التراث ومستقبل الأمة
للأستاذ الدكتور محيى الدين صابر
الجمهورية التونسية

ا- تمهيد:

ا- ا- أصبح التراث، وهو الميراث الحضاري للمجموعات البشرية، يثير قضايا فكرية وسياسية، في سياق بناء الحياة المعاصرة... ماذا كانت الحضارة البشرية كلها، هي جماع التجارب الاجتماعية التي مرت بها المجتمعات الإنسانية أولا في مواجهة الطبيعة، انتزاعا من إمكاناتها واستدناء لعطائها، إشباعا لحاجات الإنسان الحيوية. وثانيا في مواجهة الآخرين تنظيما لعلاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية وثالثا في مواجهة الكون لتفسير وجوده  ومصيره، وتحديد بعده الثالث تلك هي التجارب التي تراكمت على مر العصور وتلقتها الأجيال جيلا عن جيل، ثم أضافت إليها وطورتها، فلماذا تثار هذه القضايا حول التراث، وحول وضعه في مسيرة الحياة المعاصرة ولماذا تتنوع الآراء حول نوع العلاقة بينهما: أهي "علاقة تماثل، وإعادة إنتاج للتراث وتبين له أم هي علاقة انقطاع وتدابر معه: أم هي علاقة توفيقية يؤخذ منه ويترك وفق الحاجات الجديدة للمجتمع؟ 

ا-2- والواقع أن خصوصية التراث العربي الإسلامي من ناحية، واتساع مجالاته الحضارية النوعية من ناحية ثانية، وامتداده الجغرافي تاريخيا، من ناحية ثالثة، ثم طبيعة الحضارة المعاصرة، واختلافها العضوي، مع الحضارات التاريخية من ناحية رابعة، هي التي أدت إلى فرض هذه القضايا، المشروعة فكريا وحضاريا، وسياسيا.. على أن خصوصية التراث العربي الإسلامي التي تقوم على دور الإسلام في إقامة هذا التراث وإعطائه الصورة القانونية والسياسية والإدارية، والانتشار الجغرافي عبر القارات المأهولة في أفريقيا وأسيا وأوروبا، والتفوق الحضاري والعسكري، على كل القوى السياسية المنظمة حينذاك، وذلك كله في إطار العقيدة الإسلامية، هذه الخصوصية تعطى للتراث العربي الإسلامي وضعا خاصا، وتقيم بين أجياله أكثر من العلاقة التاريخية التعاقبية، بين الماضي والحاضر، لاستمرار العقدة الدينية، التي صنعت هذه الإنجازات الحضارية الضخمة بمبادئها وبقيمها حية وكاملة، مما يجعل إمكانية إعادة التجربة ممكنة، من ناحية: ولأن الانقطاع بأي صورة من الصور مع هذا التراث هو في عاقبة الأمر، خروج عن أصول العقيدة الدينية من ناحية أخرى.

ومن هنا، فسوف يتناول هذا العرض، مناقشة هذه القضايا، مناقشة قصيرة في حدود ما تأذن به مناسبة هذا اللقاء الفكري...

2- الماضي والحاضر:

2- ا- التراث فكرة زمنية بالضرورة، لأنه يشير إلى الوقائع التاريخية، المتمثلة في تجارب المجتمعات وفي إبداعاتها في مواجهة متطلبات الحياة، إشباعا للحاجات البيولوجية العضوية والاجتماعية والروحية، ومعنى هذا أنه لا ينتقل من تجارب الماضي. إلا التجارب المتميزة التي تضيفها المجتمعات إلى الإبداعات التي ورثتها عما قبلها من الأجيال.

ومن هنا، فإن التراث الإنساني ، ليس هو كل الماضي، ولا هو كل التاريخ، ولكنه التجارب الإبداعية في مجالات الحضارة الإنسانية، وهذا التراث هو خاصية الإنسان لا الحياة، يتميز به الإنسان، بين سائر الأحياء التي تعيش على هذا الكوكب، فهو فاصل نوعي بينهما، فالإنسان وحده، وهو الذي يملك الذاكرة الحضارية، وهو وحده الذي يملك. عن طريق تواصل تجاربه المبدعة أن يواصل بناء الحياة الاجتماعية وتقدمها...

2-2- وهنا تنبغي الإشارة إلى قضية هامة،. هي أن التراث باعتباره تجربة إنسانية ليس وقفا على مجتمع بعينه، ولكنه يصبح ملكا للبشرية كلها باعتباره إبداعا: وكل مجتمع يتلقى هذه الإبداعات التاريخية ويصوغها في سياق تجاربه الخاصة، وهكذا انتشرت الحضارة البشرية من مراكز إبداع مختلفة فمثلا اختراع الكتابة تجربة، طورتها مجتمعات مختلفة في سياق لغاتها، ومثل ذلك كثير عن الأجهزة المادية، والتصورات الفكرية، إما نقلا أو إبداعا.

2 - 3- في الحضارات التقليدية، كان التطور يحدث عن طريق النمو، الذي يتم عن طريق التراكم الكمي يؤدي إلى : وكان التراكم الكمي يؤدي إلى تغيير نوعي، ولكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك طفرات نوعية: فهذه الطفرات النوعية هي في واقع الأمر، أساس الانتقال الحضاري الذي يقوم على تجاوز الواقع، بابتداع صيغ جديدة؟ ولكن تلك الطفرات لم تكن هي السمة الأساسية، لأن مجال اكتشاف القوانين الطبيعية كان محدودا. ومن هنا فلم يكن الفارق بين الماضي والحاضر فارقا حادا، يعرض المجتمعات لهزة اجتماعية، أو تغيير نوعي ، ولكنه كان فارقا قائلا في صورة صراع الأجيال، كل جيل يدافع عن مكتسباته ، وبخاصة التي طورها أو أبدعها: بمعنى أن كل جيل جديد يحاول أن يتمي على الممارسات القديمة، في مجال العلاقات أو في مجال الممرات، وأن يحمل جديدا فيهما، وهذا الجديد يتم في سياق الموروث، وبأداته، فإذا تم ذلك، أصبح محافظا يدافع عما حققه من مكتسبات في مواجهة الجيل الجديد الذي بعده وهكذا؟ ولم يكن كل ذلك يفضي إلى تغير نوعي مفاجيء ، ولكنه كان يمثل نموا للحاضر، في سياق تاريخي متصل...

2-4- أما في الحضارة المعاصرة، فإن الموقف مختلف، والمفارقة واسعة، بين الماضي والحاضر والخلاف بينهما نوعي ، فالذي تحقق في الخمسين سنة الأخرى من الإنجازات التقانية يكاد يماثل أكثر من نصف ما حققته البشرية في تاريخها الطويل، ذلك أن الحضارة المعاصرة تقوم في جوهرها، على وسائل جديدة من المعرفة اليقينية ، من معطيات العلوم الطبيعية والحيوية، والهندسية والرياضية التي لا تختلف نتائجها متى تحققت ظروفها ؟ وبمعنى آخر، فإن تجاربها تجارب مطلقة قابلة للتطبيق في أي مجتمع إنساني، وذلك لا مواجهة ا-لضارة التاريخية التي تعتبر النسبية أهم خصائصها.

ومن هنا فإن الحضارة المعاصرة تعتبر في بعض مظاهرها وسماتها المادية انقطاعا عن الماضي، الأمر الذي دعا كثيرا من الباحثين والمشتغلين بالقضايا السياسية والتنموية، إلى موقف سلبي من التراث، باعتباره نوعا آخر من الحياة، نوعا من التاريخ، لا فائدة من استعادته لأنه لا يستجيب لحاجات الحاضر...

2-5- وهنا ينبغي أن نلحظ أن هذه الحضارة المعاصرة اتخذت صورة تقانية (تكنولوجية) من حيث إنها ابتدعت عن طريق اكتشاف القوانين الطبيعية، وعن طريق تطبيق النظريات العلمية والرياضية في إشباع الحاجات الطبيعية والاجتماعية للمجتمع، وبما قدمت من اختراعات وارتفاقات، ما يسر للبشرية أن تتغلب على كثير من العقبات الطبيعية في إشباع حاجاتها، وحققت درجة عالية من التواصل العالمي، وجعلت من العالم كله، قرية الكترونية، تتزامن فيها الأحداث؟ وتجاوزت الكرة الأرضية، وبدأت في اكتشاف الكواكب الأخرى صعودا ، وارتياد أعماق المحيطات بحثا، ومع هذا فإن هذه التقانة نفسها حددت قيمها فهي ليست حضارة محايدة ، ليست حضارة أجهزة وآلات، يمكن التعامل معها من الخارج ؟ ولكنها تقوم على تصور معين للسعادة ولنوع الحياة ومستواها، مقيسة بمقاييس كمية عن الارتفاقات التي يتمتع بها الفرد في المجتمع، ابتداء من دخله الفردي، وبما يتمتع به المجتمع ابتداء من الدخل القومي، على أساس مفهوم التنمية الشاملة، التي هي دعوة العصر، وشعار حكوماته، ومعيار تصنيف المجتمعات البشرية إلى مجتمعات متقدمة ومجتمعات متخلفة أو نامية!!

2-6- ولكن هناك في مقابل هذا التصور الانقطاعي للحضارة المعاصرة، التي تجعل من التعامل مع المعطيات الطبيعية، حقيقة حضارية مطلقة، تصورا آخر ممكنا، هو أن المطلق الحضاري، ليس وقفا على القوانين الطبية وحدها، فهناك مطلق حضاري يقوم على التصور الروحي، مثل الديانات السماوية، فهي ديانات مطلقة، تخاطب كل إنسان لأنه يتصل بقوام وجوده الكامل، وجوده المادي ووجوده الروحي.

وإذا أن المطلق التقاني يشبع الحاجات المادية للإنسان، وهي عملية هامة في الوجود البشري، وفي بناء المجتمع، فإذا المطلق الروحي له أهميته العظمى في إشباع الحاجات الدينية للإنسان، بما يحقق التوازن بين حاجاته المادية والروحية وأبعاد وجوده الإنساني.

ومن هنا يمكن أن ترفع تلك الحدية الصارمة، بين التراث وبين الحاضر؟ فلا يكون هناك تغليب للجانب التقاني على الجانب الروحي ولا للجانب الروحي على الجانب التقاني، فهما ليسا متعارضين، ولكنهما متكاملان للحاجات الإنسانية، وهكذا يمكن أن ينظر إلى التراث في ضوء جديد.

2-7- إن تصور الاعتماد الكامل على التراث، وإعادة إنتاجه، لا يقل استحالة عن إلغائه وتجاهله؟

والاعتماد على التجارب التقانية المعاصرة. وذلك ضرورة أن الحياة صيغة ممتدة ومتصلة، وأنها بطبيعتها وخصائصها، وعاء الحياة الاجتماعية التي هي بناء متكامل من الخبرات الإنسانية والجغرافية في مواجهة متطلبات الحياة الطبيعية والإنسانية والروحية، وكل اكتشاف حضاري جديد، هو استئناف موصول لجهد الإنسان في روح  كفاية خبراته في ملاقاة حاجاته الأساسية، وإن كل جديد وكل تغيير، مهما كان نوعه، لا يحدث من فراغ ، وإنما يحدث ابتداء من حقائق موجودة، تكتشف قوانينها، أو تغير علاقاتها وسياقاتها. فلا يسمى اختراع، أو إبداعا بشريا، يعتمد على ما هو قائم من عناصر في المجتمع، فليس هنا خلق من عدم،ولا استحداث من فراغ، وإنما يكون الخلق والإبداع على غير مثال، من الخالق الأعظم، خالق الكون...
جل جلاله.

ومن هنا فإن فكرة الانقطاع التراثي غير واردة في أي صورة من صور التفكير أو الممارسة لأن الذين يرفضون التراث يرفضونه بأدوات التراث، ذلك أن وسائل التعبير نفسها هي مخترعات تراثية.

كذلك فإن الذين يرون في التراث كل شيء، وأنه يستجيب للحاجات المتجددة للإنسان، يقحون في تناقض صارخ مع العقل وطبيعة الأشياء ذلك أن التراث حسه ليس شيئا كاملا أو صورة نموذجية، ولكنه مجموعة من التجارب البشرية المتصلة بعضها حضاري عام، مثل اكتشاف اللغات والنار والزراعة واستئناس الحيوان واختراع العجلات والتقويم الزمني وتكوين الأسرة واصطناع أجهزة الري وصناعة آلات الحرب والإنتاج، والقراءة والكتابة، والرياضيات والعلوم والآداب الخ..

وبعضها حضاري خاص بتراث كل مجموعة من المجموعات التاريخية مثل لغاتها الخاصة وكتابتها وشل عقيدتها الدينية وقيمها الاجتماعية. وهو على أي حال يمثل في كل مرحلة تاريخية، صورة من صور حياة تلك المرحلة ولا يمكن عقلا إرجاع التاريخ، وإعادة تلك الحياة في أي مرحلة من المراحل، فضلا عن عملية الانتقاء والنمذجة ، لعصر معين أو فترة معينة، منتزعة من سياقها التاريخي، ومن إطارها الاجتماعي بالنسبة للعالم المعاصر الذي نعيشه، في طبيعته الاتصالية والتقانية.

ومع هذا فإنه من المسلم به، أن في التراث، في كل تراث، ثوابت، وفيه متغيرات فاللغات والديانات، هي ثوابت في حقيقتها، وقد يدركها بعض التغييرات التي يفترض أن تعين على أداء وظيفتها، في الممارسة الاجتماعية، بصورة أكفأ توازنا، ولكن الأصول تظل ثابتة، تنتقل من جيل إلى جيل، هوية حضارية مبدعة للمجموعات المختلفة. فالذي يمكن أن يخضع للتغيير والتبديل، والتعويض والإحلال من التراث، هو الجانب المتصل بتلبية الحاجات العضوية والاجتماعية للمجتمع، وذلك دون تجاوز قيمة التجربة في مسيرة الحضارة البشرية أو إهمال لها، أو إسقاطها كتجربة إنسانية، فقيمتها الفنية والفكرية والتقانية تظل محتفظة بأهميتها، شاهدة على الإبداع الحضاري للإنسان؟ حتى ولو فقدت وظيفتها الاجتماعية. ومن هنا فإن عملية الانتقاء التراثي، والتشبث المطلق بالتراث، لمجرد أنه تراث، موقف عاطفي أكثر منه موقفا موضوعيا، ذلك أنه ينبغي وضع التراث في سياقه التاريخي والحفاظ على ثوابته وتطويرها، بما تأذن به طبيعتها، وا الانتفاع بمعطيات الثقافة المعاصرة ، حتى لا يغترب المجتمع عن واقعه ، أو يصاب بانفصام الشخصية فيعيش بطريقة ، ويفكر بطريقة أخرى.

ولعل كثيرا من هذا اللبس في التصورات، ناتج من عدم التحديد الدقيق، والصارم والشجاع، لثوابت التراث ومتغيراته، لما يحيط بذلك من ملابسات عقدية دقيقة.

ولست أذهب إلى أن مثل هذا التصور تصور توفيقي، ولكنه تصور تاريخي يقوم على إدراك طبيعة التراث ودوره، وأن التراث هو ليس الماضي وحده ولا الماضي كله ولكنه زمن مستمر وموصول اتصال الزمن الاجتماعي .

3- التراث والمستقبل:

-3- ا-تناولنا في فقرات هذا العرض طائفة من القضايا التي تثار عادة، حول التراث والمعاصرة، باعتبارهما نمطين متعارضين ورأينا أنهما يتكاملان باعتبارهما نشاطا نوعيا، يتميز به الإنسان بين الأحياء، في تعامله مع الطبيعة والكون. وأن التراث هو تاريخ ذلك النشاط في مسيرة الحياة؟ وأن المعاصرة هي معاناة - ذلك النشاط ومباشرته في واقع الحياة… وأنه لا يمكن تصور حياة بغير تاريخ؟ حتى ولو كانت ظاهرة طبيعية، ناهيك بالإنسان في إبداعه وسعيه لإشباع حاجاته، ولتفسير الحياة وفهمها في كل أبعادها، بما وهب من خصائص طبيعية، نجعل منه المغير الأساسي للعلاقة بينه وبين الطبيعة..

ومن هنا فإن الحياة تسير معتمدة على المقومات الأساسية التاريخية في القيم وفي المهارات التي يحمل كل عصر إضافاته التي تؤكد وحدة الحضارة البشرية لا انقطاعها.

3-2- وفي إطار هذا الطرح، فإن التراث العربي الإسلامي، في صلته بالمعاصرة هو من القضايا الجوهرية، التي يكثر حولها الجدل... لخصوصية هذا التراث. ومع أن في التراث العربي الإسلامي مثل كل تراث آخر، ثوابت ومتغيرات، إلا أن قداسة هذا التراث، وارتكازه على أساس ديني ومدى انتشاره الجغرافي، وغزارة إبداعاته، وتنوع عطائه، جعله دائما مثلا أعلى، بحيث طغت ثوابته على متغيراته، وأصبح النظر إلى مجمل التراث. بكل ما فيه من ممارسات، بعضها يبعد كثيرا أو قليلا، عن أصول العقيدة، مما يجب الرجوع إليه...

وقد أدى هذا التعميم إلى شيء من اللبس في فهم العلاقات الصحيحة بين التراث والمعاصرة.. وينبغي أن ينطبق على التراث العربي الإسلامي باعتباره ظاهرة حضارية وتاريخية، ما ينطبق على كل تراث ، من حيث إنه مقوم أساسي للمعاصرة وأن المعاصرة إنما خرجت من رحمه، وابتدعت ابتداء من حقائقه، وهي لا يمكن أن تكوون ظاهرة تاريخية بغير ذلك.

3-3 صحيح أن الحضارة المعاصرة أبدعت قيما سلوكية مرتبطة بإنجازاتها المادية ونابغة منها، فرضت على المتعاملين معه، مهما كانت نظرتهم إلى الحياة وقيمهم فيها، مثل مفهوم الزمن والثروة والعمل والسعادة الخ... الأمر الذي نشأ عنه تناقض في حياة المجتمعات النامية، التي تستهلك هذه الحضارة ولا تبدعها، وهو تناقض تجده بين نظام حياتها اليومية، وبين قيمها الثابتة، وهنا يبرز السؤال الكبير، هل تقبل الحياة المعاصرة بخيرها وشرها، ولا مناص من ذلك، فخيرها جزء من شرها، فهما نسيج واحد، أم تعزل تلك الحياة؟ ففي انكفاء على الذات، وغربة عن العمر وإيقاعه؟ أم تكون هناك صيغة انتقائية، باعتماد مالا يتعارض مع القيم الثوابت بما يقتضي من عمليات إبداعية في تكييف من جانبين: تكييف لممارسات الحضارة المعاصرة، وتطويع لها؟ للقيم والثوابت الحضارية للتراث العربي الإسلامي من جهة، وتأويل القيم الثوابت وتفسيرها وصياغتها مع الاحتفاظ الصارم بأصولها، بما يقع لهذه الممارسات من أخرى.

فاليابانيون مثلا استطاعوا أن يوفقوا في علاقات الإنتاج التي تقول على الصراع بين العاملين وأصحاب العمل، في أن ينقلوا إليها صورة العلاقات الاجتماعية القرابية التي تقوم على التكامل والتكافل ، فأصبح العاملون في مصنع ما جزءا منه ومن أسرته، والمعمل بمثل القبيلة أو الأسرة، والعاملون يمثلون أعضاءها، وهكذا سلمت الحياة الإنتاجية الصناعية من الظواهر المألوفة من الاضطرابات والصراع الطبيعي. إلى هنا، نحن نتلمس بعض الحلول للحد الأدنى للتعامل بين المعاصرة، التي هي ليست إبداع جنس بشري معين، ولا مكان. جغرافي معين، ولكنها نتاج عالمي ، تمثل حصيلة الإبداع البشري؟ والإضافات التي حملتها الشعوب والحضارات في المجالات المختلفة، فكانت هذه الحضارة العالمية، التي جاءت تلخيصا للإنجازات الحضارية البشرية، نتيجة للسعي الإنساني عبر التاريخ الحضاري، فهي امتداد تاريخي وشرعي لكل تراث البشرية بما في ذلك، وفي المقام الأولى التراث العربي الإسلامي، الذي رفد هذه الحضارة بمقوماتها المعرفية والرياضية وبمنهجيتها العلمية، في البحث النظري والمعالجة التطبيقية...

إن الحد الأدنى الذي نبحث عنه، هو القدرة على التعامل معها، ليس من موقف الندية والتماثل ولكن من موقع التبعية، حفاظا على هويتنا الحضارية وحقيقتنا التاريخية.. ولكن الحل الحقيقي لهذه الإشكالية، إشكالية التراث الخاص، والمعاصرة العالمية، يكمن في الاختراق الحضاري، والخروج إلى فضاء الإبداع الذاتي، وإلى الإسهام في صناعة صيغ حضارية معاصرة تفك هذا الحصار العالمي في النظم المالية والسياسية والتقانية. إن هذا الاختراق الحضاري تم تاريخيا، عن طريق مجتمعات غير عربية، مثل اليابان والصين وكوريا والهند في آسيا، وبلاد أخرى. هي في طريقها إلى الإقلاع في أمريكا اللاتينية مثل الأرجنتين والبرازيل، وهناك تفاؤل باقتحام مجتمعات إسلامية وعربية لهذا الميدان، على الرغم من العقبات والعراقيل، والإجهاضات التي تقوم بها جهات عدو لهذه الأمة ولحضارتها ولقيمها...

3-4- إن التراث العربي الإسلامي، يشكل في واقع الأمر، مشكلة نفسية أكثر مما يشكل مشكلة حضارية، تتصل بالتقدم الاجتماعي، ذلك أن هذا التراث هو أكبر بكثير من واقعنا ومن حاضرنا، ونحن ننوء بالعبء الذي نلقيه علينا مسئولية القيام بحقه، ولكن الذي ينبغي أن يكون على العكس من ذلك، هو أن يكون هذا التراث العظيم في غناه وفي تنوعه وفي امتداداته وفي تأثيراته وآثاره، دافعا إيجابيا إلى الإبداع في سياقه، بالروح التي أبدع بها العلماء والمفكرون والقادة العرب والمسلمون، في مجالات المعرفة والإدارة والسياسة والتقانة إبداعا عالميا، انطلاقا من خصوصيته. وهنا لابد من التعرض لإشكالية تتعلق بالاختراق الحضاري الذي ا ينبغي أن تقوم به المجتمعات التقليدية، لتحقيق العالمية، مع الاحتفاظ بهويتها الحضارية لي الثقافية، لأن الخطورة التي تمثلها الحضارة المعاصرة بالنسبة للمجتمعات النامية تكمن فيما تفرضه عليها من تبعية شاملة، تفضي إلى طمس هويتها ومسخها إلى صورة مشوهة منها؟ فإن في ذلك إفقارا للحضارة الإنسانية وعدوانا على إبداعاتها، وحرمانها لها من التنوع الخصب الذي يشكل الوحدة الحضارية العالمية؟ وحماية للحياة الإنسانية من الحول الحضاري..

3-5- ليست صناعة التقانة المعاصرة سرا علميا، فالمعرفة متيسرة في كل مكان ولكنها ربما كانت قدرة مالية، وقدرة تخطيطية وتنظيمية.. وهذه أمور للزمن فيها دور واضح، فالدول المتقدمة تقانيا ، بدأت منذ وقت طويل؟،.لكن كيف يتم الإقلاع الحضاري من دائرة الاستهلاك إلى فضاء الإنتاج والإسهام؟!

هنالك الطريق الطولي، بمعنى أن تتبع المجتمعات النامية، أو التقليدية خطى الدول المتقدمة، وهو سباق مستحيل ، أو صعب على الأقل ، لأن هذا سوف يجعل مستقبل هذه المجتمعات هو ماضي المجتمعات المتقدمة، فتظل تراوح مكانها، لأن المعدل الذي تتقدم به المجتمعات المتقدمة ، أعلى بكثير من ذلك الذي تتقدم به المجتمعات النامية، ثم لأن التعامل والتبادل الإنتاجي بين المتقدمين أعلى بكثير مما هو عليه بينهم وبين الدول النامية، ذلك أن من تمام التقدم الثقافي المعاصر، أن تكون هناك سوق استهلاكية، وهذه السوق هي المجتمعات النامية، فالحضارة المعاصرة هي في الأساس حضارة سوق… وهذه هي إحدى مخاطرها، ذلك أن من السهل شراء مظاهرها، وامتلاك جسدها، دون الوصول إلى حقيقتها وإلى روحها.. وإذا كانت قد نجحت تجربة أو تجربتان، وبخاصة تجربة اليابان، فإن ذلك لا يعني أنها يمكن أن تتكرر في كل مجتمع نام، فتجربة اليابان مرتبطة بظروفها التاريخية والسياسية.. والتعليمية...

ومن هنا، فلابد من افتراع الطريق الموازي لإنتاج تقانة جديدة، تكون إضافة للتقدم الإنساني، وإغناء له ، وتمثل في الوقت نفسه تحررا من قيود التبعية، وإن أفضل الصيغ لهذا الطريق التقاني الموازي، هو التعاون بين الجنوب والجنوب، مع عدم استبعاد الاستعانة بكل التجارب الإنسانية الميسرة.

3-6- وفيما يتصل بالتراث العربي الإسلامي، وصلته بالمستقبل، فإن هذا التراث العظيم، يمثل ركيزة موضوعية ومقوما تاريخيا، للانطلاق نحو التقدم الحضاري والمعاصرة، ولكن ينبغي أن يكون هناك تخطيط مركزي وجماعي لحشد الإمكانات المالية والفنية والتنظيمية، وفق سياسة مجمع عليها، بالصورة التي يتفق عليها في إطار التنظيمات القومية والنوعية القائمة، بحيث تعطى عملية الاختراق الحضاري، والإقلاع التقاني ،أهمية قصوى، فإن أ؟ ذلك حلا شاملا لقضايانا.

4- خلاصة:

4- ا- التراث هو التجربة الحضارية الشاملة، اجتماعيا وتقانيا وتنظيميا، لمجموعة من المجموعات البشرية، وهو يمثل إنجاز الإنسان، في مواجهة الطبيعة والتغلب عليها استدناء لعطائها وانتزاعا من إمكاناتها، لإشباع حاجاته، الحيوية وفي مواجهة الآخرين لتنظيم علاقاته الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وفي مواجهة الكون لتفسير وجوده ومصيره.. ويتطور التراث بتطور خبرات الإنسان ، واتساع مداركه، وامتداد رقعة اكتشافه لقوانين الطبيعة، ولعلاقات الأشياء.. ومن لسمات التراث والحضارات التقليدية أنها كانت نسبية ، تاريخية وجغرافية.

وإن التراث، هو تجربة متصلة وممتدة في المعاصرة، والمعاصرة في كل مرحلة تاريخية تقوم عليه... فالتراث والمعاصرة، هما ظاهرتان متكاملتان وليستا متناقضتين.

4-2- ولعل الحضارة المعاصرة، حضارة التقانة، هي التي طرحت قضية التراث والمعاصرة، كظاهرتين مختلفتين، لأن الحضارة المعاصرة وإن كانت هي جماع الحضارات التاريخية السابقة، ونتيجة لها، إلا أنها تحاول أن تتجاوز النسبية الحضارية، لتكون حضارة نمطية عالمية، لأنها تتصل بإنتاج الوسائل المادية، لإشباع الحاجات الحيوية للإنسان بصورة أشمل وأوفى، فهي تخاطب كل إنسان إلى جانب أن لها القدرة الاتصالية المذهلة، فهي تصل إلى كل مكان، وإلى كل حي، في أي وقت من الأوقات، وأنها حضارة سوف تيسر لمن يملك الثمن أن يمتلك ذاتها لا حقيقتها.. ذلك إلى جانب أنها أنشأت قيمها الخاصة، بما نزع عنها صفة الحياد، فهي تؤثر على سلوك المتعاملين معها، وأحيانا بما يؤثر على قيمهم الثابتة، ومن هنا جاءت خطورتها، إلى جانب ما تفرضه التبعية الشاملة لسلطاتها، على المجتمعات النامية أو التقليدية وفي هذا السياق فإن المجتمعات المتقدمة نفسهما، تعاني ما تعانيه المجتمعات التقليدية، من القيم الجديدة التي فرضتها هذه الحضارة،-ما أعقب ذلك من اهتزاز لاستقرار تلك المجتمعات الأمر الذي يتمثل في انحلال النظم العائلية،
وفي انتشار العنف والانحرافات الاجتماعية والممارسات الجانحة الخ...

4-3- فيما يتصل بالعلاقة بين التراث والمستقبل فإن هنالك اتجاهات ترى الانحياز إلى التراث باعتباره مستقر القيم، ومستودع الخصوصية الحضارية، وأخرى ترى القطيعة مع التراث والتماثل مع المعاصرة، باعتبار أن إعادة إنتاج التاريخ، عمل مستحيل، وهو ضد القدم الاجتماعي؟ وهناك اتجاه انتقائي يرى الأخذ من المعاصرة، مالا يتعارض مع القيم، وهناك من يرى أنه ليس هناك تعارض بين التراث والمعاصرة، وأنهما متكاملان، وأنه ينبغي التفرقة بين ثوابت التراث والمعاصرة، وبين متغيراتهما، وأنه يمكن التعامل معهما في سياق هذه المعادلة، مع محاولة للتكيف بينهما.. تطويعا للمعاصرة وتأويلا للتراث.

4-4- ذلك على أن هناك خصوصية حضارية للتراث العربي الإسلامي لطبيعته العقدية وامتداده الجغرافي وعمقه التاريخي، واتساع مجالاته النوعية، فوق أنه بالنسبة لأهله يظل عبئا نفسيا، لأنه أكبر من واقعهم ومن قدرتهم على القيام بحقه؟ ولأن ما تمثله من إنجازات حضارية عالمية يظل أبدا مثلا أعلى، ونموذجا محتذى، وإن كان السياق التاريخي قد اختلف… وهذا كله في إطار خصائص الحضارة المعاصرة، - وعموميتها ونزوعها إلى النمطية، تخطيا للنسبية الحضارية، وتجاوزا للتنوع الإبداعي للمجتمعات البشرية. هذا إلى أن هذه الحضارة المعاصرة تفرض نمطا على المجتمعات التقليدية، التي تعيش في حالة تبعية شاملة، مهددة بطمس تراثها، واختفاء شخصيتها الحضارية لا يمكن التحرر منها، إلا بالاختراق الحضاري والإقلاع التقاني، والانتقال من مرحلة الاستهلاك إلى مرحلة الإنتاج والإبداع والإسهال، مع الاحتفاظ بالهوية الثقافية لكل مجتمع، إنساني، إخصابا للتجربة الإنسانية، وقد وعي التاريخ المعاصر أمثلة لهذا، وأكبر مثل تقليدي هو اليابان .

4-5- هناك عدة وسائل محتملة لتحقيق هذا الاختراق، أكثرها انتشارا وممارسة هو الطريق الطولي، وهو تقليد الخطوات التي مرت بها الحضارة المعاصرة، ابتداء من التصنيع، وقد ثبت أن ذلك سباق مستحيل ، لأن مستقبل المجتمعات النامية سوف يظل دائما هو ماضي المجتمعات المتقدمة التي تتقدم بمعدل أكثر بكثير من معدل تقدم المجتمعات النامية، إلى جانب أنها تتعامل في مجال الإنتاج مع المجتمعات المتقدمة، وتتعامل في مجال الاستهلاك مع المجتمعات التقليدية، ضرورة أن هذه الحضارة المعاصرة هي حضارة سوق.

4-6- ومن هنا فإن الطريق المتاح لهذا الاختراق الحضاري، هو افتراع الطريق الموازي، واختراع صيغ تقانية جديدة، وذلك بالتعاون بين الجنوب والجنوب، لأن صناعة التقدم وتحقيق التقانة المعاصرة، ليسا سرا علميا، بقدر ما هما تخطيط وتنظيم وقدرة مالية.. وهكذا يمكن أن تكون إضافة حضارية جديدة إلى الحضارة العالمية المعاصرة.. تتعدد روافدها ومصادرها، لتكون غني وتنوعا لها..

4-7- يبقى بعد ذلك أن التراث العربي الإسلامي العظيم، يمثل ركزية موضوعية، ومقوما تاريخيا، للانطلاق إلى التقدم ولإنتاج تقانية عالمية جديدة، وقد استطاع هذا التراث أن يمد البشرية بهذه الحضارة المعاصرة وهو قادر متى توفرت الظروف الإيجابية أن يسهم في هذه الحضارة التقانية مرة أخرى، وهذا يقتضي حشد الإمكانات العربية الإسلامية في تخطيط مركزي ، وفي تنسيق موضوعي في إطار التنظيمات القومية والنوعية القائمة، لتحقيق عملية اختراق حضاري عربي إسلامي.