في
الطـب الإسلامـي
د
. إبراهيم بن مراد
1
ـ الإسلام والطبّ :
لم
يحظ علم من العلوم العقليّة بما حظي به الطبّ من الاهتمام بين
المسلمين . ولقد رفعوا من شأنه حتى عدّوه " فقهًا "، إذ الفقه
فقهان : فقهُ الدّين وفقه البدَن . ولقد زكّى منـزلتَهُ عندهم
كوْنهُ ضروريّا للإنسان ضرورة مُطْلقة، ثم كوْنُه لا يخالفُ
الشريعة؛ بل إن الشريعة قد حثت على الإفادة منه . ولقد كان الرسول
صلى الله عليه وسلّم يأمُرُ " بإتيان الأطبّاء ومسألتهم عمّا
بيْن أيْديهم " (1)، ولَه أحاديث دالة على إجازة التطبّب وإطلاقه،
منها قوله " ما أنزَل اللهُ من داءٍ إلاّ أنزلَ لَه شفاءً "
(2)، وقوله " أنزَلَ الدواءَ الذي أنزلَ الدَّاءَ " (3)، وكان
على صلة بطبيب عاصَره هو الحارث بن كلدة الثقفي ( ت . 13 هـ
/ 634 م ) (4) . وكانت له هو نفسه أقوال وآراء في المرض والعِلاج،
قد كوّنت مَا سمّي بـ " الطبّ النبوي " .
على أن " الطب النبوي
" ليْس من الوَحْي ، فإن الرسول ـ صلى الله علي وسلم ـ قد بعث
لتعليم " الشرائع، ولمْ يبْعث لتعريف الطبّ ولا غيره من العاديات
" (5 )، وليس هو بالعلم القائم على المبادئ والقوانين النظرية
والعملية . بل هو ممّا وقع للرسول بالاكتساب من التجربة العامّة
. ولذلك فإنه يصعب أن
نتحدث عن " طبّ
إسْلامي " في القرن الأوّل الهجري بالمفهوم العلمي للطبّ .
_________________________
(1) ينظر : أبو
داود سليمان ابن جلجل : طبقات الأطباء والحكماء، تحقيق فؤاد
سيد، المعهد العلميّ الفرنسيّ للآثار الشرقية، القاهرة، 1955،
ص 54 .
(2) ينظر : ابن
قيّم الجوزية : الطبّ النبوي، تحقيق عبد الغني عبد الخالق، دار
إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1957 ، ص 8 و 106. والحديث في
الصّحيحيْن .
(3) المرجع نفسه،
ص 105؛ وابن جلجل : طبقات الأطباء، ص 54 .
(4) ينظر حول صلة
الرسول بالحارث بن كلدة : ابن جلجل : طبقات الأطباء، ص 54؛ جمال
الدين القفطي : تاريخ الحكماء، تحقيق يوليوس لبّر، ليبزيغ، 1903،
ص ص 161 ـ 162؛ أبو العباس أحمد بن أبي أصيبعة: عيون الأنباء
في طبقات الأطباء، تحقيق أوغست ملّر ـ المطبعة الوهبيّة ، القاهرة،
1299 هـ / 1882 م ( جزآن )، 1/109 ـ 113 .
(5) ينظر : عبد
الرحمان بن خلدون : المقدمة ط . 2، مكتبة المدرسة ودار الكتاب
اللبناني، بيروت، 1961، ص 919 2
ـ حركة النّشأة، أو مَرْحَلَةُ التّأسيس :
عند ما ظهر الإسْلاَم
في أوائل القرن السّابع الميلادي كان للطبّ مركزان علميان يعلّم
فيهما ويمارس : الأوّل هو مدرسة الإسكندرية بمصر؛ والثاني هو
مدرسة جنديسابور ببلاد فارس . ولم يوجّه العرب اهتمامهم إلى
هذا " الطبّ الأعجمي " طيلة العصر الراشدي ثم عصر بني أميّة
. ولا شك أنّ عصبيّة بني أميّة العربية الخالصة ومناهضتهم للعجم
والعُجْمة ـ ولهم في ذلك مواقف من الموالي مشهورة ـ كانا سببين
رئيسيين لضعف اهتمام مهم بعلم الطبّ . وقد كان من نتائج ذلك
الضعف إن لم يلحقوا ببلاطاتهم أطباء عجما خاصين بهم ولم يشجّعوا
على ترجمة المؤلفات الطبية إلى العربية، مثلما سيفعل بنو العباس
من بعدهم . على أن ذلك لم يمنع ظهور بعض الأطباء في عصرهم، وترجمة
أحد الكتب الطبية الاسكندرانية المهمّة، وانتشار المبادئ الطبية
" الحديثة " بيْن الناس .
أمّا الأطباء فنعرف
أسْماء ثلاثة منهم . اثنان كانَا بالعراق مع الحجاج بن يوسف
الثقفي، هما تيادُوق ( ت . حوالي 90 هـ / 709 م )، وقد كان
له تلاميذ منهم من أدْرك الدولة العبّاسيّة، ثم تَاوْدُون،
وقد ألف في الطبّ لابنه كناشا كبيرًا، وهذان الطبيبان كانَا
مسيحيّيْن ( 6)؛ وأمّا الثالث ـ وهو أشهرهم ـ فهو مَاسَرْجُويْه
ـ ويقال ماسَرْجِيس أيضا ـ اليهُوديّ السّرْيانيّ البصْريّ .
وقد عَاش في القرن الأوّل الهجري أيْضًا (7)، وألّف كتبًا طبيّة
(8).
_________________________
(6) ينظر حولهما
: أبو الفرح ابن العبري : تاريخ مختصر الدول، نشرة انطون صالحاني،
ط . 2، بيروت، 1958، ص 113 .
(7) قد اضطربت
المصادر القديمة في تحديد عَصْره. فقد عاش حسب ابن جلجل
(طبقات الأطباء، ص 61) وصاعد الأندلسي ( طبقات الأمم، تحقيق
لويس شيخو، بيروت، 1912، ص 88 ) في النصف الثاني من القرن الأوّل
الهجري لأنه كان على صلة بمروان بن الحكم الذي حكم بين 64
هـ / 684 م و 65 هـ / 685 م أو بعمر بن عبد العزيز الذي حكم
بيْن 99 هـ / 717م و 101 هـ / 720 م . لكن القفطي ( تاريخ
الحكماء، ص ص 325 ـ 326 ) وابن أبي أصيبعة ( عيون الأنباء
1/163 ـ 164 ) يوردان ما يدل على أنه قد عاش في القرنين
الأوّل والثاني ويذكران مُعَاصرته لأبي نواس ( ولد حـوالي
140 هـ / 757 م وتوفي حوالي سنة 198 هـ / 813 م ) . وهذا
فيما نرى مبالغ فيـه ونـرى أنه عاش في القرن الأوّل لأنّ ترجمته
لكناش أهرن القس كانت مشهورة في نهاية القرن الأوّل كما سنبيّن
.
(8) ذكر له ابن
النديم في الفهرسْت ( تحقيق رضا تجدُّد، طهران، 1971، ص 355
) كتابيْن هما " كتاب قوى الأطعمة ومنافعها ومضارّها " و " كتاب
قوى العقاقير ومنافعها ومضارّها ". ونسب إليه ابن أبي أصيبعة
( عيون الأنباء، 1 / 164 ) كتابيْن هما " كناش في الغذاء " ـ
وقد يكون " كتاب قوى الأطعمة " الذي نسبه إليه ابن النديم ـ
و " كُنَّاش في العَيْن " . وله " رسالة في أبدال الأدوية ومَا
يقوم مقامَ غيرها منها "
_________________________
وأمّا
الترجمة فهي نقل مَاسَرْجويْه لكتاب " الكناش " في الطبّ من
السّريانية إلى العربية، والكناش كتابٌ ألفه باليونانية طبيب
اسكندراني قد عاش في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، اسمه أهْرن
القس (9) . وقد نقل ماسَرجويْه الكتاب إلى العربية أثناء حكم
مروان بن الحكم ( 64 هـ / 684 م ـ 65 هـ / 685 م ) . وهو في
ثلاثين مقالة قد أضاف إليها مَاسرجويْه مقالتيْن .
وأمّا انتشار المبادئ
الطيبة " الحديثة " بيْن الناس فنستدلّ عليه بملاحظتيْن استخلصناهما
من شعر الحكم بن عبْدل الذي عَاش في النصف الثاني من القرن الأوّل
الهجري وبدايات القرن الثاني. فقد أورد له الجاحظ في كتاب الحيوان
قصيدتيْن في هجاء والي الخراج على الكوفة محمد بن حسّان بن سعد،
في أيام والي البصرة عبد الملك بن بشر بن مروان، سنة 102 هـ/
720 م ـ 721 م. والملاحظة الأولى هي ذكر ابن عبْدل لأهْرُن
القسّ في إحدى القصيدتيْن . فقد قال :
"لا
تدْنِ فاك من الأمير، ونَحِّهِ حتى يُدَاوِيَ مَا
بأنفك أَهْرُنُ "(10)
وفي
هذا الرجوع إلى " مداواة أهرُن " دلالة على شهرة ترجمة كتاب
" الكُنّاش " ومعرفة البيئة التي عاش فيها الشاعر ـ وهي بيئة
عراقية وشاميّة ـ بقيمته؛ والملاحظة الثانية هي ظهور مفهوم "الوَصْفَة
الطبيّة ". فقد هجا ابن عبدل محمد بن حسّان في قصيدة ثانية داليّة
مطوّلة (11) نصحه فيها بدواء نافع لنتن الفم، يركّب من عقاقير
طبيّة مفردة ( مثل الحلتيت والكراث والثوم وبزر الفقد )، بأن
تدقّ وتُنْخَل ثم تعجن بحسب أوزان مقدرة ( ذكر منها وزن الشعيرة
والمثقال)، ثم تتخذ منها بنادق فتزدرد . وليست " المفاهيم الطبيّة
" التي اشتملت عليها قصيدة ابن عبدل بالمفاهيم القديمة إذ لا
نجد لها أثرا عند سابقيه أو معاصريه من الشعراء ، بل هي مفاهيم
مستحدثة لا شك أن لترجمة كناش أهْرُن القس ولمؤلفات مَاسَرجويْه
دَورًا في انتشارِها .
_________________________
= توجد مخطوطة في
مكتبة آياصوفيا بتركيا ( ينظر : رمضان ششن وجميل آقبكار وجواد
ايزكي : فهرس مخطوطات الطبّ الإسلامي باللغات العربيّة والتركية
والفارسيّة في مكتبات تركيا، استانبول، 1984، ص 340 ) .
(9) ينظر ابن العبري
: تاريخ مختصر الدول، ص 92 . أَمّا ابن النديم ( الفهرست، ص
355 ) فقال " في صدْر الدولة "، وجعله القفطي ( تاريخ الحكماء،
ص 80 ) " في صدر الملة ". وذلك كله يعني أنه كان في بداية
الإسْلام .
(10) أبو عثمان
الجاحظ : كتاب الحيوان، تحقيق عبد السلام محمد هارون ، القاهرة،
1938 ـ 1943 (7 أجزاء)، 1/ 250، والقصيدة في 1/ 249 ـ 250،
والبيت مذكور أيضا في 1/ 247 و 1/ 250 .
(11) المرجع نفسه،
1 / 250 ـ 253 .
_________________________
على
أن الظواهر الثلاث التي ذكرْنا لا تدل على أنّ الطبّ قد ارتقى
إلى مرتبة " العِلْم " بيْن المسْلمين . فإن ذلك لم يتحقق
إلا في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري / التاسع الميلاديّ،
وقد هيّأت له عوامل، أهمّها خمسة :
(1) قبول بني العبّاس
في أوّل دولتهم ـ خلافًا لبني أميّة ـ للعُجْمة وتقريبهم للعجم
. فإن عصَبيّتَهُم لم تكن عربية خالصة . وقد استعانوا في قيام
دولتهم بالعجم ثم أشركوا معهم العجم في السلطة فكانوا وزراءهم،
وأرادوا أن يتشبّهوا في حكمهم بالعَجم وأخذوا ببعض عاداتهم
في نظام الحكم والسلوك (12) .
(2) استقدام الأطباء
العجم من مدرسة جنديسابور ببلاد فارس واتخاذهم أطبّاء بلاط .
ونخص بالذكر من أولئك الأطباءِ ثلاثة من آل بـختيشوع قد استقدمُوا
كلّهم في القرن الثاني الهجري / الثامن الميلادي : (أ) جورجيس
بن بـختيشوع ( ت . 152 هـ / 769 م ) الذي كان رئيس الأطباء في
جنديسابور . وقد استقدمه أبو جعفر المنصور سنة 148 هـ / 765
م (13) فخدمه بالطب؛ (ب) بـختيشوع بن جورجيس ( ت . 185 هـ /
801 م ) . وقد خلف أبَاهُ في رئاسة الطبّ بجنديسابور ؛ استقدمه
المهديّ أوّلا لكن المقام لم يطل به؛ ثم استقدمه الرشيد سنة
171 هـ / 787 م فخدمه بالطبّ حتى وفاته (14) ؛ (ج) جبرائيـل
بن بـختيشوع بن جورجيس ( ت. 213 هـ / 828 م (. وقد استقدم في
عهد هارون الرشيد سنة 175 هـ / 791 م لخدمة جعفر بن يحيى البرْمكي،
ثم أصْبح طبيب الرشيد فالأمين فالمأمون من بعده .
(3) تأسيس " بَيْت
الحِكْمة " ببغداد . وقد أَسّسه المأمون سنة 215 هـ / 830م،
وَألحَق به مكتبة ومرصدًا فلكيّا، وجمّع في المكتبة الكتب اليونانية
المستجلبة من أماكن مختلفة إمّا تابعةٍ للدولة الإسلاميّة وإمّا
من بلاد الروم، وخاصّة من آسيا الصغرى . وقد أرسل في سبيل ذلك
البعثات من العُلماء (15) .
_________________________
(12) يقول أبو
حيان التوحيدي عن العصر العباسي الأول ( الإمتاع والمؤانسة،
تحقيق أحمد أمين وأحمد الزين، القاهرة، 1939 ـ 1944، 3 أجزاء،
2/ 76 ) : " أَلاَ تَرَى أن الحال استحالت عجمًا كسرويّة وقيصريّة
؟ فأيْنَ هذا من حديث النبوّة الناطقة والأمامة الصادقة ؟ (…)
ولكن لما غلبت عليهم العزّة ودخلت النعْرة في آنافهم وظهرت الخنـزوانة
بينهم سمّوا آيين (= عادات) العجم أدبًا وقدموه على السّنة التي
هي ثمرة النبوّة".
(13) ينظر القفطي
: تاريخ الحكماء، ص ص 158 ـ 160 .
(14) المرجع نفسه،
ص ص 100 ـ 101 .
(15) ينظر : ابن
النديم: الفهرست، ص 304 .
_________________________
(4)
حركة الترجمة . وقد نشطت في أوائل القرن الثالث الهجري وخاصّة
في بيت الحكمة. وكان القائمون بها من المترجمين يعنون بعلوم
كثيرة لكن الطبّ كان أحْظى منـزلة . وقد سَاعد على ازدهار حركة
الترجمة عاملان : (أ) كوْنها مشرُوعًا من مشاريع الدوْلة لأنها
ـ ممثلة في الخليفة المأمون ـ هي التي حثت عليْها وأنفقت من
أجْلها المال الكثير؛ (ب) دور الخواصّ في تلك الحركة. فقد دعم
عمل الدولة بعْض العائلات التي كانت تستجلب هي أيضا الكتب الأعجمية
من بلاد الروم وتغدق المال على ترجمتها . ومن أشهر تلك العائلات
عائلة بني شاكر المنجّم؛ فقد " كانوا يرزقون جماعة من النَّقَلَة،
منهم حنين بن إسحاق وحبيش بن الحسن وثابت بن قرّة وغيرهم، في
الشهر خمسمائة دينار للنقل والملازمة " (16) .
وقد استقام الطبّ
ـ في النصف الأول من القرن الثالث ـ علمًا مكتمل العنَاصر واضحَ
الملامح، وقد دلت على اكتمال تلك العناصر المؤلفات الأولى التي
وضعت بالعربيّة في تلك الفترة مثل مؤلفات يوحنا بن ماسويه (
ت . 243 هـ / 857 م ) وعلي بن ربّن الطبري ( ت . بعد 240 هـ
/ 855 م ) وحُنَيْن بن إسْحاق ( ت 260 هـ / 873 م ) . والناظر
في تلك المؤلفات وفي المصادر التي تأسّست عليْها ـ وهي الكتب
الطبيّة التي نقلت إلى العربية ـ يُلاحظ ما كان للعَالمين اليونانييْن
إبقراط وجالينوس من أثر حاسِم رغم مَا كان بينهما من اختلافٍ
في المذْهَب .
فإن الطبّ عند كليهما
كان يقوم على التجربة والقياس . لكن التجربة عند إبقراط كانت
أغلب من القياس (17)، والقياس عند جالينوس كان أغلب من التجربة
. ولذلك فإن الطبّ عند إبقراط كان طبّا خالصًا لأنه لم يخرج
عن الأمراض وأسبابها وعلاماتها وأنواعها وعلاجها وحفْظ الصحّة
منها . والناظر في مؤلفات إبقراط يلاحظ غلبة الملاحظات السريريّة
عليْها سواء في الحديث عن الأمراض أو في الحديث عن أحوال المرْضى
. وقد بنى على تلك الملاحظات استنتاجات علميّة دقيقة في تشخيص
المرَض وفي علاجه . ومنطلقه في الاستقراء والاستنتاج ـ سواء
في البحث عن المرض أو في البحث عن علاجه ـ هو المريض ذاته باعتباره
فرْدًا تشترك في إحداث المرض فيه عوامل ذاتيّة وعوامل موضوعيّة،
ولم يعتمد من العلوم الأخرى في البحث الطبّي إلاّ على علم واحدٍ
هو علم النجوم لأنّه يمكنه من معرفة الأزمنة وانقلاب فصول السنة
وآثار ذلك في الأمراض التي تصيب النّاس، وهذا المذهب كما يُلاحظ
أقرب إلى التجربة والاختبار منه إلى القياس والاستدلال العقليّ
.
_________________________
(16) المرجع نفسه:
ص 304 .
(17) ينظر حول
خصائص المذهبيْن بحثنا " ابن النفيس الطبيب مقارنة بابن سينا:
نظرات في مادّة علم الطبّ ومنهج معالجته بيْن ابن النفيس وابن
سينا "، وقد قدّم في الندوة التراثية الثانية التي عقدتها المنظمة
الإسلامية للعلوم الطبية، الكويت، 8 ـ 10 نوفمبر 1997 .
_________________________
أمّا
جالينوس فقد كان يَرَى في الطبّ جزءً ا من الفلسفة ويرى أنّ
الطبيب الفاضل فيْلسوفٌ. وقد كان من آثار هذا المَنْحَى أن غلب
عليه الأخذ بالقياس في الطبّ . والقياس الذي أخذ به هو القياس
الذي وضع أرسطو قواعده . وقد عبّر جالينوس في مواضع كثيرة من
كتبه (18) عن ميله إلى القياس في الطبّ وتقديمه على التجربة
. فإن التجربة ممّا يحتاج إليه الطبيب لا محالة لكن تطبيقها
في كل الناس غير ممكن .لذلك وجب على الطبيب أن يكون ذا معرفة
بأُصُول القياس فيستطيع حمل القليل على الكثير والاستدلال بالجزئيّ
على الكليّ باعتبار صحّة المتواتر من الظواهر والعلامات على
صحّة القليل منها . وقد جوّز لذلك استعمال الافتراض الذي لا
يُنْتَهى إلى إثباته بالاستقراء والاختبار بل بالقياس والاستدلال
العقليّ . وقد جعل جالينوس ـ بمذهبه هذا ـ الطبَّ علمًا تابعًا
للفلسفة وأصبح الطبيب في نظره فيلسُوفا .
على أن مذهب جالينوس
في هذه المرْحَلة التأسيسيّة كان أغلب وأعمق أثرًا . وترجع هذه
الغلبة إلى أسبابٍ، منها العلميّ الخالص ومنها الموضوعيّ التاريخيّ
. وأهمّ الأسباب العلمية : (أ) منـزلة جاليونس في تاريخ الطبّ
القديم، وهي منـزلة يدلّ عليها هذا القول المنسُوب إلى الإسكندر
الأفروديسي الذي كان مُعَاصرًا لجالينوس في القرن الثاني الميلادي
وكان يعيب عليه اهتمامه بالفلسفة : " ليْس في المعمورة أحد ليس
لجالينوس عليْه مِنّة " (19)؛ (ب) تنظيمهُ للعلم . فقد رتب أبوابه
ونظم أقسامَه وصنّفَ فروعه واهتم بمختلف أجزائه وكان له فيها
جميعًا مؤلفات
_________________________
(18) وخاصّة في
" كتاب الفِرق " ـ أي فرق الطبّ ـ وهم أصحاب التجربة وأصحاب
القياس وأصحاب الحيل؛ وقد جعله الاسكندرانيون في جوامعهم أوّل
كتب جالينوس الستة عشر المعتمدة في تعليم الطبّ؛ و"كتاب البرهان
" وقد دعَا جالينوس نفسه إلى أن يُبْدَأ تعلم كتبه به فقال :
" ينبغي قبل هذه الكتب كلّها أن يَرْتَاضَ في كتابي الذي وضعته
في البرهان من أراد أن يستعمل هذه الصناعة بطريق القياس " (
ينظر : جالينوس : الصناعة الصغيرة، ترجمة حنين بن إسحاق، تحقيق
محمد سليم سالم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة ، 1988،
ص 192)؛ و " كتاب حيلة البرْء "، وقد وصف فيه " كيف يداوي كل
واحدٍ من الأمْراض بطريق القياس " ( ينظر : ابن أبي أصيبعة
: عيون الأنباء 1/ 93 ) .
(19) ينظر : أبو
سليمان السجستاني : منتخب صوان الحكمة، تحقيق د . م . دنلوب
( D . M. DUNLOP - Mouton Puhishers . The Hague, 1979 ) ،
ص 7، الفقرة 7.
_________________________
شاهدةٌ
بفضله وتميّزه؛ (ج) ربط الطبّ بالفلسفة، وقد كان ذلك يستهْوي
الأطبّاء القدامى لأنه يخوّل لهُم الانتساب إلى الفلسفة فيُعَدُّوا
مثل الفَلاَسفة حكماء (20) .
وأمّا الأسباب الموضوعية
فأهمّها اثنان : (أ) تأخر جالينوس في الزمن بالنسبة إلى الأطباء
اليونانيين وخاصّة بالنسبة إلى إبقراط الذي عاش في القرن الرابع
قبل الميلاد . وقد مكنه ذلك من الإفادة من أعمال سابقيه ثم الإضافة
إليْها . وقد تجاوزت شهرته ـ لذلك ـ حدود بلاد اليونان وهو
حيّ وكان له أثر مباشر خارجها في الطبّ ومباحثه النظرية والتطبيقيّة؛
(ب) سيْطرة نظرياته ومنهجه على مدرسة الإسكندرية بمصر ثم على
مدرسة جنديسابور ببلاد فارس، وقد كانت الأولى أوْضح أثرا في
القرون الثلاثة التي سبقت الإسلام ثم في القرون الثلاثة التي
تلته، وقد أثرت في مدرسة جنديسابور نفسها، فإن هذه قد أسّست
في القرن السادس الميلادي .وقد كان للمدرستيْن تأثير عميق في
المباحث الطبيّة العربية الإسلامية لأن كبار الأطباء وتراجمة
النصوص الطبية في القرنين الثاني والثالث الهجريين كانوا
من خريجِي مدرسة جنديسابور وكانوا قد تعلموا الطبّ على المنهج
الذي أقرّه علماء الإسكندرية ومعلمُو الطبّ فيها، وهذا المنهج
كان جالينوسيّا محْضًا لأنه قائم على مؤلفات جالينوس خاصّة .
وقد حدثتنا المصادر
العربيّة (21) عن مادّة تدريس الطبّ في مدرسة الإسكندرية وعن
المنهج المتبع في تبويبها . والمادّة المدرّسة كانت تقوم على
أربعة وعشرين كتابًا : أربعة منها لأرسطو، من أجزاء كتاب المنطق،
هي المقولات، والعبارة، والقياس، والبرهان؛ وأربعة لإبقراط،
هي كتاب الفصول، وتقدمة المعرفة، والأمراض الحادّة، وكتاب الأهوية
والبلدان والمياه . وهذه
_________________________
(20) ومن علامات
ذلك في فترة التأسيس التي نتحدث عنها تعصّب حنين بن إسحاق لكتاب
جالينوس في البرهان : " فإنه أظهر لهذا الكتاب تعصّبا عظيما
تجاوز فيه الحدّ " ( ينظر : أبو سليمان السجستاني : منتخب صوان
الحكمة، ص 7، ف 7؛ وَوَضع علي بن ربّن الطبري لأشهر كتبه عنوان
" فردوس الحكمة"، وقد ذكر في مقدمته أنه جمع مادته من كتب الأطباء
ـ وخاصة إبقراط وجالينوس ـ ومن كتب الفلاسفة، وخاصة من كتب أرسطو
ـ ينظر: فردوس الحكمة، تحقيق محمد زبير الصديقي، برلين، 1928،
ص 8 .
(21) ينظر مثلا
: أبو الفرح ابن هندو : مفتاح الطبّ ومنهاج الطلاب ( = الطلب
؟ )، تحقيق مهدي محقق ومحمد تقي دانش بزوه، طهران، 1989، ص ص
60 ـ 65؛ علي بن رضوان: الكتاب النافع في كيفيّة تعليم صناعة
الطبّ، تحقيق كمال السامرائي، جامعة بغْداد، بغداد، 1986، ص
ص 107 ـ 113 . وينظر أيضا : ألبير زكي اسكندر : مدرسة الاسكندرية
ومناهج التعليم الطبّي في أوائل العصر الوسيط، في : مجلة معهد
المخطوطات العربيّة، 23 / 1 ( 1977 )، ص ص 24 ـ 56 .
_________________________
الكتب
الثمانية كانت كالمدخل التمهيدي لدراسة الطبّ، أو هي المرحلة
التحضيريّة حسب تعبيرنا الحديث؛ وأمّا الكتب الستة عشر الباقية
فكلها لجالينوس، وهي التي عُرِفت في الثقافة العربيّة بجوامع
الاسكندرانيين . وقد صنف هؤلاء تدريس هذه الكتب الجالينوسية
إلى سبْع مَرَاتب تشتمل كل منها على تدريس كتاب واحدٍ أو أكثر
.
وتتوزع الكتب بحسب
المراتب كما يلي : (أ) أربعة كتب في المرتبة الأولى هي فرق الطبّ،
والصناعة الصغيرة، والنبض الصغير، وكتاب إلى أغلوقن؛ (ب) أربعة
كتب في المرتبة الثانية هي الاستقصّات، والمزاج، والقوى الطبيعية،
والتشريح الصغير؛ (ج) كتاب واحد في المرتبة الثالثة هو العلل
والأعراض؛ (د) كتابان في المرتبة الرابعة هما تعرّف الأعضاء
الباطنة، والنبض الكبير؛ (هـ) ثلاثة كتب في المرتبة الخامسة
هي الحمّيات، والبحران، وأيّام البحران، (و) كتاب واحد في المرتبة
السادسة هو حيلة البُرْء؛ (ز) كتاب واحد في المرتبة السابعة
هو تدبير الأصحّاء . ويلاحظ في المراتب ـ بحسب الكتب الموزعة
عليها ـ تدرّجها : فالأولى مشتملة على مدْخل عامّ في الطبّ.
فهي كالمقدمة العامّة أو التمهيد النظريّ في قسمي الطبّ النظريّ
والعلميّ؛ والثانية في الأمور الطبيعية كالاستقصّات والقوى والأعضاء
والمزَاج والأخلاط وما يتصل ببدن الإنسان من عوامل التغيير والاستحالة؛
والثالثة في الأمْرَاض وخاصّة في عللها وأسْبابها ومعرفَتها
عن طريق القياس؛ والرابعة في علامات الأمراض في الأعْضاء الباطنة
وكيفيّة التعرف عليها بالنبض خاصّة؛ والخامسة في الحُمَّيَات:
نوبانها وأوقات انتيابها والتوقّي منها؛ والسادسة في قوانين
العلاج. وهذه الرتب الأربع الأخيرة ( أي الثالثة والرابعة والخامسة
والسادسة ) كلها في الأمراض من حيث الأسباب والعلامات والتشخيص
والمداواة؛ والمداواة من قسم الطبّ العمليّ لكن قوانين العلاج
كانت قائمة على القياس؛ والمرتبة السّابعة في حفظ الصحّة .
وهذا المنهج الأسكندراني
في تدريس الطبّ هو الذي اتُّبِعَ في مرحلة التأسيس الإسلامية
لعلم الطبّ . ونحن نجد آثاره واضحة في كتاب " المسائل في الطبّ
للمتعلّمين " لحنين بن إسحاق مثلا، وقد كان ذا شأنٍ كبير في
تدريس الطبّ بعد مرحلة التأسيس، لمنهج تأليفه التعليمي الخالص.
والكتاب مقسّم إلى سبع مقالات ـ سميت في النص المنشور فصُولا
ـ فكان الفصل الأوّل في كليات الطبّ، والمنطلق في تحليلها تقسيم
الطبّ إلى جزئيْن نظري وعمليّ وتقسيم النظري إلى نظر في الأمور
الطبيعية ونظر في الأسباب ونظر في الدلائل والعلامات. وقد اكتفى
حُنيْن في الفصل الأوّل بتحليل الأمور الطبيعيّة؛ والفصل الثاني
في علم الأمراض؛ والفصل الثالث في الأسباب؛ والفصل الرابع في
الدلائل والعلامات؛ والفصل الخامس في علم العلاج؛ والفصل السادس
في الأدوية المفردة والأدوية المركبة . أي في الوسائل التي تحفظ
بها الصحّة؛ والفصل السادس في النبض، ومسائل هذا الفَصْل ممّا
يدخل في الحقيقة في الدلائل والعلامات، ويبدو أنه ليس من تحرير
حنين بل من إضافة حبيش بن الحسن الأعْسم .
ولم ينحصر تأثير
تصور الاسكندرانيين الجالينوسي لعلم الطبّ في منهج التدريس في
مرحلة التأسيس بل شمل التأليف في المادة العلمية أيْضًا. ونستدلّ
على ذلك التأثير بكتابيْن جليليْن من كتب تلك المرحلة، هما
كتاب فردوس الحكمة في الطبّ لأبي الحسن علي بن ربّن الطبري ـ
وقد انتهى من تأليفه سنة 235 هـ / 850 م ـ والكتاب المنصوري
في الطبّ لأبي بكر محمد بن زكرياء الرازي ( ت . 313 هـ / 925
م ) ، وقد ألفه في آخر القرن الثالث لأنه أهداه إلى الأمير منصور
بن إسحاق بن أحمد بن أسد حاكم الري من سنة 290 هـ / 902 م إلى
سنة 296 هـ / 908 م .
وفردوس الحكمة للطبري
مقسّم إلى سبْعَة أنواع تُذَكِّرُ بتبْويب الاسكندرانيين السباعي
للمادة الطبية الجالينوسية . وقد زاد الطبري أبواب كتابه تفْصيلا
فقسّمها إلى مقالات وقسم المقالات إلى أبْواب . والنوع الأوّل
فيه مقدمات عامّة هي إلى الفلسفة والعلم الطبيعي أقربُ . فقد
بدأه بالحديث عن الهيولى ـ أي المادّة الأولى ـ وانتهى بتكوين
الحيوان؛ والنوع الثاني في الأمور الطبيعية والقوى والأمزجة
وما يتصل ببدن الإنسان من عوامل التغيّر والاستحالة؛ والنوع
الثالث في الاغتذاء والأغذية من حيث أقدارها وأنواعها وقوامها
وما يتولد منها؛ والنوع الرابع في الأمراض بحسب الأعضاء الظاهرة
والباطنة وفي معالجتها؛ والنوع الخامسُ في خواصّ الأشياء، فهو
كالمقدمة للحديث عن المواليد الطبيعية المتخذة في الأدوية؛ والنوع
السادس في الأدوية المفردة والمركبة وفي السموم والترياقات الصالحة
لها؛ والنوع السابعُ في حفظ الصحّة عامّة وفي التدْبير الصالح
بحسب البلدان والفصول. وتَنَـزُّلُ أنواع الكتب السبعة في مراتب
الطبّ الأسكندرانية السّبْع ظاهر غير خفيّ .
وأمّا الرازي في
الكتاب المنصوري فقد خرج عن التقسيم السباعي إذ قسم مادة الكتاب
إلى عشر مقالات . لكن المقالات العشر قد حافظت على كثير من عناصر
المراتب الأسكندرانية الجالينوسية . فإن المقالتين الأولى والثانية
منه في الطبّ النظري وقد سمّى المؤلف أولاهما " المدْخَل
في الطبّ " (22) . وقد غلب في المقالة الأولى القوْل في الأعضاء
الباطنة وفي المقالة الثانية القوْل في المزَاج. والمقالات الثماني
الباقية في الطبّ العمليّ . لكن منها ما يتنـزل في المراتب السبع
ومنها ما يخرج عنها . والمقالات المندرجة في التصوّر الجالينوسي
هي الثالثة ـ وموضوعها قوى الأغذية والأدوية، فهي في قوانين
العلاج ـ والمقالة الرابعة وموضوعها حفظ الصحّة، والمقالة التاسعة
وموضوعها الأمْراض من القرْن ـ أي الرأس ـ إلى القدم، والمقالة
العاشرة، وموضوعها الحمّيات . وأمّا المقالات الخامسة والسادسة
والسّابعة والثامنة ففيها إضافات سنرجع إليْها بعد قليل .
_________________________
(22) ينظر : أبو
بكر الرازي : الكتاب المنصوري في الطبّ، تحقيق حازم البكري الصديقي،
معهد المخطوطات العربية، الكويت، 1987، ص 29 .
_________________________
وإذن
فإن الطبّ العربيّ الإسلامي قد قام في مرحلة تأسيسه على مصادر
يونانية وخاصة على الطبّ الجالينوسيّ . وقد أثر المذهب الجالينوسي
في مبادئ العلم إذ رُبط الطبّ بالفلسفة، وفي مادّة العلم إذ
قسم الطبّ إلى جزء نظري وجزء عمليّ وأُخِذَ جُلّ العناصر المكوّنة
للجزئين من كتب جالينوس، ثم في منهج تدريس العلم إذ اعْتُمِدَ
المنهج الاسكندراني الذي كان جالينوسيّ المنـزع . وليس ذلك كله
بدال على نقص في التأسيس أو على عيْب فيه . فإنّ لكل علم إذا
تأسَّس مصادره التي ينطلق منها ويعتمد عَليْها . وإذْ أن المؤسّسين
للطبّ العربي الإسلامي كانوا جنديسابوريين متأثرين بالطبّ اليوناني
وخاصّة بجالينوس، فمن البديهيّ أن يكون الطبّ اليوناني ـ وخاصّة
الجالينوسي ـ النموذج الذي يحذو الطبّ العربيّ الإسلاميّ حَذْوَه
.
على أنّ الطبّ العربيّ
لم يبْق منحصرًا في النموذج اليوناني الجالينوسي، وقد لاحظنا
خروجه عنه في مرحلة التأسيس ذاتها . ويمكن أن نذكر أرْبعة مظاهر
قد تبيّنت فيها مخالفة العرب للنموذج الجالينوسي :
(1) توسيعُ القول
في المراتب السّبع بإضافة عناصر جديدة إليْها . ونكتفي في الاستدلال
على ذلك بأربع مقالات من الكتاب المنصوري للرازي قد خرجت عن
تلك المراتب، هي الخامسة وموضوعها " الزينة " ومن مسائلها الشعر
وما يطرأ عليه وما يصيبه وما يصلحه، وفي لون البشرة وما يُغيّره،
وفي الثآليل وبخر الفم ونظافة الأسنان والمحافظة عليها من السقوط،
وفي السمنة وما يقلل منها؛ ثم المقالة السادسة وموضوعها في تدبير
المسافرين، أي في ما يصلح للمسافرين في سفرهم من التدبير الطبّي
. ومن مسائلها الاحتراس من الحرّ ومن السموم، وتدبير السّفر
في البرد والثلج الكثير وعلاج الإصابة بالبرد، وفي التعب والإعياء
وعلاجهما، ودفع ضرر اختلاف المياه ورداءَ تها، وتدبير ركوب البحر؛
ثم المقالة السابعة وموضوعها جبْرُ الأعضاء، وهي في عمل اليد
وخاصّة في الجراح والقروح والكسور؛ ثم المقالة الثامنة وموضوعها
السمُوم وعلاجها .
(2) التأليف في
مواضيع مفردة لم يهتمّ بها جالينوس أو لم يعمّق القوْل فيها
. ومن أمثلة ذلك تأليف يوحنا بن مَاسويْه كتابًا " في الجذام
لم يسبقه أحد إلى مثله " (23)، وتأليف حنين بن إسحاق كتابًا
في " الأغذية على تدبير الصحّة لم يسبقه إليه أحد " (24)؛ وتأليف
إسحاق بن عمران ( ت . 279 هـ / 892 م ) كتابًا في " داء الماليخوليا
لم يُسْبَق إلى مثله " (25)؛ وتألِيف أبي بكر الرازي كتابًا
" في الجدري والحصْبة " وكتابًا في " القولنج " .
(3) التأليف في
نقد جالينوس والردّ عليْه . وللرازي في ذلك كتابٌ عنوانه " الشكوك
على جالينوس " (26)، ولم يصلنا هذا الكتاب . ولا شكّ أن الإقدام
على تأليفه يعدّ في حدّ ذاته جرأة علميّة في وقت كانت الغلبة
فيه للطبّ الجالينوسي .
(4) الأخذ عن نموذج
آخر غير النموذج اليوناني. فإن العرب لم يكْتفوا بالأخذ عن الطبّ
اليوناني بل أخذوا عن الطبّ الهنديّ أيْضًا، وقد كانوا مدركين
لما بيْن النموذجيْن من الاختلاف وأرادُوا الجمع بيْن محاسن
الطبّيْن . ولنا على اعتماد الطبّ الهندي في مرحلة التأسيس شاهدان
: الأوّل هو وجود طبيبيْن هنديّيْن قد مارسَا الطبّ الهندي في
بلاط الرشيد . أوّلهما هو صالح بن بهلة، وقد كان في " العلم
بطريقة أهل الهند في الطبّ مثل جبرائيل [ بن بـختيشوع ] في العلم
بمقالات الروم " (27)، وثانيهما هو مَنَكَة الهندي، وقد استجلبه
الرشيد إلى بغداد لمعالجته (28) ونقل كتبا من الهندية إلى العربية
(29) . والشاهد الثاني هو اعتماد ابن ربّن الطبري في فردوس الحكمة
على الطبّ الهنديّ اعتمادا مقصودًا . فقد استطرد في النوع السابع
استطرادًا مهمّا فيه تنبيه إلى أن النظر في الطبّ لا ينحصر في
ما انتقل إلى العرب من اليونانيين بل إن في الطبّ مذهبًا آخر
هو مذهب أهل الهند . وقد خصّص له الأبواب الستة والثلاثين المكونة
للمقالة الرابعة ـ وهي الأخيرة ـ من النوع السابع (30) .
_________________________
(23) ابن جلجل
: طبقات الأطباء، ص 66 .
(24) نفسه، ص 69
.
(25) نفسه، ص 85
.
(26) كذا ورد العنوان
في الفهرست لابن النديم ( تحقيق تجدد، ص 357 ) . أمّا ابن جلجل
( طبقات الأطباء، ص 77 ) فقد قال : " وألّف على بقراط وجالينوس
كتابًا سمّاه الشكوك " .
(27) القفطي :
تاريخ الحكماء، ص 215 .
(28) ابن أبي أصيبعة
: عيون الأنباء، 2/ 33 .
(29) ابن النديم
: الفهرست، ص 305 .
(30) الطبريّ :
فردوس الحكمة، ص ص 557 ـ 620 .
_________________________
3
ـ مرحلة التأليف والابتكار :
وهي تمتد على خَمْسَةِ
قرون على الأقل، من أوّل القرن الرابع إلى منْتَصَفِ القرن التّاسع
الهجريّيْن، (من العاشر إلى الخامس عشر الميلادييْن )، ويمكن
عَدُّها في تاريخ الطبّ عامّة مرحلة الطبّ العربيّ الإسْلاميّ
. فقد كان النموذج الذي سَاد في تلك المرحلة هو ا لنموذج
الطبّي العربي الإسلامي، بمقولاته ومفاهيمه ومصطلحاته ومبادئه
وقوانينه . ونريد أن ننظر فيما يلي في خصائص هذه المرحلة . ونريد
أن نعنى في النظر إلى تلك الخصائص بمسألتيْن : هما (1) المبادئ
العامّة؛ (2) مادّة العلم .
3 ـ 1 o المبادئ
العامّة:
لقد تواصل في هذه
المرحلة ـ في القرنين الرابع والخامس على الأقل، في المشرق خاصّة
ـ ربط الطبّ بالفلسفة وتقسيمُه إلى كليّات وجُزْئيات .وقد
أكد ابن هنـدو ( ت . 420 هـ / 1029 م ) في " مفتاح الطبّ " تلك
الصلة في أكثر من موْضع، منها قوله " إن جالينوس لتعظيمه أمْر
الطبّ، جعل الطبيب فيلسوفا (…) . إن الفلسفة عامّة محتوية على
الطبّ وغير الطبّ، وهي التي تسمّى صناعة الصناعات، كما يقال
أمير الأمراء وقاضي القضاة إذ كان الطبّ نظريّا وعمليّا. والنظري
يبحث عنه الفيلسوف من حيث هو باحث عن حقائق جميع الموجودات؛
والعملي يبحث عنه من حيث هو باحث عن جميع الخيْرات " (31)؛ وقوله
: " ولما كان الطبّ يشارك الفلسفة حتى أنه جزء من أجزائها، ويستعمل
صناعة المنطق التي هي آلة له ولكل علم، وكانت فيه عبارات اختصّ
الأطبّاء بوضعها والتواطؤ عليها، كنّا جدراءَ أن نودع كتابنا
هذا شيْئا صالحًا مّما يفتقر الطبيب إلى معرفته من ألفاظ المنطقيين
والفلاسفة " (32) .
وهذا التصوّر يجعل
من قسْمي الطبّ، النظريّ والعمليّ، مبحثين فلسفييْن، ولا يختلف
بذلك العملي عن النظريّ في كونه " علمًا " قائما على النظر والاستدلال
العقليّ، أي على القياس البُرْهَاني . وقد أكد هذا التصوّر ابن
سينا ( ت . 428 هـ / 1037 م ) في مقدمة كتاب القانون إذ قال
: " إذا قيل إن من الطبّ ما هو نظري ومنه ما هو عملي فلا يجب
أن يُظن أن مُرَادَهم فيه هو أنّ أحد قسمي الطبّ هو تعلّمُ العِلْم
والقسْمَ الآخر هو المباشرة للعَملِ كما يذهب إليْه وهم كثير
من الباحثين عن هذا الموضع . بل يحق عليْك أن تعلم أن المراد
من ذلك شيء آخر، وهو أنه ليس واحد من قسمي الطبّ إلاّ علمًا،
لكنّ أحدهما علم أصول الطبّ والآخر علم كيفيّة مباشرته .
_________________________
(31) ابن هندو
: مفتاح الطبّ، ص 53 .
(32) المرجع نفسه،
ص 67 .
_________________________
ثم
يخصّ الأوّل منهما باسم العلْم أو باسم النظر ويخصّ الآخر باسم
العمل . فنعني بالنظر منه ما يكون التعليم فيه مفيد الاعتقاد
فقط من غير أن يتعرّض لبيان كيفيّة عمل (…)؛ ونعني بالعمل منه
لا العمل بالفعل ولا مزاولة الحركات البدنية بل القسم من علم
الطبّ الذي يفيد التعليم فيه رأيًا . ذلك الرأي متعلّق ببيان
كيفيّة عمل (…) . فإذا علمت هذين القسميْن فقد حصل لك علم عِلْميّ
وعلم عمليّ وإن لم تَعْمل قط " (33) .
وهذا التصوّر ـ
كما يلاحظ ـ امْتداد للمذهب الجالينوسي وإقْرار له . وصلته بجالينوس
دالة على أن الطبّ المنبني عليه قائم على القياس والاستدلال
البرْهاني في كلياته وجزئياته، وفي نظريِّهِ وعمليِّه، وليْس
للاختبار والتجريب فيه أثر كبير .
وقد انبنت على هذا
التصوّر مؤلفات طبيّة عربية إسلامية كثيرة، إلاّ أن أهمّها
وأشهرها على الإطلاق هو كتاب القانون لأبي علي ابن سينا . وهو
مقسم إلى خمسة " كتب " قد أحاط فيها المؤلف بكليات الطبّ وجزئياته
بحسب ما استقرّ في الثقافة الطبّية العربيّة في مرحلة التأسيس
من النموذج اليوناني وخاصّة الجالِينوسي، ومَا أضَافه إلَيْه
المؤسّسُون مثل يوحنا بن ماسويه وإسْحاق بن عمران وأبي بكر الرازي
. والكتاب الأوَّلُ من كتب القانون الخمسة في الأمور الكلية،
وقد حدّد فيه المؤلف الطبّ وعرّف الأركان والأمزجة والأخلاط،
والأعْضَاءَ وتشريحها؛ وتحدث عن الأمراض حديثا مُجْملا : عن
أسبابها وعلاماتها؛ ثم صنف وجوه المعالجات بحسب الأمراض الكلّية
. والكتاب الثاني في الأدوية المفردة. وقد عدّ القوْل فيها
أيضا من الطبّ النظريّ إذ عَنَتْه في هذا الكتاب مسألتان كبريان
: أولاهما هي القوانين الطبيعيّة التي يجب أن تعرف من أمر الأدوية
المستعملة في علم الطبّ، وثانيتهما هي معرفة قوى الأدوية الجزئية؛
وأمّا الكتب الثلاثة الباقية ففي الطبّ العَمَليّ. فإن الكتاب
الثالث في الأمراض الجزئية الواقعة بأعضاء الإنسان عُضوٍ عُضوٍ
من الفرْق ـ أيْ الرأس ـ إلى القدم ظاهرها وباطنها؛ والكتاب
الرابع في الأمراض الجزئية التي إذا وقعت لمْ تختص بعُضو، وفي
الزينة؛ والكتاب الخامس في تركيب الأدوية، أي في الأدوية المركبة
. وإذن فإن الكتب الثلاثة الأخيرة في الأمْرَاض ومُعالجاتها
.
ولم يكن ابن سينا
في مجمل كتاب القانون الطبيب المستقرئ للظواهر المختبر لها،
الباحث عن نتائج الاستقراء والاختبار بحسب ما تؤدّيه إليْه التجربة
والملاحظة العلميّة، بل كان الفيلسُوفَ المستدلّ على الظواهر
بالبراهين العقلية القياسيّة. وهو لا يرى للحسّ ـ أي الملاحظة
الخالصة ـ دوْرًا إلاّ في معرفة الأعضاء ومنافعها، ويعين على
تلك المعرفة الحسيّة التشريح.
_________________________
(33) ابن سينا
: كتابُ القانون في الطبّ، ط . بولاق، 1294 هـ / 1877 م ( 3
أجزاء )، 1/3 .
_________________________
ولذلك
فإن الطبّ في مجمل مباحثه جزء من الفلسفة، وهو يُخَطِّئُ الأطباء
الذين يعتقدون أنّ حديثهم في مسائل الطبّ النظرية من علم الطبّ
: " وإذا شرع بعض المتطبّبين وأخذ يتكلم في إثبات العناصر والمزاج
وما يتلو ذلك مما هو موضوع العلم الطبيعي فإنه يغلط من حيث يورد
في صناعة الطبّ ما ليس من صناعة الطبّ ويغلط من حيث يظن أنه
قد يبيّن شيئا ولا يكون قد بيَّنه البتة، فالذي يجب أن يتصوّره
الطبيب بالماهية ويتَقَلَّدَ ما كان منه غيْر بيّن الوجوه
بالهَلّيّة (34) هو هذه الجملة : الأركان أنّها هل هي وكمْ هي
؟ والمزاجات أنها هلْ هي ومَا هي وكمْ هِي؟ والأخلاَط أيْضا
هلْ هي ومَا هي وكمْ هي ؟ والقوى هل هي وكَمْ هي ؟ والأرْوَاحُ
هل هي وكمْ هي وأيْنَ هي؟ وأنّ لكل تغيّر حال وثَبَانِه سبَبًا؛
وأن الأسباب كم هي ؟ وأمّا الأعضاء ومَنافعها فيجب أن يصادفها
بالحسّ والتشريح . والذي يجب أن يتصوّرَهُ ويبرْهن عليْه الأمْراض
وأسبابها الجزئية وعلاماتها، وأنه كيف يزال المرَضُ وتحفظ الصحّة؛
فإنه يلزمه أن يعطِيَ البرهان على ما كان من هذا خَفِيَّ الوجُود
بتفْصيله وتقديره وتوقيته . وجالينوس إذا حاول إقامة البرهان
على القسم الأوّل فلا يجب أن يحاول ذلك من جهة أنه طبيبٌ ولكن
من جهة أنه يجب أن يكون فَيْلَسُوفا يتكلم في العلم الطبيعيّ؛
كما أن الفقيه إذا حاوَل أن يثبت صحّة وجوب متابعة الإجماع
فليس ذلك له من جهة ما هو فقيه ولكن من جهة ما هو متكلّم . ولكن
الطبيب من جهة ما هو طبيب والفقيه من جهة ما هو فقيه ليْس يمكنه
أن يُبَرْهن على ذلك بتة، وإلا وقع الدور " (35) .
وإذن فإن جالينوس
في طبّه لم يكن طبيبًا بقدر ما كان فيْلَسُوفًا . ولئن أخذ ابن
سينا بآرائه وبمذهبه عامّة فإنه لا يرفعه إلى منـزلة أرسطو .ولقد
وجدناه في الفنّ الثامن من الطبيعيات في كتاب الشفاء ـ وموضوعه
طبائع الحيوان، وفيه الكثيرُ من المادّة المشتركة بيْنه وبيْن
كتاب القانون ـ يتعصّب تعصّبًا ظاهرًا لأرسطو على جالينوس .
وهو يسمّى جالينوس " الطبيب الفاضل " (36) و " فَاضل الأطباء
" (37) و " وَمُحَصِّل الأطباء " (38)، أمّا أرسطو فيسميه
_________________________
(34) " الهَلّيّة
" مصدر صناعي من " هلْ "، مثل " الكميّة " من " كَمْ " و " المائية
" أو " الماهية " من " مَا " .
(35) ابن سينا
: كتاب القانون، 1/ 5 .
(36) ابن سينا
: الشفاء ـ الطبيعيّات : 8 - الحيوان، تحقيق عبد الحليم منتصر
وسعيد زايد وعبد الله اسماعيل، الهيئة المصريّة العامّة للتأليف
والنشر، القاهرة، 1970، ص 147، 198، 259، 271 … الخ .
(37) المرجع نفسه،
ص 40، 146، 253 .
(38) المرجع نفسه،
ص 201، 212، 217؛ والمحصِّلُ لُغَةً هو الذي يحقّق الأمْرَ ويبينه،
وهو الذي يميز الفضة من حجارة المعدن، أو الذهب من الفضة .
_________________________
" المعلّم الأول " (39) و " أفضل الحكماء " (40) و " الفيلسوف
" (41). ولا نَعْدَمُ في الكتاب موَاضع ينتصر فيها لأرسطو على
جالينوس (42) أو على جالينوس ومن جَرى مجْراه (43) من الأطبّاء
. وليْس في هذا الانتصار لأرسطو والانتقاص من جالينوس من غرابة
إذا اعتبرْنا رأيهُ في أنّ إزالة المرض وحفظ الصحّة ـ وهما قوامُ
الطبّ، وغايةُ كلّ طبيب ـ من مباحث الفلسفة .
على أن هذا المذهب
الذي قام عليْه كتاب القانون لابن سينا لم يكن المذهب الوحيد
الذي انبنى عليه الطبُّ العربيّ الإسلامي في مرحلة التأليف
والابتكار. فقد قابله مذهب آخر مخالف له كانَ امتدادًا لمذهب
إبقراط في الطبّ فكان لذلك طبيا خالصًا . ونحن نجد بَوَادِرَ
هذا المذهب في أواخر القرن الثالث الهجري / التاسع الميلادي
في بعض كتابات أبي بكر الرازي الذي حَاوَل الخروج عن الطبّ
الجالينوسي. وقد أشرنا إلى بعض من تلك المحاولة عند حديثنا
عن كتاب المنصُوري .فلقد بدأ الطبّ مع الرازي يخلص من هيمنة
الفلسفة وأصْبَح يستعيد مفهومه العلميّ الصحيح الذي وضعه له
إبقراط وهو "حفظ الصحّة في الأجساد الصحيحة ودفع المرض عن الأجساد
السقيمة وردّها إلى صحتها " (44)، ولذلك غلب في الكتاب المنصوري
الحديث عن الأمراض ومُعالجتها. ولقد استعان الرازي بالتجربة
استعانة كبيرة فكانت له ملاحظات سريرية كثيرة ـ وخاصّة في كتابه
"الحاوي في الطب"ـ قد استخلصها من مشاهداته وملاحظاتـه الشخصيـة
(45).
_________________________
(39) المرجع نفسه،
ص 46، 51، 61، 145 …إلخ .
(40) المرجع نفسه،
ص 146 .
(41) المرجع نفسه،
ص 147، 254 .
(42) ينظر خاصّة
الفصل الثاني من المقالة التاسعة في المرجع نفسه، وعنوانه :
" في احتجاج جالينوس على الفيلسوف ونقض ذلك وتسخيفه " ( ص ص
147 - 157 ) ؛ وقد يغلظ القوْل فيتهمه بـ " البلادة المجاوِزة
للحدّ " ( ص 150 ) .
(43) المرجع نفسه،
ص 146، وقد اتهم جالينوس هنا بأنه " ضعيف جدّا في المبادئ "
. وينظر أيضا ص 40 .
(44) أبو بكر الرازي
: الكتاب المنصوري، ص 29 .
(45) لكن ينبغي
ألا نبالغ في النظر إلى هذه المسألة فنعتبر أن في آثار الرازي
الطبية " تأكيدا على أهمية الملاحظة السريرية البحتة وغيْر
المقيدة بالمبادئ النظرية، أي نجد فيها المبادئ الأساسيّة لعلم
السريريّات الحديث . ولم بتّبعْه أحدٌ في هذا المجال حتى القرن
الثامن عشر الميلادي حيث ظهر ما يسمّى بالمذهب البقراطيّ الجديد
" ( تنظر مقدمة تحقيق كتاب القولنج للرازي، لمحقّقه صبحي حمّود
حمامي، معهد التراث العلمي العربي، حلب، و معهد المخطوطات العربيّة،
الكويت، 1983، ص 8 ).
_________________________
على
أن الرازي كان فيلسوفا مثلما كان طيبًا، ولم يخلص الطبيب فيه
من أثر الفيلسوف (46).
والخروج الحقيقي
عن المبادئ الجاليسونية كان على أيدي الأطبّاء الذين لم يكونوا
فلاسفة، وهؤلاء قد ظهروا في المشرق وفي المغرب على السّواء،
لكن ظهورهم في المغرب كان أسْبق، ولعل ذلك راجع إلى ضعف الفلسفة
في بلاد المغرب خلال القرون الهجرية الأولى إذ لم تُصبح مبحَثًا
حقيقيا إلاّ في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري / الحادي
عشر الميلادي في الأندلس. وقد نتج عن ذلك ظهور أطبّاء لا يتعاطوْن
الفلسفة . وأوّل هؤلاء وأهمّهم هو أبو جعفر أحمد بن الجزار (
ت . 369 هـ / 979 - 980 م ) الذي تخلّص الطبّ في مؤلفاته تخلصا
تاما من قسمه النظري وما يقتضيه من بحث في المبادئ العامّة
وفي الطبيعيات، وأصبح مُنْحَصرًا في الأمْراض ومعالجاتها إذ
لم يَعْنِه غيرهما في كل كتبه الطبيّة التي وصَلتنا، وأهمّها
كتاب "زاد المسافر وقوت الحاضر " . فإن هذا الكتاب في سبع مقالات
مقسمة بدورها إلى أبواب جملتها 156 بَابًا قد شملت الأمراض التي
تعْرض في الرأس، ثم في الوجه، ثم التي تصيب آلات التنفس، ثم
التي تعرض في المعدة والأمعاء، ثم أمراض الكبد والكُلَى، وأمْراض
آلات التناسل، والأمراض التي تعرض داخل الجلْد . وعدد أبوابه
هو عدد الأمراض التي حلّلها ووصف طريقة معالجتها (47) . وقد
لقي الكتابُ لوضوح منهجه وخلوّه من الزوائد الفلسفيّة حظوة كبيرة
في القرون الوسطى الأوروبيّة فكان من الكتب العربية القليلة
التي ترجمت إلى اليونانية بُعيْد وفَاة المؤلف، إضافة إلى ترجمته
مرتيْن إلى اللاتينيّة ومرّتين إلى العبرية (48) .
وإذَنْ فإن ابن
الجزار قد فصَل في مؤلفاته الطبيّة بيْن جزئيّات الطبّ وكلياته
النظرية فأهمل الكليات إهمالا تامّا واعتنى بالجزئيات فكان الطبّ
عنده عمَلاً مَوْضوعه الأمْراض وعلاجُها . وقد أصبح هذا المنـزع
اتجاها ومَذْهبًا في الممارسة والتأليف، فيهما الكثير من آثار
إبقراط باعتباره طبيب تجربة يستعين بالقياس، وليس فيهما من آثار
جالينوس ـ باعتباره طبيب قياس يستعين بالتجربة ـ إلا ما أفاد
الحديث عن تشخيص المرض وعلاجه . وتدلّنا على غلبة هذا الاتجاه
الطبي الخالص جملة من الظواهر المنبئة بتسبيق التجربة على القياس
والتشخيص التجريبي على التشخيص القياسي والملاحظة العلمية على
الاستدلال البرهاني المجرّد .
_________________________
(46) من آثار الفلسفة
في طبّ الرازي عنايته بالقسم النظري من الطبّ في كتابيه المنصوري
والحاوي، وتأليفه كتاب " الطب الروحاني " الذي أراده " قرينًا
للكتاب المنصوري الذي غرضه في الطبّ الجسماني وعديلا له "
( ينظر : أبو بكر الرازي : الطبّ الروحاني، ضمن : رسائل فلسفية
. تحقيق بول كراوس، القاهرة 1939، ص 15)، وهذا الكتاب في طبّ
النفس، ومادته فلسفية .
(47) ينظر حول
الكتاب ومادته : إبراهيم بن مراد : بحوث في تاريخ الطبّ والصيدلة
عند العرب، دار الغرب الإسلامي، بيروت، 1991، ص ص307 - 349؛
وفيه تحقيق أربعة من أبْوابه .
(48) ينظر حول
ترجمات زاد المسافر المرجع السّابق، ص ص 202 - 207 . وقد أصْبح
الكتاب في نَصَّيْهِ اليوناني واللاتيني خاصّة المرجع الذي لا
غناء عنه للطالب في دراسته وللأستاذ في تدريسه وللطبيب في معالجاته
.
_________________________
ونخص
بالذكر من تلك الظواهر ثلاثا:
(1)
خمول ذكر كتاب القانون لابن سينا في بلاد المغرب والأندلس والعُزوف
عنه : فلقد كان لكتاب القانون بعد تأليفه انتشار واسِع في المشرق،
وقد كثرت شروحه ـ وخاصّة لكلياته ـ ومختصراته . أمّا بلاد المغرب
والأندلس فلم يدخلها إلاّ في أواخر القرن الخامس الهجريّ أو
بداية القرن السّادس إذ نعلم أنه أُدْخِلَ في حياة أبي العلاء
بن زهر (ت. 525 هـ/ 1130 م) (49)، فإن " رجلا من التجار جلب
من العراق إلى الأندلس نسخة من هذا الكتاب (= القانون) قد بولغ
في تحسينها فأتحف بها لأبي العلاء بن زهر تقربًا إليه . ولم
يكن هذا الكتاب وقع إليه قبل ذلك، فلما تأمّله ذمّه واطَّرَحَهُ
ولم يُدْخله خزانة كتبه وجعل بقطع من طُررِه ما يكتب فيه نسخ
الأدوية لمن يستفتيه من المرضَى " (50) . وهذا في الحقيقة هو
موقف الطبيب المحْض من الطبيب الفيلسوف . ولا نعرف لكتاب القانون
في بلاد المغرب والأندلس من الشرح أو الاختصار إلاّ ما قام به
عالمان أحدهما متأخِّر : هما أبو عبد الله محمد بن عثمان الصقلّي
التونسيّ ( ت. حوالي 820 هـ / 1417 م ) الذي ألف " المختصر الفارسي
" ـ نسبة إلى السلطان الحفصي الذي ألفه له وهو أبو فارس عبد
العزيز ـ وقد اختصر فيه كتاب القانون؛ ثم عبد الرزاق بن حماروش
الجزائري ( ت . بعد 1168 هـ /175م ) الذي ألف " الجوهر المكنون
من بحْر القانون " . وقد اهتمّ بغير كتاب القانون ثلاثة قد
شرحُوا أرجوزة ابن سينا الألفيّة، اثنان : أندلسيان هما أبو
الوليد ابن رشد الفيلسوف ( ت. 595 هـ / 1198 م ) وتلميذ له
اسمه أبو الحجاج بن طُمْلُوس ( ت. 620 هـ/ 1223 م )، والثالث
تونسيّ هو أحمد بن عبد السلام الصقلّي، ( ت . حوالي 837 هـ /
1433 م )،وقد كان طبيبًا .
(2) العملُ باليد
. وهذا باب من الطبّ شمَل أعمال الجراحة والكيّ والجبْر . ولقد
بلغ مبلغًا عظيما مع أبي القاسم الزهراوي ( ت . 404 هـ / 1013
م ) الذي خصّ الجراحة وما اتصل بها بالمقالة الثلاثين من كتابه
" لتصريف لمن عجز عن التأليف". وقد قسّم المقالة إلى أبْوابٍ
وقسم الأبواب إلى فصول، وعدد الأبواب ثلاثةٌ أوّلها في الكي،
وثانيها في الجراحة، أي في البطّ والشق والفصد والحجامة والجراحات،
وثالثها في الجبر والخلع . وقد جمع في الكتاب بيْن ما اطلع عليه
من كتابات القدماء ـ وخاصّة ما كتبه بولس الأجانيطي، وهو اسكندراني
من القرن السّابع الميلادي ـ وما انتهى إليه بالتجربة .
_________________________
(49) ابن أبي أصيبعة:
عيون الأنباء، 2/ 65 .
(50) المرجع نفسه،
2 / 65 .
_________________________
وقد
أكد ذلك في مقدمة الباب الثالث بقوله: " اعلموا يا بنيّ
أنه قد يدّعي هذا الباب الجهّال من الأطباء والعوامّ ومن لم
يَتَصَفَّحْ قط للقدماء فيه كتابًا ولا قرأ منه حرْفًا، ولهذه
العلة صار هذا الفن من العلم في بلدنا معدوما وإني لم ألق فيه
قطّ مُحْسِنًا البتّة، وإنما استفدت منه ما استفدت لطول قراءتي
لكتب الأوائل وحرْصِي على فهمها حتّى استخرجت علم ذلك منها،
ثم لزمت التجربة والدراية طول عمري وقد رسمْت لكم من ذلك في
هذا الباب جميع ما أحاط به علمي ومضت عليه تجربتي " (51) .
وللتجربة والملاحظة
السريرية في الكتاب منـزلة مهمّة، تبرزها جملة من العناصر أهمّها
أربعة هي (أ) مجرّباته وتمثلها الأعمال التي قام بها مع المرضَى
في الكيّ والجراحة والجبر (52)؛ (ب) مشاهداته، وتمثلها الحالات
التي وصفها من أحوال المرضَى (53)؛ (ج) مخالفة السّابقين إمّا
في الرأي وإمّا في العمل (54)، وخاصّة في جدوى بعض الأعمال وقيمة
اللجوء إليها؛ (د) نقد من سماهم " الجهّال " من الأطباء والحجامين
والمجبرين ومقارنتهم بالعوَامّ في بعض ما يقومُون به من عمل
(55) .
(3) ممارسة التّشريح
. والحديث في التشريح قديم، وقد كان لجالينوس فيه فضل السبْق.
إلا أن التشريح عند جالينوس كان يغْلُبُ عليه القياس. واعتماده
على القياس في التشريح ظاهر في كتابه " في عمل التشريح " إذ
كان يشرّح القرود ويطبّق نتائج التشريح على بدن الإنْسَان (56).
_________________________
(51) ABULCASIS
: On Surgery and Instruments. A Definitive Edition of the
Arabic Text with English Translation and Commentary, by M.S
. Spink and G.L . Lewis, University of California Press -
Berkeley and Los Angeles - 1973, p 677؛ وفي هذا الكتاب نصّ
المقالة الثلاثين العربيّ وترجمتها الانقليزية، على أن صفحات
الترجمة مقدمة على صفحات النصّ العربيّ .
(52) المرجع نفسه،
ص 15، 179، 305، 379، 559 ـ 561 ، 579 ـ 581، 607، 611 ـ 615
.
(53) المرجع نفسه،
117، 169، 481 .
(54) المرجع نفسه،
ص 19، 119، 151 .
(55) المرجع نفسه،
ص 5، 277، 677، 697 .
(56) ينظر : GALENUS
: Anatomicarum Administrationum . Libri qui supersunt novem
- Earundem interpretatio arabica Hunaino Isaaci filio ascripta.
Edidit Ivan Garofalo, Istitituto Universitario Orientale -
Napoli, 1986 ( أي : في عمل التشريح، تحقيق إفان غروفالو، نابلي)،
1/ 10، 22، 42، 178، 190، 216 …الخ .
_________________________
وقد
أخذ بنتائج تشريحه ابن سينا وبنى عليْها تصوّره لتكوين بدَن
الإنسَان؛ فوقع مثله في أخطاء كثيرة . على أن من الأطباء المسلمين
أطباء بيمارستانيين كانوا يزاولون الصناعة في البيمارستانات.
وقد هيأ لهم ذلك مباشرة التشريح على جثث الأمْوات ودراسة بدن
الإنسان دراسة قائمة على الملاحظة العلميّة الخالصة . ونذكر
من هؤلاء اثنيْن :
الأوّل هو علي بن
أبي الحزم ابن النفيس القرشي ( ت . 687 هـ / 1288 م )، فقد عاش
بمصر وكانَ رئيس الأطباء بها ورئيس البيمارستان المنصوري بالقاهرة
. وكان أهم شراح كتاب القانون لابن سينا، ومن أهم أجزاء شرحِه
الجزء الخاصّ بالتشريح، وهو " شرح تشريح القانون"؛ وقد انتقد
في هذا الكتاب الكثير من آراء جالينوس وابن سينا. ومن أشهر
نقوده لهما نقده لنظريتهما في الدورة الدمويّة الصغرى (57)
. وما كان لينتقدهما ويصيب لو اتّبع منهجهما القياسي القائم
على الافتراض، وفي شرح التشريح مواضع كثيرة تدلّ على آنّ آراءَ
ه وتصحيحاته ناتجة عن المشاهدة والعيان (58) . فقد كان ابن النفيس
طبيبًا ميّالاً إلى التجريب والاختبار، عزوفا عن الاستدلال بالقياس،
وهو في ذلك إبقْراطيّ المذهب، ونعلم أنه كان يفضل ابقراط على
جالينوس، فقد كان يسميه " الإمام " (59) و " الإمام الفاضِلَ
" (60) ، وقد أقبل على شرح كتبه فشرح منها خمسة على الأقل، ولم
نَرَهُ انتقده أو عاب عليْه فكرة مثلما انتقد جالينوس وعاب عليه
أفكارًا كثيرة؛ بل كان يدافع عنه ويحتجّ له ويناصره على منتقديه،
ومنهم جالينوس (61) .
والطبيب الثاني
هو أبو عبد الله محمد بن عثمان الصقلّي . والصقلّي ـ كما رأينا
من قبل ـ كان قد اختصر كتاب القانون لابن سينا في كتابه " المختصر
الفارسي " . لكنه لم يتقيّد بآراء ابن سينا بل أضاف إليها إضافات
مهمّة تذكّر بإضافات ابن النفيس في شرح التشريح . وأهم إضافات
الصقلّي كانت في مبحثين: (أ) مرضُ جرب العيْن أو الحَكة الملازمة
لَهُ .
_________________________
(57) ينظر : أبو
الحسن علاء الدين بن أبي الحزم ابن النفيس : شرح تشريح القانون،
تحقيق سلمان قطاية، الهيئة المصريّة العامّة للكتاب، القاهرة،
1988، ص 293، وننظر فيه أيضا : ص 384، 387 و 389 .
(58) المرجع نفسه،
ص 119، 337، 388 . وينظر حول مسألة التشريح عند ابن النفيس ونقده
لآراء جالينوس وابن سينا بحثنا : " ابن النفيس الطبيب مقارنة
بابن سينا" المحال إليه في التعليق (17)، وفيه توسّع وتفصيل
.
(59) ابن النفيس
: شرح تشريح القانون، ص 317، وينظر له أيضا : شرح فصول إبقراط،
تحقيق يوسف زيدان وماهر عبد القادر، الدار المصريّة اللبنانية،
القاهرة، 1990، ص 217 .
(60) ابن النفيس
: شرح تشريح القانون، ص 320 .
(61) المرجع نفسه،
ص 318، وينظر له أيضا : شرح فصول إبقراط، ص ص 193 ـ 194 .
_________________________
فقد
أثبت الصقلّي تطور المرض ومراحلهُ وهي أربع لم يتم تحديدها
إلا في القرن العشرين (62) ؛ (ب) مرض السّل. فإن القدماء كانوا
يعرّفون السّل بأنه " قروح في الرئة " (63) ووصفوا أهمّ علاماته
وهي السعال ونفث الدم والحمّى ونحافة الجسْم . أمّا الصقلي فقد
انتهى إلى تحديده بدقّة في قوله : " وسبب السلّ قرحة في الرئة،
فإن الإنسان إذا جاوز في النفث أربعين يومًا صار مسلولا يعسر
برؤه . وقد يكون عن قروح في الصدر والحجاب إذا انخرق، وإذا
لم ينخرق يسهل التحام تلك القروح لعدم حركتها . وقد يمتدّ هذا
المرض بصاحبه سنين لا سيما إذا كان في القرحة جفوف وخشكريشة
غير ساعية " (64) . وقد استطاع الصقلي إذن أن يحدد نوع العلة
وموضعها وأن يصف القرحة في بعض حالاتها ـ وهي " الجفوف " ثم
" الخشكريشة غير السّاعية " ـ وصفا دالا على المشاهدة الحسيّة
. وما كان له في الحقيقة أن يستطيع تعيين موضع القرحة وموضع
الخشكريشة منها لو لم يطلع على رئة أحد المصابين بالسّلّ تشريحًا،
وقد كان ذلك متهيّئا له في البيمارستان الحفصي بمدينة تونس حيث
كان طبيبا مباشرًا (65) .
ونستنتج مما تقدم
أن الطبّ الإسلامي في مرحلة التأليف والابتكار قد خرج عن التصوّر
الجالينوسي الذي غلب على مرحلة التأسيس . وأهمّ خروج له ـ في
مستوى المبادئ العامّة ـ كافي فصل الطبّ عن الفلسفة وتغليب القسم
العملي من الطبّ على القسم النظري وتقديم التجريب والاختبار
على القياس والاستدلال العقلي المجرّد وتفضيل الملاحظة العلمية
السريريّة على الافتراض القياسي . وقد ازدهرت من أجل ذلك مباحث
طبيّة ذات صلة وثيقة بالحسِّ والتجربة قد تطوّرت بها مادّة العلم
ذاتها .
3 ـ 2 o في مادّة
العلْم:
لم تخرج مادّة علم
الطبّ عند المسلمين في الحقيقة عن الطبّ اليوناني، رغم محاولتهم
إدخال عناصر من الطبّ الهندي . فقد ظل الطبّ الإسلامي إذن جالينوسيا
وإبُّقراطيّا . ولقد رأينا في الفقرات السّابقة غلبة النموذج
الجالينوسيّ في مرحلة التأسيس ثم في فترة مُهمة من مرحلة التأليف
والابتكار . وكان من نتائج تلك الغلبة ربط الطب بالفلسفة وتغليب
القياس على التجربة واعتبار القسم العملي من الطبّ ـ وهو المتصل
بحفظ الصحة على الحقيقة ـ عِلمًا نظريّا . وقد أدّى ربط الطبّ
بالفلسفة إلى اعتبار الطب جزءً ا من كُلٍّ أعلى منه ثم تقسيم
الطب إلى كليّات هي في الفلسفة أدْخَل، وجزئيات مرتبطة بالكليات
وتابِعَةٍ لها. وهذا التصوّر الشمُوليّ الذي يجعل من الطبيب
" حَكِيمًا " بالمفهوم الذي أشاعه جالينوس للحكمة قد تبيَّن
في الموسوعات الطبّيّة الكبرى التي قصد مؤلفوها إلى الجمع بيْن
جزئَيْ الطبّ العملي والنظريّ ، وخاصّة في فردوس الحكمة لابن
ربّن الطبري والحاوي في الطبّ لأبي بكر الرازي والكامل في الصناعة
الطبيّة لعلي بن العبّاس المجوسي ( ت . حوالي 386 هـ/ 995 م
) والتصريف لمن عجز عن التأليف لأبي القاسم الزهراوي، وخاصّة
في كتاب القانون في الطبّ لابن سينا ثم كتاب الكليات في الطبّ
لأبي الوليد ابن رشد. وهذه الكتب كلها قد نزع فيها مؤلفوها نزعة
استيعابيّة واعتقدوا أنهم قد أحاطوا بمختلف المباحث الطبيّة،
النظرية والعملية ، الطبيّة الخالصة والصيدليّة. وهذه النـزعة
ـ على ما فيها من ميل إلى الاستيعاب ـ قد "بسّطت " الطبّ فأصبح
علمًا " بسيطا " لأن كلّ مباحثه قابلة للإدراج في كتاب
وَاحدٍ . ولا يخفى مَا للتصوّر الاسكندراني الجالينوسي
القائم على "المراتب السبع " من أثر في ذلك التبسيط .
وقد خالف هذا التصوُّرَ
أصحاب الاتجاه الإبقراطي الذين فصلوا الطب عن الفلسفة فاعتبروه
علمًا تجريبيّا اختباريّا وأقاموه على مفهوم حفظ الصحة في الأجساد
الصحيحة ودفع المرض عن الأجساد السقيمة وردها إلى صحتها. ويتوزع
هذا المفهوم على كلّ ما يتصل بالأمْراض ـ من حيث أنواعها وأسبابها
وعلاماتها وأطوارها والمواضع التي تصيبها في البدن ـ وبوسائل
علاجها وطرقه . وإذن فقد أصبح الطب علمًا قائما بذاته مستقلا
بمباحثه وليس تابعًا لعلم آخر أعلى منه وأشرف . وقد نتجت عن
هذا الاستقلال ظواهر، أهمّها اثنتان :
(1) فصل الطب عن
الصيدلة . فقدْ كانت أعْمال الصيدلة جُزْءً ا من الطبّ العمليّ،
وموضوعها ـ أي علم الأدوية، المفردة والمركبة ـ هو " معرفة
الآلات التي تحصل بها الغايات " حسب عبارة ابن رشد (66) أي
الآلات التي تحفظ بها الصحّة ويُزال المرَض .ولم يكن علم الأدوية
لذلك ـ في الموسوعات الطبيّة التي سبق ذكرها وفي تصوّر مؤلفيها
على الأقل ـ أصْلاً من أصول الطبّ أو علمًا يُبْحَثُ فيه لذاته
ويُفْرَدُ بالتأليف بل كان مبحثًا ملحقا بالطبّ متمّما له. لكن
هذه التبعيّة لمْ تستمرّ إذ ظهر الأطبّاء الذين جمعوا بيْن الطبّ
والصيدلة لكنهم فصلُوا بينهما في التأليف، ومن أشهر هؤلاء أبو
جعفر أحمد بن الجزار الذي ألف بيْن سنتي 322 هـ / 933 م و 334
هـ / 945 م كتاب الاعتماد في الأدوية المفردة، كما ألّف كتاب
البغية في الأدوية المركبة، وكتابًا "في الحيوان" وكتابًا
" في مصالح الأغذية "؛ كما ظهر أطباء قد غلبت عليهم الصيدلة
إمّا في التأليف وإمّا في التأليف والممارسة . ومن أشهر هؤلاء
أبو علي يحيى بن عيسى بن جزلة البغدادي ( ت . 493 هـ / 1100
م ) مؤلف كتاب منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان، وأبو جعفر
أحمد الغافقي ( ت . 560 هـ / 1165 م ) مؤلف كتاب الأدوية المفردة،
وأبو محمد عبد الله ابن البيطار ( ت . 646 هـ / 1248 م ) مؤلف
كتابي الجامع لمفردات الأدوية والأغذية، والمُغْني في الأدوية
المفردة .
_________________________
(62) أحمد بن ميلاد
: تاريخ الطبّ العربيّ التونسيّ، تونس، 1980، ص 201 .
(63) ينظر ابن
سينا : القانون، 2/ 248 .
(64) ينظر النصّ
( مصوِّرًا من مخطوطة الكتاب ) في : أحمد بن ميلاد : تاريخ
الطبّ العربيّ التونسي، ص ص 114 ـ 115 .
(65) ينظر المرجع
نفسه، ص 113 .
(66) أبو الوليد
ابن رشد : الكليات في الطبّ، تحقيق سعيد شيبان و عمار الطالبي،
المجلس الأعلى للثقافة ، القاهرة، 1989، ص 19 .
_________________________
(2
) ظهور المباحث الطبيّة المستقلة . فإن تخصيص القوْل في بعض
المباحث الطبيّة قد أدّى إلى الفصل بيْن المواضيع وظهور ما
يمكن اعتباره بدايات اختصاص في الطبّ . ومن أهم المباحث التي
استقلت نذكر (أ) طبّ العيون : وقد اختص به ممارسة وتأليفًا ـ
جماعة منهم أبو القاسم عمّار بن علي الموصلي الذي ألف بمصر
في زمن الحاكم ـ أي بيْن 386 هـ / 996 م و 411 هـ / 1021
م ـ كتاب المنتخب في علاج العيْن؛ وعليّ بن عيسى الكحال
(القرن الخامس الهجري / الحادي عشر الميلادي) مؤلف كتاب تذكرة
الكحالين، ومحمد بن قسّوم الغافقي ( القرن السادس الهجري /
الثاني عشر الميلادي ) مؤلف كتاب المرشد في الكحل، وصلاح الدين
بن يوسف الكحال ( ت . بعد 696 هـ / 1298 م ) مؤلف كتاب نور العيون
وجامع الفنون؛ (ب) الجراحة: وقد خصها الزهراوي بالمقالة الثلاثين
من كتاب التصريف فكانت لهذه المقالة الشهرة والانتشار أكثر من
باقي الكتاب كله؛ وهذه المقالة هي المظهرة في الحقيقة لقيمة
الزهراوي والدالة على غلبة الاختصاص في الجراحة عليه؛ (ج) التشريح:
وقد خصّه ابن النفيس بكتاب شرح تشريح القانون . والكتاب جزء
من شرح ابن النفيس لكتاب القانون. لكن التميّز الذي كان له في
الشرح وخاصّة في نقد آراء السابقين مثل جالينوس وابن سينا دال
على عنايته بالتشريح مبحثا وممارسة؛ (د) طبّ الأطفال ( Pédiatrie
)، وقد خصّه ابن الجزار بكتاب مستقل هو سياسة الصبيان وتدبيرهم؛
(هـ) طبّ المشائخ (Gérontologie)، وقد خصّه ابن الجزار بكتاب
مستقل أيضا هو طبّ المشائخ وحفظ صِحّتهم .
وإذن فإن مادّة
علم الطبّ قد فُصِلَتْ عن الفلسفة ثم أعيد تصنيفها وتبْويبها
وتفصيل القول فيها وتوسيع ما كان ضيقا منها . ولقد نتجت عن ذلك
كله إضافات جديدة إما إلى المباحث القائمة ـ مثل تصحيح رأي قديم
خاطئ أوْ إضافة عنصر جديد إلى مسْألةٍ مّا ـ وإمّا بابتكار مباحث
جديدة، وهذا باب من الدرس يستحق بحثا مفردًا .
4
ـ خـاتمـة :
ينتمي علم الطبّ
في التاريخ الإسلامي القديم إلى علوم العجم؛ فقد تأسّس على مصادر
أعجمية يونانية خاصّة . وقد تجاذبه منذ بداياته مذهبان هما المذهب
الجالينوسي الذي اعتمده الأسكندرانيون ثم نقله عنهم الجنديسابوريون
الذين أسّسُوا مع تلاميذهم الطبّ العربي في أوّل عصر بني العباس،
ثم المذهب الابقراطيّ الذي كان ذا أثر عميق في الطبّ العربي
في مرحلة التأليف والابتكار . وقد كان الطبّ العربيّ في مرحلة
التأسيس قائما على التقليد، لرغبة الأطباء في أن يكونوا حكماء
ـ أي فلاسفة ـ على مذهب جالينوس في ربط الطب بالفلسفة وعدّه
جزءً ا تابعًا لها . ثم أصبح في مرحلة التأليف والابتكار طبّا
عربيا إسلاميا إذ استقلّ عن الفلسفة وانفرد بمباحثه وعمل الأطباء
على تفريعه وتخصيص فروعه بالتأليف والممارسة . فقد قللوا من
هيمنة القياس والاستدلال العقلي المجرد فيه وغلبوا التجريب والاختبار
والمشاهدات العلمية والملاحظات السريريّة . وقد مكنهم ذلك من
توسيع آراء القدماء، وتصحيح الخاطئ منها وإضافة عناصر كثيرة
جديدة إليْها .