الإعلام والمعلومات والعولمة وأثرها
على الحد من انتشار المخدرات

إعداد: الدكتور سمير محمد حسين
أستاذ الإعلام بجامعة الكويت

يمس موضوع هذه الدراسة قضية جوهرية ذات طابع استمراري هي قضية تأثير السياسات والممارسات الإعلامية والمعلوماتية في وسائل الاتصال والإعلام الجماهيري حيال الموضوعات المتعلقة بالوقاية من الإدمان والعمل على الحد من انتشار المخدرات، حيث تشتمل على مجموعة من المحددات الأساسية التي تتكامل معا في دراستها وذلك على النحو التالي: 

أولا.- ازدياد تأثير وسائل الإعلام- سلبا إيجابا على قضية الإدمان والوقاية منها، والحد من انتشار المخدرات، وهو ما تعكسه الحقائق التالية:

الأفراد الذين لا يتعاطون المخدرات يعتمدون على وسائل الإعلام، أما الذين يتعاطون فيعتمدون على خبراتهم الشخصية وأصدقائهم، مما يؤكد أهمية الدور الوقائي لوسائل الإعلام في مرحلة ما قبل التعاطي.
وجود ارتباط إيجابي قوي بين حصول الأفراد على المعلومات عن المخدرات، من وسائل الإعلام واحتمال تعاطيهم لهذه المخدرات، مما يوضح الجانب السلبي من خلال التعرض لوسائل الإعلام.
ازدياد أبعاد الغزو الإعلامي والمعلوماتي والثقافي من خلال تكنولوجيا الأقمار الصناعية، والبث المباشر، وشبكة لإنترنت، مما يجعل من الميسور وضع الجمهور في كافة دول العالم تحت سيطرة مراكز النفوذ الإعلامي العالمية ومن ثم تحت طائلة التغريب الثقافي والتضليل وتغييب الوعي، وهو ما يؤكد الدور السلبي لوسائل الإعلام والمعلومات في إطار العولمة التي تحكم البث الإعلامي.
يؤكد الخبراء على أن أية خطة شاملة للتوعية بمخاطر الإدمان والمخدرات ومواجهتها لا بد أن تتضمن استخداما رشيدا وتوظيفا فعالا لوسائل الإعلام الجماهيري وأنشطة الاتصال الشخصي المباشر، مما يؤكد أهمية استخدام الإعلام والمعلومات كجزء من المنظومة الوقائية والعلاجية المتكاملة للمواجهة الشاملة لقضية الإدمان والمخدرات.

ثانيا - الآثار السلبية التي أوضحتها البحوث والدراسات والخبرات السابقة لوسائل الإعلام فيما يتعلق بالوقاية من الإدمان والحد من انتشار المخدرات، والتي يتمثل أهمها في:
معالجة بعض موضوعات الإدمان والمخدرات بصورة يغلب عليها طابع الإثارة والمبالغة أحيانا، مما يؤدي إلى فقدان الهدف التربوي أو التحذيري من نشرها أو عرضها.

اتجاه بعض المسلسلات والأفلام والدراما- بصفة عامة- إلى عرض موضوعات الإدمان والمخدرات بأسلوب يضفي على المتعاطي هالة من البطولة والذكاء والشجاعة، أو تقديمه على أنه ضحية.

تكون الفكرة المعروضة أحيانا غير حقيقية أو تعرض بشكل متناقض، مع نقص المعلومات المتضمنة فيها أو تقديمها بشكل مشوه أو مبتور.

تقديم بعض موضوعات المخدرات في إطار من التسلية والترفيه والإمتاع، مما يحقق نتائج عكسية ضد الهدف التوعوي والتربوي لها.

ثالثا- الآثار الإيجابية التي يمكن أن تتحقق من خلال التوظيف الجيد لوسائل الإعلام والتي يتمثل أهمها في:

تصوير النتائج السيئة للإدمان وما يترتب عليه من آثار تدميرية سيئة على المجتمع والأسرة والأفراد.

تؤدي المعالجات الدرامية السليمة لقضية الإدمان إلى إمكانية التركيز على جوانب معينة تعطي للمشاهدين  جرعة تربوية كبيرة تسهم في التنفير من الإدمان والمخدرات، وازدراء متعاطيها، والتعاون في إنقاذ المجتمع من هذه الظاهرة المدمرة، والتبصير بالعواقب الوخيمة التي قد تنجم عن الإدمان على مستوى الفرد والأسرة والأبناء والمجتمع، مع تحذيرهم- بأساليب غير مباشرة- من الوقوع في براثن الإدمان.

رابعا- عرض لبعض النظريات الاجتماعية والإعلامية التي  يمكن الإفادة من فروضها وتطبيقاتها في استخدام وسائل الإعلام في التوعية بأضرار الإدمان والحد من انتشار المخدرات، حيث تتمثل أهم هذه النظريات في:

 نظريات التعلم بصفة عامة، ونظريات التعلم المعرفي، والتعلم بالملاحظة، والتعلم الاجتماعي، بما تشمله من نماذج التأثيرات المباشرة، والمحدودة، والقوية في ظل ظروف معينة، وما تطرحه من ضرورة إيجاد حوافز إيجابية، وتوافر البساطة، والوضوح، والمصداقية.

نظرية التنافر المعرفي أو الإدراكي المؤسسة على مبدأ الانتقائية، وما تطرحه من ضرورة توافر الاتساق المعرفي، ونقاط للالتقاء، وتأكيد الالتزام، والشعور بالمسئولية.

نظرية حارس البوابة التي تؤكد علي الدور الرقابي الذي تقوم به وسائل الإعلام في تناول الموضوعات والقضايا التي تطرحها.
 

نظرية الاستخدامات والإشباعات التي توضح كيف يوظف الأفراد العملية الإعلامية لخدمة احتياجاتهم وتحقيق أهدافهم، وذلك في إطار خصائص الجمهور ونشاط أفراده وديناميكيتهم في عملية الاتصال.

نظرية الغرس الثقافي للأفكار والمعتقدات التي تؤكد مدى قدرة وسائل الإعلام على خلق واقع معين لمشاهديها وقرائها، بحيث يحل "واقع وسائل الإعلام " محل "الواقع الطبيعي للمشاهدين والقراء ".
 

"نظرية الاعتماد" التي توضح مدى اعتماد الأفراد على وسائل الإعلام كمصدر لتحقيق رغباتهم وتلبية احتياجاتهم النفسية والاجتماعية.

نظرية "ترتيب الأولويات " التي تناقش دور وسائل الإعلام في إعادة ترتيب الأهميات للقضايا المختلفة لدى الجمهور.

مفهوم التسويق الاجتماعي الذي يركز على استخدام الأساليب التسويقية في التصدي للمشكلات الاجتماعية في إطار مفهوم الحملات الإعلامية الشاملة.
 

نظرية المسئولية الاجتماعية التي تؤكد على البعد الاجتماعي في الممارسات الإعلامية، ودور وسائل الإعلام في مواجهة المشكلات المجتمعية .

النظريات التي استخدمت في تفسير وتحليل برامج وموضوعات العنف والجريمة في وسائل الإعلام- مثل نظرية التطهير، والمزاج العدواني، واستزراع العنف- ومدى تأثيرها على السياسات الإعلامية 

خامسا - متطلبات التخطيط والتوظيف الجيد لوسائل الإعلام والمعلومات لمواجهة مشكلة الإدمان والحد من انتشار المخدرات، وتشمل الجوانب التالية:

التحديد الدقيق لدور وسائل الإعلام فيما يتعلق بالمسئوليات المختلفة لإجراءات الوقاية التي يحددها الخبراء في ثلاثة مستويات هي:

الوقاية الأولية، التي تستهدف منع وقوع التعاطي أصلا.

الوقاية من الدرجة الثانية (الثانوية) والتي يقصد بها التدخل العلاجي المبكر بحيث يمكن وقف التمادي في التعاطي. 

الوقاية من الدرجة الثالثة، والتي يقصد بها وقاية المدمن من التدهور الطبي.
 

ضرورة وضع استراتيجية إعلامية محددة واضحة المعالم  لمكافحة الإدمان بالتعاون والتنسيق بين كافة الأجهزة والوسائل الإعلامية والجهات المعنية.

تحديد الفئات الجماهيرية المستهدفة من النشاط الإعلامي باتباع أسلوب التجزئة في تحديد هذه الفئات.

 تحديد الأهداف الإعلامية المطلوبة بدقة وتقسيمها مرحليا وزمنيا بحيث يشعر الناس بأن هناك مشكلة مرتبطة ارتباطا وثيقا بحياتهم وحياة أبنائهم وسلامتهم وسلامة المجتمع وأمنه.

اختيار أفضل وسائل وأشكال الاتصال والمعلومات الملائمة لكل فئة من فئات الجمهور المستهدف.

إعداد المضامين الإعلامية والمعلوماتية التي ستقدم من خلا ل وسائل الإعلام وأوعية المعلومات بأسلوب موضوعي ودقيق، وبالاستعانة بخبراء إعلاميين وتربويين واجتماعيين ونفسيين تتكامل جهودهم ورؤاهم في إعداد مادة إعلامية إيجابية يحقق نشرها وعرضها بالوسائل الإعلامية المختلفة آثارا إيجابية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.
 

التوظيف الجيد للأشكال الصحفية والإذاعية والتليفزيونية التي  يمكن أن تتكامل في تقديم الرسالة الإعلامية والتربوية الإيجابية المستنيرة.

 الجدولة الجيدة لمضامين النشاط الإعلامي بما يحقق الاستمرارية والاتساق والشمول والتنوع والتركيز للحملة الإعلامية طويلة الأجل لمكافحة الإدمان والحد من انتشار المخدرات.

القيام بدراسات تحليلية مستمرة لكل ما تنشره وسائل الإعلام أو تعرضه أو تذيعه متعلقا بقضايا الإدمان، للإفادة من نتائجها في ترشيد الأداء الإعلامي.