نظرية تحليلية لموضوع الخمر
موجز لبحث ميداني يشمل خمسين ألف نسمة!

للدكتور عمر الباقر صالح
السودان

توضح إحصاءات الصحة العالمة في كتبها عن الخمر وآثارها ، أن أسباب الوفيات الناتجة عن تعاطي الخمر وعن كل ما يتعلق بها احتلت مكان الصدارة في قائمة أسباب الوفيات بالولايات المتحدة وفرنسا وكثير من بلدان العالم .

وأن ثلث أسرة المستشفيات بالدول الصناعية يشغلها مرضى الخمر بل إن ولاية  تكساس أصدرت إحصاءات توضح أن ما أنفق على علاج شارب الخمر مضافا إليه الفاقد الاقتصادي الناتج عن ضياع  الممتلكات والتعويضات وتدني الإنتاج يفوق بكثير ما تحققه مبيعات الكحول من أرباح. وهذه هي الصورة لمعظم البلدان في عالمنا المعاصر.

والسؤال الآن كيف استطاع هذا الداء أن يلازم الإنسان من فجر التاريخ إلى يومنا هذا يفتك بالفرد والمجتمع دون أن يستطيع الإنسان هزيمته ودحره كما فعل بكثير من الأمراض ؟

والإجابة تتطلب كتبا ومجلدات ولكنني سأحاول أن ألقي الضوء على طبيعة هذا المرض الخادع التي مكنته من البقاء حتى يومنا هذا، وسأبين الأسباب التي أدت إلى استمرار هذه المحطة الأزلية.

السبب الأول: النشوة الطارئة وجو السعادة اللذان يحدثان لعن الكاسات الأولى من الخمر:
أثبت العلم أن جو البهجة ما هو إلا خداع. فالخمر ليست منشطة بل هي في الواقع مخدرة . والعلم يوضح حقيقة النشوة الخادمة كالآتي:
من المعروف أن مخ الإنسان يتميز بوجود مركز يتكون من عدة خلايا حساسة تقوم بأداء وظيفة الرقيب عن كل ما يصدر من مراكز المخ البدائية فتلطفها وتهذبها وتخرجها في صورة معقولة لائقة بالإنسان حفاظا على استمرارية الحياة فعندما يتناول الإنسان الخمر تتخدر تلك الخلايا الحساسة ويبطل مفعولها وتنعدم سيطرتها وبذلك تصبح المراكز البدائية حرة وتظهر أفعالها إلى الوجود دون كبت أو رقابة. هذا هو السبب في أن تجد من كان مشهورا بالصمت والحياء بالنهار ينطلق لسانه بسرعة الكمبيوتر بعد احتساء الخمر، وذلك الشخص البدين الرزين يدخل إلى حلبة الرقص يهز أردافه كأنه أحد أفراد فرقة جاز محترفة؟ وصاحب الصوت الأجش ينطلق بالغناء ويجدد مجالا لما لا يجب أن يقال أو يفعل  وهكذا . ولكن عندما يزداد عدد الكؤوس يبدأ العد التنازلي فتتخدر مراكز المخ الواحدة بعد الأخرى فيضطرب المشي ويكثر الكلام ويكثر التبول وقد ينام الشارب على كرسيه مبنجا . 

السبب الثاني: مع ازدياد وعي المجتمعات البشرية تلمس الجميع الآثار الاجتماعية والاقتصادية والصحية الضارة للخمر وشعر المجتمع البشري بضيق وتمزق نفسي إزاء هذه المشكلة، واستمر البحث لإيجاد كبش الفداء لتتخلص المجتمعات من هذا الصراع القاتل والعبء  الثقيل. وعثر على الضالة وهو ما يسمى بمدمن الخمر. وتباري الجميع في تعريفه وتتلخص كل هذه في الآراء الآتية:

 (إن الخمر لا تصبح ضارة إلا إذا تناولها شخص بكمية كبيرة وباستمرار يعتمد عليها نفسيا وجسمانيا ويلحق بد الضرر جسمانيا واقتصاديا واجتماعيا ، هذا الفهم أعمى لمن لا ينطبق عليه هذا الوصف تصريحا بالاستمرار في شرب الخمر، ولكن البحوث المختلفة أوضحت ضحالة وخطورة  تلك الخطوة ، والنظرة بعمق هذا السلوك تبين بجلاء الأثر الضار الذي  أحدثته الخمر حيث أنها تملكت من تغيير السلوك والتفكير لدرجة أنها أصبحت في مأمن كأن المجتمع لا يريد التخلص منها .

المرحلة التالية:

تتميز بالاكتشافات العلمية المذهلة التي دحضت نظرية الإدمان وأشارت إلى موضع الداء. إن عدد المدمنين من بين شاربي الخمر لا يتجاوز ثلاثة في المائة وهم بالطبع غير مسئولين عن معظم الأضرار التي تصيب المجتمع كازدياد نسبة الطلاق وتشريد الأسر وحوادث الطرق والسرقات والتدهور في الإنتاج إذ أن صحتهم الجسمانية لا تسمح لهم بممارسة ذلك النشاط.

من هو المسئول إذن؟

إن الخطر الحقيقي يأتي من تلك الطبقة التي  تتعاطي  يوميا أو في المناسبات ولا ينطبق عليها وصف مدمني الخمر.

لقد اتضح أن القليل من الخمر يؤذي الإنسان ويؤدي إلى موت إحدى خلايا المح.

أثبت  الدكتور مالفن كينسلي أستاذ التشريح بكلية الطب بكارولاينا بالولايات المتحدة وزملاؤه أن كأسا واحدة من  الكحول تؤدي إلى موت إحدى خلايا المخ ، والمعروف أن هذه الخلايا لا تنمو مرة أخرى ، ويزداد هذأ الأثر الضار في كل مرة يشرب فيها الإنسان بقتل المزيد من هذه الخلايا.

يعتبر هذا الكشف من أعظم ما توصل إليه العلم في هذا العصر ووضع النقاط على الحروف وهدمت إلى الأبد النظرية التي تدعي أن احتساء الخمر بكميات قليلة لا يضر. وهنا يجب أن نذكر حكمة الإسلام (ما أسكر كثيره  فقليله حرام ) .