بدء الحياة .. وحرمة الأجنة

للدكتور عبد الله باسلامه

بدء الحياة في الأجنة قضية علمية، فقهية واجتماعية مهمة.. وأن المتتبع للحوار الذى دار حول هذه القضية يجد أن (الاجابة) عليها قد تعددت بتعدد مراحل الزمن! فلكل زمان فتوى في هذا الموضوع تتفق مع ماتوصل إليه العلم والتقنية في ذلك الزمان.

والإجابة الشافية ضرورية في هذا المجال، وذلك لكي يتسنى إعطاء الجنين حقه الشرعي .

والحق الشرعي للجنين قد كفله الإسلام، والأدلة على ذلك كثيرة، نذكر منها الآتي:

أولا-

(1)    إذا توفي الرجل عن زوجة حامل فإن حق الجنين، مكفول، ويجب

ألا يتصرف  في التركة قبل أن يرصد نصيب الجنين منها، فإذا وضعت الزوجة أكثر

من جنين، فإن على الورثة أن يردوا ما أخذوه من نصيب الجنين الثاني، أو ما زاد على ذلك).

 

(2)    ( إذا أجهضت المرأة جنينا في أي دور، وبدا على هذا الجنين أية أمارة من أمارات الحياة، كعطسة أو سعلة (1) أو تحريك إصبع... الخ، فإن هذا الجنين

يرث أيآ من مررثيه الشرعيين مات بعد بدء الحمل، ثم إذا مات هذا الجنين آلت تركته لورثته الشرعيين).

ثانيا- قد كفل الإسلام حرمة الجنين وحمايته من الإجهاض المتعمد دون حق شرعي، حتي لنجد أنه (إذا حكم على امرأة بالاعدام وكانت حاملا، تأجل تنفيذ الحكم حتى تضع وليدها، وفي رأى آخر حتى تتم رضاعته (1)، وقد أجل النبي صلى الله عليه وسلم رجم الزانية الحامل (مما يدل على أن الحمل السفاح لا يجيز الإجهاض على حياة الجنين).

ثالثا- (شرع الإسلام عقوبة مالية (الغرة) على من أحدث الاجهاض،فإن نزل الجنين ميتا أو نزل قبل تمام الشهر الرابع فديته عشر دية البالغ (2).. وإن نزل بعد الشهر الرابع حيا، كانت- الغرة- أو الغرامة دية كاملة) (3).

هذه الأمثلة وغيرها ترينا حكم الشريعة الإسلامية في صيانة أرواح الأجنة وحفظ حقوقهم داخل الأرحام.

ولكننا نجد أنفسنا في هذا العصر.. ومتغيراته الاجتماعية، ومعطيات العلم، أمام نافذة مفتوحة.. تكاد أن تمتد من خلالها الأيدي لكيى تعبث بحياة الأجنة.

 

ولا يزال الحلال والحرام في هذه الأمور يتأرجح بين تفسيرات العلم الحديث لنمو الجنين وأطواره وحركاته وبدء الحياة فيه.

 

ولقد حاول الفقهاء المسلمرن في العصور السابقة تفسير بدء الحياة في الأجنة، ولم يكن ميسرا لهم استعمال الوسائل الحديثة في علم الأجنة، كمنظار الرحم وأجهزة الموجات فوق الصوتية ووسائل فحص الجنين داخل الرحم وتتبع سير نموه، هذه الوسائل العلمية التي ترينا الآن الجنين داخل بطن أمه منذ اللحظات الأولي ، وتصور نموه ساعة بساعة ويوماً بيوم، بل وإلى أن ينمو ويصبح إنسانا سويا.

 

لذا كانت الآراء الفقهية (او بعضها) ترى أن الحياة تدب في الجنين مع دبيب حركة أطرافه داخل البطن، أي في حوالي الشهر الرابع من الحمل.. معتقدة أن الحركة هي بمثابة بدء الحياة .

ويبدو أن الدليل الشرعي فى ذلك كان حديث (الأربعينات).. عن رسول الله. عليه الصلاة والسلام (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح) حديث صحيح.

 

ويتضح من ذلك أن بعض الفقهاء قد فهم من الحديث الشريف أن الحياة تبدأ في الجنين بعد نفخ الروح فيه، أي بعد (120) يوما من الحمل، لذا نجد أن بعض المذاهب قد أجازت الاجهاض ( لعذر) قبل 120 يوما، كما أن حرمة الجنين تصان بعد الشهر الرابع بإجماع كل المذاهب.

 

ومع مطلع القرن العشرين أو بعده بقليل، وبعد اختراع الميكروسكوب والتقدم في علم التشريح وعلم الأجنة... الخ، تأكد بما لا يدع مجالا للشك بأن الحياة تبدأ- داخل الرحم- منذ اللحظة الأولى للحمل، بعد التلقيح وتكوين البويضة، وبالتالي قيل بأن الجنين منذ الفترة الأولى للحمل هو كائن حي له حرمة ولا يجوز الاعتداء على هذه الحياة .

 

وأصبحت هذه الحقيقة العلمية قاعدة شرعية وقانونية، قد نوقشت في كثير من المحافل والندوات التي بحثت موضوع الإجهاض وموقف الإسلام منه..

 

ولكنني لم أطمئن نفسيا لهذه النتيجة.. وشعرت أن في طياتها تجاهلاً لمفهوم الأحاديت النبوية في هذا الموضع.. وأنها تميل إلى الأخذ برأى العلم القائل بأن بدء الحياة يعنى بدء حرمة الجنين .

 

ونحن عندما نساير العلم في تطوره السريع.. نجد أن العلم متغير! فقد ثبت- أيضا- وبما لا يدع مجالا للشك بأن الحياة تبدأ قبل التلقيح وتكوين الجنين أو البويضة؟! فالحياة موجودة في الحيوان المنوي وموجودة أيضا فى البويضة التي تخرج من مبيض الأنثى وكلاهما أثبت- علميا- أنه حي قائم بذاته.. وعملية اللقاء وتكوين الحمل هو استمرار لحياة وجدت مسبقا.

 

وكما هو معروف- عرفا وشرعا- بأن هذه الحياة الأولية أو الأساسية في البويضة، أو في الحيوان المنوي، حياة ليست لها حرمة ، وليس بحرام إهدارها. بدليل أن بلايين البلايين من الحيوانات المنوية يمكن أن تهلك أو تقذف في الخارج. ولا إثم.. وشهريا تفقد كل سيدة بالغة بويضة تموت دون لقاح.. ولا إثم؟!

 

أضف إلى ذلك الحقيقية العلمية التالية.. وهي أنه قد ينتج عن التقاء الحيوان المنوي بالبويضة حمل.. ولكن هذا الحمل غير طبيعي، ويسمي بالحمل العنقودي أو الحمل الحويصلي، والحمل الحويصلي حمل ينتج عنه تكوين كتلة من الانسجة على شكل حويصلات مائية تشبه عنقود العنب في مظهرها، ولا تكون جنينا أو إنسانا أو بشرا سويا، وإجهاض مثل هذا الحمل واجب طبي، وتخليص الرحم منه فور تشخيصه ضروري، تلافيا لحدوث مضاعفات خطيرة على الأم.

 

كما أنه معروف- علميا- أن ليس كل لقاح بين حيوان منوي وبويضة يكون الناتج عنه جنيناً قابلأ للحياة ! بل قد يتولد عن ذلك جنين عقيم، أو غيرمكتمل، ويستمر وجوده في الرحم إلى فترة زمنية قد تصل إلى عدة أسابيع قبل أن يجهض تلقائيا أو يعمل على تخليص الرحم منه.

ويستنتج من كل ما تقدم: أنه ليس كل حمل سوف يتولد عنه إنسان أو بشر له حرمة، ويجب صيانته !؟

إذن السؤال الذي يجب أن يطرح للنقاش هو:

متى يصبح للناتج عن لقاء الحيوان المنوي بالبويضة حرمة وحقوق؟

ومتى تبدأ حرمة الجنين؟ .

وفي رأي  أن حرمة الحمل، والجنين تبدأ عندما يصبح هذا الجنين إنسانا بشرا سويا..

فالانسان أو الجنين الذي أخذ صفات وملامح الانسان، هو الذي له حرمة وحقوق ! وليس كل مادة حية (أو فيها وسائل الحياة) في الرحم لها نفس القدر من الحرمة والتكريم؟

واذا تتبعنا حياة (الانسان) داخل الرحم نجده يمر بأطوار متعددة.. والقرآن الكريم وصف هذه الأطوار وصفا دقيقا بليغا لايمكن أن تسفر العلوم الوضعية وعلم الأجنة عن أفضل منه.

قال تعالي. (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين* ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1) .

فالوصف العلمي (التشريحي) للجنين يمكن إنجازه في التالي :

فبعد التقاء الحيوان المنوي بالبويضة يتحول الناتج من طورالنطفة إلى العلقة  ثم إلى المضغة ثم إلى بدء ظهور العظام واللحم، وإلى هنا فكل كتل من الخلايا والأنسجة لم تأخذ بعد الشكل الذي يشبه الإنسان، وليس بها أطراف تتحرك، بعد ذلك وعندما يقترب عمر الجنين من الأربعين يوما تظهر الأطراف ثم قناة الحبل الشوكي الحامل للأعصاب، وهنا وفي حوالي 42 يوما تبدأ النشأة الأخرى، التي هي عبارة عن نمو لشيء قد تحدد.. ومع ظهور الأعضاء (أو قناة الحبل الشوكي) تبدأ الحركة في الأطراف- الحركة غير المحسوسة من قبل الأم، لكن يمكن الآن تسجيلها على شريط فيديو ورؤيتها ؟!

والتشريح العلمي للأجنة، وما أسفرت عنه الأجهزة العلمية وتصوير الأجنة داخل الأرحام كل ذلك يرينا أن الجنين يأخذ شكله الآدمي الإنسانى البشري بعد الأسبوع السادس  أي بعد حوالي 42 يوما من بدء الحمل.

والقرآن الكريم- أيضا- وصف خلق الانسان فقال تعالي:(إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج ) (1) أي من أخلاط من الحيوان المنوي والبويضة، وقال تعالي أيضا (خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين.. ) (2) أي أنه (الإنسان) نتاج النطفة.. وقال تعالي (خلق الإنسان من علق.. ) (31) أي طور العلقة، سابق لطور الإنسان.. ثم قال تعالي (لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم.. ) (4) .

مما تقدم يمكن أن نستنتج أن اللقاء الأول بين الحيوان المنوي والبويضة ليس هو الإنسان.. وإن كان فيه حياة.. كذلك فإن أطوار النطفة والعلقة والمضغة والعظام واللحم ليست بالإنسان الذي هو في أحسن تقويم، إنما الطور التالي لتلك المراحل.. طور النشأة الأخرى، وظهور ملامح الإنسانية عليه! .

والخلاصة..

أن حرمة الأجنة قد كفلها الإسلام، لكن متى تبدأ هذه ا لحرمة؟هل هي مع بداية الحياة؟

-                                أم تبدأ مع بداية الحركة في أطرافه (الحركة غير المحسوسة) بعد حوالي أربعين يوما ؟

-                                أم تبدأ مع شعور الأم بالحركة- في الشهر الرابع أو الخامس من الحمل؟

والذي أراه- والله أعلم- أن الأخذ بقاعدة حرمة الجنين تبدأ مع بدء الحياة.. ليس هو الأصوب... وانما (في رأيى) أن الحركة تبدأ عند أخذ الجنين صورته الآدمية البشرية السوية، أي بعد أربعين يوما من جمع خلقه في بطن أمه.وصدق الله العظيم، (وما ينطق عن الهوى ) (1 )  .

وصدق رسوله الكريم عليه أفضل الصلاة والتسليم