|
أقل
مدة الحيض والنفاس والحمل وأكثرها للدكتور
/ عمر سليمان الأشقر كلية
الشريعة ـ جامعة الكويت أهمية
البحث في هذا الموضوع الحيض
والنفاس من الأمور العامة المتكررة ، وقد
صح في كتب السنة أن الرسول صلى الله عليه
وسلم دخل على عائشة في حجة الوداع ،
فوجدها تبكي بسبب حيضها وخشيتها أن يؤثر
ذلك في حجتها ، فقال لها معلما ومواسيا :
" إن هذا أمر كتبه الله على بنات آدم ،
فاقضي ما يقضي الحاج ، غير أن لا تطوفي
بالبيت " . وقد
رتب الشارع على الحيض والنفاس أحكاما
كثيرة مهمة . فقد
منع الشارع الحائض والنفساء من الصلاة
والصيام والطواف ، كما حرم عليهما المكث
في المسجد ، ويرى كثير من أهل العلم أنه
حرم عليهما أيضا مس المصحف وقراءة القرآن
. وحرم
على الزوج أن ينكح زوجته إذا كانت حائضا
أو نفساء ، كما حرم عليه أن يوقع الطلاق
أثناء فترة الحيض والنفاس . وجعل
الشارع الحيض علامة دالة على البلوغ ،
وجعل عدة المرأة التي تحيض ثلاثة قروء ،
وأوجب على الحائض والنفساء الغسل إذا
انقطع دمهما . ولما
كانت مدة الحيض والنفاس عند النساء ليست
واحدة ، بل هي متفاوتة تفاوتا كثيرا ، أضف
إلى هذا أنه قد يصيب بعض النساء دم غير دم
الحيض بسبب علة أو نزف ـ فإنه أشكل على
كثير من أهل العلم تحقيق في مدة الحيض
والنفاس ، وكثر الخلاف بينهم في هذه
المسألة ، و في بعض المسائل الأخرى التي
تتعلق بالحيض والنفاس ، وهذا الخلاف يسبب
إشكالات عويصة للنساء ، ذلك أن بعض
الفتاوى الصادرة عن بعض أهل العلم لا
تكون موافقة للحق وتكون مرهقة للنساء، ثم
إن تضارب الفتاوى يوقع النساء في حرج
شديد . وسيرى
المطلع على هذا البحث أن تحقيق الحق في
هذه المسائل غير منصوص عليه في الكتاب
والسنة ، وإنما ترك الشارع معرفته إلى
العلم بطبيعة عادة النساء في حيضهن
ونفاسهن وحملهن . وما
دام الأمر يتعلق بمعرفة الواقع ، فإنني
أزعم أننا في هذا العصر أقدر على معرفة
واقع النساء ، لقد كان الفقيه في الماضي
يرجع إلى الواحدة من نسائه أو قريباته ،
أو إلى ما ينقل له من أخبار النساء ،
فيبني عليه الحكم ، وإذا رجع آخرون إلى
أقوال الأطباء ، فإن نتائج الأبحاث
العلمية ـ في هذا المجال ـ لم تكن نضجت في
تلك الأيام . إنني
أقدر ـ في هذه الأيام ـ على التعرف على
الحق في هذه المسائل لما نراه من تقدم
علمي استطاع أن يصل إلى تحديد الأمور وفق
ما هي عليه في كثير من الأحيان ، ولأن
استقراء أحوال النساء في المسائل
المبحوثة أصبح أكثر دقة ، لأن هذا
الاستقراء يمكن أن تقوم به مؤسسات تخضع
له قطاعا كبيرا من النساء في مختلف
الأقطار . إنني
أعلم أن بعض الفقهاء أصابوا الحقيقة فيما
توصلوا إليه ، فالأمة معصومة من الإجماع
على باطل ، ولكننا ـ اليوم ـ نملك إظهار
الحقائق التي تزيل الخلاف . ولذا
فإن الفقهاء يتطلعون إلى معرفة ثمرات
العلم ، ونتائج الأبحاث في هذه المسائل
الأربع التي توصل إليها الأطباء
الباحثون في هذا المجال ، وهي : 1
–
أقل مدة الحيض والنفاس وأكثر مدتهما . 2
–
مدى إمكان حيض المرأة أثناء فترة الحمل . 3
–
السن الذي يمكن أن تحيض فيه المرأة .
والسن الذي يتوقف
فيه الحيض (سن اليأس) . 4-
أقل مدة للحمل . وأكثر مدة له . وهذا
البحث يلقي أضواء على مذاهب الفقهاء
واجتهاداتهم والأدلة التي استندوا إليها
في هذه المسائل الأربع ، والله الموفق
للصواب . تعريف
الحيض والنفاس الحيض
مصدر حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا فهي
حائض ، إذا جرى دمها وسال ، قال المبرد :
" سمي الحيض حيضا من قولهم : حاض الوادي
إذا فاض ، وحاضت السمرة إذا سال منها شبه
الدم ، وهو الصمغ الأحمر " . قال
الأزهري : "والحيض دم يرخيه رحم المرأة
بعد بلوغها في أوقات معتادة " . وأصل
الكلمة كما يقول القرطبي ـ مأخوذ من
السيلان والانفجار ، يقال : حاض السيل
وفاض ،وحاضت الشجرة أي : سالت رطوبتها
،ومنه الحيض ، أي الحوض ، لأن الماء يحيض
إليه ، أي يسيل ، والعرب تدخل الواو على
الياء ، والياء على الواو ، لأنهما من حيز
واحد ، قال ابن عرفة : " المحيض والحيض
اجتماع الدم إلى ذلك الموضع ، وبه سمى
الحوض لاجتماع الماء فيه " . والتعريف
الاصطلاحي للحيض لا يختلف عن التعريف
اللغوي ، فكلاهما يعرف أمرا مشاهدا
معروفا ، يقول صاحب " نيل المآرب "
الفقيه الحنبلي في تعريفه : " وهو دم
طبيعة وجبلة ، يخرج مع الصحة من غير سبب
ولادة في أوقات معلومة " وعرفه
الكاساني الفقيه الحنفي بقوله : "
الحيض في عرف الشرع اسم لدم خرج من الرحم
لا يعقب ولادة ، مقدر بقدر معلوم في وقت
معلوم " . وعرفه
صاحب موسوعة إبراهيم النخعي بقوله : "
هو دم ينفضه رحم امرأة بالغة ، لا داء بها
و حبل ، ولم تبلع سن اليأس " . ودم
الحيض متميز بلونه ورائحته ، ففي الحديث
الذي يرويه أبو داود والنسائي عن فاطمة
بنت أبي حبيش أن الرسول صلى الله عليه
وسلم قال : " إذا كان دم الحيضة ، فإنه
أسود يعرف " . ومراده بـ ( يعرف ) أي
تعرفه النساء ، وقد روى الحديث بكسر
الراء ( يعرف ) : أي له رائحة تعرفها السناء
. وقد
زعم بعض الفقهاء أن دم الحيض دم فساد ،
وأنكر ذلك المحققون منهم ، يقول ابن مفلح
الفقيه الحنبلي : " وليس هو بدم فساد ،
بل خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته ،
فإذا حملت انصرف بإذن الله إلى غذائه ،
فإذا وضعته قلبه الله بحكمته لبنا يتغذى
به ، ولذلك قلما تحيض المرضع " . وإذا
خرج الدم من المرأة بسبب علة أو نزف ،
فإنه لا يكون حيضا ،ومن العلماء من يقسم
هذا النوع من الدم إلى قسمين : الأول : دم
فساد ، والثاني : استحاضة . ومن
هؤلاء الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى
، فإنه يرى أن ما تراه الفتاة من دم قبل
إتمامها تسع سنين ، فإنه دم فساد ، ولا
يقال له استحاضة . والذي
عليه الأكثرون أن كل ما ليس بدم حيض ولا
نفاس فهو دم استحاضة ، قال النووي في "
الروضة" : " الاستحاضة تطلق على كل دم
تراه المرأة غير دم الحيض والنفاس ، سواء
اتصل بالحيض المجاوز أكثره أم لم يتصل ،
كالذي تراه لسبع سنين مثلا ، وقد يطلق على
المتصل به خاصة ، ويسمى دم فساد . ويجعل
كثير من الفقهاء الذين حددوا لأقل الحيض
والنفاس وأكثرها مقدارا معينا من الأيام
ما زاد عن أكثر الحيض والنفاس وما نقص عن
أقلهما استحاضة ، يقول القرافي الفقيه
المالكي : " الاستحاضة ما زاد على الدم
المعتبر حيضا " . وقال
الأزهري في التفريق بين الحيض
والاستحاضة : " الحيض دم يخرج من قعر
الرحم ،ويكون اسود محتدما ، أي حار كأنه
محترق ، والاستحاضة : دم يسيل من العاذل ،
وهو عرق فمه الذي يسيل في أدنى الرحم دون
قعره " ، وقال الهروي وغيره من أهل
اللغة : " الحيض دم يخرج في أوقاته بعد
بلوغه ، والاستحاضة دم يخرج في غير
أوقاته " . وقد
قال الرسول صلى الله عليه وسلم للمستحاضة
التي استفتته عن أمرها : " إنما ذلك عرق
وليس بالحيضة " رواه البخاري والنسائي
وأبو داود . ومن
المقرر في الشريعة أن الاستحاضة لا تمنع
ما يمنع منه الحيض والنفاس . والنفاس
ولادة المرأة إذا وضعت فهي نفساء ،
وأطلقت العرب اسم النفساء على الوالدة
والحامل والحائض . وعرف
الفقهاء النفاس بمثل قولهم : " هو دم
يرخيه الرحم للولادة وبعدها إلى مدة
معلومة ، وهو بقية الدم احتبس في مدة
الحمل لأجله ، وأصله لغة من التنفيس ، وهو
الخروج من الجوف ، أو نفس الله كربته ، أي
فرجها " . ولا
يشترط الفقهاء أن تكون الولادة بعد تمام
مدة الحمل حتى يكون نفاسا ، فقد قرر فقهاء
الشافعية أنه يستوي في حكم النفاس خروج
الولد كامل الخلقة أو ناقصا، وخروجه حيا
أو ميتا ، وخروجه متخلقا أو غير متخلق ،
بأن تلقيه نطفة أو علقة إذا قال القوابل :
‘نه مبتدأ خلق آدمي . ويرى
فقهاء الحنابلة أنه لا يكون نفاسا إلا
إذا رأت الدم بعد وضع شيء يتبين فيه خلق
الإنسان ، فإن كان الملقي نطفة أو علقة
فليس بنفاس ، ولهم في النطفة التي لم
يتبين فيها شيء من خلق الإنسان إذا
ألقتها المرأة وجهان . اقل
مدة الحيض وأكثره قال
طائفة من أهل العلم منهم الإمام مالك
رحمه الله تعالت : ليس لأقل الحيض حد
محدود ، ومضى على هذا القول فقهاء
المالكية وابن حزم الظاهري ، وهو مروي عن
أبي يوسف . وذهب
الإمام الشافعي والإمام أحمد ـ رحمهما
الله تعالى ـ إلى أن أقل الحيض يوم وليلة
، وقال بهذا القول عطاء وأبو ثور . وذهب
الثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد إلى
أن أقله ثلاثة ايام . وذهب
فريق من أهل العلم إلى أنه لا حد لأكثره ،
ويعزي هذا القول إلى الإمام مالك رحمه
الله ، وقد حكى عنه الماوردي قولين آخرين
: الأول : خمسة عشر يوما
. وقال بهذا القول الإمام الشافعي ،
وهو المذهب المشهور عند أصحابه ، وهو قول
عطاء وأحمد وأبي ثور . والقول
الآخر لمالك أنه سبعة عشر يوما ، وقال
بهذا القول الإمام أحمد في روايته عنه ،
وهو مذهب ابن حزم رحمه الله تعالى . قال
القرطبي : "مذهب مالك وأصحابه أن الحيض
لا يكون أكثر من خمسة عشر يوما ، وقد
روى عن مالك أنه لا وقت لقليل الحيض ولا
لكثيرة ، إلا ما يوجد في النساء ، فكأنه
ترك قوله الأول ورجع إلى عادة النساء "
. أقل
مدة النفاس وأكثره قال
ابن رشد في " بداية المجتهد " : "
اختلفوا في أقل النفاس وأكثره ، فذهب
مالك إلى أنه لا حد لأقله ، وبه قال
الشافعي ، وذهب أبو حنيفة إلى أنه محدود ،
فقال أبو حنيفة : هو خمسة وعشرون يوما ،
وقال صاحبه أبو يوسف أحد عشر يوما ، وقال
الحسن البصري : عشرون يوما . وأما
أكثره فقال مالك مرة هو ستون يوما ، ثم
رجع عن ذلك فقال : يسال عنه النساء ،
وأصحابه ثابتون على القول الأول ، وأكثر
أهل العلم من الصحابة على أن أكثره
أربعون يوما ، وبه قال أبو حنيفة " . قال
النووي رحمه الله تعالى : " المشهور من
مذهبنا ( مذهب الشافعية ) أن أكثره ستون
يوما ، وبه قال عطاء والشعبي والعنبري ،
والحجاج بن أرطأه ، ومالك وأبو ثور وداود
، وقال ابن المنذر : وزعم ابن القاسم أن
مالكا رجع عن التحديد بستين يوما ، وقال
: يسأل النساء عن ذلك . وذهب
أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومن
بعدهم إلى أن أكثره أربعون ، كذا حكاه عن
الأكثرين الترمذي والخطابي وغيرهما . قال
الخطابي وقد سار على هذا جماعة الناس
،وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وابن
عباس وعثمان بن أبي العاص ، وعائذ بن
عمروا ، وأم سلمة والثوري وأبو حنيفة
وأصحابه وابن المبارك وأحمد وإسحاق وأبي
عبيد رضي الله عنهم . وحكى
الترمذي وابن المنذر وابن جرير وغيرهم عن
الحسن البصري أنه خمسون. وقال القاضي أبو
الطيب : قال الطحاوي : قال الليث :قال بعض
الناس : إنه سبعون يوما . قال
ابن المنذر : وذكر الأوزاعي عن أهل دمشق
أن أكثر النفاس من الغلام ثلاثون يوما
ومن الجارية أربعون . وعن الضحاك أكثره
أربعة عشر يوما ، وقال ابن حزم : سبعة عشر .
وأقل
النفاس عند الشافعية مجة ، قال القاضي
أبو الطيب : به قال جمهور العلماء ، وهو
مذهب مالك والأوزاعي
وأحمد وإسحاق . وعن
أبي حنيفة ثلاثة روايات أصحها مجة كمذهب
الشافعية ، والثانية أحد عشر ، والثالثة
خمسة وعشرون . وحكى
الأوزاعي عن الثوري أقله ثلاثة أيام ،
وقال المزني : أقله أربعة أيام . الأدلة
ليس
في الكتاب والسنة دليل على التحديد : احتج
بعض الفقهاء على التحديد لأقل الحيض
وأكثره بنصوص من السنة ، وما احتجوا به لا
يصح للاستدلال ، لأن النصوص التي احتجوا
بها إما أن تكون صحيحة ، ولكنها غير دالة
على ما ذهبوا إليه ، وإما أن تكون صريحة
في الدلالة على المطلوب ، ولكنها غير
صحيحة . فمن
القسم الأول ما استدل به الحنفية على أن
أقل الحيض ثلاثة أيام حديث البخاري الذي
قال الرسول صلى الله عليه وسلم فيه
لفاطمة بنت أبي حبيش المستحاضة : " دعي
الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها
، ثم اغتسلي وصلي " . ووجه
استدلالهم بالحديث أن " الأيام " في
قوله : " دعي الصلاة أيام .. " جمع ،
وأقل الجمع ثلاثة . والسبب
في عدم صحة استدلالهم بالحديث أن هذه
المرأة التي أمرها الرسول صلى الله عليه
وسلم بما أمرها به كانت مستحاضة معتادة ،
فردها إلى الأيام التي اعتادتها . ولا
يلزم من هذا أن كل حيض لا ينقص عن ثلاثة
أيام . ومن
القسم الثاني : وهو النصوص الصريحة
ولكنها غير صحيحة ، ما احتج به الحنفية
على أقل الحيض وأكثره وهو الحديث الذي
رواه أبو امامة الباهلي ـ رضي الله عنه ـ
عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال :
" أقل ما يكون الحيض للجارية الثيب
والبكر جميعا ثلاثة أيام ، وأكثر ما يكون
من الحيض عشرة ايام ، وما زاد فهو استحاضة
" . وبما
روي عن جماعة من الصحابة ـ رضي الله عنهم
ـ منهم ابن مسعود ، وأنس بن مالك وعمران
بن حصين أنهم قالوا : " الحيض ثلاث ،
أربع ، خمس ، ست ، سبع ، ثمان ، تسع ، عشر
" . وهذه
نصوص غير صحيحة ، ضعفها أهل العلم
بالحديث ، وقد بين ابن قدامة ضعف رواتها ،
وما قاله علماء الحديث فيهم . فالحديث
الذي يرويه أبو أمامة قال فيه : حديث ضعيف
، يرويه محمد بن أحمد الشامي ، وهو ضعيف ،
عن حماد بنا المنهال ، وهو مجهول ، وحديث
أنس يرويـه الجلد بن أيوب وهو ضعيف . وقال
ابن عيينة فيه : وهو محدث لا أصل له ، وقال
أحمد في حديث أنس : ليس هو شيئا ، هذا من
قبل الجلد بن أيوب . قيل : إن محمد بن إسحاق
رواه . وقال : ما أراه سمعه إلا من الحسن بن
دينار ،و هو ضعيف جدا . وقد
احتج بعض الشافعية على أن أكثر الحيض
خمسة عشر يوما بحديث : تمكث إحداكن شطر
دهرها لا تصلي " . وهذا
حديث ضعيف ، قال الحافظ ابن حجر في تخريجه
: " قال الحافظ أبو عبد الله بن منده
فيما حكاه ابن دقيق العيد في " الإمام
" عنه : ذكر بعضهم هذا الحديث ، ولا يثبت
بوجه من الوجوه . وقال البيهقي في :المعرفة " : هذا حديث يذكره بعض
فقهائنا ، وقد طلبته كثيرا فلم أجده في
شيء من كتب الحديث ، ولم أجد له إسنادا ..
" وانظر تمام كلامه عليه في " تلخيص
الحبير" . وقال
النووي في هذا الحديث : " حديث باطل لا
يعرف " . ولذا
فإن العلماء الذين لهم باع في علم الحديث
صرحوا بأنه : " لم يأت في تقدير أقل
الحيض وأكثره ما يصلح للتمسك به ، بل جميع
الوارد في ذلك إما موضوع أو ضعيف لمرة "
. وقال
صديق حسن خان في " الروضة الندية " :
" لم يأت في تقدير أقله وأكثره ما تقوم
به الحجة ، لأن ما ورد في أقل الحيض
وأكثره فهو إما موقوف ، ولا تقوم به الحجة
، أو مرفوع ، ولا يصح ، فلا تعويل على ذلك
، ولا رجوع إليه " . وقال
شيخ الإسلام ابن تيميه : " والنبي صلى
الله عليه وسلم لم يحدد أقل الحيض باتفاق
أهل الحديث ، والمروي في ذلك ثلاث ، وهي
أحاديث مكذوبة عليه باتفاق أهل العلم
بحديثه " . والمسألة
التي ذهب جمع من أهل العلم إلى صحة الحديث
الوارد فيها هي أكثر مدة النفاس . فقد
روى أبو داود والحاكم من طريق كثير بن
زياد ، قال : حدثتني الأزدية ـ يعني مسه ـ
قالت : حججت ، فدخلت على أم سلمة ، فقلت :
يا أم المؤمنين : إن سمرة بن جندب يأمر
النساء يقضين صلاة المحيض ، فقالت : لا
يقضين ، كانت المرأة من نساء النبي صلى
الله عليه وسلم تقعد في النفاس أربعين
ليلة ، لا يأمرها النبي صلى الله عليه
وسلم بقضاء النفاس " . قال
النووي في " المجموع " : " حديث حسن
رواه أبو داود والترمذي وغيرهما ، قال
الخطابي : أثنى البخاري على هذا الحديث ،
واحتجوا بأحاديث بمعنى هذا من رواية أبي
الدرداء وأنس ومعاذ وعثمان بن ابي العاص
، وأبي هريرة رضي الله عنهم " . وذكر
أن بعض أهل العلم ضعفوا هذا الحديث فرد
بذلك وقال : "وهذا مردود ، بل هو حديث
جيد ، وأما الأحاديث الأخرى فكلها ضعيفة
، ضعفها الحفاظ ، منهم البيهقي ، وبين سبب
ضعفها " . وذكر
الشوكاني أن الحاكم نص على صحته ، يرى
الشوكاني رحمه الله : " أن الأدلة
الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوما
متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية
والاعتبار ، فالمصير إليها متعين ،
فالواجب على النفساء وقوف أربعين يوما
إلا أن ترى الطهر قبل ذلك كما دلت على ذلك
الأحاديث السابقة . قال الترمذي في "
سننه " : " وقد اجمع أصحاب النبي صلى
الله عليه وسلم والتابعون ومن بعدهم على
أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوما إلا
أن ترى الطهر قبل ذلك ، فإنها تغتسل وتصلي
.انتهى " . وقد
حسن الحافظ ابن حجر رحمه الله ، والشيخ
ناصر الدين الألباني إسناده ، وردوا على
من ادعى ضعفه . وقد
ضعفه ابن حبان والدارقطني وابن حزم في
" المحلى " ، والشيخ أحمد شاكر ، لأن
روايته مسه الأزدية مجهولة الحال ، وضعفه
ابن حبان بكثير بن زيادة وابن حبان لم يصب
بتضعيفه بكثير هذا ، فقد ذكر أهل العلم
للحديث شواهد تجعل الحديث مقبولا في مجال
الحجاج . الدليل
هو التتبع والاستقراء : إذا
ثبت أنه لم يأت دليل صحيح يدل على تحديد
أقل مدة الحيض والنفاس وأكثره ، فإن
السبيل إلى معرفة ذلك هو التتبع
والاستقراء لعادة النساء في هذا الأمر . بل
هو السبيل لتحقيق كثير من المسائل
العائدة إلى الحيض والنفاس ، كحيض المرأة
الحامل إي أثناء المل ، وأكثر مدة الحمل . يقول
ابن قدامة في طريق معرفة أقل مدة الحيض
وأكثره : " إذا ثبت أن الحيض ورد في
الشرع وفي اللغة من غير تحديد ، فإنه يجب
الرجوع فيه إلى العرف والعادة ، كما في
التفرق والقبض والأحرار وغيرها " . ويقول
صاحب " المبدع "
من الحنابلة : "ولا حد لأقل النفاس
، لأنه لم يرد في الشرع تحديده ، فيرجع
فيه إلى الوجود " . وقال
صاحب " كفاية الأخيار " من الشافعية :
" أقل الحيض يوم وليلة للاستقراء ، وهو
التتبع " . وقد
نظر علماؤنا الأوائل في عادة النساء :
زوجاتهم وقريباتهم ، ومن عرفوا أمره منهن
، وقال كل واحد ومنهم بما بلغه علمه في
هذا . يقول
الإمام الشافعي ـ رحمه الله تعالى في رده
على من ادعى أن أقل الحيض ثلاثة ، وأكثره
عشر : " قد رأيت امرأة أثبت لي عنها أنها
لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه ، وأثبت لي
عن نساء أنهن لن يزلن يحضن ثلاثة عشر " . وقال
أحمد : حدثني يحيى بن آدم وقال : سمعت
شريكا يقول : عندنا امرأة تحيض كل شهر
خمسة عشر يوما حيضا مستقيما . وقال ابن
المنذر : قال الأوزاعي : عندنا امرأة تحيض
غدوة وتطهر عشيا ، يرون أنه حيض تدع له
الصلاة . وقال
الشافعي : رأيت امرأة اثبت لي عنها أنها
لم تزل تحيض يوما لا تزيد عليه . وأثبت لي
عن نساء أنهن لم يزلن يحضن أقل من ثلاثة
أيام . وذكر
إسحق بن راهوية عن بكر بن عبد الله المزني
أنه قال : تحيض امرأتي يومين . وقال
اسحق : قالت امرأة من أهلنا معروفة : لم
أفطر منذ عشرين سنة في شهر رمضان إلا
يومين ، وقولهن يجب الرجوع إليه لقوله
تعالى : ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله
في أرحامهن ) ، فلولا أن قولهن مقبول ما
حرم عليهم الكتمان ،وجرى ذلك مجرى قوله : (
ولا تكتموا الشهادة ) ولم يوجد حيض أقل من
ذلك عادة مستمرة في عصر من العصور ، فلا
يكون حيضا بحال . مذهب
شيخ الإسلام في المسألة : وقد
انتصر شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله
تعالى ـ للذين رأوا أنه لا حد لأقل الحيض
ولا لأكثره ، وحجته في هذا إطلاقات
النصوص ، فالشريعة علقت بالحيض أحكاما ،
ولم تقدر للحيض قدرا معينا ، فلا يجوز
تقييد النصوص المطلقة ، يقول رحمه الله
في هذه لمسألة : " علق الله بالحيض
أحكاما متعددة في الكتاب والسنة ، ولم
يقدر أقله وأكثره مع عموم بلوى الأمة
بذلك ، واحتياجهم إليه ، واللغة لا تفرق
بين قدر وقدر ، فمن قدر في ذلك حدا فقد
خالف الكتاب والسنة ، والعلماء منهم من
يحد أكثره و أقله ، ثم يختلفون في التحديد
. ومنهم من يحد أكثره دون أقله ، والقول
الثالث أصح لأنه لا حد لا لأقله ولا
لأكثره ، بل ما رأته عادة مستمرة فهو حيض
، وإن قدر أكثره سبعة عشر استمر بها على
ذلك فهو حيض ، وأما إذا استمر الدم بها
دائما ، فهذا قد علم أنه ليس بحيض ، لأنه
قد علم من الشرع واللغة أن المرأة تكون
تارة طاهرة ، وتارة تكون حائضا ،ولطهرها
أحكام ، ولحيضها أحكام " . وهو
يرى أن النفاس كالحيض ليس لأقله حد محدود
، ولم يقدر الشارع لأكثره قدرا معينا ،
قال ـ رحمه الله ـ في هذا : " والنفاس لا
حد لأقله ولا لأكثره ، فلو قدر أن امرأة
رأت الدم أكثر من أربعين أو ستين أو سبعين
، وانقطع ، فهو نفاس، لكن إن اتصل فهو دم
فساد ،وحينئذ فالحد أربعون ، فإنه منتهى
الغالب حاء به الآثار " . ويرى
أنه لا حد لسن اليأس من الحيض ، فقد تيأس
من المحيض في سن الأربعين ، وقد يستمر
حيضها إلى السبعين ، يقول رحمه الله
تعالى : " ولا حد لسن تحيض فيه المرأة بل
لو قدر أنها بعد ستين أو سبعين رأت الدم
المعروف من الرحم لكان حيضا . واليأس
المذكور في قوله : ( واللائي يئسن من
المحيض ) ليس هو بلوغ سن ، لو كان بلوغ سن
لبينه الله ورسوله ، وإنما هو أن تيأس
المرأة نفسها من أن تحيض ، فإذا انقطع
دمها ويئست من أن يعود ، فقد يئست من
المحيض لو كانت بنت أربعين ، ثم إذا تربصت
وعاد الدم يتبين أنها لم تكن آيسة ، وإن
عاودها بعد الأشهر الثلاثة فهو كما لو
عاود غيرها من الآيسات والمستريبات ،ومن
لم يجعل هذا هو اليأس فقوله مضطرب إن جعله
سنا " . وشيخ
الإسلام يرفض الاحتجاج بالواقع من حال
النساء في حيضهن ، لأن هذا الواقع لا ضابط
له ،ولأن كل من حد حدا معينا فإنه يتحدث
عما يعلمه ولكنه لا يمكنه أن ينفي مالا
يعلمه ، فقد يكون علمه قاصرا ، ويكون قد
وجد في الواقع أقل أو أكثر من الحد الذي
حدده . يقول
شيخ الإسلام في هذا : " ومن لم يأخذ بهذا
، بل قدر أقل الحيض بيوم أو يوم وليلة أو
ثلاثة ايام ، فليس معه في ذلك ما يعتمد
عليه ، فإن النقل في ذلك عن النبي r
وأصحابه باطل عند أهل العلم بالحديث ،
والواقع لا ضابط له فمن لم يعلم حيضا إلا
ثلاثا قال غيره : قد علم يوما وليلة ،ومن
لم يعلم إلا يوما وليلة قد علم غيره يوما
،ونحن لا يمكننا أن ننفي مالا نعلم ، وإذا
جعلنا حد الشرع ما علمنا فقلنا : لا حيض
دون ثلاث ، أو يوم وليلة ، أو يوم ، لأنا
لم نعمل إلا ذلك ، كان هذا وضع شرع من
جهتنا بعد العلم ، فإن عدم العلم ليس علما
بالعدم ، ولو كان هذا حد شرعيا في نفس
الأمر لكان الرسول r
أولى بمعرفته وبيانه منا ، كما حد للأمة
ما حده الله لهم من أوقات الصلوات والحج
والصيام ، ومن أماكن الحج ، ومن نصب
الزكاة وفرائضها ،وعدد الصلوات وركوعها
وسجودها ، فلو كان للحيض وغيره مما لم
يقدره النبي r
حد عند الله ورسوله لبينه الرسول r
، فلما لم يحدده ، دل على أنه رد ذلك
إلى ما يعرفه النساء ، وسمى في اللغة حيضا
، ولهذا كان كثير من السلف إذا سئلوا عن
الحيض قالوا : سلوا النساء فإنهن أعلم
بذلك ، يعني : " هن يعلمن ما يقع من
الحيض ومالا يقع " . ولا
شك في صحة ما قرره شيخ الإسلام من كون
النصوص الواردة في ذلك مطلقة ، وأنه لم
يأت نص يحدد اقل الحيض ولا أكثره ، كما
أنه لم يأت نص يحدد السن الذي تحيض المرأة
فيه ، أو السن الذي ينقطع فيه حيضها ،
والنصوص التي جاءت في تحديد أقصى مدة
النفاس تكلم فيها العلماء . ولكن
ما المانع من رد هذه الأمور إلى العادة
والعرف ؟ يرى شيخ الإسلام أن واقع حال
النساء مضطرب ولا ضابط له ، ونحن نوافقه
على أن تحديد ذلك عسر وشاق ، ولكنه غير
مستحيل ، وقد أقر بعسره كثير من العلماء
في الماضي ، ويعض هؤلاء العلماء كانوا
أطباء . يقول
ابن رشد ـ رحمه الله ـ مبينا صعوبة تحديد
أقل مدة النفاس وأكثره " سبب اختلافهم
عسر الوقوف على ذلك بالتجربة لاختلاف
أحوال النساء في ذلك ، ولأنه ليس هناك سنة
يعمل عليها ، كالحال في اختلافهم في أيام
الحيض والطهر " . وقال
في سبب اختلافهم في كون المرأة تحيض أو لا
تحيض في أثناء الحمل : " وسبب اختلافهم
عسر الوقوف على ذلك بالتجربة واختلاط
الأمرين ، فإنه مرة يكون الدم الذي تراه
الحامل دم حيض ، وذلك إذا كان قوة المرأة
وافرة في الجنين صغيرا ، وبذلك أمكن أن
يكون حمل على ما حكاه بقراط وجالينوس
وسائر الأطباء ، ومرة يكون الدم الذي
تراه الحامل لضعف الجنين ومرضه التابع
لضغطهـا ومرضها ، وفي الأكثر يكون الدم
علة ومرضا ، وهو في الأكثر دم علة " . ولما
كان الأمر على هذا النحو ، فإن كثيرا من
أهل الفقه تغيرا اجتهادهم في تحديد أقل
مدة الحيض والنفاس وأكثره بسبب اطلاعهم
على أحوال بعض النساء التي تخالف ما
توصلوا إليه من قبل ، وذلك يعزي إلى
الإمام مالك ثلاثة أقوال في أكثر مدة
الحيض ، ويعزي إليه قولان في أكثر مدة
النفاس، والإمام أحمد قال مرة في أكثر
الحيض خمسة عشر ومرة سبعة عشر . بل
إن بعض المحققين من علماء الشافعية صرحوا
بأنهم راجعون عن قولهم في أقل مدة الحيض
إذا وجد من امرأة أقل من يوم وليلة ، وممن
قال بهذا منهم أبو إسحق الأسفرايني
والقاضي حسن والدارمي . سن
الحيض وسن اليأس : قال
ابن قادمة : " أقل سن تحيض له المرأة تسع
سنين ، لأن الصغيرة لا تحيض بدليل قول
الله تعالى : 0 واللائي لم يحضن ) ، ولأن
المرجع فيه إلى الوجود ، ولم يوجد من
النساء من يحضن عادة فيما يدون هذا السن ،
ولأن دم الحيض إنما خلقه الله لحكمة
تربية الحمل به ، فمن لا تصلح للحمل لا
توجد فيها حكمته ، فينتفي لانتفاء حكمته
كالمني ، فإنهما متقاربان في المعنى ،
فإن أحدهما يخلق منه المولد ، والآخر
يربيه ويغذيه ،وكل واحد منهما لا يوجد من
صغير ، ووجوده علم على البلوغ ، وأقل سن
تبلغ له الجارية تسع سنين ، فكان ذلك أقل
سن تحيض له ، وقد روي عن عائشة أنها قالت :
" إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة
" . وروى ذلك مرفوعا إلى النبي r
، والمراد به : حكمها حكم المرأة ، وهذا
قول الشافعي ، وقد حكى عنه أنه قال : رأيت
جدة بنت إحدى وعشرين سنة ، وهذا يدل أنها
حملت لدون عشر سنين ، وحملت ابنتها مثل
ذلك " . وهذا قـول الأحناف أيضا . وقد
اختلفت الرواية عن الإمام أحمد في السن
الذي ينقطع فيه الحيض عند المرأة وهو
المسمى بسن اليأس ، فقد نقل الخرقي أنها
لا تيأس حتى تبلغ سن الستين ، وما تراه
فيما بين الخمسين والستين مشكوك فيه لا
تترك له الصلاة ولا ا لصوم وتقضي الصوم
المفروض احتياطا ، وروى عنه ما يدل على
أنها لا تحيض بعد الخمسين ، وهذا قول إسحق
بن راهوية ، وروى هذا عن عائشة موقوفا
عليها . ونقل
ابن قدامة عن بعض أهل العلم أنهم يفرقون
بين النساء باختلاف الأجناس والأماكن ،
فبعض الشعوب تطول المدة التي ينقطع فيها
الحيض عند النساء ، وبعضها يقصر ، وبعض
الأماكن تؤثر في تطويل هذه المدة . ويرى
بعض أهل العلم أنه لا وقت لانقطاع الحيض ،
فقد يمتد إلى نهاية العمر . وهذا ما ذهب
إليه شيخ الإسلام ، كما سبق النقل عنه في
ذلك . الدم
الذي تراه الحامل أثناء فترة الحمل : اختلف
العلماء قديما وحديثا في الدم الذي تراه
بعض النساء أثناء فترة الحمل هل هو حيض أو
دم فساد ؟ فذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد
إلى أنه ليس بحيض ، وقال بهذا القول : ابن
المسيب والحسن وعطاء ومحمد بن المنكدر
وعكرمة وجابر بن زيد والشعبي ومكحـول
والزهري والحكم وحماد والثوري والأوزاعي
وأبو يوسف وأبو ثور وأبو عبيد وابن
المنذر . وقال ابن قدامة : " هو قول
جمهور التابعين " وذهب
الإمام مالك رحمه الله ، والإمام الشافعي
إلى أنه حيض ، وقال بهذا القول قتادة والليث . وهذا
الخلاف إنما هو في الحامل قبل أن يصيبها
الطلق ، أما إذا أصابها الطلق ، فإنهم
متفقون على أنه دم نفاس . واحتج
من قال بأنه حيض : " أنه دم بصفات الحيض
،وفي زمن إمكانه ، ولأنه متردد بين كونه
فسادا لعلة أو حيضا ، والأصل السلامة من
العلة " قاله النووي . واحج
ابن قدامة على أنه ليس بحيض بما رواه
الإمام أحمد عن سالم عن أبيه أنه طلق
امرأته وهي حائض ، فسأل عمر النبي r
، فقال : " مره فليراجعها ، ثم ليطلقها
طاهرا أو حاملا " . فجعل الحمل علما على
عدم الحيض ، كما جعل الطهر علما عليه ،
ولأنه زمن لا يعتادها الحيض فيه غالبا . أقل
مدة الحمل وأكثره : يكاد
علماؤنا يجمعون على أن أقل مدة الحمل ستة
أشهر ، وقد نص القرآن على أن مدة الحمل
والرضاع ثلاثون ( وحمله وفصاله ثلاثون
شهرا ) . ونص في موضعين من كتابه أن مدة
الرضاع أربعة وعشرين شهرا ( والوالدات
يرضن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن
يتم الرضاعة ) وقال : ( وفصاله في عامين )
فإذا أنت أسقطت مدة الرضاع وهي عامين من
الثلاثين شهرا ، وهي مدة الحمل والرضاع ،
بقي ستة أشهر ، وهي مدة الحمل ، وقد احتج
على بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما
بهذه الآيات على النحو الذي ذكرناه في
تبرئة من ولدت لأقل من تسعة أشهر من تهمة
الزنى . وذهب
الإمام أحمد والشافعي إلى أن أكثر مدة
الحمل أربع سنين ، وهذا هو المشهور من
مذهب مالك رحمه الله . ووروي
عن أحمد أن أقصى مدة الحمل سنتان ، وروي
هذا عن عائشة ، وهو مذهب الثوري وأبي
حنيفة لما روت جميلة بنت سعد عن عائشة : لا
تزيد المرأة على سنتين في الحمل ، ولأن
التقدير إنما يعلم بتوقيف أو اتفاق ، ولا
توقيف ها هنا ولا اتفاق ، إنما هو على ما
ذكرنا ، وقد وجد ذلك ، فإن الضحاك بن
مزاحم ، وهرم بن حيان حملت أم لك واحد
منهما به سنتين . وقال
الليث : أقصاه ثلاث سنين ، حملت مولاة
لعمر بن عبد الله ثلاث سنين . وقال
عبادة بن العوام : خمس سنين . وقال
الزهري : تحمل المرأة ست سنين ، وسبع سنين
. وقال
أبو عبيد : ليس لأقصاه وقت يوقف عليه . واستدل
ابن قدامة في " المغني " على أن أكثر
الحمل أربع سنين بأن " الحمل وجد لأربع
سنين ، فقد روى الوليد بن مسلم قال : قلت
لمالك بن انس : حديث جميلة بنت سعد عن
عائشة لا تزيد المرأة على السنتين في
الحمل ؟ قال مالك : سبحان الله من يقول هذا
؟ هذه جارتنا امرأة محمد بن العجلان تحمل
أربع سنين قبل أن تلد . وقال
الشافعي : بقي محمد بن العجلان في بطن أمه
أربع سنين . وقال
أحمد : نساء بني عجلان يحملن أربع سنين ،
وامرأة عجلان حملت ثلاث بطون ، كل دفعة
أربع سنين ، وبقي محمد بن عبد الله بن
الحسن بن علي في بطن أمه أربع سنين ،
وهكذا إبراهيم بن نجيح العقيلي ،
حكى ذلك أبو
الخطاب. ثم
قال : " وإذا تقرر وجوده وجب أن يحكم به
ولا يزاد عليه ، لأنه وجد ، ولأن عمر ضرب
لامرأة المفقود أربع سينين ، ولم يكن ذلك
إلا لأنه غاية الحمل ، وروى ذلك عن عثمان
وعلى وغيرهما " . ورتب
على هذا أن المرأة إذا ولدت لأربع سنين
فما دون من يوم موت الزوج أو طلاقه ولم
تكن تزوجت ولا وطئت ولا انقضت عدتها
بالقروء .. ولا بوضع الحمل ، فإن الولد لحق
بالزوج ، وعدتها منقضية به . |