بيان تمهيدي عن الأعمال التحضيرية 
من أجل إقامة نظام للآداب الطبية الاسلامية

دكتور / إحسان. أ. كاراجاس

تكريما لمولاي رفيع المقام، معلمي دكتور
فر الدين نفيد أو ذلك، تخليدا لذكراه

 

الهدف من هذا العرض هو استعراض الخلفية التاريخية للطب وظهور الحاجة الكبيرة إلى إعادة صياغة الآداب الاسلامية ومنهاجها على أساس التطورات المعاصرة للشريعة والمعرفة الطية.
ولد محمد من عشيرة بني هاشم من قبيلة قريش عام 571 م، حيث كان العرب البدو يعيشون حياة ترحال وسط جو من عدم الاستقرار الديني والاجتماعي والعقائدي، وكان العالم البيزنطي ممزقا بسبب الانقسامات الدينية التي عمت العالم المسيحي وكانت فارس متجمدة فى وثنيتها في ظل الأسرة الحاكمة. ووسط هذا الأفق العقائدي نزل القرآن ونادى مقرا بالحقيقة الكونية- وحدانية الله والامتثال لأوامره. وأثناء عهد النبي كان ابن كلدة من الأطباء البارزين الذين تخرجوا من مدرسة جند يسابور، فخلال حياة النبي كانت مدرسة جنديسابور ا (طية المؤسسة الأولى في فارس للمعرفة حيث تتجمع فيها العلوم اليونانية والاسكندرانية والفارسية والهندية. ونجد في عهد النبي على الرغم من، القـيود التي كانت موجودة في مجال الطب، نجد نساء شهيرات اكتسبن مهارة نادرة في علم الصحة ومعالجة الجروح والإصابات، من بينهن رفيدة وأم عطية اللائى كن خبيرات، كذلك زينب من قبيلة بني أود وأسماء بنت أبى بكر التي كان لها شهرة طيبة ونبوغ.
و
إن هذا يعتبر تعظيما وإجلالا تاريخيا للمرأة المسلمة في مجال ممارسة الطب فلقد كان من غير العادي ظهور المرأة في تاريخ الطب الإسلامي، وفي رأي أنا لها مدلوها الخاص كصرح للسنة في الآداب الاسلامية. وهو يعني انه إذا كان الفن الطي يمارس بأسلوب التطبيق العملي الموروث وبالأساليب الفنية المنطقية فانه يكون مقبولا بالإجماع، وهذا هو إجماع للأطباء والمفكرين  المسلمين بغض النظر عمن يكون قد أنجزه سواء كان رجلا أم امرأة، مزمنا أم كافرا، وكان هذا مقبولا عند النبي واجماع المجتمع الإسلامي الأصلي الأول. "وهذا فيما اعتقد أحد المنابع الأصلية للروح الإنسانية الاسلامية في الطب.

ونلاحظ في القرن السابع الميلادي بداية تكوين الحضارة الاسلامية وذلك في تطور روعة قباب المساجد وفي المكتبات ومراكز التعليم، وكذلك في المستشفيات الخيرية حيث كان المؤمن يستعيد صحته في دار الإسلام. وفي طريق المدنية المنورة وجدت مستشفيات مسلمة رائعة مثل مسجد الجامع ومدارسه، وكانت قد أقيمت كمعاهد مدنية لتنمية فن الطب، وفي المدارس كان علم الكلام هو المحرك الرئيسي لعلوم الشريعة بوجه عام وعلم الأخلاق بوجه خاصة.

وقد أقيم أول مستشفى في الإسلام (البيمارستان) في عهد الأمويين. وكانت مستشفيات العصور الوسطى الشهيرة هي بيمارستان المقتدري والسيدة في بغداد، وبيمارستان ابن طولون والداودي في القاهرة، ومستشفى السلطان نور الدين  دمشق ومستشفى السلطان صلاح الدين من الأسرة الحاكمة الأيوبية. وجدير بالذكران مستشفى مراكش كان يعتبر لا مثيل له في ذلك الوقت في القرن الثالث عشر. 
وكانت المستشفيات في الأوقاف الاسلامية أماكن تدل على عظمة الخلفاء حيث كانت مراكز صحية خيرية وإلى جانب إنها كان كانت كذلك  لها مهابتها كأماكن للشفاء. والأهم من كل ذلك إن المستشفى كانت بالنسبة للمؤمن مكانا للتطهر حيت أن الصحة كانت النصف المكمل، للإيمان، وكانت المستشفيات تصمم حدائقها وأفنيتها ونافوراتها جنبا إلي جنب مع تصمم البناء  والأقسام الطبية كي تعكس  الشكر العميق لله من جانب رعايتها- وكان فن الطب في البيمارستان هو تحقيق الأبعاد الداخلية للمسلم أخلاقيا ودينيا وكذلك طبيا. وكانت المهارات في سلوك هذا الفن في تلك المؤسسات من أمور الحياة المعتادة وقمة التدرج الأخلاقي للوحدة الرمزية في محيط وواقع الزمالة.

ومع تطور العمل بالمستشفيات فان الأطباء المسلمين قد أدمجوا إدراكهم لاداب الطب ضمن الهيكل المنهاجي  لاحظوا من خلال تجاربهم مع المرض حقيقة تحول الإنسان إلى شخص مريض فقد اعتبروا في عملية تحول الإنسان إلى مريض إن التغيير الأصلي يصيبه  ككل بلا تمييز وهذا ما كان يطلق عليه قديما تغير الأنا العليا للالسان.

وتبعا للمفهوم القرآني فان الله ذا الأسماء والصفات الحسنى يعامل الإنسان بهذه الصفات الحسنى، وبالتالي فان المسلمين يتصورون انه يجب على الطيب أن يتعامل مع الإنسان بمفهوم أخلاقي وكان هذا وجهة السلوك في هذا الفن جنبا إلى جنب مع العدالة والصلاح. وان عمل الخير تبعا للمبدأ الأخلاقي يستلزم معرفة أصول الطب وفهم التعاليم الإلهية التي تلهم للإنسان في اتخاذ قراره وكمعيار للسلوك في هذا الفن.

هذه الطيعة المزدوجة للآداب الأخلاقية ذات الشقين كانت في روعتها الضوء الحساس العظيم للحياة الذي ينبعث من داخل الإنسان. وباعتبارات منهجية سليمة يمكن اعتبار التعاليم القرآنية قد جاءت ليس للعبادات فحسب وانما أيضا تطويرا للحضارة والمدنية.

والإنسان في المجتمع الإسلامي كمخلوق إجماعي سواء كان سليما أم مريضا فهو متدين ومتخلق بعظيم الأخلاق في نفس الوقت.

وبالنظر إلى رسالة النبي من الناحية الأخلاقية، فقد أشار إلى انه أرسل بالوحي الآلي كي يبين المعاني الأخلاقية للسلوك الإنساني.
وبهذه الأوليات الأخلاقية وكي نتفهم أركان الدين بمعناها في الإسلام وهي الإيمان بالله والحياة الآخرة بعد الموت ويوم الحساب العظيم، وهذا هو جوهر الإنسان السامي للوحدة بين الإرادة الإلهية وإرادة الإنسان. إنها الإرادة الكونية للحب والعيش القائمة على قوة التوحيد وثباته مما يعطي الحياة والنور للكيفية الروحية للإنسان.

إن طريق الحياة الاسلامية للامة في هذه الفترة الحاسمة من الفهم كانت بالتالي تحولا من المدنية إلى الإنسانية وبالطبع فان هذا يتطلب تطوير نظام شامل للفرد والحياة العامة للقبائل العربية في الأراضي المقدسة خلال تلك الفترة في العصور الوسطى.
ونلاحظ عندئذ ظهور الأطباء، حيث يمارس الطبيب تطوير فن مهنته في ضوء المفاهيم الأخلاقية والدينية فى القرآن. وعلى ذلك فان تيار التقدم في الآداب الطبية في الإسلام قد وجد في القرآن الكريم منبعا ملهما، وكذلك كانت السنة العملية والأحاديث كما كانت الشريعة وأصول الفقه مصدرا آخر.
وقد شهد القرن التاسع الإسلامي بحثا علميا في آداب الطب العربي وهو ذلك المؤلف البارز إسحاق بن على الرحاوي " آداب الطيب ".

ومع التقدير الخاصة لمخطوط آداب الطبيب. فإنني آمل أن استعرض الآداب العلمية للطيب المسلم بالنسبة لاثرها على تاريخ الطب الإسلامي، وعلى الرغم من أن الآداب الطبية كانت موجودة من قبل في صورة أولية ضمن العادات في الحياة القبيلة في العالم العربي إلا إنها بدأت في القرن التاسع الإسلامي كدراسة منهجية من خلال الأبحاث العظيمة كآداب مهنة الطب للرحاوي الذي يعد كتابا شاملا ومنتقى في الآداب الطبية ، وهو يشمل  نطاقا واسعا من الاهتمامات الأدبية مثل ولاء الطبيب وإيمانه كرامة مهنة الطب  برنامج التدريب الطبي ومنهج الاختبار ، رعاية الطبيب نفسه كي ينمي روحه وأخلاقياته وتوصياته للمرضى وخدمهم وزائريهم.
إن الهدف من هذا الملخص الأخلاقي هو الحفاظ على المستوى  العالي لمهنة الطب في ظل التوجيه الإلهي وهو كما يشير مؤلفه ( لتقوية روح الطبيب في اتجاه الحق وينمي شخصيته من الناحية الأخلاقية ) والنسخة الفريدة من هذا المخطوط موجودة في مكتبة السلطان سليمتان الأعظم ( استنبول ) رقم 1658

ويبدو البحث انه من وحي العقيدة الاسلامية، وقد اقتبس المؤلف - الرحاوي-من أراء جالينوس  في كتابه عن آراء ابقراط وأفلاطون  كذلك اقتبس  من كتاب الرازي " كتاب الطب الروحاني "، وقد أكد الرحاوي على العلاقة المتبادلة بين الطيعة الروحية والبدنية. وهو يرى، بوضوح من خلال كتاب السير الفلسفية أن الإيمان هو المطلب الفلسفي الأول وذلك مع الباعث والروح والإرادة الحرة ويرى في رسالة الأطباء تشابها بتلك التي جاء بها الرسل ( أنه تعليم لا يقوى عليه العقل وحده ) وقد أعطى تصورا لطبيب المخلص كما أعطى تفاصيل عن حياته الشخصية وقراءاته وحكاياته مع مرضاه.

في هذا العرض المجمل يمكن وضع الأفكار الهامة المتواترة بانتظام في الطب جنبا إلى جنب  مع علوم الطب الحديث.  وفي رأيي أن هذا هو السبب الجذري لموقف العظيم الخطورة الذي صعب التنبؤ به للطب العربي ليوم.

وهنالك، فان المشاهد إن الطب في العالم وهو عام أبواب التقدم الحالي ابتداء من قاعدته اليونانية إلى ما هو عليه الآن من تفريعات تكنولوجية يتطلب كما نرى الآن تقويما نقديا وإنسانيا لآدابه على النطاق الإقليمي والعالمي.
وفي لطريق العريض نحو الهدف السابق الإشارة إليه، وبغية يقظة الإسلام وسط التعايش السلمي للكيانات القومية المتشعبة وذلك بوجه عام وللإنسانية المتوارثة للطب الإسلامي بوجه خاصة، فإنني اعرض إعادة تقويم الأساس العقائدي بما يكون أكثر تناسبا للتنظيم المنهجي للطب الإسلامي.
وفي الختام، فانه قد يكون من المناسب أن اشرح جدلا بان التقدم الحضاري للمجتمع الغربي يكمن في نظامه الاقتصادي المحدد والسياسي الواقعي، بينما يتطلب المذهب العقلي سواء في تكوينه الروحي كما في المذاهب الدينية أو في تحديده المادي كما في العلوم التجريبية يتطلب اتفاقا. عالميا وإجماعا من المجتمع الإنساني للحفاظ على الجوهـرالاساسي  للحقيقة الإنسانية التي هي المثالية التي يسعى إليها الإسلام. 

وفي ظلال هذا الوجود غير الواقعي فإننا نرى الأمل في الأخلاق والآداب الاسلامية.

أولويات آداب الطب الإسلامي والأطباء المسلمين.

يعتبر الطب الإسلامي تراثا نافعا للحضارة الغربية فهو فن علاجي وعلم للخير الروحي والبدني للإنسان وذلك بفضل ارتباطه الفطري بالإرادة الإلهية وبالإنسانية. العالمية ولسمو آدابه وأخلاقياته.
فالطب، الإسلامي كفن هو مجموعة من المؤلفات العبقرية للأطباء  المسلمين على امتداد مجرى التاريخ، وهو كعلم يهدف إلى البحث الموضوعي في التفسيرات والمعارف للعلوم  الطبية ومنهاجها وممارستها.
إذ الطبيب؟ المسلم يكون مقيدا في عمله بقوانين الإدارة الحرة في ضوء الحدود الواضحة المعالم للمبادئ الأخلاقية الدينية حسبما جاء في القرآن والحديث وعلى ذلك فإن الطبيب المسلم يعتقد بقدسية الحياة والصحة حيث يؤمن بأن الروح تسري في دم الإنسان وجسده .
وإنه ليس  من الممكن صنع تلك الحقائق بواسطة عوامل اقتصادية في الدول الإسلامية ومستشفياتها ومعاهدها الطبية فإنه حسب الطبيعة الإلهية والعدالة والسيادة التامة فإن حياة الإنسان وصحته مثل العقيدة والعدالة هو أولويات كونية . إن المجتمع قد وجد كي يبقى على حياة الإنسان ورفاقه من البشر وإن المجتمع الإسلامي ومؤسساته الطبية في مرحلته يجد منابعه الأصلية في تأسيس الدولة والمسجد والمستشفى الخيري لخدمة الإنسان . 
        وبالنظر إليه هكذا من خلال العقيدة فإن الطبيب المسلم يعتقد أصلا في سمو الحقيقة والعدالة وفير خير الدولة وفي الجانب الإنساني للمساجد ولهذه الأسباب ذاتها فإنه يكون قد بلغ جوهر الحالة المثالية الرفيعة لذلك الفن الذي يبث الحياة في مجتمع الخير الأسمى فهو يؤمن بالأخلاقيات المستقلة للطب وواجب الدولة الخطير الذي عليها أن تقوم به تجاه ذلك.

الرئيسية التالية:-

ا- تنظيم المؤسسات  الطبية في ضوء العقيدة وبواسطة الأجهزة المنظمة أي التعليم الطبي الحر والمستشفيات الخيرية وضمانات موحدة للرفاهية والصحة.
2- الحفاظ عام المهنة بحيث تستخدم سجلاتها التاريخية وسجلاتها الصحية بطريقة سليمة مع مؤسساتها العلمية والتكنولوجية. 
3- الحفاظ على  قيمة الأفكار الرئيسية المتكررة في الطب والتي يطلق عليها ذاتية الآداب الطية وتشريعاتها الطية وكذلك الإنسانية الطبية. وتحدد العادة والتقاليد في أصول فقه الطب الإسلامي أن يحرم التالي:-
أ- تعجيل موت المريض لإراحته من آلامه، تحديد النسل، الانتحار، قتل الوليد، ألاجها، العقم، هندسة الوراثة تحويل الجنس. 
2- العمليات الطبية والتدخلات التي قد تغير ذاتية الإرادة الحرة أو العقل مثل الجراحات السيكولوجية والصدمات الكهربائية، وهزأت الأنسولين، والتنويم المغناطيسي بحقن الوريد الكيميائي، والأدوية المميتة.
3- التدخلا ت التشخيصية المتشعبة والعلاجية والبحثية التي تحط من كرامة وكينونة الإنسان سواء تمت سعيا وراء البحث العلمي أو لأغراض سياسية أو إدارية أو عسكرية.
4   - يحرم الشراء والبيع في المهنة الطية "الجسم الإنساني وأعضائه ودمه.
إن الطيب المسلم هو إنسان مثقف يتمتع بالنية الطيبة وهو يؤمن في خضوع وتصميم بالمهمة العظيمة للطب في العديد من الطرق المختلفة

والطبيب المسلم بصفاء مقاصده وإنسانيته فإن خدماته ومكافآته تكون في مواهب الحياة المهنية، فهو يؤمن  بمهنته ويثق في فنه  ، وان نظرياته وتعليما ته ووصفاته الطية ليست لصالحه وكذلك التكنولوجيا المتقدمة في هذا الفن، فالنظر إلى الإنسان يكون من خلال الإيمان الصادق والصدق  في العقيدة سواء في  حالة الصحة أو المرض أمر له  مهابته بالنسبة له، فهو يعتقد في  تصنيف المراض وفي الكيان المستقل للمرض وكذلك يؤمن بأن الإنسان يصاب بالمرض . 
 وهو في تفوقه في هذا الفن يستطيع قطعا أن يميز بين الإنسان المريض العاجز الذي يستحق العون الصحي والخيري وبين الإنسان الذي يدعى المرض جريا وراء العون والمساعدة.
والأهم من كل شئ أن الطبيب المسلم نمجده في أعماق تكوينه يحيا متفوقا مع فنه كما يعيش إنسان آخر فهو يتقبل الحياة في سبيل تفوق علمه فيعطيه العلم  ما لا  يدركه العقل عمن الأمراض ورغم ما يكون تناقض المبادئ فإن الطبيب المسلم في ظل حياة السببية يتصور معنى الحياة على أنه وريث هذا الغموض.
لعل السلام والطمأنينة يحلان على المريض وأن يؤمن الطبيب المسلم بالطب الإسلامي .