|
الحكم
الشرعي في التدخين
ويقتصر على الحفاظ على صحته، بالتزام السلوك الصحى، كالحرص على النظافة، والاعتدال في الأكل، وتخصيص دقائق من وقته للرياضة، بل إن عليه أن يبتعد عن كل ما يضر بصحته أو بصحة الآخرين. فمن المعروف بداهة، أن ممارسة أي حق من حقوق الإنسان تقتضي منع عدوان الآخرين على هذا الحق فالذي يمسك سلاحا ناريا فيقتل ظلما واحدا من الناس، إنما يعتدي على حق الناس جميعا في الحياة: "قكأنما قتل الناس جميعا". ومثله الذي يلوث الماء، أو يفسد البيئة، أو يهمل تطعيم أطفاله، فيساعد على انتشار عوامل المرض وتكاثرها، فهو كذلك يعتدي على حق الناس جميعا في الحياة الصحية. ولعل من أوضح مظاهر العدوان على الصحة الفردية والجماعية: التدخين فليس سرا أن مليونين ونصف مليون شخص في العالم يموتون كل عام بأمراض أساسها التدخين، مثل سرطان الرئة، والتهاب القصبات المزمن، والانتفاخ الرئوي، وأمراض شرايين القلب، وسرطان المثانة وهذا يعني وقوع وفاة في كل 13 ثانية من جراء التدخين وإنه لمما يلفت النظر أن أحدا في العالم كله لم يستطع أن يكتشف منفعة واحدة للتدخين فالتبغ مادة ضارة كل الضرر بالفرد وبأسرته وبمجتمعه. وهذا يجعل التبغ مادة فريدة بين المواد التي يتعاطاها الناس بكثرة في العالم فحتى الخمر قال عنها الله سبحانه: " يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس ، وإثمهما أكبر من نفعهما ". فذكر أن للخمر بعض المنافع ولكنه جعلها محرمة تحريما كاملا بمسبب تفوق الأضرار التي تنجم عنها على فوائدها. فما قولنا بالتبغ الذي ليس له نفع يذكره له أي إنسان، بل إن المدخنين أنفسهم مجمعون على ضرره وأذاه ؟. ولعل من أسوأ أنواع التدخين،
ذلك الذي يقال له " التدخين بالإكراه "، ويعنى به استنشاق الشخص غير المدخن
لسجائر الغير رغم أنفه، سواء في المكتب أو في وسائل المواصلات، أو في المنزل
وفي كل عام يسبب التدخين بالإكراه عددا يتراوح بين أربعة آلاف وخمسة آلاف
وفاة في الولايات المتحدة، وحوالي ألفا وفاة في بريطانيا وخمسمئة وفاة
في كندا كما أن النساء غير المدخنات والمتزوجات من رجال مدخنين، يتعرضن
إلى سرطان الرئة بنسبة أكبر كثيرا من النساء المتزوجات من أشخاص غير مدخنين.
وقد رأى المكتب الإقليمي
أن من واجبه تعميم الانتفاع بهذه الدراسات القيمة وقرر إصدار هذا الكتاب
الذي يستفتح بخلاصات الفتاوى، ثم يشتمل على نصوصها الكاملة إتماما للفائدة،
ولو كان فيها بعض التكرار، ولاسيما من حيث المعلومات الصحية والطبية التي
استند إليها السادة الفقهاء في التوصل إلى فتاويهم وإنا لنرجو أن يستجيب
قراء هذا الكتاب لما يقرأونه من حكم شرعي، ويكفوا عن التدخين اتقاء لإقاع
المضرة والمفسدة بأنفسهم وأهليهم ومواطنيهم، وتلبية لقول الله عز وجل:
" يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم يما يحييكم ". والله
من وراء القصد. الحكم الشرعي في التدخين " أصبح واضحا جليا أن
شرب الدخان، وإن اختلفت أنواعه وطرق استعماله، يلحق بالإنسان ضررا بالغا،
إن آجلا أو عاجلا، في نفسه وماله، ويصيبه بأمراض كثيرة متنوعة، وبالتالي
يكون تعاطيه ممنوعا بمقتضى هذه النصوص، ومن ثم فلا يجوز للمسلم استعماله
بأي وجه من الوجوه، وأيا كان نوعه، حفاظا على الأنفس والأموال، وحرصا
على اجتناب الأضرار التي أوضح الطب حدوثها، وإبقاء على كيان الأسر والمجتمعات
بإنفاق الأموال فيما يعود بالفائدة على الانسان في جسده، ويعينه على الحياة
سليما معافى، يؤدي واجباته نحو الله ونحو أسرته فالمؤمن القوي خير وأحب
إلى الله من المؤمن الضعيف والله سبحانه وتعالى أعلم. الإمام الأكبر
الدكتور عبد الجليل شلبي
الدكتور حامد جامع
وينبني عليه حكم الاتجار فيه، الذي يدور أيضا بين الحرمة والكراهة التحريمية، بالنسبة لمن يريد البدء في هذا الاتجار، لأنه حينئذ يتاجر في حرام ضار، أو في مكروه كراهة تحريمية، تقف على حدود الحرام . الدكتور زكريا البري
الشيخ عطية صقر
الشيخ مصطفى محمد الحديدي
الطير الشيخ عبد اللة المشد
وإذا تبين لنا ضرر التدخين على حياة الإنسان بمثل هذا القدر فإن مما لا شك فيه أن يكون محرما 0 الدكتور أحمد عمر هاشم
ومن كل ما سبق نقول: إن التدخين حرام، وإن واجب المسلمين أن يحاربوا هذه العادة الضارة المهلكة. الدكتور الحسيني هاشم
رحمه الله اللجنة الدائمة للبحوث
العلمية والإفتاء الحكم الشرعي في التدخين لفضيلة الإمام الأكبر
وبعد: فقد اهتم فقهاء المسلمين وكثرت أبحاث العلماء فى فحص حقيقة الدخان. وما يترتب على شربه وتعاطيه وما يتفرع على ذلك من حكم شرعي نتيجة لما يثبت من ضرره أو نفعه، حيث لم يرد في شأنه نص في القران أو السنة. ولم يعرف شرب هذا الدخان إلا في أوائل القرن الحادي عشر الهجري ، بعد أن ظهر فى بلاد الإفرنج، وفى أرض المغرب، وبلاد السودان، ثم شاع فى بلاد الإسلام. وقد اختلفت كلمة الفقهاء فى بيان منافعه ومضاره منذ ظهوره واستعماله في البلاد الإسلامية ففريق ذهب إلى أنه يحتوي على فوائد كثيرة، منها على سبيل المثال، ما قاله أحدهم: انه يهضم الطعام، ويطفىء السموم، ويقتل الديدان في المعدة، ويسهل خروج البلغم، ويسخن الرأس والجسد، ويخفف الزكام، ويقوي الهمة، ويسهل خروج الفضلة بسرعة . أما الفريق الآخر فيرى-
كما نقله عن الأطباء والحكماء في عصره- أن شرب الدخان يحدث في ابتدائه
بعضا من المنافع في البدن، حتى يداوم عليه فيحدث الغشاوة في البصر، والثقل
في الأعضاء والإمساك في الهاضمة وقال بعضهم إنه حار يابس معطش مجفف، مضر
للقلب والدماغ، ويورث الخفقان، ويغلظ الدم. وعلى ذلك: فمن رأى منهم ان شرب الدخان له فوائد في نظره قال بإباحة شربه، بناء عن ما فيه من منافع. أما من ثبت لديه ضرره وعدم نفعه حكم بحرمته، ومنهم من اضطرب في أمره وتردد بين منفعته وضرره فقال بكراهته. ومنهم من رأى ان في شربه إسرافا لأنه يشترى بثمن غالى فيدخل في الاسراف المحرم، مع نتن رائحته وأذيته، خاصة لمن يشربه، فحكم بحرمته. وهكذا نجد أن كلمة الفقهاء لم تتفق على حكم شرب الدخان، حيث أنه لم يثبت لديهم على وجه القطع واليقين ما يترتب عليه من أضرار محققه أكيدة،كما أنه ليس هناك دليل او نص شرعي يقضى بحرمته أو كراهته. وقد أوجز هذه الآراء وجمعها أحد العلماء فقال: أنه مباح، كما في " رد المحتار " لابن عابدين الحنفي. وقد أفتى بحله من يعتمد عليه من أئمة المذاهب الأربعة، كما نقله العلامة الأجهورى فى رسالته. وجرى على هذا العلامة عبد الغنى النابلسى الحنفي في رسالته التى ألفها في حله، فقال: انه لم يقم دليل شرعى على حرمته وكراهته، ولم يثبت إسكاره أو تفتيره بعامة الشاربين حتى يكون حرامأ او مكروها تحريما ، فهر يدخل في قاعدة: " الأصل في الأشياء الاباحة ". وفي " الأشباه " عند الكلام على قاعدة " الأصل في الأشياء الاباحة أو التوقف "، ان أثر ذلك يظهر فيما أشكل أمره، ومنه الدخان. وفي " رد المحتار " لابن عابدين: أن في إدخاله تحت هذه القاعدة إشارة الى عدم إسكاره وتفتيره وإضراره كما قيل، وإلى أن حكمه دائر بين الإباحة والتوقف والمختار الأول لأن الراجح عند جمهرر الحنفية والشافعية، كما في " التحرير "، أن الأصل الاباحة، إلا أنه كما قال العلامة الطحطاوي ((يكره تعاطيه كراهة التحريم لعارض، ككونه في المسجد، للنهي الوارد في الثوم والبصل. وهو ملحق بهما، وكونه حال القراءة، لما فيه من الإخلال بتعظم كتاب الله تعالى... إلى أن قال: " والكراهة لعارض، لأننا في حكم ألاباحة في عامة الاحوال " وقول العمادي بكراهة استعمال الدخان، محمول- كما ذكره أبو السعود- على الكراهة التنزيهية. وقول الغزى الشافعي بحرمته قد ضعفه الشافعية أنفسهم، ومذهبهم أنه مكروه كراهة تنزيه إلا لعارض، والكراهة التنزيهية تجامع الإباحة. ومن ذك نعلم حكم تعاطيه،
وأن الأصل فيه الاباحة إلا لعارض يوجب تحريمه أو كراهته التحريمية، لضرره
الشديد بالنفس، أو بالمال، أو بهما، أو تعاطيه في المسجد، أو في أثناء
سماع القرآن لما فيه من المنافاة لتعظيم الله تعالى. " إن تدخين السجائر يلعب
دورا رئيسيا في حدوث كثير من الأمراض، اكثرها أهمية أمراض قصور الدورة
التاجية للقلب، وسرطان الرئة، والالتهابات القصبية (الشعبية) المزمنة،.
وانتفاخ الرئتين، وعلاوة على هذه الأمراض التي تعتبر سببا رئيسيا للوفاة،
فان تدخين السجائر يتسبب ني العديد من الأمراض التى تؤدي إلى عجز مؤلم
وواسع النطاق، ناتج عن أمراض الصدر والقلب،كما أن هناك علاقة ببن انتشار
قرحة المعدة والاثنى عشري وبين التدخين،كما أن التدخين له علاقة بسرطان
الفم والحنحرة والبلعوم ". يقول تقرير الكلية الملكية للأطباء للمملكة المتحدة عام 1977، إن كمية النيكوتين الموجودة في سيجارة واحدة كفيلة بقتل إنسان في أوج صحته، لو اعطيت له هذه الكمية من النيكوتين بواسطة إبرة فى الوريد. كما يؤكد تقرير منظمة الصحة العالمية: أن الوفيات الناتجة عن التدخين هي اكثر بكثير من جميع الوفيات الناتجة عن الأمراض الوبائية مجتمعة، وأن تدخين السجائر فى العصر الحديث يسبب من الوفيات ما كانت تسببه أشد الأوبئة خطرا في العصور السالفة. " وقد أثبتت الإحصائيات الدقيقة في أوربا وأمريكا أن كثيرا من المدخنين " يعيشون حياة تعتريها الأمراض والأسقام، ولهذا تتجه الحكومات، وخاصة في البلاد المتقدمة، إلى بذل المجهودات لمحاربة التدخين والتقليل من آثاره الضارة. " وقد نشرت مجلة الطبيب البريطانى بحثا جاء فيه:- إن التدخين يؤدي إلى إضعاف الذاكرة، وذلك لأن المدخنين يعانون من تأثيرات التدخين السيئة علي الذاكرة، وهو يؤدي إلى حدوث تصلب الشرايين وجلطات القلب والمخ.. " ويقول مدير الحملة المناهضة
للتدخين في بريطانيا: إن الدراسات قد أثبتت أن هناك خطرا ملموسا على الصحة،
إذا تواجد شخص غير مدخن في وسط يشيع فيه دخان السجائر.. "
لما كان ذلك؟ وكان المقرر في الإسلام
أن الضروريات الخمسة هى حفظ الدين، و العقل، والنفس، والمال، والعرض، وأن
المسلم منهي بنصوص القرآن والسنة عن أن يتسبب في قتل نفسه أو يودي بها
إلى التهلكة. قال تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة "البقرة 195 "
وقال جل شأنه (ولا تقتلوا أنفسكم ) "النساء29: " وعن جسمه فيم أبلاه. كما جاء في الحديث الشريف " لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى تسال عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه " (رواه الترمذى) . وكان في الافراط فى التدخين إسراف وتبذير منهى عنه شرعا في قوله تعالى: (ولا تبذر تبذيرا " الإسراء26 " وفيه إرهاق وتقتير لغير القادرين، لأنه يحرمهم من ضروريات الحياة. وإذ كان ذلك؟ اصبح واضحا جليا أن شرب
الدخان- وان اختلفت أنواعه وطرق استعماله- يلحق بالإنسان ضررا بالغا -
إن آجلا او عاجلا- في نفسه وماله، ويصيبه بأمراض كثيرة متنوعة وبالتالي:
يكون تعاطيه ممنوعا بمقتضى هذه النصوص، ومن ثم فلا يجوز للمسلم استعماله
بأي وجه من الوجوه- وأياً كان نوعه- حفاظا على الأنفس والأموال، وحرصا
على اجتناب الأضرار التى أوضح الطب حدوثها، وإبقاء على كيان الأسر والمجتمعات،
بإنفاق الأموال فيما يعود بالفائدة على الإنسان في جسده ويعينه على الحياة
سليما معافى، يؤدي واجباته نحو الله ونحو أسرته، فالمؤمن القوي خير وأحب
إلى الله من المؤمن الضعيف. الحكم الشرعي في التدخين لفضيلة الدكتور
التدخين الآن عادة شائعة بين الناس، قلما يخلو منها بلد متحضر أو بدائي. وهذا الشيوع أوهم الكثيرين أنه عمل مباح، ليس حراما ولا مكروها. ولم يكن التدخين موجودا في عصر الرسالة ولا في عصر تدوين الفقه من الأئمة الأولين، أصحاب المذاهب الفقهية. لذلك لم يرد فيه قرآن ولا سنة، ولا حكم فقهي من أصحاب المذاهب. وعندما وجد التدخين في القرن السادس عشر الميلادي تقريبا، نظر الفقهاء المعاصرون في حكمه على قدر ما انهي اليهم من المعلومات عنه، وكان قصارى ما يفعلون أن يلجؤوا إلى القياس ، ولم يثبت لديهم أن في التدخين ضررا صحيا، فكان نظرهم إلى متعاطيه أكثر من نظرهم إلى المادة التي تدخن. وقد قيل لهم إنه لا ضرر فيه، فاعتبر مشروبا من المشروبات الأخرى المباحة في حد ذاتها. وبالنسبة للمدخن اعتبروه مما. تعتريه الأحكام الشرعية الخمسة، ولم تتفق كلمتهم في الحكم عليه: أ- فهو مباح للشخص الموسر
الذي لا يؤثر تعاطي الدخان في ماليته ولا على صحته، فهو كالشاي والقهوة
وما إلى ذلك. هذا ا هو مجمل أقوالهم ، وواضح أنهم ركزوا أحكامهم على حال المدخن، كما أنهم احتاطوا للحالة الصحية، وإن لم يثبت في عصرهم هذا الضرر الصحى. وقد حرمه على الإطلاق بعض المجتهدين، ومنهم الوهابية، حتى بالنظر إلى الموسر المليء. وقالوا إن من ضياع المال في غير فائدة وانه لا جدوى وراءه، وأولى أن ينفق ثمنه- وإن قل- فى شىء نافع. وضياع أى مال فيما لا فائدة منه من التبذير والاسراف الذى نهى الله عنه، وهو مخالفة لسنة الله في الاقتصاد. وقد امر المتطهـر من الماء أن يقتصد في استعماله، ولو كان على شاطىء نهر. والمال القليل يؤثر في ثروة الثري أكثر مما يؤثر إسراف المتوضىء فى ماء النهر. وقد لعن الله المبذرين ووصفهم بأنهم إخوان الشياطين، ونهى عن الاسراف حتى في المباحات فقال سبحانه (وكلوا وا شربوا ولا تسرفوا) (الأعراف 31). ومع وجاهة هذا الرأىا فإنه كذلك ينظر إلى حال الشخص المدخن، ويفترض أن التدخين لا يؤثر في الصحة العامة. وقد ثبت الآن أن التدخين
له أثر كبير على صحة الشخص المدخن، وأن أضراره لا تقتصر عليه، بل تتعداه
إلى مجتمعه ثم إلى ذريته. وقد وقف الباحثون على أضرار كثيرة له ذكرتها
الكتب والنشرات المختصة. وحيث ثبت أن التدخين ذو ضرر محقق، أو على الاقل لا يؤمن حدوثه، فهو محرم شرعا .وتحريمه يرجع إلى السببين الرئيسيين: وهما إضاعة المال وتعريض الأجسام للأمراض.كما ثبت أنه لا أثر له في تنبيه الذهن وتنشيط الاجسام، وأنه لا دواء فيه لأي مرض. ولكن المدخنين بعد أن يتورطوا في تعاطي الدخان، يصبح تركه شاقا عليهم، ويخيل إليهم أنهم يتداوون به، وهو خطأ، لأنه في الواقع يزيدهم مرضا علي مرض. وبعد أن قرأت النشرات الطبية العديدة التي توضح آثار التدخين وأضراره الصحية والاجتماعية أقول انه حرام قطعا ويجب على المدخنين أن يقلعوا عنه، وعلى غير المدخنين أن يتحاشوه. والله أعلم. الحكم الشرعي في التدخين
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء وإمام المرسلين. وبعد : فمن العادات التى فشت بين الرجال والنساء والشباب والصبية - وحتى الأطفال- عادة التدخين، وقد أصبحت تلك العادة بعد هذا الفشو والانتشار ظاهرة خطيرة، يشفق منها المعنيون بالصحة وعلماء الدين معا، وذلك لما لها من آثار مدمرة في صحة أبناء هذا الجيل ومن يلونهم من أبناء الأجيال المقبلة، الذين تناط بهم الآمال لعمارة الدنيا وحراسة الدين. و.قد نشط علماء الدين والطب- وغيرهم- لمواجهة هذه الظاهرة المدمرة ومقاومة انتشارها، وذلك ببيان أضرار التدخين وأخطاره، وبتوضيح الحكم الشرعي للتدخين. والحكم الشرعي لشىء ما، هو وصف الشرع له بالوجوب أو الندب أو الإباحة أو الكراهة أو التحريم، وهي الأحكام الشرعية الخمسة، وهى من عند الله تعالى، كما قال سبحانه: (ان الحكم إلا لله (يوسف 67). وقد عرف الفقهاء والأصوليون الحكم الشرعي بأنه: خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير (1) ". ومعنى أن الحكم الشرعي من عند الله تعالى: أن يكون مستندا إلى أصل شرعي معترف به قي شريعة الله تعالى، أو بعبارة أخرى: يكون مستنبطا من دليل معتبر شرعا وليس من دليل عقلي محض. والأدلة الشرعية المعتبرة التى تقوم عليها الأحكام الشرعية هي: كتاب الله تعالى وسنة النبي صلي الله عليه وسلم والإجماع، والقياس، والفقيه حين يعرض عليه أمر ليفتي فيه، يبحث عن الحكم في كتاب الله تعالى أولاً ، فإن لم يجده في كتاب الله تعالى، التمسه في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ، فإن لم يجده التمسه قي إجماع الفقهاء المجتهدين، فإن لم يجد فيه إجماعا اجتهد رأيه وأعمل القياس بضوابطه وشروطه. والتدخين لم يرد فيه- باسمه المعروف- نص فى كتاب الله ولا في سنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، ولم يؤثر فيه إجماع من فقهاء الصحابة أو التابعين أو غيرهم من الفقهاء، ولم ينقل فيه شىء عن الأئمة المجتهدين أصحاب المذاهب الفقهية: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل، لأن التدخين لم يعرف في عهد رسول الله صلي الله عليه وسلم ، ولا في عهود الصحابة والتابعين والأئمة الأربعة، وكان ظهوره في القرن السادس عشر الميلادي حين أدخل المكتشفون الأسبان لأمريكا عادة التدخين إلى بلادهم ومنها إلى فرنسا، ثم بقية بلدان العالم. ومنذ عرف المسلمون التدخين في أواخر القرن العاشر الهجري وأوائل القرن الحادي عشر (2)- اجتهد الفقهاء في الحكم الشرعي له، ولكنهم اختلفوا، فذهب معظمهم إلى أنه حرام، وذهب آخرون إلي أنه مكروه، وقال غيرهم إنه مباح ، وتوقف في الحكم آخرون. وسنعرض- بإيجاز- أقوال بعض هؤلاء الفقهاء. أولاً: الفقهاء الذين
قالوا إن التدخين حرام أدلة القائلين إن التدخين
حرام: ثانيا: الفقهاء الذين قالوا إن التدخين مكروه . ا- الفقيه الحنفى الشيخ
العمادي:كما نقله عنه صاحب " الدر المختار "، ولكن ابن عابدين عقب ذلك
بأن ظاهر كلام العمادي أنه مكروه تحريمأ ويفسق متعاطيه .
أدلة القائلين إن التدنجين
مكروه ثالثا: الفقهاء الذين
قالوا ان اباحة التدخين مباح 4- الفقيه المالكى الشيخ
علي الأجهوري: وألف فى إباحة الدخان رسالته " غاية البيان في حل شرب الدخان
" 4- ليس الاحتياط في الافتراء على الله تعالى بإثبات الحرمة أو الكراهة اللذين لابد لهما من دليل، بل في القول بالإباحة التي هي الأصل. (26) ملاحظة عل الأقوال بإباحة
التدخين رأي خبراء الطب فى التدخين
قال: إن الأخطار الصحية
للتدخين أصبحت من الوضوح والتحديد درجة لم يعد معها أي شك، وسنعرض فيما
يلي ما تأكد إلى الآن: تدل الاحصاءات على أن نسبة الوفاة قبل سن الخامسة
والستين ضعفاها في المدخنين عن غير المدخنين، وعلى أن التغيب عن العمل
ثلاثة أمثاله في المدخنين، عنه في غير المدخنين، وأن نسبة سرطان الرئة
من سبعين إلى تسعين ضعفا في المدخنين بالقياس لغيرهم، ونسبة انتشار النزلات
الشعبية (القصبية) الرئوية والأمفزيما (انتفاخ الرئة) ستة أمثالها في المدخنين
بالنسبة لغير المدخنين، والوفاة منها في المدخنين تسعة أمثالها في غيرهم،
وأن خمسة وعشرين بالمئة من المتوفين بأمراض القلب بسبب التدخين، وأن للتدخين
علاقة وثيقة بقرحة المعدة والاثنى عشري، وبأمراض الدورة الدموية الطرفية،
وأن سن اليأس تتقدم في المدخنات، وأن وفاة الجنين والتشوهات الخلقية والولادة
المبكرة أكثر في المدخنات عنها في غير المدخنات، وأن مخالطى المدخنين-
خاصة في الأماكن القليلة التهوية- يتعرضبون للتأتيرات الضارة التى يتعرض
لها المدخنون أنفسهم، وقد قدر أن ها يستنشقه المخالط تحت هذه الظروف يمكن
أن يعادل تدخين سيجارة في الساعة . وللتدخين أضرار خاصة بالسيدات، إذ يؤدي إلى نقص نمو جنين الحامل المدخنة ونقص وزنه،كما يعرضه للعيوب والتشوهات الخلقية، وترتفع نسبة الوفاة في أجنة المدخنات قبل الولادة أو أثناءها بمقدار 28% عنها في أجنة غير المدخنات، ويبكر التدخين بسن اليأس بين المدخنات وللتدخين تأثير مباشر على الجنين، وتنتقل أضراره من دم الأم إلى الجنين عن طريق الحبل السري، ويمتد هذا التأثير إلى ما بعد الولادة حتى سن الحادية عشرة. وقد أقر هذا التقرير ورافق
كتابة على ما تضمنه، الأستاذ الدكتور اسماعيل السباعى، والأستاذ عبد الباسط
الأعصر أستاذ ورئيس (قسم بيولرجيا السرطان بمعهد الأورام القومي (29)
قال:. ثبت بما لايدع مجالا
للشك أن التدخين يسبب العديد من الأمراض، أهمها أمراض الجهاز التنفسى والقلب
وتصلب الشرايين،؟ أنه من أهم العوامل التي تساعد على تكوين سرطان الرئة
والبلعوم والبنكرياس والمثانة، وثبت أيضا أن أضرار التدخين لاتقع فقط على
المدخن بل تقع علي المحيطين به . قال: لاجدال في ضرر التدخين، بل إن تأثير التدخين السىء علي الصحة يعتبر الآن أشد من أخطار الطاعون والكوليرا والجدري والسل والجذام مجتمعة. إن آثار التدخين الضارة على الصحة تبدو مريعة مخيفة، إذا أدركنا أن ملايين البشر يلاقون حتفهم فى كل عام نتيجة إدمان التدخين، كما أن عشرات الملايين يعانون من أمراض وبيلة تجعل حياتهم سلسة متصلة من العناء والشقاء، وكل ذلك بسبب التدخين . وأهم الأمراض التى تصيب
المدخنين: ووجد أن المدخنين يواجهون
خطرسرطان الفم والمريء والبلعوم والحنجرة بعشرة أضعاف ما يحتمل حدوثه بين
غير المدخنين. وأن الوفيات الناتجة عن التدخين هي أكثر بكثير من الوفيات
بالأمراض الوبائية مجتمعة. وأنه من بين كل ثلاثة مدخنين يلاقي واحد منهم
. في ضوء رأي خبراء الطب
الحكم الشرعي في التدخين
ومن هذا يتبين أن الضرر
نفسه منتف في الشرع، وادخال الضرر بغير حق كذلك، ويكون الاضرار بالنفس
بالتدخين حراما، لأن النهي عن قتل النفس وعن الضرر والضرار ورد في كتاب
الله تعالى وفي سنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، والنهى يقتضى التحريم إلا
لصارف يصرفه عنه ولا يوجد. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله : الأكثر حملوا قوله صلي الله عليه وسلم " إضاعة المال على الإسراف في الانفاق وقيده بعضهم بالانفاق في الحرام، والقتوى: أنه ما انفق في غير وجهه المأذون فيه شرعا، سواء كانت دينية أودنيوية، فمنع منه لأن الله تعالى جعل المال قياما لمصالح العباد وفي التبذير تفويت لتلك المصالح وأية إضاعة للمال أبلغ من إتلافه وحرقه حين يحرق التبغ الذي اشترى بهذا المال ولا يبقى منه إلا الدخان الذى يتبدد في الهواء، والتراب الذكر يتناثر على الأرض، والداء الذي يستقر في جسم الانسان فيضر صحته ويغتال حياته. والله سبحانه وتعالى نهى عن التبذير ووصف المبذرين بأنهم إخوان الشياطين.. فى قوله عز وجل: وآت ذي القربي حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيرا ، ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفورا (36) قال الإمام الشافعي رحمه الله: التبذير إنفاق المال في غير حقه، ولا تبذير في عمل الخير، وهذا قول الجمهور. (37) والمال الذي في أيدي الناس
هو مال الله وهم مستخلفون فيه، فلا ينبغى أن ينفق إلا في طاعة الله تعالى،
قال عز وجل: (آمنوا بالله ورسوله وانفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه ) وفي
تفسير الآية يقول القرطبي رحمه الله : دل علي ان اصل الملك لله سبحانه
وتعالى، وأن العبد ليس له فيه إلا التصرف الذي يرضى اللة.، فيثيبه علي
ذلك بالجنة (38) وانفاق المال في التدخين ليس طاعة لله تعالى ولا إرضاء
له عز وجل. وان الاقتصاد الوطني-كما قرر الخبراء- يتأثر بنسبة أيام العمل
التى تضيع بسبب أمراض التدخين وتبلغ ملايين الأيام، وبما ينفق على التدخين
وعلى علاج الأمراض الناتجة عنه. كذلك يتأثر اقتصاد الفرد بما ينفق على
التدخين وعلاج الأمراض التي يسببها التدخين، وقد يكون الفرد أو تكون أسرته
بحاجة إلى ما ينفق في التدخين وعلاج آفاته، فيضيع الفرد ماله، ويضيع من
يعول و" كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " كما قال صلي الله عليه وسلم
(39). وخبث رائحة الدخان أهون مضاره، فما يسببه من أمراض وعلل أشد ضرراً وأوخم عاقبة من طعمه المر ورائحته الكريهة. وعلى ذلك يكون الدخان
من الخبائث لمذاقه المر ورائحته الكرعة وأضراره البالغة وعواقبه الوخيمة،
ويكون حراما. الحكم الشرعي في التدخين
عندما عرفت البلاد الاسلامية
الدخان، وبدأ بعض المسلمين يشربونه، بدأ الفقهاء في الوقت نفسه، يبحثون
حكمه، قياما بالواجب الدينى عليهم. ومع هذا ذهب بعض الفقهاء إلى أن شرب الدخان تعتريه الأحكام الخمسة. فيكون واجبا شربه، إذا تعين شربه طريقا إلى اعتدال المزاج، والقدرة على العمل الذهنى أو الحسى، مما يحصل لبعض من اعتادوا شربه. ويكون مندوبا أو مستحبا، إذا كان شربه يؤدي إلى زيادة في اعتدال المزاج والقدرة على العمل. ويكون مباحا، إذا كان يستوى حال شاربه، شرب أو لم يشرب. ثم يكون مكروها، إذا كان يضر صاحبه ضررا قليلا، أو كان يغلب على ظنه ضرره قبل شربه. ثم يكون حراما، إذا تحقق الضرر بالشرب، أو كان متحققا من حصول الضرر الشديد إذا شربه. وقد ساد القول بحل شرب الدخان، واشتهر قولا وعملا في البلاد الإسلامية. وأقبل علي شربه كثير من الفقهاء الصالحين دون أن يجدوا في شربه أي حرج دينى، وكادت تقنصر الفتوى بحرمته أو كراهته على من يصيبهم ضرر في أبدانهم، أو أموالهم التى تبث ضد حاجتهم وحاجة أسرهم اليها. والآن- وقد حسمت البحوث الطبية والتجريبية الأمينة الأمر في هذا العصر (3)، وانتهت إلى اضرار الدخان بصفة عامة، وجزمت بها.. واستجابت لذلك كثير من الحكومات، فاتخذت الاجراءات لمقاومة أضراره، فرفع بعضها أسعاره، لتقليل الاقبال عليه، أو منعت شربه في بعض الأماكن والتجمعات،كما فعلت مصر أخيرأ، بجهود نقيب الأطباء السابق الأستاذ العلامة الدكتور حمدي السيد، وألزمت شركاته باعلان مضاره لشاربه، بصورة واضحة، تنفره منه، حتى يتدبر أمره، ويعرف مصيره، فتقوى عزيمته، ويسميطر بإرادته على سلوكه، فيمتنع عن شرب الدخان، ويحض غيره على ذلك، ويكون قدوة حسنة، ورائدا فى ميدان الاصلاح الاجتماعي، ويسن سنة حسنة، يكون له أجرها ومثل أجر من تابعه فيها، من غير أن ينقص أجر التابع، كما جاء في السنة النبيوية. الآن- وقد حسم أهل الذكر والاختصاص الطبي االأمر- فإن حكم شرب الدخان-بصفة عامة- يدور بين الحرمة والكراهة التحريمية، لمن يدأ في شربه. ومراعاة لأحوال كثير من الناس، الذين اعتادوا شربه في وقت ساد فيه القول بحله، وكانت لهذه العادة سيطرة وتأثير عليهم، وقد يكون في تركه مرة واحدة كما فعلت أنا، صعوبة ومشقة زائدة غير محتملة عندهم، يكون الحكم- بالنسبة إليهم- هو وجوب التدرج في تقليل الكمية التي اعتادوا شربها، حتى يصلوا إلى القدر الضئيل الذي يخف ضرره أو ينعدم، أو يصلوا إلى الامتناع عنه امتناعا مطلقا، بحسب الوسع والطاقة، وفي حدود ظروفهم الصحية والمالية، ومع اختيار أخف الضررين باختيار الأنواع وطريقة الشرب التي تقل ضررا، وقد فعل ويفعل ذلك كثيرونا استجابة لاحساسهم بمضاره، أو امتثالا لنصائح الأطباء. وعليهم أن يبتعدوا عن شربه في المجتمعات، والأماكن المغلقة، بعد أن تبين أن ضرر شربه لا يقف عند صاحبه بل يتعداه إلى غيره. وإذا كان الشارب يضر نفسه ولا يبالي، شأن من لا يحتكمون إلى عقولهم بل إلى شهواتهم، فليس له أن يضر غيره، ولا ضرر ولا ضرار، والاسلام حريص على نظافة البيئة (4) فهى من حقوق الانسان. وقد بدأت في اتخاذ اجراءات رفع دعوي تعويض على المسؤولين عن التراخي الشديد في تنفيذ القانون الذي صدر أخيرا، بعد أن ناديت به في مجلة " لواء الاسلام " الدينيه، ثم في صحيفة " الأخبار " واسعة الانتشار، وفي صفحتها الأولى. فعلاج الأمراض الاجتماعية بمجرد إصدار قانون يبقى على الورق أمر له آثاره الخطيرة، وأهون منها ضررا عدم اصدار مثل هذا القانرن. هذا هو حكم شرب الدخان فى هذا الزمان وينبني عليه حكم الاتجار فيه، الذي يدور أيضا بين الحرمة والكراهة التحريمية، بالنسبة لمن يريد البدء في هذا الاتجار، لأنه- حينئذ- يتاجر في حرام ضار، أو في مكروه كراهة تحريمية، تقف علي حدود الحرام. أما من نظموا حياتهم على إلاتجار فيه بصورة أساسية أو تبعية، واعتمدوا عليه في تدبير مواردهم المالية، فإنه- تقديرا لحاجتهم وبقدرها- ينبغي عليهم التدرج في عدم الاتجار فيه شيئا فشيئا، مع الامتناع عن بيعه للشباب الذين يحاولون تقليد غيرهم في عادة ضارة، ويريدون البدء في شربه، ولن ينقصهم شىء إذا لم يشربوه، ثم الاعتماد شيئا فشيئا في كسب ارزاقهم على الاتجار في الحلال الطيب النافع، إلى أن تنتهي هذه المرحلة الانتقالية، من جيل اعتاد شربه، الى أجيال أخرى ينبغي أن لا تشربه. ويجدر إصدار قانون ينظم الاتجار في الدخان، بحيث يقصر بيعه وشربه مؤقتا على من أدمنوا شربه، تمهيدا لمنعه منعا باتا، مع عدم إصدار تراخيص جديدة بالاتجار فيه، ومعاونة التجار الحاليين في الانتقال إلى الاتجار بغيره، وتدبير موارد مالية للدولة تعويضا عن مواردها من تجارة الدخان، وسيكون في الوفر العظيم الذي يققه منع شرب الدخان متسع لها ولأكثر منها. وعلى الله قصد السبيل،
والله ولي التوفيق. الحكم الشرعي في التدخين
إن مكافحة أو مقاومة التدخين، سواء أكان حراما أم مكروها، أمر يقره الاسلام، لأنه يحب للمسلم أن يكون قويا املا في كل نواحيه الصحية والفكرية والروحية والاقتصادية والسلوكية بوجه عام، ولقد جاء في ذلك قول النبى صلي الله عليه وسلم " المؤمن القوى خير وأحب الي الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز " (رواه مسلم). والصحة لها مكانة كبيرة في نظر الاسلام، لم يغفلها التشريع في كل التكاليف التي تحتاج إلى جهد بدني، كالصلاة والصيام والحج والجهاد، حيث خفف على المريض فبما هو معروف ومفصل في كتب الفقه، ومنع كل ما يؤثر على صحة الانسان حتى لا يضعف عن أداء واجباته الدينية والدنيوية، وقرر أن الصحة نعمة لا يفطن إلى قدرها كثير من الناس، ولا يحسمون بها إلا عندما يحرمون منها كما يقول المثل السائر " الصحة تاج على رؤس الأصحاء لا يعرفه إلا المرضى " وقد قال النبى صلي الله عليه وسلم " نعمتان مغبون فيما كثير من الناس، الصحة والفراغ " (رواه البخارى) أى يخسرهما إذا لم يحسن استغلالهما كما يخسر الانسان إذا باع شيئا ثمينا بثمن قليل. وجاء في الحديث الشريف أيضا " أول ما يسأل عنه العبد يوم القيامة من النعيم أن يقال له: ألم نصح لك جسمك ونروك من الماء البارد " (رواه النرمذى) وقال بعض المفسرين لقوله تعالى (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم (التكاثر: 8) إن النعيم هو الصحة. وقد جعلها النبي صلي الله عليه وسلم أحد ا لأركان الأساسية للشعور بالسعادة في الدنيا، فقال " من أصبح آمنا في سربه، معافى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها " (رواه الترمذى) وجاء في الحديث أيضا " سلوا الله العفو والعافية والمعافاة، فما أوقي أحد بعد اليقين خيرا من معافاة " (رواه النسائي). قال بعض شراح هذا الحديث: هذه الأمور الثلاثة تضمن إزالة الشرور الماضية بالعفو، والحاضرة بالعافية، والمستقبلة بالمعافاة. في مجال الوقاية ضد ما يصيب الصحة، نهى الاسلام عن كل ما يضر البدن والعقل، وحرم جميع المطعومات والمشروبات الضارة كالميتة ولحم الخنزير والخمر، ونهي عن إرهاق الجسم بكثرة السهر حتى للعبادة بقيام الليل أو بالصيام المرهق، ففي الحديث الشريف ((إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا " رواه البخارى) ونهى عن الاسراف في "تناول الحلال المباح، فقال (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين (الأعراف: 31) ونهى عن مخالطة المرضى منبها إلى خطر العدوى وأخذ الحذر من كل سوء. هذا في الصحة أما في المال فقد عنى الاسلام بالمحافظة عليه وحسن استعماله، فنهي عن إضاعته بانفاقه في غير وجهه الصحيح، فهو تبذير إن وضع في غير محله، وإسراف إن زاد عن حده، وكلا الأمرين مذموم، والله سبحانه وتعالى يقول (ولا تيذر تبذيرا ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين (الاسراء26- 27) ويقول حتى في إخراج الزكاة (وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا انه لا يحب المسرفين (الأنعام 141) وفي الحديث الشريف أن الله كره إضاعة المال (رواه البخارى ومسلم)، وكذلك جاء فيه النهي عن الضرر والضرا ر. ومن هذا المنطلق نقول:
والوقاية تستهدف الحيلولة دون الوقوع في خطره، كما تحول دون الاستمرار فيه، وذلك بالنسبة لمن شرعوا في تجربته ولم يتوغلوا فيها، والعلاج هو محاولة إنقاذ من وقعوا في براثن الخطر، ولكل من الوقاية والعلاج أساليب ومظاهر نلقي عليها بعض الضوء من وجهة النظر الإسلامية. إن من أساليب الوقاية، التوعية، التى تحذر من الإقدام على تجربة التدخين، فقد تقول للانسان نفسه أن يجربه ليعرف أثره، فاذا عرفه تركه وتخلص منه، ولكن من مارس التدخين ليخبره وقع في شراكه، وصعب عليه الإقلاع عنه والافلات منه. جاء في مأثور الأدب العربي أن اثنين من كبار الدهاة- أي واسعي الحيلة بعيدي النظر- قال أحدهما للآخر: أينا أدهى من الآخر فقال: أنا، لأنني إذا وقعت في الشر عرفت كيف أتخلص منه، فقال له: بل أنا أدهى منك، لأننى أعرف الشر فلا أقع فيه. وبالفعل هو أدهى منه، لأن النجاة من الشر قبل الوقوع فيه مستطاعة ومؤكدة ولاتحتاج إلى جهد ومعاناة، أما النجاة بعد الوقوع فيه فمظنونة غير مؤكدة وتحتاج في الوقت نفسه إلى جهد ومعاناة. والتوعية هي من باب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، الذي هو من خصائص الأمة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس، والتناصح الذى يجب أن يسود بين أفراد المجتمع، ومن باب التعاون على الخير الذي هو من أبرز صفات المجتمع الراقي الناهض. والاسلام باعه طويل في هذا المجال، ونصوصه كثيرة نكتفى منها بقول الله تعالى (ولتكن منكم امة يدعون الى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون " آل عمران: 104 " وقوله المؤمنون والمؤمنات بعضهم اوليا بعض يامرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) وقوله وتعاونوا علي البر والتقوي ولا تعاونوا على الاثم والعدوان " المائدة 2 " وقول النبى صلي الله عليه وسلم " الدين النصيحة " (رواه مسدم) وقوله ((من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فان لم يمستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الايمان " (رواه مسلم) وقوله " لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم " (رواه مسدم) أي الجمال الحمراء وهى من أكرم الأموال عند العرب. وتوعية المدمن بالمبادرة إلى العلاج، فيها اهتمام الانسان بغيره، بدلالته على الخير وتخليصه من الشر، وهو خلق إسلامي يحض عليه النبى صلي الله عليه وسلم فيقول " ومن فرج عن مؤمن كربة فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه " (رواه مسدم) ويحذر من التهاون فيه فيقول " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " (رواه الطبراني) ويقول " لايؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه " (رواه البخاري ومسلم). أقول ذلك للتأكيد على أهمية التوعية وتشجيع القائمين بها، وأملا في إفادتها قي مجال المكافحة أكثر من غيرها من الوسائل، وبخاصة إذا اتبع فيها الاسلوب الحكيم القائم على الدراية بخصائص النفس البشرية وطرق التأثيز فيها، والله سبحانه يقول (ادع الي سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة (النحل 125). وستنتهي التوعية الحكيمة بالاقتناع، والاقتناع اساس السلوك المستقر الآمن من التقلبات وا لنكسات. ومن الأساليب الحكيمة في التوعية تبديد الوهم المسيطر على بعضا العقول من أن في الدخان فوائد تغري بتعاطيه أو الاستمرار في تناوله، وإبراز الأخطار التي لا يجوز التغافل عنها أمام الفوائد المتوهمة. فهو في الناحية الجنسية يضعفها، وقد وجدت في المدخنين حالات اضطراب شديدة في حركة الحيوانات المنوية، وعدم القدرة على الاخصاب، كما يقول الدكتور " كارل شيرن " من جامعة هامبورج الألما نية وهو في تبديد الهم أو نسيانه ذوأثر مؤقت وضعيف، بل قد يسلم إلى التمادى في التفكير في هذه الهموم. وفي الكسب المادى من وراء إنتاجه وألاتجار فيه لاتجوز الغفلة عن الخسائر الأدبية الأخرى التى تؤثر حتما، بطريق مباشر أو غير مباشر، على الصحة والاقتصاد لمن يمارسون هذا النشاط، ولغيرهم من أفراد المجتمع الذي يعيشون فيه ويتأثرون به قوة وضعفا. وفي الدول النامية بالذات يجب تنبيهها إلى خطورة انتاجه وتصديره، فإن ما يكسبونه من مادة لا يعوض الخسارة المترتبة عليه، وقد تنبهت الدول المتقدمة لخطورته فأخذت في الاقلاع عنه (فاعتبروا يا أولي الأبصار " الحشر 2 ". إن التوعية بتوضيح الرؤية وبيان الحقيقة، لايمكن الاستغناء عنها حتى مع سن القوانين لمكافحة التدخين، ذلك أن الاقتناع هو الضمان الأكيد للاخلاص في تنفيذ ما يوضع من تشريعات. وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في أوامره ونواهيه، يشفعها غالبا بما يطلق عليه حكمة التشريع، لتنساق النفس إلى الامتثال بعد معرفة ما تجنيه من فوائد ما امرت به "، وأضرار ما نهت عنه. ومن أمثلة ذلك قوله تعالى (وأقم الصلاة ان الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر " العنكبوت: ه.، " وقوله (كتب عليكم الصيام كما كتب علي الذين من قبلكم لعلكم تتقون " البقرة: 183 " وقوله في النهي عن الخمر والميسرة انما يريد الشيطان ان يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل انتم منتهون " المائدة: 91 " وفى نهيه عن الغيبة (ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم ان يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه " الحجرات. فالنتيجة إذا كانت لها
مقدمات صحيحة تقبلها العقل بسهولة، والحكم إذا كانت حيثياته صادقة اطمأنت
إليه النفس وسارعت إلى تنفيذه ، وبدون الاقتناع والرضا لا يرجى لأى توجيه
أن ينجح النجاح المطلوب، فالنفوس جبلت على بغض ما اكرهت عليه ولم تقتنع
به، إن نفذته كان التنفيذ شكليا وفي أدنى الحدود، وتحاول التخلص من تبعته
في غيبة الرقيب الذي فرضه، ويعيش الانسان في هذا الجو عيش المنافقين، الذين
يظهرون غير ما يبطنون. ومن دواعى الاقتناع بالتوعية كون القائمين بها قدوة
في الامتثال. وإذا كان الأطباء والدعاة والكتاب هم البارزون في هذا الميدان،
وهو ميدان الدعوة ضد التدخين، فلا يصح أبدا أن يمارسوه، لأن ممارسته تعطي
ايحاء للناس بأنهم غير صادقين في حملتهم هذه، لأن رجال التوعية لو كانوا
صادقين، لكانوا أول من ينفذون. ذلك هو افتراض الناس، وهو امر لا يمكن إنكاره،
ولهذا حذر الاسلام دعاة الخير من أن يظهروا بصورة مهزوزة أمام من يدعونهم
إليه، فذلك يفقد الثقة في دعوتهم، أو يضعفها على الأقل، قال تعالى (يا
ايها الذين امنو لم تقلون ما لا تفعلون كبر مقتا عند الله ان تقوا ما لا
تفعلون " الصف 2، 3 " لي قال أتأمرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم
تتلون الكتاب افلا تعقلون ) " البقرة 44 " ومن الأقوال الحكيمة:
يجب في التوعية المكتوبة أو المسموعة أو المرئية، أن تعرض المعلومات والحقائق بأمانة، فلا تعطى السلبيات في التدخين أكبر من حجمها، لأن الصور الواقعة يوازي بها الناس ما يرون ويسمعون ويقرءون من أساليب التوعية، فإن لم تكن متطابقة اهتزت الثقة وفقدت أثرها المطلوب. إن الله سبحانه وتعالى
حين بدأ تحويل انظار الناس إلى ضرر الخمر والميسر، قال: (فيهما اثم كبير
ومنافع للناس واثمهما اكبر من نفعهما (البفرة 219) فكل خير يحمل شرا بقدر
ما، وكذلك كل شر يحمل خيرا بقدر ما. ذلك أن الوباء كالعدو المهاجم، والمجاهدون ضده لابد أن يتقاسموا المهام المختلفة التي تتطلبها المعركة، من قيادة وتموين وحراسة واستطلاع وما إلى ذلك. وهذا من باب التعاون الذي لا يجوز أن يتخلف أحد عن الاسهام فيه، يشير إلى ذلك قول الله تعالى (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا باموالكم وانفسكم في سبيل الله ) (التوبة). ومن المفيد في هذا المقام، أن توضع برامج تدريبية للقائمين بالتوعية، يزودون بها بكل مايساعدهم في مهمتهم ، فإن المعلومات المبتورة أو المكشوهة قد تضر أكثر مما تنفع، ولعل مما يشير إلى ذلك تعبير القرآن الكريم عن الخبرة الكافية بالتفقه في الدين فى قوله تعالي (فلولا نفر من كل طلئفة منهم طائفة ليتفهموا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون ) (التوبة 122) وكذلك من المفيد في التوعية بضرر التدخين، أن تكون جزءا أساسيا من التثقيف الصحي العام، فإن المعلومات يكمل بعضها بعضا، والأمراض المتعددة تتلاقى في كثير من الأسباب، مع التوصية بأن تبدأ التوعية بأسلوبا مناسب للنشائة في البيوت والمدارس، والقدوة في هذه السن لها أثرها الكبير في الالتزام، فهى توعية صامتة، لكنها نفاذة ومؤثرة تفوق في بلاغتها بلاغة اللسان. ومن هنا نرى الا سلام يعطي أهمية كبيرة لرعاية الآباء للأبناء، وقد صح في الحديث أن " الرجل راع على أهل بيته ومسئول عن رعيته، والمرأة راعية على بيت، زوجها ووليده ومسئولة عن رعيتها " (رواه البخار!ط ومسدم) وجاء في الحديث النبوي قوله صلي الله عليه وسلم " مانحل والد ولده من نخل أفضل من أدب حسمن " (رواه الترمذي). إن أساليب التوعية لابد
أن تتنوع ولا تتخذ شكلا واحدا، حتى لا يتبلد الحس بالمألوف فلا يجد له
أثرا، وأن يستعمل فيها كل مبتكر جديد يكون أجدى وأنفع في التأثير، ولكل
بيئة ما يناسبها، ولكل عصر ما يلائمه، فلكل مقام مقال، البلاغة مراعاة
مقتضى الحال. وهذا هو أسلوب القرآن الكريم في حشد الأدلة المتنوعة من مظاهر
قدرة الله وأنواع نعمه لإثبات وحدانيته، والدعوة إلى الايمان والنصوص فى
ذلك كثيرة وبخاصة في السور المكية، وفي ذلك يقول الشاعر:
أما العلاج بشقيه الوقائي والدوائي، فينبغى أن يكون على التدرج وبخاصة في حالة الادمان، فليس من السهل الاقلاع عن التدخين في هذه الحال مرة واحدة، والخبراء أدرى بخطوات هذا التدرج، ولنا في الاسلام أسوة حسنة فيما اتخذه من إجراءات لتحريم الخمر، فقد منعها أولا في أوقات معينة من اليوم وهي أوقات الصلاة، كما قال تعالي (يا ايها الذين امنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكاري حتى تعلموا ما تقلون ) (النساء: 43) ثم حرمها نهائيا بعد أن استعد الناس نفسيا ولمسوا آثارها الخطيرة، فقال تعالى (يا ايها الذين امنوا انما الخمر والميسر والانصاب والازلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون (المائدة:. 9). وقبل أن يبدأ التحريم الجزئي، نبه الناس إلى مافيها من مضارتفوق مافيها من منافع، وتركت عقولهم توازن وتصل الى الحكم عن طريق الاقتناع بالبعد كما يكون إثمه اكبر من نفعه. ومن أساليب العلاج مع التوعية أيضا عمل الترتيبات اللازمة لعلاج حالات الإدمان، بالعقاقير أو بالأسلوب النفسي. والدين يحث كل مريض على السعى لعلاج نفسه.، حيث يقول النبى صلي الله عليه وسلم " يا عباد اللة تداووا، فإن الله لم يضع داء، الا وضع له دراء " (رواه الترمذي).:. كما يحث الاسلام على مساعدة المدمن على علاجه، بكل ما يمكن من وسائل، فذلك من باب التعاون على الخير، والرحمة بالضعيف، والحديث الشريف يقول " مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم متل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى " (رواه البخاري ومسلم). والعلاج التام يتطلب البحث عن الأسباب التى أدت إلى التدخين، ليعالج كل سبب بما يناسبه، ويكون العلاج جذريا وشاملا، سواء من هذه الأسباب ما كان اقتصاديا أو اجتماعيا أو نفسيا، وهو كما سبق يتطلب خبرات متنوعة. لقد تحدث المختصون عن أهمية النصح للمدخنين بأن يقللوا من عدد مرات التدخين، ومن استنشاق كمية كبيرة من الدخان، ونزع السيجارة من الفم بعد كل نفس، وغير ذلك من محاولات العلاج المتأني المتدرج، كما تحدثوا عن البحث عن بدائل تحل محل التدخين وليست فيها خطورته، استغلالا للعامل النفسي بالذات في المساعدة على الإقلاع التام عن التدخين. والدين يشجع كل جهد يتخذ فى هذا السبيل. هذا، ومن وسائل العلاج، تدخل السلطة بإصدار التشريعات المختلفة لمقاومة التدخين، على النسق الذي اتخذته الدول الأجنبية. وتتضمن هذه القرارات: ا- منع بيع السجائر لصغار
السن. إن هذه القرارات وأمثالها حق للحكومة بل من الواجب عايها أن تصدرها، حفاظا علما مصلحة الدولة، ومن الواجب على الشعب أن يحترص الا وينفذها، فالله سبحانه وتعالى يقول (يا ايها الذين امنوا اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم ) " (النساء: 59)، وهى طاعة في معروف لا في معصية. ولا يصح أن يقال- كما قيل عند صدور قرارات في الغرب- إن الحرية الشخصية لابد أن تظل مكفولة لكل إنسان، ولا يصح التدخل فيها. فهذا قول مردود عقلا وشرعا، وبخاصة في القطاع الذي يتصل بالحياة ألاجتماعية، فالتمتع بالحرية الشخصية حق ، لكن يقابله واجب، وهو الحفاظ على حق الغير في الأمن على حياته وصحته وماله وسائر الحقوق وهذا هر مقتضى العدل الذي يوازن بين خلق الفرد وحق الجماعة وقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يأمر بإخراج من يأكل الثوم والبصل من المسجد، وينفيه إلى البقيع ليعيش مع الموتى. وأنبه إلى أن المهم في إصدار ا لقرارات أن يكون لها احترام في التنفيذ ، ليس فيها ظلم صارخ ولا تحيز لجهة من الجهات، بل تستهدف الصالح العام، وأن تكون مع إصدار القرارات مراقبة للتنفيذ، ولا تترك للضمائر وحدها، فليست كل الضمائر على المستوى الذي لا يحتاج إلى مراقبة للتنفيذ. وأنبه من يقومون براقبة التنفيذ إلى خطورة التهاون فيها، سواء أكانت المراقبة فردية أم جماعية يقوم بها جهاز خاص، ويكفي في التحذير من التهاون ماجاء في المأثور أن الولد يتعلق برقبة أبيه يوم القيامة ويقول: يارب خذ لي حقي من هذا الذى ظلمني. فيقول أبوه ، كيف ظلمتك؟ ألم أطعمك، ألم أكسك…؟ فيقول: بلى، ولكنك كنت تراني على المعصية ولا تنهاني. إن اليوم الذى نصل فيه إلى تربية الضمير سينحل فيه كثير من المشكلات بسهولة ، ولهذا اهتمت كل الدعوات الدينية التي جاءت بها الرسل، اول ما اهتمت، بغرس العقيدة القوية في النفوس، بأن الله رقيب مطلع علي عباده، يعلم السر وأخفى، وهو أقرب إلى الانسان من حبل الوريد (ما يكون من نجوي ثلاثة الا هو رابعهم ولا خمسة الا هو سادسهم ولا ادني من ذلك ولا اكثر الا هو معهم اينما كانوا ثم بنبئهم بما علموا يوم القيامة ان الله بكل شيء عظيم ) " المجاد لة: 7 ". (ان في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القي السمع وهو شهيد " صدق الله العظيم، وبالله التوفيق. الحكم الشرعي في التدخين
التدخين أمر مستحدث، ففد نص الامام اللقاني في رسالة له في شأنه، على أنه ظهر في أواخر القرن العاشر الهجري، ولهذا لم ينزل نص قرآني بخصوصه كما نزل بشأن الخمر التى كانت شائعة وقتئذ، فظن كثير من الناس أن شربه مباح، فأقبلوا عليه يتعاطونه تدخينا في لفافات أو على النارجيلة (الشيشة) أو الجوزة، أو اسمتنشاقا بمسحوقه أو مضغا له. والواقع أن الناس يخطئون في زعمهم أنه حلال، لخلو القرآن من بيان حكمه بخصوصه، فإن مصدر الأحكام في الاسلام إما نصوص خاصة بموضوع الحكم، واما نصوص عامة تتناوله وتتناول سواه مما كان على شاكلته، إما الاجاع وإما القياس، وهذا ما تمتاز به الشريعة الاسلامية. والقرآن والسنة هما المصدران الرئيسيان للأحكام في الاسلام، وقد جاء فيهما ما يدل على حرمته، لأنه ضار بالصحة حالا أو مآلا، وكل ما كان كذلك فهو حرام في جميع الشرائع، وبخاصة شريعة الإسلام، فقد قال تعالى (ولا تلقوا بايدكم الي التهلكة) (البقرة 195) فهذه الآية بعموم نصها تقتضى النهي عن كل فعل يؤدي بصاحبه إلى التهلكة، ويدخل في ذلك الدخان لما سنبينه بعد، وقال صلي الله عليه وسلم " لا ضرر و لا ضرار " فهذا نفى مراد منه النهي والتحريم لكل ما يضر النفس أو الغير، وتناول الدخان يضر النفس بيقين، وكل ما يضر النفسي حرام نصا وعقلا. أعلنت منظمة الصحة العالمية الحرب على شرب الدخان لأضراره، وجعلت لها هذا الشعار: " التدخين أو صحتك، عليك أن تختار ". وأعلن خمسة عشر ألف طبيب في بريطانيا أنهم تركوا شرب الدخان لثبوت أضراره، وأعطوا المثل والقدوة لغيرهم. ويقول دكتور حمدى السيد نقيب الأطباء: إن نقابة الأطباء في مصر- إذ تشارك في تلك الحملة العالمية على التدخين، تهيب بكل الهيئات الأخرى أن تساهم في الحد من خطورة التدخين، وتناشد الأجهزة التنفيذية والتشريعية بضرورة الاسراع في وضع التشريعات للحد من خطورة التدخين وحماية المواطنين- وخصوصا النشء منهم - من شرور هذه العادة القاتلة التى تحمل أخطار للإنسان لا سبيل إنكارها، وتهدد سعادته وحقه في الحياة الطبيعية، التي تشكل إسهاما أساسيا وفعالا في نمو مجتمعه نحو التقدم والرخاء. ولقد أجمع الأطباء الموثوق بمهم في العالم، على أن التدخين ضار بالمدخنين، ولهذا ألزمت الحكومات المتمدينة- بحكم القانون- شركات التبغ أن يكتبوا على كل علبة منه التحذير الآتي: " للتدخين أضرار أكيدة على الصحة، إذ يسبب حدوث السرطان وأمراض القلب والصدر وغرها من الأمراض ". وقد ذكر الأطباء مضار التدخين لمختلف أجهزة البدن بالتفصيل. وكما أن التدخين ضار بالصحة، ففيه تبذير للمال وإضاعته في الضرر، قال الامام الشافعي: إن التبذير إنفاق المال في غير حقه، وقال أشهب عن مالك: التبذير هو أخذ المال من حقه ووضعه في غير حقه، وهو حرام لقوله تعالى في سورة الاسراء (ولا تبذر تبذير ان المبذرين كانوا اخوان الشياطين وكان الشيطان بربه كفورا) (الإسراء37) أي: ولا تبذر في المال تبذيرأ إن المبذرين كانوا في حكم الله إ خوان الشياطين في سعيهم في الأرض فسادا، أو أنهم يقرنون بهم في النار، ، كان الشيطان لربه كفورا، ومن كان كذلك فلا تحل متابعته في الافساد في الأرض (وإضاعة المال في غير حقه. خلاصة حكام الإسلام في تناول الدخان يتبين مما سبق أن الدخان علي أي وجه، يستتبع عاجلا أو آجلا أمراضا شتى، أخطرها أمراض القلب والسرطان في الجهازين التنفسى والبولي كما أن فيه تبذيرا وإنفاقا للمال في غير حقه، فلذلك يكون حراما شرعا لقوله تعالى (ولا تبذر تبذير ان المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان بربه كفورا) ". وحيث كان أمر الدخان كذلك فيجب الامتناع عن تناوله شرعا وعقلا، والله تعالى أعلم، |