء، وتحدث في المصاب بها الماً بطنيا موجعاً. وبعد مدة يظهر فقر الدم الشديد، وتصير الأغشية المخاطية كلها شاحبة جدا، وينتفخ الوجه وتتوذم الرجلان [ نتفخان بالماء]، وقد يظهر في المريض استسقاء، أي تراكم السوائل في أنسجته وأجوافه (جوف البطن مثلا). وإذا لم يعالج المرض فالدنف آخذ بالمريض لا محالة، فيعم الاستسقاء جميع الأطراف، أو ينحل المريض ويهزل جدا حتى  تبدو عظامه، ولكنه على كل حال يبقى منتفخ البطن بالسوائل، حتى يموت.

وبيوض هذه الديدان التي تنطرح مع البراز، تنفقسن عن يرقاتها إذا وجدت تربة رطبة، كأرض الحقول أو المزارع أو المناجم، فإذا لامسها إنسان نفذت من  جلده مباشرة ، وتابعت مسيرتها فيه حتى تبلغ الدم، ثم تصل بالدوران إلى الكبد ثم الرئة ثم الأمعاء. وأكثر من يتعرض لعدواها الزراع وعمال المناجم، ولكنها ا، كذلك تهاجم الأطفال الذين يخوضون فى الوحل الموبوء بها حفاة فيصابون بها. وواضح أن الوقاية منها تقوم على الحيلولة دون وصول شىء من الغائط إلى سطح الأرض ولاسيما في الظل ، إذ يحافظ الظل على الرطوبة اللازمة لحياة اليرقات، ويحفظها من التأثير المطهر الذي تتصف به أشعة الشمس.

يتبين مما تقدم، أن وقاية الماء من التلوث ونقل "عدوى الأمراض الآنفة الذكر  تتلخص في أمرين اثنين: (1) منع وصول جراثيم هذه الأمراض وطفيلياتها إلى الماء أو التربة الرطبة ؛و (2) عدم تعريض الإنسان نفسه إلى عدواها بنزوله في الماء الذي يحتمل أن يحتوي عليها، وهو على الخصوص الماء الراكد القليل الحركة. 

وهذا هو بالضبط ما ورد في الهدي النبوي من ضوابط. فقد وردت الأحاديث الصحيحة التالية عن النبى r:
ا- " لايبولن أحدكئم في الماء الراكد " (رواه ابن ماجة)
2 ــ " نهى رسول r أن يبول الرجل في مستحمه" (رواه أبو داوود). [ رواه أبو داوود ]
3ــ " لا تبل في الماء الدائم [ أي الراكد ] الذي لا يجرى ثم تغتسل منه " (رواه مسلم )
4 ــ " لا يغتسلن أحدكم في الماء الدائم [ أي الراكد ] وهو جنب " (رواه مسلم) .
5- " اتقوا اللاعنين [أي الأمرين الجالبين اللعنة لفاعلهما ] قالوا: وما اللاعنان ؟
قال:  الذي  يتخلى [ تغوط ]، في طريق الناس وفي ظلهم " (رواه مسلم) .
6- " اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل " (رواه أبو داوود) 

ففي هذه الأحاديث تحريم التبول التغوط في الموارد، وهي جميع المصادر التي يستقى منها الماء الحديث السادس)، مع تخصيص للماء الراكد، الذي رأينا أنه أنسب المياه لنمو الطفيليات (الأحاديث الأول والثالث والرابع). وفيها النهي عن أن يبول الرجل في مستحمه ، أي الماء الذي يستحم فيه (الحديث الثاني). وهذا من جهة لفن نظر للمرء إلى أن هذا الماء الذي يبول فيه الآن قد يستحم فيه فيما بعد ، وهي وسيلة تربوية لجعله يستنكر ذلك ؛ ومن جهة أخرى وقاية للآخرين ، لأن التبول في هذه المياه الراكدة الساكنة التي يستحم الناس فيها عادة (ومنها الترع والسابح) مدعاة لعدوى الأمراض.

وفي هذه الأحاديث أيضاً النهي عن التغوط في الظل. وفي هذا بالإضافة  الناحية الاجتماعية التي تقبح أمكنة اعتاد الناس أن يستريحوا فيها، إشارة مهمة إلى الناحية الصحية، لأن أماكن الظل لا تتعرض إلى أشعة الشمس القوية بما فرثا من خصائص قاتلة للجراثيم. وقد تقدم أن الظل يحافظ على، الرطوبة اللازمة لحياة يرقات الدودة الشصية .

ويقاس على البول والبراز كل ما يتلوث به الماء، ويصيب الإنسان في صحته، كإلقاء فضلات المصانع، والحيوانات النافقة، والقمامة، في الأنهار والترع والمصارف، وكذلك غسل الملابس الملوثة بالجراثيم في مياهها، وكل ما يؤدي إلى إفساد البيئة، وإهلاك ما فيها من حيوان أو نبات. فقد قال الله عز وجل: " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها " (الأعراف 85) ، وذم سبحانه كل شخص " آدا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد " (البقرة: 205).

ويتمثل حرص الإسلام في المحافظة على نقاء الماء في قوله r :." إذا استيقظ أحدم من نومه فلا تغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده " (رواه مسلم).

وجاء أيضا في الإرشادات النبوية، التحذير من ترك أواني الطعام والشراب مكشوفة، كحديث عائشة: " كنت أصنع لرسول الله r ثلاثة آنية من الليل مخمرة[ أي مغطاة ] : إناء لطهوره ، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه " وحديث جابر " أمرنا النبي r أن نوكيء [ نربط فوهة ] أسقيتنا ونغطي آنيتنا " (رواه ابن ماجة). وفي ذلك حفظ للطعام والشراب من سقوط الحشرات المؤذية التي تنقل جراثيم المرض، وهذا من أهم سبل الوقاية والتحفظ من الأمراض وأسبابها.
 

الماء والنظافة

للجلد شأن عظيم في وقاية البدن وصيانته، كما أن له وظائف شتى جليلة الشأن في سلامة سائر الأعضاء الرئيسية في الجسم وحسن سيرها وسلامتها ، أهمها طرح المفرغات بالتعرق، وتنظيم الحرارة بتبخر العرق وتوسع العروق. ثم إن الجلد هو الذي ينقل إحساسات اللمس كلها إلى الدماغ، فيعرف الإنسان طبيعة المادة التي يلمسها من صلابة أو ليونة، ونعومة أو خشونة، إلى آخر الإحساسات المعروفة. كما يقوم الجلد بنقل أحاسيس الألم، والحرارة (السخونة والبرودة)، وما إلى ذلك. وهو بعد هذا كله، الكساء الذي يحمي جسم الإنسان كله من التعرض للأقذار الخارجية والحشرات والجراثيم، فيحول دون نفوذها إلى داخل الجسم وإحداثها الأمراض.

من أجل ذلك تجب العناية البالغة بالجلد، حتى لا يكون عرضةً للتلبس بالأقذار والأوساخ، سواء منها الأقذار الخارجية التي تأتيه من المحيط والبيئة، أو الأدران البدنية التى تنجم عن تراكم مفرزاته المختلفة، من عرق وزهم [ مادة دهنية يفرزها الجلد ] وما إلى ذلك.

والقاعدة العامة في سلامة الجلد، ومن ثم الجسم كله، هي النظافة، بالغسل أو الاغتسال، يوميا إن أمكن، بإضافة الماء على البدن كله. وإن لم يمكن هذا، فغسل ما يظهر منه دائما، ويكون عرضة للتلوث كثيراً، كاليدين والوجه، أو يكون عرضة للتعطن بمفرزاته كالأرجل. وما أعظم فائدة ذلك لو كرر مراراً في اليوم، لأن الغسل لا تقتصر فائدته على نظافة الجلد ونشاطه فحسب، بل يكون داعيا لنشاط الجسم كله. ذلك أنه عندما يفيض الإنسان الماء على عضو من أعضاء جسمه، فإنه يجتذب الدم إلى العضو المغسول بقوة، فتتنشط الدورة الدموية في الجسم كله، ويترافق ذلك بتخفيف احتقان المخ وسائر أجزاء الجملة العصبية المركزية فتتنبه، ، مما يبعث نشاطاً في الجسم كله.

وقد اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بنظافة جسم الإنسان، ويظهر لنا هذا الاهتمام جلياً، في تشريعاته المسامية، المتمثلة في إيجاب الوضوء والغزل، والأمر بغسل  اليدين قبل الأكل وبعده، وغسل الثياب وتطهيرها، وما إلى ذلك ، وربط ذلك بالعبادات الفردية والجماعية، توكيداً لإصرار الإسلام على الربط المتكامل بين
الجسم والروح.

ففي الوضوء يتم غسل الأعضاء التى هي عرضة للتلوث والغبار كثيراً ، كالوجه واليدين، أو التي هي عرضة للتعطن كالأرجل. وقد جعل الله الوضوء شرطاً لصحة الصلاة موضحاً أنه " ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم (المائدة: 6) ؛ كما اشترط الطهارة لصحة الطواف بالبيت الحرام، وقال تعالى: "إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " (البقرة:222) وقال سبحانه: " فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين " (التوبة : 109). كما أن صلاة الجماعة مع المسلمين تستلزم حسن: الحال بالنظافة، حتى لا تنفر النفوس من حضورها. وبالجملة فالإسلام قد ختم على المسلم أن يسكون نظيفاً خالصاً من الأقذار والأدران والنجاسة، ويتلخص ذلك في قول النبي r " الطهور شطر الإيمان " (رواه مسلم).

وقد شرع الله الوضوء وجعله فرضاً على كل من يريد الصلاة، فقال تعالى:
" يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق ، وامسحوا برؤوسكم ، وأرجلكم إلى الكعبين .." (المائدة: 6).

وقال النبي عليه السلام: " لا يقبل الله صلاة إلا بطهور " (رواه ابن ماجة)،
وقال: " لا صلاة لمن لا وضوء له " (رواه ابن ماجة)، وقال: " مفتاح الصلاة الطهور " (رواه أبو. داوود).

وصح أن عثمان رضى الله عنه دعا بوضوء فأفرغ على يديه من إنائه، فغسلهما ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه في الوضوء ثم تمضمض واستنشق واستنثر [ أخرج الماء من أنفه بالنفخ ]، ثم غسل وجهه ثلاثاً، ويديه إلى المر فقين ثلاثاً ، ثم مسح برأسه، ثم غسل كل رجل ثلاثاً، ثم قال رأيت النبي r يتوضأ نحو وضوئي هذا " (رواه البخاري).

فالآية والحديث طلبا من المسلم الذي يريد الصلاة غسل الوجه واليدين، والرجلين، ومسح الرأس، وأضاف الحديث إلى ذلك تنظيف الفم بالمضمضة، وتنظيف الأنف بالاستنشاق والاستنثار. وبذلك يتحقق غسل الأعضاء الظاهرة التي يكثر تعرضها للتلوث كما أشرنا آنفاً. وقد يتعدد ذلك بعدد الصلوات في. اليوم والليلة لمن انتقض وضوؤه قبل كل صلاة.

وهكذا يؤكد الإسلام على هذا الانسجام الكامل والتوافق التام بين طهارة الروح وطهارة الجسد، فهذه الطهارة الجسدية التي هي الوضوء، مفتاح للطهارة الروحية التي هي الصلاة، وفي ذلك ضمان للصحة النفسية للمسلم، فليس هناك أي صراع أو فصام بين الروح والجسد، وإنما هما عنصران متكاملان يتخلل كل منهما الآخر، كما يدل على ذلك الحديث التالي: " إذا توصأ العبد المسلم فتمضمض  خرجت الخطايا من فيه [ فمه ]، فإذا استثتر خرجت الخطايا من أنفه، فإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار [أطراف أجفان] ، عينيه، فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه، حتى تخرج من تحت أظفاره، فإذا مسح رأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من تحت أذنيه، فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من تحت أظفار رجليه " (رواه مسلم).

ولم يهمل الإسلام حالة من لم ينتقض وضوؤه، إذ قد يكتفي بالوضوء مرة أو مرتين في اليوم والليلة، بل حثه على تكرار وضوئه وتجديد نظافته". فقد " كان النبي r يتوضأ لكل صلاة " (رواه الترمذي). وإذا كان لم يوجب ذلك على أمته، فإنه قد رغب فيه فقال: " لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن " رواه الدرامى)، وقال: " من توضأ على طهر كتب الله له به عشر حسنات " (رواه الترمذي).

كذلك دعا الإسلام إلى الوضوء في عديد من المناسبات الأخرى، غير مناسبة الصلاة. فقد طلب منالجنب الوضوء إذا أراد الأكل أو النوم. والجنب هو ، باشر العملية الجنسية، أو نزل منه المنى ولو لم يباشر العملية الجنسية. والجنابة تستلزم الغسل أي غسل البدن كله. وعلى الرغم من ذلك نرى تشجيع الجنب على الوضوء ريثما يغتسل. فقد" سئل النبى r عن الجنب هل ينام أو يأكل أو يشرب فقال: " نعم! إذا توضأ وضوءه للصلاة " (رواه ابن ماجة)، وضرب المثل لأمته. بذلك فقد كان r " إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة "(رواه مسلم). 

كما طلب الإسلام من الرجل إذا اتصل بزوجته جنسياً، ثم أراد أن يباشر هذه العملية مرة ثانية، أن يتوضأ قبل المباشرة الثانية . ففى الحديث " إذا أتى أحدكم أهله، تم أراد أن يعود فليتوضأ " (رواه مسلم).

كذلك يسن الوضوء قبل النوم، ففى الحديث: " إذا أتيت مضجعك، فتوصأ وضوءك للصلاة " (متفق عليه).

كما يسن الوضوء عند الغضب، ومن مس الميت، ومن حمله، وعند قراءة القرآن والحديث، وعند تلقى العلم، ودخول المسجد، والأذان، والخطبة، وزيارة القبور.

وقد أمر النبى r بإسباغ الوضوء، وهو إتمامه وإحسانه حتى يوفى كل عضو حقه من النظافة، فقال في حديث له: " أسبغوا الوضوء " (رواه أبو داوود)، وقال: " إسباغ الوضوء شطر الإيمان " (رواه ابن ماجة). حتى إن "رجلا توضأ فترك موضع ظفر عن قدمه، فأبصره النبى r فقال: ارجع فأحسن وضوءك " (رواه مسلم).

ومن هذا كله نرى، "أنه لا يكاد يعلق بالجسم بعض إفرازاته، أو شيء من الأتربة أو الأقذار من خارجه، إلا ويأتي الوضوء على عجل فينزعها عن جسم الإنسان، فيسلم بدنه، ويألفه من يجاوره ولا يتأذى أحد من قذارته. وهكذا نجد أن الوضوء هو الضمانة الأكيدة لنظافة البدن ونصرته، ونقائه وصفائه.

النظافة الموضعية

ويختلف إجراء هذه النظافة بحسب موضعها والعضو المطلوب نظافته، لذلك تقسم بحسب تلك النواحي على الوجه الآتي:
أ- غسل اليدين: يجب أن تغسل اليدان عند ملامسة كل شيء قذر أو ملوث، وكذا قبل الطعام على كل حال، فقد كان رسول الله r " إذا أراد أن يأكل غسل يديه " (رواه النسائي) ؛ وبعد الطعام إن لزم الأمر فقد قال عليه السلام: " من بات وفي يده ريح غمر (دسم) فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه " (رواه الترمذي)؟ وقد صح أنه عليه السلام " أكل كتف شاةٍ فمضمض وغسل يديه " (رواه ابن ماجة).

ويتصل بنظافة اليدين وجوب تقليم الأظفار، درءاً لتجمع الأوساخ تحتها، ودفعاً لما قد ينشأ من الأضرار. وقد قال النبي r" خمس من الفطرة: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقليم الأظفار، وأخذ الشارب " (رواه النسائي). والقاعدة الصحية في التقليم أن يكون بحسب شكل الأظفار، أي يقص منها الزائد عن الجلد، لا أكثر،لا أقل. والأوفق أن يكون تقليم أظفار الأرجل مربعاً لا مدوراً، لتبقى زوايا الظفر بارزة عن الجلد قليلا حتى لا تنشب فيه.

ثم إنه ينبغي إتقان غسل اليدين في الوضوء، فقد قال النبى عليه السلام: " إذا توضأت فخلل بين أصابع يديك ورجليك " (رواه الترمذي).

ب- نظافة الأرجل: لابد من العناية البالغة في نظافة هذه الأطراف يوميا، بغسلها جيدا بماء غزير، مع الانتباه إلى عدم ترك أي جزء منها دون غسل، بما في ذلك المناطق التى بين الأصابع، والتي كثيراً ما تكون عرضة للتعطن ونمو الفطريات المؤذية. وهذه النظافة البالغة هي ما أكد عليه الإسلام، فقد قال
النبي عليه السلام: " ويل للأعقاب من النار.. أسبغوا الوضوء " (رواه أبو داوود)، وقال: " أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع " (رواه ابن ماجة)، وكان رسول الله r" إذا توضأ، يدلك أصابع رجليه بخنصره " (رواه. أبو دارود).

 ج- نظافة الفم: وأهم ما في هذه النظافة الإكثار من غسل الفم أو  المضمضة. وقد تقدم أن المضمضة جزء من الوضوء، فقد قال النبي r : " إذا توضأت فمضمض " (رواه أبر داوود). كما تنبغي المضمضة بعد كل طعام  وبعد تخليل الأسنان لرفع بقية الطعام، فقد قال النبي عليه السلام: " مضمضوا.. من اللبن، فإن له دسماً " (رواه أبو داوود) ويعني ذلك طلب المضمضة من كل ما فيه دسم. وقد تقدم أن النبىr "أكل كتف شاة فمضمض "، كما أنه خرج مرة مع أصحابه إلى خيبر " ثم دعا بأطعمة، فلم يؤت إلا بتسويق، فأكلوا وشربوا، ثم دعا بماء فمضمض فاه " (رواه ابن ماجة) والسويق:. طعام من دقيق الحنطة أو الشعير. 

والأمر الثاني المهم في المحافظة على صحة الفم هو السواك. وهو عامل أساسي في تطهير الفم وتنظيف الأسنان. والمراد بالسواك عموماً تنظيف الأسنان، ويكون ذلك بدلكها بالإصبع، أو بمسواك من عود الأراك، أو بفرشاة خاصة، وسط  في الصلابة، فلا تكون قاسية تدمي اللثة وتخدش الأسنان، ولا لينة لا تنفع مطلقاً. ويشترط في هذا السواك أن يجري بلطف وتؤدة، وأن يكون عاما شاملا، ينظف الأسنان من كل ما يبقى عالقاً فيها.

ومن الأفضل أن يتابع هذا السواك بعد كل طعام إن أمكن، حتى ولو كان عجالة، وقبل النوم على كل حال. ويستحسن السواك كذلك عند القيام من النوم، لأن تكاتف اللعاب في الفم أثناء النوم- ولاسيما إذا كان الشخص عرضة لبقاء فمه مفتوحاً مدة طويلة أر قصيرة أثناء نومه- يخدم الجراثيم ويسهل تكاثرها في الفم، فمن الضروري التخلص منها عند القيام من النوم إذن.

وقد اهتم الإسلام اهتماماً كبيراً بنظافة الفم، حيث طلب من المسلم طلبا مؤكداً أن يستخدم عوداً من أراك ونحوه من كل خشن (كالفرشاة) لإزالة ما  علق بالأسنان والفم من أوساخ وروائح كريهة ؛ وأكد على السواك عند القيام للصلاة، وعند النوم وعند القيام منه، وعند الجوع، وعند تغير الفم. كما أكد على تنظيف الفم بالمسواك (أو الفرشاة)، إن توفق عليه زوال رائحة كريهة تنبعث من الفم، لمن أراد حضور صلاة الجمعة، ويقاس على الجمعة من أراد حضور مجمع من الناس.

يدل على ما تقدم ما ورد عن النبي r أنه قال: " تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب ، ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك حتى لقد خشيت أن يفرض علىَّ وعلى أمتي، ولولا أني أخاف أن أشق على أمتي لفرضته لهم، وإني لأستاك ، حتى لقد خشيت أن أخفي مقادم  فمي (أي أزيل جزءا من اللثة لكثرة السواك " (رواه ابن ماجة). وقال عليه السلام: " لولا أن أشق على أمتي- أو على الناس- لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة " (متفق عديه). كما قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء " (رواه ابن خزيمة).

ثم إن النبي r " كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك " (رواه مسلم)، وكان إذا قام من الليل يشوص فمه بالسواك " (متفق عليه)، وكان " يصلي بالليل ركعتين ركعتين ثم ينصرف فيستاك " (رواه ابن ماجة)، و " كان لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ " (رواه أبو داوود).

د- نظافة الأذنين: وقوام ذلك مسح الأذن الظاهرة بالماء، وإخراج الصملاخ منهما، والصملاخ هو تلك المادة الشمعية التي يفرزها مجرى السمع الظاهر، وتتراكم في صماخ الأذن وهو المجرى الذي ينتهي بغشاء الطبل على مدخل الأذن الوسطى.

وقد صح أن النبى r توضأ " ومسح بأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصابعه في صماخ أذنيه " (رواه أبو داوود)، وأنه " مسح أذنيه، داخلهما بالسبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما " (رواه ابن ماجة).
 هـ- نظافة العينين: ويكفي في ذلك نظافة الوجه إجمالاً بغسله بالماء وحده أو بالماء والصابون، مع  لعناية بنظافة زوايا العينين، كالمأقين خاصة، وهما زاويتا العينين القريبتان من الأنف، إذ تجتمع فيهما تلك المفرزات العينية الخاصة. وقد صح أن رسول الله  r " كان يمسح المأقين " (رواه ابن ماجة).

و- نظافة الأنف: يطرد المخاط من الأنف بالاستنثار أوالتمخط ، على أن لا يكون شديداً، بل يتمخط بلطف بعد سد أحد المنخرين مناوبة، وقد يغسل الأنف بعد ذلك، باستنشاق الماء النقي استنشاقا خفيفا ثم استنثاره. وقد قال النبي r : "إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء ثم لينتثر" (رواه مسلم)، وقال: " استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا" (رواه ابن ماجة).

ز- نظافة الشعر: يجب تعهد الشعر بالنظافة-، ولا سيما فـيمن كان جلده كثير الدهن، لرفع ما يتراكم في فروة الرأس أو خلال الشعر من المواد الدهنية والغبار وما شابه من الأقذار، ثم بترجيله وتمشيطه ليتخلله الهواء فينتعش وتنعش معه فروة الرأس، وتنشط فيها دورة الدم فتنمو الأشعار وتقوى. وقد دخل على النبي r رجل ثائر الرأس أشعث اللحية فقال: " أما كان يجد هذا ما يسكن به شعره؟ (رواه أحمد)،؟ قال عليه السلام: " من كان له شعر فليكرمه " (رواه أبو داوود).

أما ما بقي من أشعار البدن فبعضها بقاؤه واجب حتماً كالأشعار التى في مدخل المنخرين والشعر المنتشر على سطح الجلد في كل ناحية، لحماية البدن من تخريش الألبسة واندلاكها، ومثلها الأهداب  الحواجب. أما الشعر النابت بعد البلوغ في المغابن المعرضة للاحتكاك والملامسة كثيراً، كالآباط وما بين الفخذين. وعلى العانة، فحلقه واجب بين حين وحين. وقد تقدم أن الإسلام يعتـبر ذلك من الفطرة، أي أن إزالة الشعر منها ليس تغييراً لفطرة الله [أي خلقته، التى قطر الناس عليها، بل إن  مما يخالف الفطرة إبقاء هذه الأشعار مدة طويلة دون إزالة، مع ما تسببه من رائحة كريهة وربما من نمو بعض الفطريات.

ح- نظافة السبيلين والأعضاء التناسلية: وتكون هذه النظافة على نوعين، بالاستجمار والاستنجاء. فالاستجمار هو مسح المكان الملوث بالورق أو بالحجر أو ما شابه، الاستنجاء هو الغسل بالماء. وإنه وإن كان الاستجمار، ولا سيما بالورق الهش، ينظف ذلك الموضع ظاهراً، ولكنها نظافة غير كافية، لأن ذرات الورق لا يمكنها أن تحوز المواد العالقة بالجلد تماما أو الداخلة في مسامه الدقيقة، أو الباقية في ثنياته الكثيرة مع كثير من الجراثيم أيضا، وبقاء هذا القليل لا يؤمن شره للمرة الواحدة، فكيف به إذا تكرر؟! لذلك يمكن الاقتصار على ذلك عند عدم وجود الماء فقط، ولكن ينبغي تكراره للمبالغة في إزالة البراز، فقد قال النبي r: " إذا تغوط أحدكم فليتمسح ثلاث مرات " (رواه ابن حزم). وإنما لا تكون هذه النظافة تامة كما لو كانت بالاستنجاء بالماء،كما قال أنس " كان النبي r إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به " (متفق عليه) وكما قالت السيدة عائشة: " ما رأيت رسول الله r خرج من غائط قط إلا مس ماء (رواه ابن ماجة). حتى إن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت تعلم نساء المسلمين:" مرن أزواجكن أن يستطيبوا بالماء، فإني أستحييهم، فإن رسول الله r كان يفعله " (رواه الترمذي).

أما طهارة الأعضاء التناسلية في الإناث، فتحتاج إلى العناية بهاعناية خاصة فتغسل خارجا عند كل تبول أو تبرز، مع اجتناب تلوثها بهذه المفرغات أو بآثارها أيضاً، لذلك يجب غسلها جيدا. بعد كل بيلة ، كما أنه من الأوفق أن تغسل قبل الاستنجاء في حالة التغوط.

أما في المحيض، فيجب تلقى الدم بخرقة نظيفة جدا أو بالورق الهش الخاص، في اليوم مرة أو أكثر، بحسب الضرورة، وأن تغسل هذه الأعضاء خارجاً عند كل تبول.
 

الاستحمام

الاستحمام أو الاغتسال، هو غطس البدن كله في الماء أو إفاضته عليه، توصلاً لنظافة الجسم نظافة عامة أو لمقصد دوائي. وكثيراً ما يكون مفيدا في أثناء الحيض، من حيث النظافة، وإزالة الروائح الكريهة التي تنجم عن رائحة المفرزات الخارجة من المهبل من جهة، وازدياد التعرق من جهة أخرى.

وقد حتم الإسلام على المسلم الغسل عند توافر بعض الدواعي المعينة، كانتهاء الحيض أو النفاس عند المرأة، أو مباشرة الزوج للعملية الجنسية مع زوجته، أو الاحتلام، فقد قال تعالى: " وإن كنتم جنبا فاطهروا " (المائدة: 6) ؛ وقال سبحانه: " يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون، ولا جنباً ، ولا عابري سبيل حتى تغتسلوا "  (النساء: 43). 

وقد ذكرت السيدة عائشة- عندما سئلت كيف كان النبي r يصنع عند غسله من الجنابة-: " كان يفيض على كفيه ثلاث مرات، ثم يدخلها الإناء، ثم يغسل رأسه ثلاث مرات، ثم يفيض على جسده، ثم يقوم إلى الصلاة. وأما نحن (تعني النساء) فإنا نغسل رؤوسنا خمس قيار من أجل الضفر (الضفائر) " (رواه ابن ماجة). وقالت مرة: " كان رسول الله r إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه، ثم توضأ وضوءه للصلاة، ثم يخلل رأسه بأصابعه، حتى إذا خيل إليه أنه قد استبرأ البشرة (أي أوصل البلل إلى جميعها) غرف على رأسه ثلاثا ثم غسل سائر جسده " (رواه النسائي). وأما المرأة فقد قالت السيدة أم سلمة للنبي 

عليه السلام: يا رسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي، فأنقضه لغسل الجنابة؟ فقال: " إنما يكفيك أن تحثي عليه ثلاث. حيثات (الحثية: ملء اليد) من ماء، ثم تفيضي عليك الماء فتطهرين " (رواه ابن ماجة).

ومن أنواع الجنابة الاحتلام، وهو أن يرى الإنسان نفسه في المنام يباشر العملية  الجنسية، ثم يستيقظ فيرى البلل. وقد سئل رسول الله r عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلاماً قال: " يغتسل " وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولم يجد بللا، قال: " لا غسل عليه " قالت أم سلمة: يارسول الله ! هل على المرأة  ترى ذلك غسل قال: " نعم! إنما النساء شقائق الرجال " (رواه الترمذي).

ويفهم من قوله إنما النساء شقائق الرجال أن جميع الأحكام التي وردت بصيغة المذكر  تنطبق على النساء أيضا إلا ما كان فيه تخصيص. 

لكن المرء قد يتكاسل عن الغسل إذا لم يوجد داع من هذه الدواعي المحتمة للغسل، فتحل به الأوساخ، والروائح الكريهة المنفرة.

من أجل. ذلك طلب الإسلام من المسلم العناية بنظافة جسمه بالاغتسال، ولو لم توجد الدواعي السابقة، فقد طلب من المسلم الاغتسال ليوم الجمعة وتلك مرة كل أسبوع، وصلاة عيد الفطر، وعيد الأضحى، ومراراً في الحج والعمرة، وعند دخول مكة، ولصلاة الاستسقاء، والكسوف، ومن الإغماء، ومن غسل
الميت، وعند تغير رائحة البدن لإزالة ما علق به من روائح كريهة، وللاعتكاف بالمسجد ولدخول المدينة المنورة، ولحضور كل مجمع من الناس:

فقد قال النبى r: " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم [ أي بالغ ] ويمس من الطيب ما قر عليه " (متفق عليه). وقال r: " من أتى الجمعة فليغتسل " (أخرجه البخاري ومسلم وابن ماجة) وقال صلوات الله عليه: " حق الله على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام: يغسل رأسه وجسده " (رواه مسلم).

ومدلول هذه الأحاديث التأكيد على غسل الجمعة بشكل خاص، وأنه حق الله تعالى على المسلم، إلى جانب ما فيه من احترام المسجد والمصلين، فلا يذهب المسلم لصلاة الجمعة ولجسمه رائحة كريهة، بل يذهب نظيفاً طيب الرائحة. كما أن هذه الأحاديث تشير إلى أهمية نظافة البدن ومعاودة الاغتسال، من حيث جعلت الحد الأدنى هو الغسل الأسبوعي.

غير أن من هدي الرسول r الاغتسال في كل مناسبة ذات طابع عبادي واجتماعي، لتقترن النظافة والطهارة بالعبادة وتآلف الناس واجتماعهم في مناشطهم العبادية والاجتماعية. فقد "كان رسول الله r يغتسل يوم الفطر ويوم. الأضحى" (أخرجه ابن ماجة). وعن ابن عباس قال: اغتسل رسول الله r ثم لبس ثيابه، فلما أتى ذا الحليفة أحد مواقيت الإحرام بالحج، صلى ركعتين، ثم قعد على بعيره، فلما استوى به على البيداء أحرم بالحج (أخرجه البخاري ومسلم). وعن نافع قال: كان ابن عمر- رضي الله عنهما- إذا دخل أدنى الحرم أمسك عن التلبية، ثم يبيت بذي طوى، ثم يصلي به الصبح ويغتسل، ويحدث أن نبي الله r كان يفعل ذلك (أخرجه البخاري والدارقطني). وعن أبي هريرة عن النبي r " أنه قال: قال رسول الله r : " من غسل ميتاً فليغتسل " (أخرجه ابن ماجة والترمذي).