|
في الصَّـــيْدَلـَــة عند العرب والمـسلمين الدكتور ابراهيم بن مرادكلية الآداب والفنون والانسانيات جامعة منوبة - تونس 1- مجالُ العِلْم : عرَّف أبو الريحان البيروني (ت.440 هـ/1048م ) الصيدلة ـ وهو يكتبها "الصيدنة" بالنون ـ بأنها "معرفة العقاقير المفردة بأجناسها وأنواعها وصورها المختارة لها وخلط المركبّات من الأدوية بكنه نسَخها المدونة أو بحسب ما يريد المريد المؤتَمَنُ المصلح،فإن الذي يعلوها في الرتبة هو معرفة قوى الأدوية المفردة وخواصّها "(1) .والظاهر من تعريف البيروني أن موضوع العلم هو الأدوية في حالة إفرادها ـ وخاصة من حيث أجناسهـا وقواها وخواصّها ـ وفي حالة تركيبها. والغاية الأساسية من معرفة الأدوية ـ وخاصة معرفة قواها وخواصّها ـ هي إجادة استعمالها في المداواة. ومن هنا كانت صلتها المتينة بعلم الطّب. فإن الغاية المقصودة بالطب هي الصّحة فتُحْفَظَ إذا وجدت، وتُجْتَلَبَ إذا فُقدَت. وأقوى الوسائل وأنجعُها في حفظ الصحة وفي اجتلابها الدواء . وحفظ الصحة واجتلابها هما القسمان المكونان للجزْء العمليّ من الطبّ في نظر القدامى (2). وقد كان الإسكندرانيون قد خصّوا حفظ الصحة والمداواة بالمرتبتين الأخيرتيْن من مراتب تعليم الطبّ السبع التي أقرّوها وأقاموها على جملة من الكتب أهمها ستة عشر كتابًا من تأليف جالينوس. فإن المقرّر في المرتبة السادسة كتاب واحد هو"حيلـة البـُرْء" لجالينوس، "يستفاد منه قوانين العلاج على رأي أصحاب القياس في كلّ واحد من الأمراض. وهذا الكتاب إذا نظر فيه الإنسان أخطره إلى أن ينظر في كتاب الأدوية المفردة،وفي كتب جالينوس في الأدوية المركبة"(3) ؛ والمقرّر في المرتبة السابعة كتاب واحد أيضًا هو"تدبير الأصحاء "،وهذا" يُستفاد منه حفظ صحة كل واحد من الأبدان، وهذا الكتاب إذا نظر فيه الإنسان أخطره إلى أن ينظر في كتاب الأغذية…" (4) . ويُلاحَظُ إذن أنّ الأدوية وما يتّصل بها من قوانينِ العلاج منْدرجة كلّها في الجزء العمليّ من علم الطبّ. وهذا يؤكّد صلة الصيدلة بالطبّ . وقد أثارتْ هـذه الصلةُ لدى القدامى جملةً من القضايا التي اختلفت فيها الآراء ، أهمّها قضيةُ منْزلة الصيدلة من الطبّ ، فهل الصلةُ بين العلمين صلةُ تبعيّة أم هي صلة تكامُل ؟ وهـل الطبيبُ مضْطرّ إلى معرفة علمِ الصيدلة فيكونَ طبيبا وصيدلانياًّ معًا أم إنّ عمله مستقلّ عن عملِ الصيدلاني ؟ وليْست هذه القضية ممّا يشغلنا الآن. فإنّ ما يعنينا من أمْرها هو رأيُ الأطبّاء والصيادلة العربِ فيها ، ولا يمكنُ الحديثُ عن رأيهم إلاّ إذا عرّفْنا بنشأةِ علمِ الصيدلة عند العرب وبالبواعث التي حثّتْ على ظهوره . 2- نشأة العلْم عند العرب: لقد كانت للعرب معرفةٌ بالأدوية والمداواة منذ وقت سابق للإسلام بكثير، ولا نَعْدَمُ النصوصَ القديمة التي تحدّثنا عن نباتات بلادِ العرب الطبية، وأهمّها كتابُ "المقالات الخمس" لديوسقريديس العين زَرْبى الذي عاش في القرن الأوّل الميلادي وكان كتـابُه أجلّ ما ألَّفَ القدماءُ في الأدوية المفردة. فإنّ هذا العالم اليونانيَّ ذا الأصل الشاميّ قد حدّثنا عن نباتات وصُمُوغ نباتيّة عربية كانت تُستعمل في عصره في الطبّ، منها "السّليخة" وهي " أصنافٌ كثيرةٌ تكون في بلاد العرب المنبتة للأفاويه" (5 ) ؛ و"القسْط"، و" أجْوده ما كان في بلادِ العرب وكان أبيضَ خفيفا " (6) ؛ و"الزنجبيل"، وهو" نباتٌ يكونُ كثيرًا في مواضعَ من بلاد العرب يُقال لها طرغلودوطيقي ويَسْتَعْمِلُ ورقَه أهلُ تلك البلاد في أشياءَ كثيرة" (7) . وقد وصلت هذه النباتاتُ الطبية إلى بلادِ اليونان ـ وإلى البلادِ الرّومانيّـة عامّة ـ في عصر ديوسقريديس عن طريق التّجارة .فإنّ بلادَ العرب ـ انطلاقًا من اليَمـَن ومن عُمَانَ خاصة ـ كانت تُزوِّدُ بلادَ الرومان بالبَهَارات والأفاوِيه وبعضِ النباتات الطبيّة مثل السليخة والدّارصينِي والمرّ والكُنْدُر (8). و لا نَعتقدُ أنّ العربَ كانوا يَتّجِرونَ بهذه النباتات العطريّة والطبيـّة دونَ أن يَكونُوا على علمٍ بمنافعها. ونحنُ نعلَم أنّ منهم أناسًا كانُوا يُسَمَّوْنَ "عطّارين"ـ ومهنتُهم العِطارَة ـ قد اشتهروا بتركيبِ الطيُوب والعطور وعمـل الأدْهان وحفظها والاتِّجار بها، وقد أشار البيرونى إلى اختصاصِ قريش بعمل الطيب والعطْر واختصاصِ أهل اليمامة بعمَل الأدهان(9) . ثم إنهم قد اكتسبُوا بالتّجربة والعُرف استعمالَ الأدوية في معالجة الأمْراض . وليس بين أيدينا الآنَ شواهدُ قديمةٌ ـ سابِقة للإسلام ـ يمكِنُ أن يُطمَأنَّ إليها للتدليلِ على استعمالِ العَـربِ أدْويةً بعينها لمعالجـة أمْـراضٍ بعينها . وأقدمُ نَصّ موثوقٍ به هو كتـابُ النَّبـاتِ لأبي حنيفةَ الدِّينَـوَرِي (ت.282هـ/ 895 م ) .فإنّ في هذا الكتاب إشاراتٍ كثيرةً إلى استعمالِ نباتاتٍ بعينها في المداواة ، منها " أمُّ وَجعِ الكَبِد " الذي يُدَاوَى به " وَجَعُ الكَبدِ و الصَّفَرُ "_ (10) ، و"الاسْحفانُ" الذي كان " يُتَدَاوَى به من [عِرْق] النَّسَا " (11) ، و"الحرْمَلُ" الذي كانت عروقُه تُطبَخُ " فيُسْقاها العليلُ إذا ماطَلتْهُ الحمّى" (12) ، و" الحِزاءُ " الذي كان" يُُسقَى للرّيح" (13) . وقد يُنقِصُ من قيمة هذه الشـواهدِ أنّ كتابَ النباتِ كتابٌ "حَديثٌ" لأنه مُؤلفٌ في مُنتصَف القرْن الثّالث الهجريّ أي في زمَنٍ متأخِّر عن الزمَن الذي نَتحدَّثُ عنه ، وهو العصرُ الأخيرُ السابقُ للإسلام ، وخاصة القرنَ السادسَ الميلاديّ ؛ لكنّ حداثةَ الكتاب لا تُسقط فيما نَرى عن الشواهدِ قيمتَها لأنّ أبا حنيفة قد نَقل ما أخبرَه به الأعرابُ في بواديهم عمّا تَوارثُوه من التجاربِ القديمة في استعمالِ الأدويَة ، على ما استقرَّ عندهُم بالعادَة والعُرْف . على أنّ ما وصلَ إليه العربُ بالتجربة في استعمالِ الأدوية لا يَدلُّ على ظهورِ علمِ الصيْدلة عندهم قبلَ الإسلام . فإن العطارين عندهم لم يكونُوا صيادلةً بالمفهوم العلميّ الذي يحملُه المصطلح. ونعتقدُ أنّ الصيدلة بالمفهوم العلميّ لم تُعْرَفْ إلا بعدَ ظهـور الإسلام وقيامِ الدولة العربية . وقد كانت المعرفةُ بها ناتجةً عن اتّصال العربِ بثقافات العجم . ومن المعلوم أنّ وسيلة الاتصال المؤثِّرةَ في حركة الإنشاءِ العلميّة العربية عامة كانت الترجمة ، أي نقلَ الكتبِ الأعجمية إلى العربية . وللترجمة مَصْدران : الأولُ يونانيّ . وقد دخلت النصوصُ اليونانيَّة الثقافة العربية إمّا من اليونانية مباشرةً ، وإما عن طريق اللغة السُّريانية . وأهمُّ المسالكِ التي انتقلت بها النصوصُ اليونانيّة إلى العربِ كانَ مدرسةَ الإسكندرية ـ وقد نشطتْ في القرنيْن الخامسِ والسادس الميلاديين خاصة ـ ومدرسةَ جُنديْسابور، التي قويت في النصفِ الثاني من القرن السّادس الميلاديّ وظلت مؤثِّرة حتى أواسطِ القرنِ التاسع على لأقل، أي أواسطِ القرن الثالث الهجريّ. وقد كان للإسكندرانيين فَضلُ تنسيق أبوابِ الطبّ وتصنيفِ مباحثِه وتحديدِ مراتبِ تعليمِه على أسسٍ بعضُها إبُّقراطيّ وجلّها جالينوسيّ، وقد جعلوا علمَ الصيدلة ـ أي العقاقير وما يتّصلُ بها ـ مبحثًا من مباحثِ الجزءِ العمَليّ من الطبّ . ونعلمُ أنّ تصوُّرَهم هو الذي سادَ في الثقافة الطبيّة العربية ثم في الثقافة الطبيّة الأوروبية في القرون الوسْطى ؛ وأمّا الجُنديْسابوريّون فقد كانَ لهم فضلُ نقْلِ النصوصِ اليونانيّة إلى العربية ونشرِ المبادئ الطبية اليونانية سواءٌ بالتعليم أو بالتأليفِ فيها ، وخاصّة خلال القرنين الثّاني والثّالث الهجريّين. على أنّ أوّلَ اتصالٍ للعربِ بالنصوص اليونانية عن طريقِ الترجمة كان قد بـدأ في القرن الأول الهجري ، بترجمة كتابِ "الكُنّاش" لأهْرُن القس الاسكندراني، الذي عاشَ في زمن الرّسول صلّى الله عليه وسلم ، وقد نُقل الكتابُ أوّلاً في مِصرَ أو في بلادِ الشام إلى اللّغة السُّريانيّة، ثمّ نقله من السّريانيّة إلى العربيّة في بلادِ الشام الطبيبُ البصْري ماسرْجُويْه، أثناء َحكم مَروان بن الحَكَم ( 64 هـ /684 م ـ65 هـ/685 م). فكان هذا "الكنّاش" أوّلَ كتابٍ يَنشرُ بين العربِ مبادئَ الطبّ والصّيدلة العلميّة "الحديثة"؛ وقد كانَ أوّلُ المتأثّرين به فيما يبدو ماسرْجُويْه نفسُه ، الذي ألّفَ ثَلاثة كتُبٍ من صميم الصّيدلة هي "كتابُ قُوى الأطعِمَة ومنافعها ومضارّها "و" كتابُ قُوى العقاقير ومنافعها ومضارّها " وكتابُ "أبْدال الأدوية وما يقوم مقامَ غيرها منها (14) . لكنّ التأثيرَ اليوناني لم يقْوَ إلاّ في ظلّ بني العبّاس . فهم الّذين استَقدمُوا الأطبّاءَ من جنديْسابورَ وألحقُوهم بخدمتهم ، ونخُصّ بالذكر من هؤلاء ثلاثةً كان لهم السبْقُ إلى المجيء وكان لهم السّبقُ إلى التأثيرِ أيضا ، وهم جورجيس بن بختيشوع الذي كان رئيسَ الأطبّاء في جنديسابور، وقد استقدَمه المنصورُ سنة 148 هـ/765 م ، وبختيشوع بن جورجيس الذي خلف أباه في رئاسة الطبّ بجنديسابور، وقد استقدمَه الرّشيدُ سنة 171هـ/787م فخدمه بالطبّ حتّى وفاته، تم جبرائيل بن بختيشوع بن جورجيس الذي استُقْـدِمَ سنة 175هـ/791م فخدم بالطبّ الرّشيدَ ثم ابنيْه الأمينَ فالمأمون . ثم إنّ العباسيّين هم الذين جعلوا من الترجمة مَشروعًا من مشاريع الدولة وأسّسُوا بيتَ الحكمة الذي عمل فيه الجنديسابوريّون وتلاميذُهم وخاصّة في ترجمة النّصوص اليونانيّة إلى العربيّة، وقدكادَ النصفُ الأوّل من القرن الثالث الهجريّ يستأثرُ بهذه الحركة، ونَخُص بالذكر من المؤثرين في هذه الحركة ثلاثةً : الأول هو يُوحنّا بن ماسويْه (ت.243هـ/857م) ، وقد كان أبوه صيدلانيّا في بيمارستان جنديسابور. وقد أسْهم يوحنّا في التدريس وفي التأليف (15) . فقد "كان في حياته يعقد مجلسا للنظر، ويعمر ذلك المجلسَ بعلم هذا الشأن (16) أتمّ عمارة ويُجْرِي فيـه من كلّ نوع من العلوم القديمة بأحسن عبارة ، واجتمع إليه أهلُ العلوم والأدب، وكان يُـدرّس ويجتمع إليه تلاميذُ كثيرون " (17) . ونعلم أن من تلاميذه حُنينًا بن اسحاق الذي كان "صاحبَ سؤال وكان يُصْعِبُ على يوحنّا" حتّى أطردَه من مجلسه (18) . ثمّ إنه قد ترك جملة من الكتب بلغ عددها عند ابن أبي أصيبعة خمسة وأربعين كتابا (19) منها اثنا عشر إمّا في الصّيدلة المحْضِ وإمّا ذاتُ صلة بالصّيدلة. والكتبُ الصّيدليّة المحض ثمانية ، هي : (1) كتابُ الأغذية ؛ (2) كتابٌ في الأشربة ؛ (3)كتابٌ في تركيبِ الأدوية المسهلة وإصلاحها وخَاصَّةِ كلِّ دواءٍ منها ومنفعتِه ؛ (4) كتابُ دفع مضارّ الأغذية ؛ (5)كتابُ السّموم و علاجاتها ؛ (6) كتابُ ماء الشّعير ؛ (7) كتاب في السّواك والسّنُونات ؛ (8) كتابُ الإبدال ، أي في الأدوية التي تكون بدلاً من غيرها. وأمّا الكتبُ ذات الصّلة بالصّيدلة فأربعة، هي : (1)كتابُ المنْجِح في الصفـات والعلاجات ؛ (2) كتاب تدبير الأصحّاء ؛ (3) كتاب في ترتيبِ سقْي الأدوية المسهلة بحسب الأزمنة وبحسب الأمزجة وكيف ينبغي أن يسقى… ؛ (4) كتابُ الحيلة في البرْء . على أن هذا لا يَعني أن كتبَه الأخرى خالية من الاهتمام بالأدوية . فإنّ كتابَه "الكمال والتمام" مثلا كتاب جامع في الطبّ ، نظريّه وعمليّه ، كما يدلّ عليه عنوانه ، ولا شكّ أنّ للدّواء حيّزا فيه مهما . وثاني العلماءِ الثّلاثة هو سَابورُ بن سهْل (ت. 255هـ/ 869م)، وقـد كان صاحبَ البيمارستان في جنديسابور ثمّ استقدمَه المتوكّل ( 232هـ/847م ـ247هـ /861م ) فخدمه بالطبّ، وقد اشتهرَ باهتمامه بالصّيدلة خاصّة، فقد " كان فاضلاً عالما بقُوى الأدوية المفْرَدة وتركيبها" (20) . وقد ذُكِرتْ له ثلاثة كتب كلّها في الصّيدلة ، هي "كتابُ إبدال الأدوية" و"كتابُ قُوي الأطعمة ومضارّها ومنافعها" و"كتابُ الأقْراباذين"، ولهذا الكتابِ منزلةٌ خاصّة في تاريخ الصّيدلة عند العربِ ، لأنه كانَ الكتابَ المصْدَرَ "المعمول عليه في البيمارستانات ودكاكين الصيادلة" (21) ،في القَرْن الثالث الهجريّ / التّاسع الميلاديّ على الأقلّ. وثالث العلماء هو حنين بـنُ إسحـاق العبادي (ت. 260هـ/ 873م ) . وقد اشتهـر بالترجمة ـ وكان صاحبَ مدرسة فيها ـ والتأليف . وأشهرُ مترجماته الصّيدلية ذاتِ الأثرِ العميقِ في علمِ الصيدلة عندَ العرب كتابُ "الأدوية المفردة" لجالينوس ، وكتاب "المقالات الخمس" لديوسقريديس .وقد ترْجم الأولَ إلى السرْيانية ، ثم نقله إلى العربية عن ترجمتِه السرْيانية حُبَيْش بنُ الحسن ، ثمّ ترجمَه هو ذاتُه فيما يبْدو إلى العربيّة (22) .والكتاب في إحدى عشرة مقالة ، الخمْسُ الأولى منها في مسائلَ عامّة في طبائعِ الأدوية وأفعالها ، وفي قواها الأوَلِ والثواني والثوالث ؛ والستُّ الباقية في قُوى الأدوية ومنافعها العلاجيّة : السادسة والسابعة والثامنة في الأدوية النباتية ، والتاسعة في الأدوية المعدنيّة ، والعاشرة في الأدوية الحيوانية ، والحادية عشرة في الأدوية التي تتولد في البحر ؛ وأمّا كتابُ ديوسقريديس فقد تَرجَم أصلَه من اليونانيّة إلى العربيّة تلميذُه اصطفن بنُ بسيل ثمّ قام هو بإصلاحه و إجازته . ولذلك فإنّ ترجمة الكتاب تنْسب إلى الرجلين. والكتابُ في خمس مقالات كما يدلّ عليه عنوانُه ؛ وقد خصّصت الأولى للأفاويه والأدْهانِ والطيب والصّموغ والثّمار والشّجر الكبَار ؛ والثانية للحيوانِ والحبـُوب والبقول والأدوية الحرّيفة ؛ والثالثة لأصول النبات وأصنافِ العُشْب والبهارات والبزور ؛ والرّابعة للحشائش والأصول النّباتيّة البسيطة ؛ والخامسة لأصناف الشراب والأدوية المعدنيّة. وأمّا مؤلّفاتُه الصّيدليّة فيصعب في الحقيقة حصرها . فإن أوسَعَ قائمة لمؤلّفاته هي التي نُسِبت إليه في عيون الأنباء وفيها ثمانية ومائة عنوان (23) ليست كلها في الطبّ والصيدلة وليست كلّها من محض تأليفه . فهي مشتملةٌ على كتبٍ ورسائلَ ومقالاتٍ مُفْردة في الفلسفة والمنطق والعقيدة والتاريخ واللغة والآثارِ العلوية والترجمة الذاتية ، إضافة إلى الطبّ والصيدلة ؛ ثم إنّ منها الشروحَ والتعاليقَ والاختصاراتِ والخلاصاتِ إضافةً إلى المؤلّفاتِ الحقيقية . وعددُ هذه المؤلفاتِ في الصيدلة عشرة ، هي (1) كتابُ قوى الأغذية ؛(2)كتابٌ في طبائع الأغذية وتدبيرِ الأبدان ؛ (3) كتابُ دفع مضارّ الأغذية ؛ (4) كتابٌ إلى المعتمد فيما سأله عنه من الفرق بين الغذاء والدواءِ المسْهل ؛ (5) كتابٌ في أسماء الأدوية المفردة على حروف المعْجم ؛ (6) كتاب في أسرار الأدوية المركبة ؛ (7) كتابُ اختيار أدوية علل العين ؛ (8) كتاب اختيار الأدوية المحرقة ؛ (9) كتاب الترياق ؛ (10) كتاب خواصّ الأحجار . ذلك هو مصدرُ الترجمة الأوّل، أي المصدرُ اليونانيُّ الذي كان ذا تأثير حاسمٍ في ظهور المعارفِ الطبّية والصّيدليّة عند العرب . وأمّا مصدرُ الترجمة الثّاني فهندي. وقد بدأ العنصر الهنديّ في الظّهور فيما يبدو في خلافة هارون الرشيـد إذ نعلم أن وزيـره يحيـى بن خالد البرمـكي (بين 170هـ/786م و187 هـ/803م) قد اجتلب جماعة من أطباء الهند(24)، ولا نعلم هل اجتلبهم بأمرٍ من الخليفة أم لدوافع "برْمكيّة" خالصة، فقد كانت للبرامكة مشاركة في تشجيع الحياة الأدبيّة والعلميّة، وقد أنشؤوا بيمارستانًا نسب إليهم أوكلُوا أمره إلى طبيب هندي اسمه ابن دهن كان يترجم من الهنديّة إلى العربية (25) ، يشاركُه في ذلك وفي العمل بالبيمارستان طبيبٌ هنديٌ آخرُ أشهرُ منه نعْلَم أنه مِمّن اجتلبهم يحيـى بن خالد وأنه قد خدم بالطب الأمير إسحاق بن سليمان بن علي الهاشمي، هو مَنكه الهندي . وقد ترجم الرجلان كتبًا عامّة في الطبّ والصّيدلة، واختص منكـه بنقل كتابٍ في الصّيدلة المحض هو "كتاب أسماء عقاقير الهند " (26) ؛ على أنّ ما نقـله هذان الرجلان أو نقله غيرهما ممن لا نعرفُ لم يكن له من التأثير في حركة الإنشاء ما كان للرافد اليوناني . وما يعنينا ممّا تقدم هو أن "الصّيدلة" قد استقامت في النصف الأوّل من القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادي) علمًا له مفاهيمُه ومصطلحاتُه ومجاله العلميُّ الذي يستقلّ به وأركانُه التي يتأسّس عليها. 3 ـ أرْكانُ العِلْم : (1) في العقاقير وأصنافها: مادّة علم الصّيدلة الأساسيّة كما رأينا هي العقاقيرُ .وهي الأدوية بالمفهوم الواسع . على أن علماءنا كانوا أكثرَ تدقيقا في تحديد مكوّنات العلم . وقد كان منطلقهم في التحديد ما يَرِدُ على بدن الإنسان من الموادّ . وأدقّ تحديدٍ لهذه الموادِّ وجدناه عند أبي جعفر أحمد بن الجـزّار(ت.369هـ/979 ـ 980م) في خاتمة كتابه "الاعتماد في الأدوية المفردة" الذي ألفه في السّنوات العشْرِ الثالثة من القرن الرابع الهجري . فـ"إن جميعَ ما في العالم من الموادّ التي تَردُ البدنَ لا تخلو من ثلاثة أوجه : فمنها ما يكونُ ملائما مُشاكلاً لطبيعة بدنِ الإنسان ومزاجه مثل الأغذية ؛ ومنها ما يكونُ منافرًا ومضادّا لطبيعة بدن الإنسان وجوهريته فيكون قاتلا له مثل الأدوية التي تُسمّى السّمائم ؛ ومنها ما يكونُ مخالفا لطبيعة بدن الإنسان ومزاجه من غير مضادّة ولا منافَرة فيكونُ خارجًا عن جملة ما يغْذو ويقتُل جميعُا وداخلا في حدّ الأدوية . وهذه صنفان : فمنها ما مشاكلتُها للبـدن أكثرُ من منافرتها ويقال لها أغذيةٌ دوائيّة، ومنها ما منافرتُها للبدن أكثرُ من مشاكلتها ويقال لها أدويةٌ مؤذية " (27) . وإذن فإن العقاقير ثلاثة أصناف : أغذية، وأدوية ـ وهي نوعان : أغذية دوائية وأدوية مؤذية أو"سُمِّيَّة" حسب اصطلاح البيروني (28) ـ وسمائمُ أو سموم . وقد ألّف العربُ في السّموم لكنّهم لم يُعنَوْا بها عنايتَهم بالأغذية والأدوية، وذلك لأنّ "الأخلاقَ الطبّية" تمنَعُهم من استعمالها. فإن الصناعة تمنَع ـ كما يقول حنين بن إسحاق ـ"من الإضرار بأبناء الجنس لأنها موضوعة لنفعهم ومقصورةٌ على معالجتهم ، ومع هذا فقد جُعِل في رقاب الأطبّاءِ عهدٌ مؤكّد بأيمان مغلّظة أن لا يعْطوا دواء قتّالا" (29) . وقد قسّموا الأغذية والأدوية ـ مثلما قسّمها القدماءُ ـ إلى مفردة ومركّبة . والغذاء أو الدواء المفرد "هو الذي لم يخالطه بالصنعة شيء غيرُه وإنْ كان مُركّبا مـن طبائع مختلفة. فإنّ الكمُّون مفردٌ ، وهو طبيعةٌ واحدة ، أعني أنه حارٌّ يابسٌ لطيف ؛ والفجلُ مُفردٌ وإن كان مُركّبا من طبائعَ مختلفة، لأنّ فيه أرضية وناريّة ؛ وأمّا الأرضيّة فلثقله و وخامته، وأمّا النّاريّة فلحرافته. والمركّبُ هو الذي خلطت الصّنْعَة به غيره ، كالحَبِّ المتّخذ من السّقموينا والصّبر والافسنتين" (30) . على أنّ عنايةَ العربِ بمفردات الأدوية والأغذية كانتْ أكبرَ من عنايتهم بمركباتها ، لأنّ "المفردات" ، أو "البسائط" أيضا ـ وسنسمّيها على التّعميم فيما يلي "أدوية مفردة"ـ هي أصُولُ المركّبات . (2) في الأدوية المفردة : والأدوية المفردة هي العناصر المنتمية إلى مواليد الطّبيعة الثلاثة :النبات، والحيوان، والمعادن . على أن النبات أشهرها وأكثرها وأيسرها تناولا . وقد عني العرب بالنظر فيها من أوجه قد أجمل القول فيها الشيخ داود الأنطاكي (ت.1008هـ/1599م) في مقدمة كتابه "تذكرة أولى الألباب" وعدّها "قوانين". وهذه القوانين عندَهُ اثنا عشر :"اعلم أن كلّ واحدٍ من هذه المفردات يفتقر إلى قوانينَ عشرة : الأوّلُ ذكْرُ أسمائه بالألسُن المختلفة ليعمّ نفعُه ؛ الثاني ذكرُ ماهيتِه من لونٍ ورائحةٍ وطعْمٍ وتلزُّج وخشونة وملاسة وطول وقصر ؛ الثّالثُ ذكرُ جيّده ورديئه ليؤخذَ أو يجتنب ؛ الرّابع ذكر درجتِه في الكيفيّات الأربع : للحرارةِ والبرودةِ والرّطوبة واليبوسة ليتبيّن الدّخول به في التراكيب ؛ الخامـس ذكر منافعه في سائر أعضاء البدن ؛ السّادس كيفيّة التّصرّفِ به مفردا أو مع غيره ، مغسولا أو لا ، مسحوقا أو لا، إلى غير ذلك ؛ السّابعُ ذكرُ مضارّه ؛ الثّامن ذكر ما يُصلحُه ؛ التّاسعُ ذكرُ المقدار المأخوذِ منه مفردا أو مُركّبا، مطبوخًا أو منشفا، بجرْمه أو عصارته، أوراقاً أو أصُولاً ، إلى غيرِ ذلك من أجزاءِ النّباتَاتِ (…) ؛ العاشرُ ذكرُ ما يقومُ مقامَه إذا فُقِدَ . وزادَ بعضُهم أمريْن آخريْن : الأوّلُ الزّمانُ الذي يُقطعُ فيه الدّواءُ ويُدّخَرُ كأخْذ الطيون حادي عشرَ تشرين الأوّل (…)، فإنه لا يفسدُ حينئذ ؛ والثّاني من أينَ يجلب الدّواءُ ، ككوْن السقمونيا من جبال أنطاكية، ويترتّب على ذلك فوائد مهمّة في العلاج" (31) . ويلاحظ أن الشيخ داود قد ذكَر القوانينَ الإثنيْ عشرَ في سياق حديثه عن التأليف في الأدوية المفردة ، ولم يذكُرْها باعتبارها مباحثَ مكوّنة للعلم ؛ ثمّ إنّ القوانينَ التي ذُكرَتْ ليست جميعَها صيْدَليّة خالصة. فإن منها الصيدليّ الخالصَ ومنها الطبّيّ الخالصَ ومنها المشتركُ بين الصيدلة والطبّ. والصيدليّ الخالص منها أربعةٌ هي الأوّلُ (معرفـة أسماء الأدوية)، والثاني (معرفة ماهياتها) والحادي عشرَ (معرفة زمن قطعها إذا كانت نباتية)، والثاني عشرَ (معرفة المواطن التي تجتلب منها )؛ وأمّا الطّبّي الخالص فاثنان هما الخامس (معرفة منافع الدّواء العلاجيّة)، والسّابع (معرفة مضارّه). فأمّا القوانين الستّة الباقية فمشتركة، إذ لا غناءَ للطبيب والصيدلاني عن معرفتها. على أن أهمّ القوانين الستة بالنسبة إلى الصيدلاني هي الرّابعُ (معرفة الدرجة في الكيفيّات الأرْبَع )، والتاسعُ (معرفة المقدار المأخوذ منه)، والعاشرُ (معرفة بدله إذا انعدم ) .وهذه القوانينُ الثلاثة الأخيرة تهمُّ الصيدلانيَّ لدورها الحاسم في تركيب الأدوية ، أي في الحصول على الأدوية المركبة . فإذا نظرنا في القوانين العشرة ـ الأربعة الصّيدلية الخالصة والستة المشتركة ـ وجدناها لا تَرْقَى جميعها إلى درجةِ المباحث العلميّة، فإن أربعة منها فقط قد شغلت الصيادلة شغلاً كبيرا وخَصوها بالبحث المستقلّ فكانت من أجل ذلك مباحثَ حقيقية .وهذه المباحث الأربعة هي: أ ـ أسماءُ الأدْويةِ المفْردَة : لمعرفة اسمِ الدواء المفردِ ـ وخاصّة إذا كان نباتًا ـ أهميةٌ كبيرةٌ لأنّ الدواءَ واحدٌ بينما الأسماءُ التي تطلقُ عليه قد تختلفُ باختلافِ البيئاتِ التي يظهرُ فيها واختلافِ اللغاتِ التي يُسمّى بها . ولذلك فإنّ معرفةَ الاسمِ الصحيحِ الذي يُطلقُ على الدواءِ الواحدِ جزءٌ من التحديدِ الدقيق لمفهومه، وقد عُنِيَ من اليونانيين بهذا المبحثِ ديوسقريديس في المقالاتِ الخمس (32) ، وعُنِـيَ النصارى من السُّريان به أيضا فكانت لهم حسب أبي الريحان البيروني "كتبٌ تسمّى لكسيقونات (33 ) تشتمل على غرائب اللغات وتفسير المشكل منها " (34) . وقد ذكرَ لنا البيروني من كتبهم كتابًا "يسمّونَه بَشَاق شَماهى ، أي تفسير الأسماء ويعرف أيضا جَهَارنَام، بمعنى أنّ كلّ واحد ممّا فيه مُسمّى بالرّوميّة والسّريانيّة والعربيّـة والفارسيّة" (35) . وقد عُنِيَ العربُ بهذا المبحثِ عنايةً كبيرة أيضا . وقد خَصّه بعضُهم بالتّأليف،وجعله بعْضٌ آخرُ غرَضا أسَاسيّا من أغراضِ التأليف في الأدوية المفردة. ونخُصّ بالذكر من المؤلّفين الذين خصّوا المبحثَ بالتأليف حنين بنَ إسحاق الذي ألفَ في القرن الثالث الهجري كتابًا سبَقَ ذكرُهُ هو "في أسماءِ الأدْويةِ المفردةِ على حروفِ المعجم " (36) ، وأبا عِمْران موسى بن ميمون القرطبي (ت.601 هـ/1204م) الذي ألّفَ كتابَ" شرح أسماء العقار " (37) . ويمكنُ أن نُدْرجَ في هذا النوعِ من المؤلفاتِ الشروحَ العربيّة التي وضعت لكتابِ ديوسقريديس"المقالات الخمس" في ترجمتِه العربية البغدادية .والمعروفُ من هذه الشروحِ ثلاثة أندلسيّة (38) ، هي : (1) تفسيرُ أسماءِ الأدوية المفردة من كتابِ ديسقُوريدوس لأبي داود سُليمان بن حسّان بن جُلْجُل القُرطُبيّ (ت.بعد 384 هـ/994 م)، وهو مُعجمٌ ثنائيٌّ يونانيٌّ عربيّ، قد رتَّبه المؤلفُ بحسب مادّة "المقالات الخمس" التي تناولَ مصطلحاتها المداخلَ بالشرح والتّفسير، مستعملاً المقابلَ العربي . فإذا استعْصى عليه اسْتمدّ المقابلَ من إحدى "اللغات الإسلاميّة" أي اللغاتِ الأعجميّة التي كانتْ شائعة في بلاد الإسلام ، وخاصّةً اللاتينيّة والبربريّة في بلاد المغرب والأندلس ، والفارسيّة في بلاد المشرق . (2) شرحٌ لكتابِ دياسقوريدوس في هَيُولىَ الطبّ، لمؤلّفٍ مغربيٍّ أو أندلسيّ مجهول، وضعه بمدينة مراّكش المغربية في نهايةِ القرن السّادس الهجري (الثاني عشر الميلادي) بعد تلْمذتِه لأبي محمد عبد الله بن صالح الكُتَامي بمراكش وقراءَتِه كتاب "المقالات الخمس" عليه . وقد كان عبد الله بنُ صالح يعْنىَ أثناءَ قراءة الكتابِ عليه بأمرين : الأوّل هو"تحلية" ما لم يُحَلِّهِ ديوسقريديسُ من الأدوية النباتيّة، أي ذِكرُ ماهيته ووصف مكوّناته ، بحسب ما عاينَه هو منه ؛ والثّاني ذكرُ الأسماءِ المشهورة الواقعةِ على الأدوية المعروفة عنده وقتَ قراءة الكتاب عليه ، وخاصّة بالعربيّة والبربريّة واللاتينيّة (39) . (3) تفسير كتابِ دياسقوريدوس لأبي محمّد عبد الله بن أحمد ابن البيطـار المالَقي (ت.646 هـ/1248م) . وقد ألّفه ابن البيطار في مصـرَ حـوالي سنة 623 هـ/1226 م رغبة منه في"تقريبِ المرامِ في ترجمته وتسهيلِ المطلب في تفسيرِ أسماء أدويته" (40)، بعد أن رأى "استعجامَ أسماءِ أشجاره وحشائشه على كافّة المتعلّمين وعامّة الشَّادِين، وتَوارِي حقائقه عن غير واحدٍ من الشَّجارين والمتطبّبين " (41) ، وقد جعلَ من ذكر أسماءِ الأدويةِ بغيرِ العربية في كتابه غايَةً، فذكر" في بعضِ الأدوية ما يليقُ به من الأسماءِ البربريّة واللطينيّة إذْ كانت مُستعْملةً " (42) في الأندلس ، معروفةً بين أهلِ عصره ؛ ولذلك كان كتابُه ـ مثل كتابِ ابن جُلْجُل ـ معجمًا يونانيّا عربيّا، مع اعتمادٍ على البربريّة واللاتينيّة ـ في ترجمة المصطلحات اليونانيّة ـ ظاهر . ويُلاحظ أن الغاية الأساسيّة من تأليف الكتبِ الثلاثة لغويَّة مصطلحيّة . وأما النوعُ الثاني من الكتب ، أي الكتبُ التي جُعل فيها مبحثُ الأسماءِ غرَضًا أساسيّا من أغراض التأليف، فكثيرةٌ ، نظرا إلى اعتبارِ جلّ المؤلفين في الأدوية المفردة التعريفَ اللغويَّ ركنًا أساسيّا من أركان التعريف بالدواء ، وخاصّة إذا كان نباتا . ونخُصّ بالـذّكرِ من هذه الكتب ثلاثة : (1)كتابُ الأدويةِ المفردةِ لأبي جَعفر أحمد الغافـقي(ت.560هـ/1165م). فقـد كان للغافقي من تأليف كتابَه غرضان قد حدّدَهما هو نفسُه في مقدّمة الكتابِ بقوله : "إن غرَضي كان فيه شيئيْن : أحدُهما أنْ أجمعَ فيه بين أقاويلِ القدماء والمحدَثين من أهلِ البصر من الأطبّاءِ في دَوَاءٍ دَوَاءٍ من الأدْويَة المفردة (…) ، والثاني شرحُ ما وقع في كتبِ الأطبّاء من أسماءِ الأدوية المجهولة"(43) . وقد نتَج عن هذين الغرضيْن أن قسَّم المؤلِّفُ موادَّ كلّ حرْفٍ من حروفِ الكتابِ إلى قسمين : قسمٍ رئيسيٍّ يشتملُ على أعْيانِ الأدويةِ المفْرَدة النباتيّة والحيوانيّة والمعدنيّة مُعرّفًا بماهياتها وبخَواصّها العلاجيّة ، وقسمٍ تفسيريٍّ يشتملُ على شرحِ ما وردَ في الكتابِ من أسماءٍ على ذلك الحرْف يعتبرها الغافقي مجهولةً محْوِجَة إلى تفسير . ومن الأسماءِ المفسّرة ما هو عربيّ خالص ، ومنها أيضا ما هو أعجميٌّ ، وهو الغالب ، وجلّ الأعجميّ إمّا يُونانيّ، وإمّا فارسيّ، وإما لاتيني ، وإمّا بَربريّ (44) . (2)كتابُ الجامِع لمفْرَداتِ الأدْوية والأغْذية لأبي محمّد ابن البيطار ، وقد حدّد ابنُ البيطار في مقدمة كتابه أغراضَه من تأليفِه – وهي ستَّةٌ – وجعلَ سادِسَها "في أسماءِ الأدوية بسائرِ اللغات المتباينة في السّمات" (45) ؛ ولكنّه خَصّ بالذّكر منها في المقدمة اللّغتين البربريّةَ واللاّتينية مثل ما رأيناه قد فعَلَ في مقدّمة كتابِه "تفسير كتابِ دياسقوريدوس" . على أنّ من الأسماءِ المفسّرة في الكتابِ عربيّا ويُونانيّا وفارسيّا وسُريانيّا أيضا. والتفسيرُ عندَه يكونُ إمّا في الأرْكَان اللغويّةِ التي يَفتَتحُ بها تعريفَ الدواءِ المفرَدِ في موادّ الكتابِ الرئيسية، وإمّا في موادَّ تفسيريّة مستقلَّة تَرِدُ في مواضعِها من ترتيبِ الكتابِ الألفبائيّ . وعددُ هذه الموادّ التفسيرية ـ من جملة موادِّ الكتابِ كلّه ، وهي 2353 مادّة ـ 931 (46) . (3)كتابُ الإبانَة والإعْلام بما في المنهَاج من الخلَل والأوهام ، لابن البيطار أيضا. فإنّ الغاية الأساسيّة من تأليفِه ذكرُ "ما وقع من وهْم أو غلطٍ في اسمٍ بسبب اشتراكٍ أو إلحاقِ منْفعة نَوْعٍ من الأدْوية بغير ذلك النوع لكونِه مشهُورًا باسمِ جنسه يشتبه أمرُهما على من لا يَخْبُرُ ما اختصّ به كلُّ واحدٍ من تلك الأنواع من الماهية والقُوى" (47) . وقد جعل المؤلفُ كتابَ "منهاج البيان فيما يستعمله الإنسان" لابن جزلة البغدادي (ت.493 هـ/1100م) موضوعًا لنقده ، ولكنّه لم يكتفِ به بل انتقدَ غيرَه من المؤلفين، وخاصّة أبَا عليّ ابنَ سينا (ت.428 هـ/1037م) في الكتابِ الثاني من القانون الذي خُصِّصَ للأدوية المفردة . والأخطاءُ التي انتقدَها ابنُ البيطار من ثلاثة أنواع : الأوّلُ في التّسمِيَات وخاصّة في تحريفِ رسمها أو في الخلْط بينها بسببِ الاشتراكِ في الاسميّة ، أي في التشابُه بين صُورِ حروفِها حسب عبارته ؛ والثاني في التحْليَات ، أي بوصْفِ دواءٍ مّا بما ليس له من الصفَات ؛ والثالثُ في المنافع ، وذلك بإعطاءِ دواءٍ مّا مَا ليس له من الخواصّ العلاجية. والنّوعانِ الثّاني والثّالث ناتجَانِ عن الأوّل ، لأنّ الخلْطَ في التَّسميَة مُؤدّ إلى الخلط في الماهية وفي المنـَافع (48) . والأنواعُ الثلاثة التي اهتمّ بها ابن البيطار هي التي تلخّص أسبابَ الاهتمامِ بمبحثِ الأسماءِ في علمِ العقاقير عندَ العربِ. فإنَّ المعرفة الدقيقةَ باسمِ الدواءِ مرتبطةٌ بمعرفة ماهيته ومعرفةِ خوَاصّه . والخلطُ في التّسمية مؤدٍّ إلى أن يُنْسَب إلى الدواءِ الواحدِ ما ليْس له من الماهية ومن الخواصّ ، وذلك مَفْسَدَةٌ في الطبِّ وشرٌّ كبيرٌ . ب ـ مَاهياتُ الأدوية المفردة : الحديثُ في الماهية هو القوْلُ في "حِلْية" الدواء ، أي الوصفُ العلميُّ الدقيقُ لبِنْيَتِه وما يتصلُ بها من الخصائص .وهذا الوصفُ الماهويّ هو الركنُ الثاني في الحديث عن الدواء المفرد، بعد الركْن اللغويّ الذي يَشتملُ على "التَّسمية"، وقد رأيناهُ ثانيَ القوانـين التي ذكرها داود الانطاكي أيْضا .على أن الشيخَ داود قد ذكرَ للمـاهية ثمانيةَ عناصرَ تكوّنها ، هي اللونُ والرائحة والطعمُ والتّلزُّجُ والخشونةُ والملاسَةُ والطولُ والقِصَرُ . لكـنّ الملاحظَ في هذه العناصرِ أنّها إلى الأدوية النباتيّة أنسبُ ، وذلك راجعٌ إلى أهمية النباتِ بين المواليدِ الثلاثة التـي تُتَّخذُ منها الأدوية المفردة . ثم إنّ الغالبَ على العناصر الثمانية التعميمُ . ولا شكَّ أن تعميقَ النظرِ في الماهياتِ التي ذكرها العلماءُ القدامى ـ منذ ديوسقريديس في القرْن الأوّل الميلاديّ حتى الشيخ داود الانطاكي نفسِه في القرن السادس عشر ـ يُظهِرُ عناصر أخرى كانوا يَهتمّون بها نذكرُ منها ثلاثة، هي : (1) هيئةُ أجزاءِ النبات مثل الورَقِ والأغصان والزَّهر والبزْر والثَّمَر ؛ (2) مكانُ إنباته، كأنْ يكون بَرّيّا أو بستانيّا أو جبليّا أو مَائيّا أو رَمْليًّا أو صَخْرِيّا ؛ (3) زمنُ إنباته، كأنْ يكونَ صيْفيّا أو شتَويّا، أو أنْ يكون حوْليّا (49) ؛ ويُلاحَظُ أن العنصرَ (1) من صَميمِ الماهية، وأما العُنصُران (2) و (3) فمتمّمَان لها . وللحديث في الماهية أهميةٌ كبْرى في تحديدِ الدواءِ ـ باعتباره مادةً صيدليّة ـ والتفريقِ بينه وبين غيره من الأدوية ، وخاصة إذا كانت تشبِهُه، لمعرفة أفعاله العلاجية معرفة دقيقة وتجنُّبِ الخلط بيْنها وبينَ أفعالِ أدوية أخرى، فلا يُخْتار من الدواءِ إلا ما عُرف وعرفتْ أفعاله . وقد كان هذان الأمرانِ ـ أي معرفةُ ماهية الدواءِ وصحّةُ اختيارِه ـ يُعدّانِ كالأساسِ لعلْم الصّيْدلة : "ومعرفةُ الأدويَة واختيَارُها يَتَقدَّم صنَاعةَ الصّيدلة، وهوَ كالأسَاس لها" كما قال أبو جعفر أحمد الغافقي (50) . لكنّ علماءنا القدامَى المؤلّفِين في الأدوية المفردة ما كانوا يُولُونَ ركنَ القول في "الماهية" نفسَ الأهميّة ؛ فلقد كانُوا على مذهبيْن : مذهبٍ كان الاعتمادُ فيه على ديوسقريديس الذي وضَعَ للتّأليف في الأدوية المفردة أسُسَه في "المقالات الخمس" وجعَل الحديثَ في الماهية ركنًا أساسيّا فيه، ومذهبٍ كان الاعتمادُ فيه على جالينوسَ الذي ألّفَ في الأدْويةِ المفردة كتابًا في إحدَى عشْرةَ مقالة قد عُنِـيَ في الخمس الأولى منها بطبائع الأدوية وأفعالها ، وعُنِـيَ في الست الباقية بقُوى الأدوية ومنافعِها العلاجيّة ، ولم يهتمّ في أيّ منها بأسماءِ الأدويـَة أو بماهياتها ، فكأنّه كانَ يُعوّلُ في معرفة ذلك على ما قاله ديوسقريديسُ قبله. ولذلك كان قولُ في الأدوية المفردَة أَنْزلَ في الطبِّ ، بينما قولُ ديوسقريديس فيها كان جامِعا بينَ الصّيدلة والطبّ لكن الصيْدلةَ كانت فيه أغلبَ. و إذنْ فإن الذين اتَّبعُوا مذهبَ جالينوسَ ـ ومنهُم من خصّ الأدوية المفردة بكتابٍ مُستقلّ مثل أبي الصَّلْت أميَّةَ بنِ عبدِ العزيز الدَّاني (ت.529هـ/1134م) (51)، ومنهمْ من خَصّها بـ"نـَوع" أو بـ"مَقالة" أو بـ"كتابٍ" ضمْنَ مُؤَلَّفٍ عامّ في الطبّ ، مثل علي بن رَبَّن الطبري (ت.حوالي 250هـ/864 م) الذي خَصّصَ المقالاتِ الأربع الأولى من النّوعِ السّادسِ من كتابه "فِردوْس الحِكْمَة " للأغذيَة والأدْوِية المفرَدة من النبات والحيوان والمـعادن (52) ، وأبي بَكـْر الرازي (ت.313هـ/925م) الذي خَصّص المقالةَ الثالثة من الكتابِ "المنصوري في الطبّ " لقوى الأغذِية والأدوية (53) ، وأبي سَهْل عيسـى بن يحيَـى المسيـحي(ت.حـوالي 401 هـ/1010 م) الذي خصص"الكتاب" الحادي والثلاثين من كتاب " المائة في الطبّ " للأدوية البسيطة، أي المفردة (54)ـ فقد أسقطوا القولَ في ماهياتِ الأدوية واكتَفَوْا بذكْر قواها ومنافعِها. وأمّا الذين اتبعُوا مذهبَ ديوسقريديسَ فقد عُنُوا بالماهياتِ عنايةً دلّتْ على نظرهم إلى الأدوية من حيثُ هي موادُّ صيدليَّة وموادُّ طبيةٌ علاجيَّةٌ في الوقت ذاته. على أنّ أصحابَ هذا المذهبِ كانوا طائفتين : طائفةَ الذين يَرَونَ أنهمْ أطباءُ قبلَ أنْ يكونُوا صيادلةً أو أنهمْ أطباءُ وليسوا في حاجةٍ إلى أعْمالِ الصيْدلةِ، وقد غلبَ على قولهم في الماهياتِ التقليدُ بالنقلِ عمّن سبَقَهم من العلماء ، ومن هؤلاءِ أبو علي ابنُ سينا في الكتابِ الثـاني من القانون ، وأبو عليّ يحيَـى بن عيسى بن جزْلةَ في "مِنهاج البيان فيما يستعمله الإنسان " . وقد أوقَع هذا التقليدُ هذه الطائفةَ في الخطإ ، وجعلها عُرْضةً لنقدِ الطائفة الثانية (55) . ويمكنُ عَدّ علماءِ هذه الطائفةِ الثانية "صيَادلةً أطبّاءَ ". وقد دافع أبُو جعفر أحمد الغافقي ـ وهو من أهمّ ممثّليها ـ عن جمعِ الطبيبِ بين الصيْدلة والطبّ وأهميةِ معرفتِه بالأدويَة المفردَة وباختيارها ، فرأى " أنّ معرفةَ الأدوية واختيارَها هو من صنَاعةِ الصيدلة لا من صناعة الطبّ . لكنْ أطبّاؤنا (…) كلّهُم صيادلة . فمَن قالَ منهم إنه ليس عليه معرفةُ الأدْويةِ فهو منه جهْلٌ فاحشٌ قبيحٌ لأنَّ أطباءَنا هؤلاءِ كلَّهم همْ يتولّوْن بأنفسهم عملَ الأدوية المركَّبة وجميعَ أعمال الصيدلة. وما أقبَحَ بأحدِهم لو عَقَلوا أن يَطلبَ أدْوِيةً مُفْرَدةً لتركيبِ دواءٍ فيُؤتَى بأدويةٍ لا يعْلمُ هل هي التي أرَادَ أمْ غيرها " (56) . وقد اشتهر من هذه الطائفة الثانيةِ علماءُ من بلادِ المغرب والأندلس خاصّة : منهم أبُو العباس أحمد بن الروميّة النباتي (ت.637 هـ/1239م) الذي ألّفَ في النباتات الطبّية كتابًا سمّاه "الرّحْلة المشرقية" قد بقيتْ لنا منه في كتابِ الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار نقولٌ بلغت المائة، دالّة على أن تحليةَ النباتات ـ أي التعريفَ بماهياتها ـ كانتْ أهمَّ غايات المؤلف من وضع كتابه (57) ؛ ومنهم ابنُ البيطار نفسه ـ وهو تلميذُ أبي العباس النَّباتي ـ وقد عدّه ابن أبي أصيبعة الذي شاهد " معه في ظاهر دمشق كثيرًا من النبات في مواضِعِه" (58) ـ " أوْحَدَ زمانه وعلاَّمة وقته في معرفة النباتِ وتحقيقه واختياره ومواضعِ نباته ونعتِ أسمائه على اختلافها وتنوّعها " (59) . على أنَّ هذا الذي قاله ابنُ أبي أصيبعة عن ابن البيطار قد قالَ ما يشبهُه عن عالم مَشْرِقيّ معاصرٍ له هو رشيدُ الدين ابن الصوري (ت.639 هـ/1241م) الذي كان "أوحدَ في معرفة الأدويةِ المفردة وماهياتها واختلافِ أسمائها وصفاتها وتحقيقِ خواصِّها وتأثيراتها" (60) . وقد سلكَ في معرفةِ النباتِ وتحليتِه طريقةً فذَّةً قد بنـى على نتائجِها تأليفَ كتابه في "الأدوية المفردة" الذي ضاع، أمّا طريقتُه ففي "عيون الأنباء" وَصْف لها : "وكانَ يسْتَصْحِبُ مُصوّرًا ومعه الأصْبَـاغُ والليقُ على اختلافها وتنوّعها. فكانَ يتوجّهُ (…) إلى المواضع التي بها النباتُ مثلَ جبل لبنان وغيره مـن المواضع التي قد اختصّ كلّ منها بشيءٍ من النبات.فيشاهدُ النباتَ ويحقِّقُه ويُريهِ المصوّرَ فيعتبرُ لوْنَه ومقدارَ ورقِه وأغصانَه وأصولَه ويصوّرُ بحسبها ويجتهدُفي محاكاتها.ثم إنه سَلك أيضًا في تصويرِ النباتِ مسلكًا مُفيدًا وذلك أنه كان يُرِي النباتَ للمصوّر في إبّانِ نباته وطراوَته فيُصوّره ، ثم يُرِيه إيّاهُ أيضا وقتَ كماله وظهورِ بَزْره فيصوّره تِلْو ذلك ، ثم يُرِيهِ إيّاه أيضا في وقت ذَوَاهُ ويبْسِه فيصوّره ، فيكون الدواءُ الواحدُ يُشاهِدهُ الناظرُ إليه في الكتابِ وهو على أنحاءِ ما يمكنُ أن يَراهُ به في الأرض ، فيكونُ تحقيقُه له أتمّ ومعرفتهُ لهُ أبْينَ" (61) . وهذا الذي كـانَ ابنُ الصوري يقومُ به مِن تصويرٍ للنباتِ الواحد في مختلفِ مراحل وجودِه مندرجٌ في صميمِ التعريف بالماهية باعتباره ركنًا أساسيّا من أركانِ التعريفِ بالدواءِ من حيثُ هو مادَّة صيدليّة، قبل أنْ يُصبحَ مادَّة طبيّة. ج ـ في طبائع الأدوية وقواها: للأدوية المفردة طبائعُ هي صفاتٌ أو كيفيَّاتٌ فيها.والطبائعُ أو الكيفيّات الأساسيّة ـ أو" الأمَّهات" حسب عبارة أبي الفرج ابن هندو (62) _ أربعٌ : هي الحرارةُ والبرودةُ والرطوبةُ واليبوسة . فإذا نُظِرَ إلى تأثيرِ الدواء في البدَنِ أصبحت طبائعُه قُوًى، وقد قسّم القدماءُ هذه القوَى إلى درَجَاتٍ ، وقسّموا الدرجاتِ إلى مَراتِبَ . ومن أوضحِ النصوصِ القديمة التي و جَدنا في التعريفِ بهذه القُوى قولُ ابن الجزّار في مقدِّمة المقالةِ الرّابعة من كتاب الاعتماد : "إنّ معرفةَ كَميّة قُوّة كلّ دواءٍ من الأدوية المشهورة التي عليها اعتمادُ الأطباء في علاج الأدواءِ جزيلة النفع في صناعة الطب (…) ، وقد اتَّفَقَ الأفاضلُ مـن الأوائلِ على أنّه إذا قِيلَ في شيءٍ من الأشياءِ إنه حَارّ أو باردٌ أو رطبٌ أو يابسٌ فإنما يُنْسَبُ ذلك بإضافتِه إلى بدنِ الإنسـان الصحيحِ إذ كان أعْدَلَ المركّباتِ مزاجًا وأقربها للاعتدال والتّوسّطِ من الكَيفيّات الأربع ، وقد بيّنا ذلكَ بيانًا شافياً في كتابنا في الحيَوان. فوجبَ من أجْلِ ما قدمْنا أنه متىَ ما وجدْنا شيْئا لا يؤثّر في حاسّة بدَن الإنسان ولا ينافِرهـا بنوعٍ من أنواعِ المنافـرة يكـون مُشـاكلاً لبدَن الإنسان مثل الماءِ الفاتر فإنه بمشاكَلته لمزاجِ البدنِ في الاعتدالِ نجدُ الحاسّةَ تسْتلذُّ فتُورَه وتقبَلها بشهوَة ؛ ومتى وَجدْنا شيئًا قد أثّر في الحاسّة تأثيرا بيّنًا إلاّ أنّ ذلك التأثيرَ بلا ألمٍ ولا اسْتكْراهٍ للطبيعة أيْقنّا أنه قد زالَ عن مزاجِ بدَنِ الإنسان في الكيفيّة التي ظهرتْ منه بدَرجةٍ واحدة ؛ ومتى وجدنا تأثيرَه قد زاد ونافرَ الحاسّة مُنافرةً بيّنة وإن لم يظهرْ له أذًى ولا وَجَعٌ علمنا أنه قد زادَ انحرافه عن مِزاجِ بدنِ الإنسان بدرجتين؛ فإن زادَ فعلُه قوّةً وكثرةً وأحْدثَ وجعًا وألمًا ونافرَ الحاسّة منافرةً قويّةً علمْنا أن انْحرافَه عن مزاجِ بدنِ الإنسان قد صارَ إلى الدرجة الثالثة ؛ فإن زادَ فعلُه حتى يُفْسدَ مزاجَ بدنِ الإنسانِ إمّا بإفراطِ تَفْريقٍ إذا كان حَارًّا وإما بإفراطِ جمعٍ إذا كان باردًا علمنا أن انحرافه عن مزاجِ بدن الإنسان قد أفْرَطَ وصارَ إلى الدرجة الرّابعة . وإذ لم يكنْ شيْءٌ أكبرُ ولا أعْظمُ من فسادِ المزاج وتفْريقِ الاتّصال يمكنُ أن يجُولَ الفِكرُ فيه ويدركَه العلْمُ اتَّفَقَ عند ذلك جميعُ الأوائلِ على الوقوفِ عند الدرجة الرابعة ولم يُفَكروا في ما بعدَها (…) . غير أنهم قسّمُوا هذه الدّرُجَ الأرْبعَ وصيّروا لها ثلاثَ مراتبَ، عُلْيَا و سُفْلَى ووُسْطى، فقالوا أوّلُ الدرَجة ووسطُها وآخرُها، وقالوا قد يمكن أن يكونَ بين هذه الثلاثِ مراتبُ وَسَائِطُ تَخْفَى عن الحسّ الجسْماني ، فلذلك أهملَ أهلُ العقل ذكرها ولم تُوقَعْ عليها أسماءُ " (63) . وإذن فإنّ طبائعَ الأدوية الأساسيّةَ أن تكونَ حارّةً ، أو باردةً، أو رطبةً، أو يابسة. على أن للحرارةِ والبرودة والرطوبة واليبوسةِ درجاتٍ أربعًا هي أيضا، وهي كَميَّاتٌ من التّأثيرِ في البدن ؛ والحديثُ في هذا التأثيرِ هو الحديثُ في قوى الأدوية ، فيصبحُ الدواءُ الحارُّ مسَخِّنا، والدواءُ البارد مبرّدا، والدواءُ الرّطب مرطّبا ، والدّواءُ اليابسُ مجفّفًـا. على أنّ هذه القوى كما يُلاحَظُ هي في الحقيقة أفعال . وبما أنها قوًى وأفعالٌ مقترنةٌ بالكيفيّاتِ الأمَّهات التي في الأدوية فقد عُدّت قوًى وأفعالاً أُوَلَ لأنّ ما يحدثُ منها في الأبدانِ إنما هي "انْفعالاتٌ شبيهةٌ بما فيها (=الأدوية) من القُوَى الاسْطقُصيّة مثل أنْ تُحْدِثَ فيها حرارةً أو برودةً أو رطوبةَ أويبوسةً شبيهةً بالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسةِ التي فيها" (64) . وقد نُسِبتْ إلى الأدوية قوًى أو أفعالٌ ثَوانٍ وثوالثُ، متّصلة اتصالاً مّا بالقوى الأوائل أيضًا ، لكنّ الانفعالاتِ التي تحْدثُ عن القوى الثواني تكونُ في "أيِّ عضْوٍ اتَّفقَ" (65) ، والانفعالاتُ التي تحدثُ عن القُوى الثوالثِ تكونُ في أعضاءٍ مخْصُوصَة (66) . ومن أمثلة القوَى الثواني الإنْضاجُ، والتليينُ ، والتحليلُ، والتفتيحُ ؛ ومن أمثلةِ القُوى الثوالثِ إغزارُ اللبَنِ وإدْرارُ الطمْثِ وإدْرارُ البوْل وتنقيةُ الرئة (67) .ولمعرفة طبائعِ الأدوية المفردةِ وقواها وأفعالها أهميةٌ كبرى بالنسبة إلى الطبيبِ من حيثُ هو صيْدلانيٌّ ومـن حيثُ هو طبيب . أما من حيثُ هو صيدلانيٌّ فلأنها تُمكّنُه من تحديدِ مقاديرِ الأدوية المفردةِ التي تدخلُ في الأدويةِ المركّبة ؛ وأمّا من حيثُ هو طبيبٌ فلأنها تمكِّنهُ من تحديدِ منافعِ الأدوية ومضارّها ، وتحديدِ المقدارِ المستعملِ من كلّ دواءٍ إذا وُصِفَ للمريض . ويُبْرِزُ أهميّةَ هذا المبحثِ في التراثِ الطبيِّ والصيدلي العربيّ الإسلاميّ ما خُصّتْ به طبائعُ الأدوية وقُواها وأفعالها من قوْلٍ . فإن القوْلَ فيها ركنٌ أساسيّ من أرْكانِ الحديثِ في الأدوية المفْردة . والقوْلُ فيها صنفان : قوْلٌ نظريّ عامّ يُقدّمُ به للحديثُ في الأدوية المفردة ، وقول خاصّ يُسْندُ إلى كلّ دواءٍ بمفرده . ومن أهمّ نصوصِ الصّنفِ الأول الكتابانِ الثلاثُون والثاني والثّلاثونَ من كتاب المائة لأبي سَهْل المسيحي (68) ، والمقالاتُ الأربعُ الأولى من الجملةِ الأولى من الكتابِ الثاني من القانون لابن سينا (69)، ومقدّمةُ "كتاب الأدوية والأغذيـة" ـ وهو الخامسُ ـ من الكليّات في الطبّ لأبي الوليـد بن رشد (ت.595 هـ / 1198 م) (70) . أمّا الصنفُ الثاني فلا يخلُو منه تأليفٌ في الأدوية المفردة، سواءٌ كانَ على مذهبِ ديوسقريديسَ أو كان على مذهبِ جالينوسَ (71)،وسواءٌ كان كتابًا تامّا مخصّصا للأدوية المفردة أو كان قِسمًا من كتابٍ عامّ في الطبّ . فإن القوْل في طبائعِ الأدوية وقواها رُكن أساسي من أرْكان "التعريف"بالدواءِ المفرد. وذلك يَعْني أن كلّ ما كتبه العربُ والمسلمونَ في الأدوية المفردة يـمثّل مصادرَ لدراسة هذا المبْحث، وخاصة في مسَائلهِ الاختباريّة الخاصّةِ بالأدوية ذاتها . على أنّ من تلك المصادرِ كتابًا نرَاهُ أحَقَّ بالذكرِ هو كتابُ الاعتماد في الأدوية المفردة لأبي جعفر أحمد بن الجزار القيْرواني . فإن لهذا الكتابِ أهميّةً خاصّة لأنّ منطلقَ أبن الجزار في تأليفِه كان العنايةَ بذكْرِ طبائع الأدوية وكميّتها وقوّةِ كل واحدٍ منها في أيّ درجةٍ هو من الحرارة والبرودة والرطوبة واليُبوسة – وقد عابَ على ديوسقريديس إهمالَ ذلك (72) - ثنمّ تقسيـمَ مادةِ الكتاب بحسب درجاتِ الأدويـة الأرْبعِ ، وقد وضّحَ ذلك في مقدِّمة الكتاب بقوله : "وقد قسّمتُ هذا الكتابَ على أربع مقالاتٍ لأنّ الأوائلَ اكتفوا بأنْ وضعوا أرْبعَ درجاتٍ في قوى الأدْوية ، وقد أوْضحت السببَ في ذلك في المقالة الرابعة (73) ، وذكرتُ في كلّ مقالة الأدْويةَ التي قُواها من حرّ أو برْدٍ في تلك الدرجة" (74)، فكانَ الكتابُ لذلك في أربعِ مقالاتٍ بحسب درجاتِ الأدوية الأرْبع ، و أُدْرِجَتْ في كلّ مقالةٍ الأدويةُ التي توافقُ الدرَجَة التي اختصّت بها . ويبدو أنّ هذه الخاصيةَ في تأليفِ الكتاب هي التي أكسبتْه منزلةً كبيرةً في القديم فكانَ ذا انتشار واسع وتأثيرٍ عميق . وأهمّ مظاهرِ انتشارِه وتأثيرِه اثنان : الأولُ هو اختصارُه وإعادة تبويب مادته. وبين أيْدينا ثلاثة أعمالٍ في ذلك :(1) اختصارٌ مشرقيٌّ مجهولُ المؤلفِ عنوانه "صفةُ طبائعِ العقاقيرِ على مذهبِ ابن الجَزّار في كتابِ الاعتمـاد" (75) ، وقد قامَ الاختصارُ على حذْفِ ما اتصل من مادّة كتابِ الاعتماد بالتسميَة والماهية ومنافعِ الأدوية، والاحتفاظِ بدرجاتِ الأدوية وقُواها على مَا وردَ في أصل الكتاب ، على أنّ المؤلفَ قد فصل في كلّ مقالة بين الأدوية الباردةِ والأدوية الحارّة، وقسّمَ كلّ مقالةٍ لذلك إلى قسمين ؛ (2) اختصارٌ مغربيّ مجهولُ المؤلّف أيْضا، بل هو مجهول العنوانِ كذلك(76) ، وقد حذَف صاحبُه الكثيرَ من الأدوية التي اشتملَ عليها نصّ كتابِ الاعتماد فلم يحتفظْ إلاّ بثمانية وستينَ دواءً من جملة ثمانية وسبعين ومائتّي (278)دواء . على أنّ الجديدَ في عمله هو ترتيبُه الأدويةَ المحتفظ بها ترتيبًا أبجديًا على طريقة أهل المغرب؛ (3) والعملُ الثالثُ ليس اختصارًا بل هو إعادةُ بناءٍ و تأليفٍ لمؤلِّف غيرِ معروف اسمُه المهْدَويّ ـ لعلّه تُونسيّ مَنسوبٌ إلى مدينة المهديّة ـ قد صنّف أدويةَ كتابِ الاعتمادِ بحسب أجناسها وجعلَها في ثماني مَقالات هي (1) في الأزْهار، (2) في الأخْشابِ والعُروق؛ (3) في الصُّموغ ؛ (4) في المعادِن والحِجارة ؛ (5) في العقاقيرِ العفْصَة ؛ (6) في الأدْوية النباتية ؛ (7) في الأصولِ والعروق والورق؛ (8) في الحبوب واللبوب والقشور(77) . والمظهر الثاني هو ترجمةُ الكتاب . وله ثلاثُ ترجماتٍ : اثنتان لاتينيّتان وترجمةٌ عبرية . والترجمةُ اللاتينية الأولى قامَ بها قسطنطين الإفريقي في القرنِ الخامس الهجريّ (الحادي عشر الميلاديّ) بعنوان"Liber de Gradibus Simplicibus" أي " كتابُ درَجاتِ الأدوية المفردة " . وقد اختصرَ المترجمُ مادةَ الكتابِ فأسقطَ ما اتَّصَل بالتسمياتِ والماهيات، على انّه قد انتحل الكتابَ وادَّعاه لنفسه مثلمَا فعل بكتبٍ أخرى لابن الجزار ؛ والترجمةُ الثانية قـامَ بها اصطفن السَّرقُسطي في اسبانيا في القرنِ السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) بعنوان "Liber Fiduciae de Simplicibus medicinis" ، وهي ترجمةّ مختصرة أيضا لكنها أوْفَى من الترجمة الأولى . وأمّا الترجمة العبريةُ فقد قام بها في القرن السابع الهجري طبيبٌ يهوديٌّ اسمه موسى بن طبّون، وليس لنا بهذه الترجمة من العلمِ الآن ما يمكّننا من الحديثِ عنها (78) . د ـ في أبْدَال الأدوية : الأبْدَالُ جمْع بَدَل، والدواءُ البدلُ هو الدواءُ البديلُ الذي يقوم مقامَ دواءٍ آخر إذا احْتِيجَ إليه ولم يُوجَدْ، والأبدالُ يَحْتاجُ إليها الصيدلانيُّ في تركيبِ الأدوية، ويحتاجُ إليها الطبيبُ في وصف الأدْوية لمرْضاهُ . وقد نبّه أبو الريحان البيروني في مقدّمة كتاب الصيدنة إلى أهمية "التبديل" في الصيدلة، وقسّمه إلى تبديلٍ في النوع، وتبديل في الجنْس:" أمّا الذي في النّوع فهو أنّ الأشياءَ تختلفُ في معادنها ومنابتِها بحسب التُّرْبِ والماء والهواء ، وتتَبَايَنُ بالنِّيقَةِ (79) من جهةِ جَانيهَا ومُسْتَنْبِطها ومُقْتنيها، فتجودُ في بعضِ البقاع وتَرْدُؤ في بَعْضٍ . وللجيّدِ منها إلى رديئِه نسبةٌ ما في المشَاكلة، ولا يبلغ تَبَاعدُ ما بَيْنَهُما إلى مُضَادَّة ، فإنْ عُدِمَ جيّدُه كان ذلك الرديءُ أولى أن يبْدَل به وأحقَّ أن يُستعْمَل ولا يحْذَفَ أصْلاً (…) وكذلك يُبْدلُ البَرّيُّ والبستانيُّ أحدُهما بالآخر بعدَ التنْقيص و التزْييدِ في الكَمّيّة بحيثُ يُظنُّ معه التسَاوِي في القوة ، ولا يبعد إبدالُ الأجزاءِ بعْضِها ببعضٍ من أصْلٍ وساقٍ وغصُونٍ وأوْراقٍ وزهْرٍ وقشُورٍ وثمارٍ وبُذور وعُصَاراتٍ وصُمُوغٍ وَألبَان " (80) ؛ وإذن فإنّ القسم الأوّل من الإبدالِ هو إبْدالُ نوعٍ من النباتِ أو جُزءٍ منه بنوعٍ آخرَ منه أو جُزءٍ شبيهٍ من أجزاءِ النَّوع البَديل. وأمّا القسمُ الثاني من التبْدِيل وهو التَّبديلُ الذي يكونُ في الجِنس" فأنْ يُبْدَلَ للفائتُ بشيءٍ مُغايرٍ له بالشَّبَحِ مُشاركٍ إياهُ في شيءٍ من القوة المطلوبَة بعدَ إصْلاحِ ما عَسى أن يَكونَ فيه من قوّة لا تُوافقُ المطلوبة "(81) . فهو إذنْ إبْدالُ دواءٍ بدواءٍ آخرَ مخالفٍ له في الجنسِ دون أن يخَالفه في القوَّة إذ القوَّةُ هي المدْخلُ إلى اتخاذِ دواءٍ عِوَضًا عنْ دواءٍ آخرَ . على أنّ القدماءَ ـ وهمُ اليُونَانيُّون خاصّة ـ والمحدَثِين ـ وهم العَربُ والمسْلمون ـ لم يُولُوا الأَبْدالَ العنايةَ الكافيَة .فإنّ التّبديلَ يكونُ إمّا في الصيدلة وإمّا في الطبّ ، فيُبدَلُ نوعٌ من دواءٍ مَّا بنوعٍ آخرَ منه أو يُبْدَلُ جِنسٌ من الأدويةِ بجنسٍ آخرَ منها إمّا في الترْكيبِ وإمّا فيِ العِلاَج . وقد ألْفَ القُدماءُ والمحدَثون في الإبْدال لكنّهم لـمْ يُعيّنوا حسَب البيروني موْضعَ البدل : "وقد أوْردَ القدماءُ والمحدَثون في الإبْدال شيئا غيرَ كاملٍ ولا كافٍ. وذلك أنّ في كلّ عقَّار قوًى كثيرةً يختَصّ بكلّ واحدةٍ منها شفاءٌ من علةٍ فيكثرُ النفعُ به من صنُوفِ عللٍ سَقيًا وتضْميدًا وطليْاً وتكْميدًا ونَطْلا وغَسْلاً وتَبْخيرًا . ففي بدله ما يقومُ مقامَه مثلاً في السّقْي وليْس فيه ما يُغْنِي عنه في الطلْيِ وغيرْه ، وكذلك الحالُ في كلّ وَاحدٍ من سَائرها . فواجبٌ على المبْدِل أن يُعيّنَ مَوْضِعَ البدَلِ أهُوَ في السّقْي أو الطلي أو غَيْرهما. وقليلٌ من القَوْم من اعتَنى بهذا الفَن ، فلذلك بَقِيَ غيْر مُحَصّل ولا مُكمّل" (82) . ولعّلّ ما يُؤيّد رأيَ البيروني في أنّ هذا المبحثَ قد بقيَ غَير محَصّل و لا مُكمّل قلةُ التأليفِ فيه. فإن القدماءَ ـ حسب ما نَعلَمُ ـ لم يخصّوه بالتأليفِ إذ لم يُنْسب إليهم إلاّ كتابَان : كتابٌ معروفٌ هو" أبْدالُ الأدْوية "لجالينوس ، و كتابٌ مشكوكٌ في نسبته عنوانُه " في أبْدالِ الأدوية المفْردة و الاشْجار والصُّموغِ والطين" لمؤلفٍ اسمُه بَدِيغورس (84) ، قَدْ أرادَ البعضُ أنْ يَرى فيه الفيْلسُوفَ الرّياضيّ اليونانيّ فيثاغورس (Pythagoras) الذي عاشَ في القرن السّادسِ قبلَ الميلاد (85) . وأمّا العربُ فقد كان حَظه بينهم أحْسنَ لأنَهم قد أفردُوه بالتأليفِ فوضعوا فيه كتبًا مستقلَّة وخَصّوه بالقَوْل في مؤلفَاتهم في الأدوية المفردة فجعَلوه رُكنًا مستقلاًّ يَرِدُ عادةً في آخر الحديث عن الدواء . لكنّ عنايتَهم به هم أيضا لم تبلغْ درجةَ عنايتِهم بالمباحثِ الثَّلاثة السّابقة أي الأسماءِ والماهياتِ والقُوى .فأمّا المؤلفاتُ المفْردةُ فقد ذكرَتْ لنا المصادرُ منها ستّة أُلّفَتْ بين النصفِ الثاني من القرْنْ الأوّل الهجريّ (السّابعِ الميلادي ) والنّصفِ الأوّلِ من القرْنِ الرّابع الهجْريّ ( العاشرِ الميلادي )، هي كتابُ "إبدال الأدوية وكيفيّة دقّها وإيقاعها وإذابتها " لتيادُوق (ت. حوالي 90 هـ/709م)(86) ، وفي كتابِ الاعتمادِ لابن الجزّار نقولٌ منه (87) ؛ وكتاب" أبدال الأدوية وما يقومُ مقام غيرها منها " لماسرْجُويْه البصريّ (88) ؛ وكتابُ " الأبْدال " ليوحنّا بن مـاسَويْه ( ت. 243 هـ/ 857 م ) (89) ، ومنه نُقولٌ في كتابِ الصيْدنَة للبيروني (90) ؛ وكتابُ " أبْدالِ الأدوية " لسَابور بن سَهْل (91) ؛ وكتابُ " أبْدال الأدوية " لأبي بكر الرازي (92) ، ومنه نقول في كتاب الصيدنة للبيروني(93) ؛ ثم كتاب"أبْدال الأدوية" لأبي جعْفر أحمد بن الجزّار(94) ، وقد جعله ابنُ رَسول الغسّاني ( ت . 695 هـ / 1296 م ) أحدَ مصَادِره في كتابه "المعْتَمَد " (95) . وأمّا جعْلُ العربِ للقوْلَ في الأبْدال رُكنًا من أرْكان الحديث في الأدوية المفردة فإنّ الأمثلة عليْه في مؤلفاتهم كثيرة ، منها ـ على سبيل المثال ـ أقوالُ ابن الجزار في كتابِ الاعتماد ، وابنِ سينا في الكتابِ الثاني من القانون ، والبيروني في كتابِ الصيدنة ، ويونُس بن بُكْلاريش (ت.بعد 500هـ/ 1106 م) في الكتابِ المستعيني في الطبّ ، وموْضوعه الأدوية المفردة ، والغافقي في كتاب الأدوية المفردة ، وابنُ البيطار في كتاب الجامع … إلخ ؛ بل إنّ من هؤلاءِ من عبّر في مقدّمة كتابه عن قصدِه إلى جعْل الأبْدال رُكْنًا من أرْكان الحديث في الدواء ، وذلك كانَ شأنَ ابن سينا وابن بكلاريش . فقد قسّم ابن سينا "التّعريف" بالأدوية إلى ستّة عَشرَ لوْحًا وكان " السّادسَ عشرَ في أبْدالها حيثُ لم يُوجدْ ما هو المقصودُ من الأدوية " (96) ، و "جَدْوَلَ " ابن بكلاريش حديثه في الأدوية فقسّمه إلى خمسة جدَاولَ يشتمل كلّ منها على ركنٍ قارّ من أركان التعريف، وقد خصص الجدْوَلَ الرابعَ ـ التالي لجدول التّسْميات ـ للأبدال : "جعلْتُ في إثرِ هذه الأسْماءِ الأبْدالَ منْها إذا عُدِمَتْ . وقلّ ما رأيتُها مجتمعة في كتابٍ من كتُب الأدوية المفردة بل رأيْتُ جُلّ هذه الكتبِ خالية عن ذلك . فذكرْتُ البدلَ على كلّ دواءٍ ، لأنّ الضرورةَ في هذا الموْضع مثل الضرورة في ذكر الأسْماءِ من بُطلانِ النُّسَخ والإقْعادِ عن تركيبها لأنّ كثيرًا ما تُعْدَمُ بعضُ الأدْوية في وقتٍ دُونَ وقتٍ وفي بلدٍ دون بَلدٍ فيكون ذلك سبباً مُوجباً لترْك العلاج" (97) . لكنّ هذه الكثرةَ لا تمنَع وجودَ بعض القضايا ، ونَخص منها بالذِّكْر : (1) أنّ علمَاءنا ـ عدا ابنَ بكلاريش ـ لم يعمّمُوا القولَ في الأبْدال ، فبدّلوا أدويةً دون أدوية. وقد يرْجع ذلك إلى اعتقادِهم بأن بعضَ الأدوية لا يقبَل الإبدال ، وأنّ من الأدوية ـ لشهرته ووجوده في كلّ مكان ـ مالا يُحْوِجُ إلى أنْ يُبْدل . (2) أنّهُم ـ عدا ابنَ بكلاريش أيْضًا ـ لـمْ يخُصّوا الأبْدالَ بمقدّمات نَظَرِيّة يبيّنُون فيها صلةَ الأبْدال بالصيدلة ـ وخاصة بتركيبِ الأدوية ـ والمواضعَ التي تكون فيها من المرَكَّبات ، وقوانينَ استعمال بعضها مَكانَ بعضٍ. وقد خصّها ابن بكلاريش بمقدمة " في العِلة التي دعَت الأوائلَ إلى إبدال العقاقير وكيف حَتىّ بلغوا إلى معرفة ذلك " (98) . وقد بيّن في هذه المقدمة أن الأدوية يقومُ بعضُها مقامَ بعضٍ إمّا بالنظر إلى فعلها بطبائعها ـ وهي كيفياتها والدرجاتُ التي تكون عليها فيها من الحرّ والبرد والرطوبة واليبوسة ـ وإمّا بالنظر إلى فِعْلها بخواصَّ تكون لها في جواهرها، أي بقواها. وقد توسّع بعْضَ التَوسّع في ذكرِ الأدوية التي تُبْدَلُ بالنظر إلى قواها، فأوردَ سبْعة عشرَ نوعًا ومثَّل لها (99) .وقد أكّدَ في هذه المقدمة صِلة الأبْدال بالصيدلة لأنّ مَدْخلَها إلى الاستعمال هو التركيبُ . ولكنّ ابن بكلاريش لم يتحدَّث في التركيبِ ومواضعِ الإبْدَال في المرَكْبَات : هل يكون البَدلُ في السَّقي أو التضميد أو الطلي أو التكميد أو النّطْل أو الغسْل أو التبْخير أو غيرها. ولم يشذَّ ابن بكلاريش في هذا عن غَيره من المؤلّفين في الأدْوية المفردة. (3) في الأدوية المركّبَة : الأدويةُ المركّبة كما رأينا من قبْلُ هي الأدويةُ التي خَلَطتْ بها الصنعةُ غيرها، فخَرجت من المفرد إلى المرَكّب ؛ وهي من أهمّ الأجزاءِ المكوّنة للطبّ والصيدلة : أمّا في الطبّ فللحاجة الكبيرة إلى المداواة بها، وأمّا في الصيدلة فلأنها مادّة العلمِ الأساسيةُ التي تقوم عليها "الصناعةُ الصيدْلية" التي نجد نتائجها في الكتب المسماّة بـ" الأقراباذينات". على أن لعلمائنا منها ـ من حيث هم أطباّءُ |