أساليب دكتاتورية البيولوجيا

فى الميزان الشرعي

للأستاذ الدكتور أحمد شرف الدين

أثار التقدم العلمي فى مجالات العلوم الأساسية والتطبيقية عدة تساؤلات يمكن إرجاع موضوعاتها الرئيسية إلى ثلاثة :

الموضوع الأول يتعلق بآثار الأساليب الحديثة لهذه العلوم على حياة الإنسان

الموضوع الثاني يدور حول تأثير هذه الأساليب على القواعد المنظمة للأعمال التى تمس الإنسان فى حياته وجسده .

الموضوع الثالث يتعلق بمدي شرعية الأخذ بأساليب التقدم العلمي .

وفى السنوات الأخيرة أبرزت هذه الموضوعات ، بصفة خاصة ، عدة مشاكل فى نطاق العلاقة بين فروع علمي الطب والأحياء [ البيولوجيا ] من ناحية ، وعلمي الشريعة والقانون من ناحية أخري ، وذلك أن ترتب على اكتشاف بعض الإمكانيات الحديثة فى مجال الطب والأحياء تغيير المعطيات التقليدية التى ترتكز عليها القواعد المنظمة للأعمال التى تتصل بحياة الإنسان وجسده ، كما أن تطبيق هذه الإمكانيات على الإنسان ، أو مجرد التفكير فى ذلك ، أبرز مشاكل جديدة لم تعالجها النصوص القائمة بصفة مباشرة .

وترجع خطورة هذه المشاكل إلى أنها تتعلق بحقوق ومصالح الإنسان ، كتلك التى تتعلق بالنفس والنسل والعقل ، والتى يحظي تنظيمها بعناية الشارع ، كما أن حفظها يعد من المقاصد الأساسية للشرع .

ومن هنا جاءت أهمية الأبحاث التى توضح الحدود التى يمكن فيها تطبيق مكتسبات الطب والأحياء على الذرية الآدمية على نحو لايخل بالقواعد الأساسية للشريعة ، ولايهدر المصالح التى تدور حولها الأحكام الشرعية .

ومن يقرأ الأبحاث المختصة فى الهندسة الوراثية والهندسة المشبجية يدرك أن التطور المذهل للعلوم ( البيولوجيا بصفة عامة وعلم الأجنة والوراثة بصفة خاصة ) قد يؤدي يوما ما  إلى إحداث تغييرات جذرية فى الطبيعة البيولوجية للإنسان ، الأمر الذي يصيب إنسان هذا العصر بصدمات نفسية . وإذا قدر للإمكانيات الطبية والبيولوجية أن تنتقل من مستوي المعمل إلى مستوي التطبيق الفعلي على الإنسان ، فإن هذا سيؤدي إلى نتائج تصيب عقل المرء بالدوار وسوف تقلب رأسا على عقب بعض المعطيات التقليدية التى تأسست عليها الأحكام القانونية .

سأقتصر فى بحثنا هذا على إبراز المشاكل المترتبة على تعديل الطبيعة البيولوجية للإنسان عن طريق أعمال يراد منها السيطرة على توارث الانسان وصفاته ، بحيث لايخرج إلى الوجود إلا إنسان يصعب ان ينفذ إليه المرض و يتوفر له الصفات المرغوبة كالذكاء والخنوع ، بحسب الأحوال .

وأحب أن الفت النظر ، منذ البداية إلى أنه ليس فى مقدور أي باحث ان يفتي فى هذه المرحلة المبدئية للبحث بحكم شرعي مقنع ، فلايكفي مجرد الإشارة إلى قواعد عامة مجردة فالامر ليس بهذه البساطة ، بل إن الوصول إلى نتائج محددة ومخصصة يقتضي من جانب استيعات مستحدثات الطب والبيولوجيا لمعرفة مكنون كل واحد منها وخلفياتها ، ومن جانب آخر الانقطاع على كتب الفقه الإسلامي ذات الطابع الموسوعي للبحث فى كنوزها عن الجزئيات ذات الصلة بالبحث ولا أخال إلا أننا نعلم أن مثل هذا البحث ، المستند إلى ذلك المنهج العلمي ، يتطلب تفرغا يكاد يكون كليا ومما يزيدني اقتناعا بهذه النتيجة الصعوبات التى واجهتنا والوقت الذى أنفقناه فى إخراج كتابنا عن " الأعمال الشرعية للأعمال الطبية ".

وإذن سأشير إلى بعض الأمثلة لإمكانية التلاعب بالحياة الإنسانية لندرك عن كثب حجم الاضطرابات التى ستحدثها فى هيكل النظام الاجتماعي القائم وبصفة خاصة فيما يتعلق بقواعد العلاقات الأسرية لنبين بعد ذلك طريقة التكييف الشرعي والقانوني لمستحدثات الطب والبيولوجيا .

أولا : المستقبل البيوتكنولوجي للإنسان ومعطيات النظام الاجتماعي .

توصل علماء الطب والبيولوجيا والكيمياء إلى اكتشاف بعض خبايا ميكانيكية الخلية الحية وصاغوا بعض القوانين العلمية التى تحكم عمل الشفرة الوراثية للخلية ، ثم شرعوا بعد ذلك فى هندسة المستقبل الوراثي للأنواع الحية ، إما عن طريقة تجزئة الخلايا ( الهندسة الوراثية ) وإما عن طريق اتحاد الخلايا ( الهندسة المشيجية ).

واستعمل العلماء هذه الطرق في التحكم فى التكوين الخلقي للخلية وفى تطويرها . فهناك ما يسمي بالتكاثر  بالخلايا الجسدية حيث يراود العلماء الأمل فى تحويل الخلية الجسدية إلى خلية جنية يمكن لها أن تتكاثر ، مثلها فى ذلك مثل أصلها وهو البويضة الملقحة، وذلك بعد تخليصها من القفل الكيميائي الذى يمنعها من محاكاة أصلها . ومن بين الاستخدامات المتصورة لتكنيك التكاثر بالخلايا طبق الأصل من الإنسان الذى أخذت من جسده الخلية الجسدية . ويقال أنه من الممكن تحقيق نفس الغرض حتي إذا أخذت الخلية من جثة الإنسان مادام أن هذه الخلية ذاتها لم تمت . وبذلك يمكن ضمان بقاء العباقرة على قيد الحياة لتستفيد البشرية من علمهم.

ولابأس من أن أذكر تطبيقا آخر للإمكانيات البيولوجية الحديثة التى ترتب عليها كسر الحدود الفاصلة بين الأنواع المختلفة للكائنات . فمما تفتقت عنه قريحة العلماء فكرة خلط خلايا بشرية بخلايا نباتية أو حيوانية لنصل بذلك إلى الانسان الخضري ( الكلورفيلي ) أو الإنسان المجتر .. ويستهدف العلماء من أبحاثهم هذه إنتاج سلالة بشرية جديدة يدخل فى تكوينها بعض الصفات النباتية أو الحيوانية المرغوبة كجعل الإنسان ذاتي التغذية يعتمد على ذاته فى غذائه كالنبات ( التمثيل الضوئي ) .

ويفكر العلماء أيضا فى إنتاج طراز جديد من الجنس البشري عن طريق استخدام طريقة التكاثر الجسدي فى تنمية الخلايا المختلطة ، وبعد التأكد من نجاح إنتاج هذا الطراز الجديد فيمكن تعميمه بالطريق الطبيعي أي التكاثر الجنسي .

ولم يقف التلاعب بالحياة على المستوي العضوي ، بل إن الفكر العلمي الحديث يتجه إلى ابتداع طرق للتحكم فى إرادة الإنسان بأجهزة الكترونية ، وهذا هو الانسان الالكتروني الذى يمكنه إشباع رغباته وحاجاته عن طريق أزرار مركبة على جسده .

ورغم ما يقال عن تكنولوجيا التكاثر من أنها مازالت فى طور الخيال وأنها لا نعدو أن تكون حاليا مجرد أضغاث أحلام ، إلا أن استخدامها الناجح على مستوي الحيوان والنبات ، شجع العلماء على التفكير فى تطبيق قوانينها العلمية على الجنس البشري ، وما زراعة الأجنة أو طفل الأنبوب إلا تجسيد حي لطموح الإنسان فى التحكم فى خلقته وصفاته ، ولعل جهود العلماء فى هذا المضمار تجسد رغبة الإنسان فى التوصل إلى أكسير الحياة ليكرس بذلك خلوده وانتصاره على الموت الذى هو مع ذلك سنة الله فى خلقه . ونذكر هنا أن أحد المليونيرات الأجانب طلب إنتاج نسخة من ذاته وأبدي استعداده لتمويل أبحاث التكاثر الجسدي . ومثل هذا التفكير يحمل فى طياته معاني كثيرة يفهمها كل لبيب .

واذا استطعنا بعد ذلك أن نسيطر على الدوار الذى يصيب عقل المرء لدي سماعه لمقدرات انسان المستقبل ، فإننا سندرك ان مثل هذه الامكانيات البيولوجية ستثير موجة من الاضطراب العارم فى النظام الاجتماعي القائم حاليا .

وكل ما نستطيع أن نقدمه فى هذه المرحلة من البحث المبدئي لنتائج صدمات المستقبل البيوتكنولوجي للإنسان ، هو عبارة عن تساؤلات كيف ستنظم العلاقة بين النسخ الجديدة التى نتجت عن طريق التكاثر الجسدي مع أبناء النسخة الأصلية الذين جاءوا بطريقة التكاثر الجنسي ؟ ألم يدرك الإنسان الذى يريد ان يصبح أزليا عن طريق تكاثر خلاياه الجسدية أن هذه الفكرة تصطدم بكون الموت آتيا لا محالة وان من بين آثارها تعطيل احكام المواريث ؟ ألم يفهم الانسان أن التحكم فى اختيار جنس المولود سيخل بالتوازن الطبيعي الذى تكفله القدرة الإلهية ونواميسها ؟ ولا نظن أن مثل هذه النتائج كانت غائبة عن أذهان العلماء تماما ، كما توقعوا احتمال خطر التشويه فى خلقة الكائن الحي المترتب على التلاعب بالخلايا الجنسية أو الجسدية .

ألم يعد الإنسان فى حاجة إلى البحث عن المودة والرحمة فى العلاقة التى يعدها الشرع وهى الزواج أساسا للتكاثر ؟ ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة  ، إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون ) ألم يكفنا ما يعانية إنسان هذا العصر من ويلات التمييز العنصري والذى يستند إلى اعتبارات خارجية كاللون مثلا حتي تخرج علينا البيولوجيا بجنس بشري من طراز جديد تجتمع له ، بفعل مكوناته الداخلية ، من الصفات ما يمكن ان يتخذ اساسا لسحق ما تبقى من الجنس البشري الحالي باعتباره من مخلفات الماضي البالية ؟ ألم يفهم الانسان ان تطاوله على صنع الله وغروره بعلمه الدنيوي قد يؤدي به غرورا ايضا إلى انكار عبوديته ( هل أتي على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ، إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتلية فجعلناه سميعا بصيرا ) ألم يفطن الإنسان إلى أن فكرة خلوده من الافكار الشيطانية ( فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لايبلي ) .

كانت هذه مجرد أمثلة للآثار المترتبة على محاولة الإنسان السيطرة على خلقته وهي محاولة لو قدر لها النجاح فأنها سوف تقفز بالإنسان إلى ما يمكن تسميته بعصر دكتاتورية البيولوجيا الذى يذكرنا بالعصر الهتلري .

وهكذا أصبحت البيولوجية الطبية ، بفصلالتقدم العملي ، أكثر فاعلية واكثر طموحا عما كان عليه الطب التقليدي ، كما أنها أضحت فى نفس الوقت ، اكثر قدرة وأعظم خطرا ولعنا أدركنا مما تقدم جانبا من الاضطرابات التى تثيرها اكتشافات البيولوجيا وبصفة خاصة تكنولوجيا التوالد فى محيط المبادئ التقليدية التى تجعل فى حرمة النفس والجسد أحد الأركان الأساسية للنظام الاجتماعي السائد هذه الاكتشافات التى لو تركت دون ضابط فأنها ستؤدي إلى تغيير الأعراف والأفكان والأخلاق التى يجب أن يتسلح الفقهاء لمواجهتها بحكمها الشرعي حتى لاتتعدي حدودها فتصطدم بسنة الله ( ولن تجد لسنة الله تبديلا ) ونحن مأمورون من قبل الشارع ، بالابتعاد عن كل ما يخالف مبادئ الشريعة وأهدافها ( واحذرهم ان يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) .

وإذا كان الشرع يشجع البحث العلمي ، الذى يعتبر وسيلة من وسائل الكشف عن إبداع الخالق وبالتالي بوحدانيته ( إنما يخشي الله من عباده العلماء ) إلا أن للبحث العلمي شطحات وهفوات قد لاتتفق مع الأهداف العامة للشريعة ، ويتعين من ثم تمحيص مكتسبات العلم الحديث على ضوء القواعد التى وضعها صاحب الشرع العليم بأمور مخلوقاته ( فاحكم بينهم بماء انزل الله ، ولاتتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ) أقول هذا لأنه إذا كانت ظروفنا الحالية قد فرضت علينا استيراد تطبيقات العلم الحديث فأصبحنا تابيعن لمن لايدينون بشريعتنا فيتعين ألا نكون تابعين لهم فيما تيعلق بأحكام هذه التطبيقات خاصة تلك التى تتعلق بخلقة الله وأصول شريعتنا تحذرمن التلاهي بالتكاثر عن طاعة الله
( ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر..).

ومن غير المعقول أن ترضخ الشريعة رغم ترحيبها بكل تقدم علمي لمصلحة البشرية للامكانيات الحديثة للعلوم التى لايدرك انسان هذا العصر عواقبها الوخيمة على مستقبل الجنس البشري فى حين أن الشارع الحكيم ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولايحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ) .

ورغم أن تطبيقات تكنولوجيا التكاثر على مستوي النبات والحيوان قد تكون مفيدة للإنسان ولا مانع فى الشرع بالتالي من الأخذ بها فكل شئ فى السموات والأرض سخره الله لخدمة الإنسان ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) إلا أن التفكير فى استخدامها على مستوي الإنسان يدعونا إلى محاولة استنباط حكمها الشرعي حتي يتقيد الناس به بعد معرفة شروطه ( فأنه تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون ) وليدرك الانسان أن تجرأه على سنة الله فى خلقه وقدرته على تغيير الطبيعة البيولوجية للنبات أو الحيوان لاتعني أنه قادر على التلاعب بحياة الانسان وتغيير الطبيعة التى جبل الله عليها الآدميين ( حتي إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس كذلك نفصل الآيات لقوم يتفكرون ) .

وهكذا يتبين وجه المصلحة  فى إبراز الحدود التى يتعين على الانسان أن يراعيها فى

محاولته لتغيير ذاته وفى تقنين القيود التى ترد على استخدام أساليب البيوتكنولوجيا على مستوي الإنسان وهي قيود تكفل انتقاء ما يحقق مصلحة البشرية كما أراد خالقها لها .  

واذ كان بحثنا المبدئي هذا لمشاكل تكنولوجيا التكاثر قد يعطي انطباعا بأن أساليبها محرمة فى الشرع لاصطدامها ببعض أصوله ، إلا أنه من المحتمل أن يظهر بعد بحث متأن ومتعمق لمكنون هذه الأساليب وآثارها ، أن بعضها يحقق مصالح يمكن رعايتها ، متي قيد استخدامها بشروط تكفل عدم تارضها مع النصوص قطعية الدلالة.  

وفى تقديرى أننا فى حاجة إلى مثل هذا البحث فى عصر تتقدم فيه مكتسبات العلم بسرعة مذهلة ، ولايعقل أن يترك بحث أحكامها الشرعية إلى وقت تستأثر فيه الأساليب البيوتكنولوجية بلباب الإنسان فيحكم أهواءاه فى استخدامها دون مراعاة لحكمها الشرعي بسبب تقاعسنا عن إبراز هذا الحكم .

ولايجوز فى رأينا ، أن نفتي بحكم لهذه الاكتشافات قبل أن نستوعب مكنونها وآثارها، سواء المفيدة منها أو الضارة على حياة الإنسان وليس هناك أسهل من القول بحرمة كل ما هو مستحدث فى مجال الطب والبيولوجية لمجرد أنه يصطدم بنتاج فكرنا البشري التقليدي ولكن الصعوبة الحقيقية هي فى الاستيعاب المدرك المتروي لمثل هذه الأعمال الجديدة ثم عرضها على أصولنا الشرعية التى لايأتيها الباطل لا من أيديها ولامن خلفها وكما أن الشارع حض على اكتشاف الأسرار التى وضعها الله فى خلقه [ قل سيروا فى الأرض فإنظروا كيف بدأ الخلق ] فأنه يطلب منا بطريق التبعية ، أن نستنبط لها الأحكام ما يناسب المصالح أو المفاسد المترتبة عليها ، فى حدود ما تسمح به النصوص القطعية الدلالة والأهداف العام للشرع .

ولايحسبن أمرؤ أن نتيجة الاحتكام إلى أصولنا الشرعية يمكن التوصل إليها بمجرد فتوي تصدر من هنا أو من هناك فى بضعة سطور ، ولايمكن أن تكون هذه النتيجة صحيحة إذا لم تستند إلى منهج علمي يترك العاطفة جانبا ليتصدي لصدمات المستقبل بترو وتعقل .

وأول خطورة فى هذا العمل العلمي هو التعاون بين العلماء المتخصصين فى علوم الطب والبيولويجا وعلوم الفقه والقانون لتبادل المعلومات واجراء المناقشات ، ذلك أن حكم الشئ كما يقال فرع تصوره وبعد أن يستوعب الفقهاء أبعاد المستقبل البيولوجي للإنسان يمكنهم الاجتهاد فى استنباط حكمها بالطرق الشرعية المعتمدة .

وأحب أن أنوه أن البحث الجدي والمثمر عن حكم مستحدثات الطب والبيولوجيا يقتضي بعد التقيد بالنصوص القطعية فى كل موضوع أتت فيه الاجتهاد لا التقليد ؛ أي التقيد المطلق بآراء الفقهاء القدامي . فكما اجتهد هؤلاء بما يناسب زمأنهم فمن حقنا أن نبحث بأنفسنا عن أحكام زماننا ، ما دام اجتهادنا كاجتهادهم يستند إلى قواعد مستمدة من المصادر الأصلية للشرعية الإسلامية .

ولكن هذا لايمنع من الاسترشاد بطريقة اجتهادهم لكي نلتزم مثلهم بالقيود  التى وضعتها الشريعة لاستخراج الأحكام حتي لايصدر الرأى عن الهوي ومتي التزمنا بهذه القيود فمن المتصور أن يختلف رأى فقيه مقلد رأى فقيه مبدع وعلى عكس المقلد فان المبدع يسوعب المستحدثات ويتمثل مصالحها ومفاسدها ليلقي بعصارة اجتهاده وإذا كان لكل حدث جديد فقه جديد يستند إلى أصول الشريعة ذاتها الواردة فى القرآن والسنه فإن الأحكام الفقهيه التى هي مجرد اجتهادات وتفسيرات لما أجمل القرآن والسنه يمكن أن تتغير بتغير الزمان ولايبقي ثابتا إلا الأصول الأصلية للشريعة .

وبالإضافة إلى الصعوبات التى يواجهها الفقهاء المبدعون عند الاصطدام بالأفكان التقليدية فإن ثمه صعوبات أخري عملية هذه المرة تقابلهم وتحتاج منهم إلى وقت وجهد كبيرين عند محاولة رد الجزئيات والفروع الفقهية والمتعلقة بحياة الإنسان بصفة عامة وبالطب بصفة خاصة ، إلى قواعد كلية تكون نبراسا لهم فى الاهتداء إلى الأحكام المناسب لمكتشفات العلوم الحديثة ، وليس معني التشديد على ضرورة توفير مناخ الحرية والأمن والابداع الفقهيه ، أننا ندعوه إلى تبني كل فكرة علمية اتخذت زخرفها فى الظاهر " وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين " ولكن معناه تحريره من النزعة المحافظة التقليدية التى تمنعنا من ابتداع ما يلائم عصرنا من أحكام والتى ينبغي ألا نتقيد فى خصوصها إلا بما ورد فى ذلك المعين الذى لاينضب ألا وهو القرآن والسنة " فاستمسك بالذى أوحي إليك إنك على صراط مستقيم وأنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون " .

والسؤال سيكون عن تحليل الحرام وتحريم الحلال بما لم ينزل الله به من سلطان ، الامر الذى يتطلب منها التريث والتدقيق والابتعاد عن التعميم حتي لانقع فى المحظور " ولاتقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لايفلحون ، متاع قليل ولهم عذاب أليم " .

ونود أن نوضح أخيرا أننا لم نستهدف من هذا المقال الكشف عن حكم شرعي محدد للأعمال التى تؤثر على طبيعة الإنسان البيولوجية ، فهذا أمر سابق لأوانه ويحتاج إلى سنوات وسنوات لاستيعابها وإلى جهد كبير لتمثلها وتمحيصها ، بل إن كل ما أردناه هو أن نبدي رأينا فى طريقة التكييف الشرعي لمستحدثات الطب والبيولوجيا من ناحية.

ومن ناحية أخري أن نؤكد أن تخلف نتاج الفقهاء عن مواجهة الوقائع الطارئة لايرجع إلى عدم إحاطة الأصول الشرعية بهذه المستحدثات وإنما يعود فى الحقيقة إلى طائفتين من الأسباب .

الأولي تتعلق بطريقة الفقيه فهو فى الغالب محافظ ويميل بطبيعته إلى تقليد من سبقوه ممن لم يمتد بهم العمر ليروا صراعات عصرنا وما بعد عصرنا .

أما الطائفة الثانية فهى تتصل بالظروف الاجتماعية المحيطة بالفقيه والتى تمنع إبداعه، الذى يحتاج ليصبح يانعا من الوقت والجهد والأمان مما قد لاتسمح به هذه الظروف .

وكلنا أمل فى هذا الوقت الذى تتبني فيه بعض الدول الاسلامية كالكويت فكرة التقدم العلمي فى إطار أصولنا الروحية ان نتجه إلى تكوين فقهاء متخصصين فى العلوم الكونية مع توفير المناخ الملائم والمشجع لإبداعهم .

وهذا مجرد تطبيق للأسلوب الموسوعي الذى اتبعه الرواد الأوائل فى فترة ازدهار الإسلام كالرازي وابن سينا ( كان محيط علمهما يتناول الطب والكيمياء والفلسفة ) وابن الهيثم ( الذى تخصص فى علوم الرياضيات والفلك والطب ) .

ولنا عبرة فى ابن النفيس الذى عالج فى مؤلفاته وهي تعد من نفائس عصر النهضة الإسلامية موضوعات متعددة ومتنوعة تتصل بالطب والبيولوجيا والفلسفة وأصول الحديث والفقه .

 ومن يراجع احد كتبه ( كتاب فاضل بن فاضل بان ناطق أو الرسالة الكاملية فى السيرة النبوية ) يجد أنه قد تعرض لأمور تدخل فيما يسمي بعلم التنبؤ المستقبلي ، وتصدي بأسلوب فلسفي لمصير البشرية . ولقد أشار فى أحد فصول هذا الكتاب إلى طريقة التولد الذاتي أو التلقائي .

واذا كانت إشارته هذه تندرج تحت ما يسمي بالخيال العلمي ، إلا أنها تنبئ بأنه توقع احتمال التكاثر بدون اتصال جنسي وهذا ما يحاول علماء اليوم التوصل إليه .

ولقد حاول ابن النفيس فى رسالته الكاملية أن يثبت أن أسس العقيدة يمكن استخراجها عقلا من مكتسبات العلوم ، وهو لذلك يري أنه لاتعارض بين الدين والعلم . ومما له دلالة خاصة فيما نحن بصدده أن ابن النفيس الذى عده السبكي فى " طبقات الشافعية الكبري " من بين فقهاء المذهب الشافعي ، لم يكن يتقبل رأيا ممن سبقوه فى مجال الطب ، فضلا عن الفقه بدون بحث أو تمحيص .

ولقد أبرزت لنا أعمال المؤتمر الثاني للطب الإسلامي كيف ان ابن النفيس خالف آراء شيوخه فى الطب كابن سينا ( انظر بصفة خاصة البحث القيم الذى قدمه الدكتور
أبو شادي الروبي فى هذا المؤتمر ) .