|
الدكتور
بول غليونجي اختلف القدامى في تعييرهم لفائدة الدواء بالمقارنة بفائدة الغذاء للحفاظ على الصحة والبرء من المرض، ابتداء من أبقراط الذي أكد فائدة الغذاء ، ووضع له مؤلفا خاصا أوضح فيه خصائص الأطعمة طعاما طعاما ، وأدخل فكرة التدبير بالغذاء في كل مؤلفاته حتى التي تعني بالكسور، يبدو دور الغذاء فيها بعيدا عن الاحتمال. وقد أثبت أبو الطب- كما سمي أبقراط- في هذا المؤلف صعوبة تناول هذا الموضوع في دقة تامة، واستحالة وضع قوانين جامدة له، نظرا للتباين بين أمزجة الناس والأعمار والبلاد والأجواء ولاختلاف تركيب العينات المختلفة من الطعام الواحد، وقد أكد أبقراط في الباب الثامن والستين من مؤلفه أنه عالج هذا الموضوع لصالح الذين يتغذون بصفة غير منتظمة ويكدحون وبتنقلون ويتعرضون لأجواء مختلفة ويجوبون البحار بحثا عن قوتهم . والواقع أنه لا يمكن الغلو في تقدير الدور الذي أعاره الطب الإغريقي الكلاسي للطعام المناسب، فقد اعتبر الغذاء- بما أنه العنصر الوحيد الذي يرد على البدن من الخارج ويتشبه به- العنصر الوحيد الذي يدخل المرض إلى الجسم. ولكن علم التغذية- للجهل بالكيمياء الحيوية وبقوانين التمثيل والأيض وباحتياجات الجسم السعرية أو الكيماوية- إنما كان مبنيا على التجربة من جهة ومن جهة أخرى على اعتبارات دينية أو سحرية أو قياسية، استلهمت من الفيثاغوريين الذين- وتبعهم في هذا أفلاطون- ذهبوا إلى أن مهمة العلم هي تنقية الروح وأن صحة الروح تتبع صحة الجسم. وهناك عقيدة أخرى لعبت
دورا تاريخيا في هذا الصدد وهي أن الطعام يتحول في الأمعاء إلى مواد مرضية
إذا كان الهضم ناقصا أو فاسدا، وقد أخذ بها المصريون القدامى واقتبست
منهم هذه الفكرة مدرسة قندوس الإغريقية وربما أيضا مدرسة قو الأبقراطية.
للحفظ في الصحة جنس مشتمل
من عمل الطب على ضربي عمل نرى في هذا الرجز ابن سينا متبنيا مذهب لينوس القائل بأن العلاج يتم بالضد وقد خالفه أمثال ابن رشد الذي قرر أن الشفاء إنما يتم بفعل القوى الطبيعية التي وضعها الخالق في البدن وأن الدواء إنما هو المحرك لهذه القوى الشافية. ومع ذلك فإن علاقة الدواء بالغذاء أو بالأحرى بالمواد التي تستعمل عادة للغذاء لم تكن مجرد علاقة مساندة ، بل تجاوزتها وأصبحت، علاقة تساو في الخصائص والطبائع. وهذا يصبح واضحا إذا تأملنا المبادىء التي أرسخ عليها العرب نظريتي الغذاء والدواء وهي لم تضع فيصلا قاطعا بين طبائع كل منهما. ويمكن تلخيص هذا في بعض نقاط:- ا- إن فعل أية مادة ترد
على البدن إنما هو نتيجة فعل وتفاعل بين طبيعة المادة وطبيعة البدن.
والجسم مثل الغذاء والدواء مكون من الأركان الأربعة التي تحولت إلى الأخلاط الأربعة (الدم والبلغم والمرتين)، ومن الأخلاط نشأت الأعضاء كل منها متصف بالمزاج الناتج عن تمازج كيفيات الأخلاط التي كونته. وهذه الوسيلة ، التي وضعت في أناقة البدن والدواء والغذاء في إطار موحد، هي التي مكنت من تصور كيفية التفاعل بينها، وقد أوضحها ابن سينا في قوله " إن ما يؤكل ويشرب يفعل في البدن من وجوه ثلاثة، إما بكيفيه وإما بعنصره وإما بجملة جوهرها ". أما الذي يفعل بكيفيته فإنه يبرد أو يسخن الشيء ببرودته أو سخونته من غير أن يتشبه به، وأما الذي يفعل بعنصره فإنه يتحول إلى صورة العضو مع احتفاظه بكيفيته كالدم إذا تكون من الخس فإنه يصطحب ببرودة وإذا تكون من الثوم اصطحب بسخونة. وأما الذي يفعله بجملة جوهره فإنه يفعل بحصيلة امتزاج (أو تركيب) بسائطه إذا حدث عنه شيء مخالف لها. إذن فلا فيصل بين الغذاء
والدواء في جوهر فعلهما وإن كمن الفيصل في مراتبهما. ولهذا السبب ، أي الفيصل ، ناقش ابن سينا المعادن والغذاء والدواء والسم تباعا في باب الأدوية المفردة من الكتاب الثاني للقانون فذكر مثلا على التوالي اللقاح واللبني واللازورد، أو العدس والعسل والعشر (Asclepia or Calot-ropis gigantea) والعقرب والعظاءة (وهو نوع من الحرباء)، أو الحديد والحمام والحور (نوع من الصفصاف) والحبة الخضراء (Pistacia terebin thus) والحرباء والحية والحمار. ولا أدل على هذا المنهج من التسلسل الذي تراؤه بين الغذاء والغذاء الدوائي والدواء الغذائي والدواء المطلق والسم ، فقد تغير الشيء عند تناوله ويتشبه بالبدن ولا يغيره وهذا هو الغذاء. وإن لم يتشبه بالبدن كان الدواء المعتدل ، وإذا تغير وغير البدن، إذا تشبه به كان غذاء دوائيا وإن لم يتشبه به كان دواء مطلقا . أما إن لم يتغير وغير
البدن فهو السم. ولنا أن نتساءل كيف حدد العلماء خواص الأدوية أو كيفياتها في عصر لم يعرف العلماء الخواص الكيماوية بمعانيها الحالية مثل الأكسدة والاختزال والحموضة والقلوية ولم يكن لهم علم بالخمائر والفيتامينات والهورمونات وما إليها. والجواب أنهم استعملوا القياس ووسائل الفحص الفيزيائية، فاستنتجوا مرتبة الحرارة من سرعة الاحتراق ومرتبة البرودة من سرعة التجمد مستعينين أيضا بالحواس أي المذاق والرائحة واللمس واللون لاعتقادهم أن اختلاف الإدراكات الحسية مردها اختلاف مقادير الأركان وكيفياتها . فقيل إن الكيفيات البسيطة التي يدركها اللسان تسع: المسخ والقابض والعفص والمالح والمر والحريف والحامض والحلو والدسم، وعرفت كل منها وحددت أفعالها ونشأتها. ا- يسمى مسخا إذا كان
الشيء المذاق لا يفعل في اللسان شيئا ولا يحس منه بلذة أو بأذى ومثله مثل
الماء إذ إن جوهره لا ينحل منه شيء يخالط اللسان فيدركه.
وقد يجتمع أكثر من طعم ، فالمر مع القبض يسمى بشعا، والمر مع الملوحة يسمى زعفا.. إلخ. أما الرائحة فقد نظر إليها على أنها أضعف دليلا من الطعم لأن البخارات المنبعثة من الأشياء المشمومة تؤثر في الشم مثلما تؤثر المذاقات ، إلا أنها أضعف دليلا من الطعم، والسبب في هذا أن الرائحة إنما تدل على البخار الذي ينحل وهو لا ينحل من جميع أجزاء المشموم في حين أن اللسان يلتقي بجميع أجزاء الشيء الذي يذاق. واللون دون الروائح في صحة دلالته إلا في مختلف أصناف النوع الواحد فإن ما يضرب إلى البياض أقل حرارة مما يضرب إلى الحمرة وأما الأسود فقد يكون قاتلا. أما الصفارت الظاهرة الأخرى فهي التي تستمد من اللمس وهي اللطافة والكثافة واللزوجة والهثاشة والسيلان والجمود واللعابية والدهنية والنشف والخفة والثقل. على أن هذه الأفعال الحسية لم تفهم على أنها مقصورة على أعضاء الحس المعنية بل أخذت دليلا على أفعاها على الأعضاء داخل البدن. وبهذه الوسائل وصف ابن سينا ما لا يقل عن 49 كيفية. هذا عن دلائل الحس ، وبالإضافة فإن الأطباء استقرأوا قوى مجهولة عن قوى معلومة على أن تخضع هذه الاستنتاجات القياسية لمحك التجربة ، وهذا ما أكده ابن سينا إذ قال: " إن قال الإنسان في هذا شيئا فإنما يقوله على وجه التخمين " ووضعوا للتجربة دستورا حدد له سبعة شروط: ا- خلو المادة من كيفيات
مكتسبة كالتبريد والتسخين. وانقسم في هذا الأطباء إلى أهل التجربة وأهل القياس ولكن كبار الأطباء رأوا أن تأليف الدواء يستخرج بالقياس وفائدته تمتحن بالتجربة، أليس هذا نموذجا جديرا بأن يقتدي به باحثونا؟ سادتي، لقد سبق لنا أن ذكرنا بشيء من الإلحاح أن الفيصل بين الغذاء والدواء لم يكن حاسما ولذا فاقد آثر بعض كبار الأطباء العلاج بالغذاء وابتعدوا إن أمكن عن الدواء، منهم الرازي الذي نقل عنه قوله: " إن استطاع الحكيم أن يعالج بالأغذية دون الأدوية فقد وافق السعادة. ومنهم أيضا ابن النفيس، قيل عنه: " وكان ابن النفيس على وفور علمه بالطب وإتقانه لفروعه وأصوله قليل البصر في العلاج فإذا وصف لا يخرج بأحد عن مألوفه ولا يصف دواء ما أمكنه أن يصف غذاء ولا مركبا ما أمكنه الاستغناء بمفرده ، وكان ربما وصف القمحية (وهي نوع من البليلة) لمن شكا القرحة والتطماج (وهو نوع من اللحم المطهو بالتوابل) لمن شكا هواء والخروب والقضامة لمن شكا إسهالا ومن هذا ومثله ولكل ما يلائم مأكله ويأكله حتى قال له العطار الشرابي الذي كان يجلس عنده: " إذا أردت أن تصف مثل هذه الوصفات اقعد على دكان اللحام، وأما إذا قعدت عندي فلا تصف إلا السكر والشراب والأدوية ". ورغم شكنا في أن هذه الرواية ما هي إلا (نكتة)، إلا أنها تمثل في شكل (كاريكاتوري) اتجاه هذا العالم الذي علينا أن نعجب بوسائله العلاجية فإن القمحية ضماد واق للقرح وللخروب قوى قابضة تنفع في الإسهال، وقد حكى أيضا عن ابن النفيس الشيخ أبو ثناء الحلبي: " شكوت إلى ابن النفيس عقالا في يدي فقال لي " وأنا والله بي عقال فقلت فبأي شيء أداويه؟ " فقال: " والله ما أعرف بأي شيء أداويه ثم لم يزد على هذا ". ولئن كان سبب الامتناع عن وصف الدواء مجرد الحرص على تجنيب المرضى المضار المحتملة للعقاقير لكان كافيا لامتداح بعد نظر أطباء العرب وشفقتهم بالمرضى ، إذ أن إهمالنا هذه الناحية من الطب أدى إلى فتح باب جديد في الطب هو باب الأمراض الدوائية التي أطلق عليها " iatrogenic " أي التي يحدثها الطبيب، وإلى نشأة جماعات طبية داعية إلى العودة إلى الطب الطبيعي على نمط الطب الأبقراطي وإلى إعادة الفحص عن الخواص العلاجية للمواد التي تعد غذائية بالأساليب المخبرية والتجارب الدقيقة بدل من الاعتماد على المذاق والرائحة والحدس والقياس، وللعالم الإسلامي الحديث شأن عظيم في هذا الاتجاه السليم. ولكن درء مضار العقاقير لم يكن السبب الوحيد في العزوف عن وصفها، حيث أن الشفقة بالمرضى تعدت الصحة فتناولت الاقتصاد. هذا وإن الأطباء كانوا يتقاضون أجورا باهظة من الأغنياء والأمراء وكانوا يصفون أدوية مركبة ومستوردة من الهند والصين وبلاد نائية كأنهم كانوا يعانون- كما نعاني اليوم- من عقدة المستورد. وقد ذكر المؤرخون هذه الأجور وتباهى بها أمثال ابن سينا حين قال- تبعا لابن أبي أصيبعة حين اتصل به أبو عبيد الجورجاني:- لما عمظمت فليس مصر واسعي لما غلا ثمني عدت المشتري ولاشك، في أن بعض الأطباء من جميع العصور حرصوا أول حرصهم على جمع المال بشتى الطرق، فقد وجد عبد اللطيف البغدادي ياسين السيميائي كذابا ومشعوذا ومدعيا علم الكيمياء وموسى بن عمران فاضلا في الغاية ولكن قد غلب عليه- حب الرئاسة وخدمة أرباب الدنيا ولكن الكثيرين اشتهروا بكرم خلقهم وبرحمتهم بالمرضى ووضعوا لمهنتهم مثلا عليا مثال ذلك ما قاله الرازي: " ينبغي أن تكون حالة الطبيب معتدلة، لا مقبلا على الدنيا كلية ولا معرضا عن الآخرة كلية، فيكون بين الرغبة والرهبة. وقد ورد عنه أنه كان كريما متفضلا، بارا بالناس، حسن الرأفة بالفقراء والأعلاء حتى كان يجري عليهم الجرايات الواسعة، وأنه كان رؤوفا بالمرضى مجتهدا في علاجهم وفي برئهم بكل وجه يقدر عليه. وروى علي بن رضوان في سيرته الذاتية: " وأجتهد في حال تصرفي في التواضع والمداراة وغيث الملهوف، وكشف كربة المكروب وإسعاف المحتاج ، وأجعل قصدي في ذلك الالتذاذ بالأفعال والانفعالات الجميلة "، ويضيف: " ولابد أن يحصل مع ذلك كسب ما ينفق فأنفق.. فما فضل بعد ذلك كله صرفته في.. مثل إعطاء الأهل والإخوان والجيران. كما قال إن الطبيب في رأي أبقراط هو الذي اجتمعت فيه سبع خصال منها أن تكون رغبته في إبراء المرضى أكثر من رغبته فيما يلتصق من الأجرة ورغبته في علاج الفقراء أكثر من رغبته في علاج الأغنياء. ولذا فإن الكثير منهم عبر عن اهتمامه بعامة المرضى المحتاجين بوضع مؤلفات تعني بالعلاج بواسطة الأغذية والأدوية الرخيصة. وقد ذكر الأستاذ الدكتور سلمان قطاية بعض هذه المؤلفات منها كتاب الرازي المسمى " من لا يحضره الطبيب " ويدعى أيضا " طب الفقراء ومؤلف ابن الجزار القيرواني " طب الفقراء والمساكين " الذي حققه الدكتور قطاية ورأى أن مضمونه استوحى من الرازي وقد ورد فيه أنه لما رأى كثيرا من الفقراء والمساكين يعجزون عن أن ينالوا منافع كتبه لفقرهم رأى أن يعتمد شفاء المرض على الأطعمة والأشربة مع أنه ألف كتابا في الأدوية المفردة وآخر في الأدوية المركبة وقد كان مثالا للفضيلة لم يحافظ عنه بالقيروان زلة قط ولا أخلد إلى لذة وكان يشهد الجنائز والعرائس ولا يأكل منها، وكتب رسالة يحذر فيها من إخراج الدم من غير حاجة إلى إخراجه . من كل هذا يبدو أنه تكونت مكتبة كاملة مكونة من مجموعة المؤلفات التي تعين بعلاج الفقراء ، وهذا باختبار الأدوية الرخيصة أو بتفضيل الغذاء الصالح المناسب لهم لإتاحة فرص العلاج الملائمة لهم رأفة بحالهم . |