الإيدز مشكلة
العالم المعاصر عندما تم لأول مرة التعرف على متلازمة العوز المناعي المكتسب ( الإيدز) على أنها كيان سريري مستقل ، عام 1981 م ، كان الظن أنها لا توجد إلا في الولايات المتحدة الأمريكية ، ولا سيما في زمر معينة ، هي مجموعات الشواذ جنسيا والمتعاطين للمخدرات بالوريد . ولكن ، سرعان ما تبين خلاف ذلك بعدما أبلغت بلدان أخرى في أوروبا وأمريكا في عامي 1982 ، و1983 عن وجود المرض فيها . وقد أصبح هذا المرض الآن يتصدر اهتمامات رجال السياسة والعاملين في مجال الصحة العمومية والصحافة والجمهور . الوضع العالمي للإيدز : لقد كان فيروس الإيدز واسع الانتشار في كثير من البلدان ، قبل أن يدرك العلماء وجوده ، وقبل الإبلاغ عن حالاته الأولى في عام 1981 م . وقد تم منذ التعرف لأول مرة على الإيدز وحتى نهاية شهر يوليو 1988 م . إبلاغ منظمة الصحة العالمية بما يزيد على مائة وثمانين ألف حالة من مئة وأربعين بلدا ويبين الجدول 1 عدد الحالات المبلغة بحسب القارة والسنة . وقد تم الإبلاغ عن أكبر عدد من الحالات ( أكثر من 000 , 79 حالة ) من الأمريكتين ، حيث بلغت المعدلات التراكمية المبلغة لحدوث الإيدز ، أعلى مستوياتها في جزر الكاريبي ، لا سيما برمودا وغيانا الفرنسية ، إذ تجاوزت هذه المعدلات 100 / 000, 100 من السكان . ويوجد في الولايات المتحدة الأمريكية أكبر كم من الحالات في العالم ( أكثر من 000, 69 حالة ) ، ويبلغ المعدل التراكمي لحالات الإيدز المبلغة 28 / 000, 100 من السكان ، وتقدر دائرة الصحة العمومية الأمريكية أنه بحلول عام 1991 سيكون قد حدث أكبر من ربع مليون حالة في الولايات المتحدة . وفي
أفريقيا أبلغ 45 بلدا عن وجود ما
يقرب من 000, 15 حالة . وهناك
اختلافات كبيرة في معدلات
الحدوث التراكمية ، وتبلغ هذه
المعدلات أعلاها في الكونغو (58 /
000 , 100 ) ، تليها بورندي فأوغندا
فرواندا حيث تزيد على 10 / 000, 100 .
أما في جمهورية أفريقيا الوسطى
وملاوي وزامبيا وتنزانيا وكينيا
وزمبابوي وزائير فتتراوح هذه
المعدلات بين 1 , 10 / 000, 100 .
· الأرقام الواردة بين قوسين ( ) تمثل البلدان المبلغة عن حالة أو أكثر . وفي أوروبا ، أبلغ 28 بلدا عن وجود أكثر من 000 , 13 حالة ومعدلات الحدوث في أوروبا الشرقية تقل كثيرا عن نظائرها في أوروبا الغربية حيث تعتبر معظم بلدانها عرضة لوباء الإيدز . وتوجد أعلى معدلات حالات الإيدز التراكمية المبلغة في فرنسا ، وسويسرا ، والدانمارك ، وأسبانيا ، وألمانيا الاتحادية ، وبلجيكا ، وإيطاليا . عن أنه يجب تذكر ما يلي : إن المعطيات المتاحة تقدم عدد الحالات التي أبلغتها البلدان باختيارها ، وهي لا تعكس بدقة معدل حدوث المرض على الصعيد العالمي ، وتقوم بعض البلدان بالإبلاغ عن الحالات فيها بانتظام ، ويقوم بعضها بالإبلاغ دوريا في حين لا ترد أي بلاغات على الإطلاق من بعضها الآخر ، ومن المرجح أن التقدير الحالي لعدد حالات الإيدز يبلغ الآن ضعفي العدد المبلغ عنه منذ بداية جائحة الإيدز ، ألا وهو 000, 200 حالة تقريباً . إن الحالات المبلغة لا تمثل سوى علامة صغيرة لوضع كامن بالغ الخطورة ، فكثيرون من المخمورين دون أعراض بعد ، ينتظر أن تظهر فيهم الأعراض في المستقبل ، ففي خلال خمس سنوات من العدوى تظهر أعراض الإيدز على ما يقرب من 25 % من المخموجين ، في حين يصاب 40 % آخرون بحالة تعرف باسم المتلازمة المرتبطة بالإيدز . أما الـ 35 % الباقون . فنجهل مدى احتمال حدوث المرض فيهم . ولا نعرف إلا قليلا لماذا يبدي بعض المخموجين أعراضا ولا يبديها غيرهم . وربما كان ثمة عوامل معينة تثير تطور الخمج إلى مرض . ومنها التعرض المتكرر للعدوى ، والخمج بأمراض تنتقص الوظائف المناعية كالتدرن أو البرداء ، ثم الحمل ، وربما العوامل الوراثية . يعتقد أن الخمج متى وقع استمر مدى الحياة . ولما كان الخمج لا يتطور بسرعة إلى مرض يعقبه الموت أو الشفاء ، فإن هناك زيادة تراكمية في عدد المخموجين . ولا يعرف على وجه اليقين العدد الحقيقي للأفراد المخموجين بفيروس العوز المناعي البشري في مختلف البلدان . وإن كانت معرفته من المتطلبات الأساسية لوضع الاستراتيجيات الوطنية للوقاية والمكافحة . ووفقا للتقديرات الحالية ، يوجد في العالم حوالي 5 ـ 10 ملايين شخص يعتقد أنهم مخموجون بالإيدز ، ومن ثم فإنهم معرضون للمشاكل الصحية المرافقة لفيروس العوز المناعي البشري . ويعني هذا وجود 50 ـ 100 مخموج أو أكثر بهذا الفيروس ، مقابل كل حالة من حالات الإيدز المقدرة المعروفة . يقدر أنه خلال السنوات الخمس القادمة سيظهر مليون إلى مليوني حالة جديدة من حالات الإيدز في أشخاص مخموجين الآن بالمرض . ويمثل هذا زيادة تقدر بعشرة أضعاف عدد الحالات المبلغة حتى الآن . وقد يتجاوز عدد الحالات المتوقعة خلال عام 1988 وحدة … , 100 حالة . وإذا ظلت جائحة المرض تستشري ، لا يكبح جماحها شيء فإن عدد المخموجين في العالم في السنوات القادمة سيكون مخيفا حقا ، وسيتزايد بعد ذلك بنسب تتعذر السيطرة عليها . والصورة الوبائية للمرض في شتى أنحاء العالم ذات أنماط متميزة ثلاثة : 1 - أما النمط الأول فيلاحظ في الولايات المتحدة الأمريكية ، وأوروبا الغربية ، واستراليا ، ونيوزيلندا ، حيث تقع معظم الحالات بين الجنوسيين ( الشواذ جنسيا) ، لا سيما الذكور ، الذين تتراوح أعمارهم بين 20 و 49 عاما ، إذ تتراوح نسبة الذكور إلى الإناث من 10 : 1 إلى 15 : 1 . وتحدث العدوى غالبا من خلال المقارفات الجنوسية . أما العدوى الناجمة حتى الآن عن الجماع بين الجنسين ، فلا تتسبب إلا في نسبة صغيرة من الحالات ، وإن كانت الآن في تزايد ، وأما العدوى الناجمة عن الدم ومنتوجاته ، إذا استثنينا تعاطي المخدرات بالوريد ، فإن أهميتها في تناقص ، لما تتخذه معظم هذه البلدان من إجراءات لتحري الدم . وما زالت العدوى حوالي الولادة قليلة الأهمية ، لأن معدل الانتشار المصلي في المجتمع هو في حدود 1 % ، وإن كان هذا المعدل يرتفع في الشواذ جنسيا فيبلغ 50% في بعض المجتمعات . 2 - وأما النمط الثاني فهو النمط السائد في شرق أفريقيا ووسطها وجنوبها ، حيث تنتقل العدوى غالبا عن طريق الجماع بين الجنسين ، وتبلغ نسبة الذكور إلى الإناث ، 1 : 1 , كما تشيع العدوى حوالي الولادة ، وقد يكون للحقن دور هام في انتقال العدوى لأن التعقيم الصحيح للمحاقن والإبر شائع ، والمحاقن الوحيدة الاستعمال غير مستخدمة على نطاق واسع . ومعدل الانتشار المصلي مرتفع ، وقد يصل في بعض الفئات ، لا سيما صغار البالغين ، إلى 15 % . وتتجاوز معدلات الخمج بفيروس العوز المناعي البشري 80 % بين البغايا في بعض المجتمعات . 3 - وأما النمط الثالث فهو النمط الذي يغلب الإبلاغ عنه في الشرق الأوسط وآسيا وفي عدد كبير من بلدان المحيط الهادي ، حيث يبدو أن الفيروس قد دخل هذه الأجزاء من العالم مؤخرا ، وحيث تحدث العدوى بالاتصال بين أفراد من الجنس الواحد أو الجنسيين على السواء ، وتصادف الحالات عموما في أشخاص سافروا إلى مناطق متوطنة أو خالطوا أهلها ، وفي أناس نقل لهم دم مجلوب من بلاد ينتشر فيها الإيدز . ومعدل حدوث المرض في تزايد ، ولكن معدل الانتشار المصلي ما زال منخفضا جدا . مما يوحي بالانخفاض النسبي لمعدلات الغزو في المجتمع . الطراز الوبائي للإيدز في الدول الإسلامية ودول إقليم شرق البحر المتوسط : إن الطراز الوبائي للإيدز وللخمج بفيروس العوز المناعي البشري في الدول الإسلامية يختلف كل الاختلاف عنه في الولايات المتحدة وأوروبا أو في أفريقيا . ويرجع ذلك إلى عوامل عديدة ، منها أن الفيروس كان قد انتشر على نطاق واسع في الولايات المتحدة وفي بعض البلدان الأخرى التي تبلغ الآن عن معظم الإصابات ، قبل أن ينتبه العلماء إلى وجوده ، وقبل الإبلاغ عن الحالات الأولى في عام 1981 . وربما كان هناك بالفعل مئات الألوف من المصابين عندما تم الإبلاغ عن أول الحالات وكان مما سهل إلى حد كبير غزو الفيروس وانتشاره في الولايات المتحدة وفي أجزاء من أوروبا ما سمي بالثورة الجنسية التي بدأت في الستينات واستمرت حتى السبعينات ـ ولقد حاول الجنوسيون (اللواطيون) أن يحصلوا في إطار تلك الحركة على الاعتراف بشرعية نشاطهم ، وقطعوا في هذا الاتجاه شوطا بعيدا . فأنشئت نواد كبيرة للجنوسيين (الشواذ جنسيا) كانت تروج فيها بمزيد من الحماس تعددية القرناء الجنسيين ويمكن تصور أبعاد هذا الطراز السلوكي من خلال نموذج مستمد من دراسة أجريت قبل ظهور الإيدز في أحد مجتمعات الجنوسيين في الولايات المتحدة الأمريكية ، فلقد سجلت هذه الدراسة أن 60% من الأشخاص الذين زاولوا الجنس معا فعلوا فعلتهم حتى قبل أن يعرف الواحد منهم اسم الآخر . وكان من شأن هذا السلوك الجنسي أن يمهد الطريق لسرعة انتشار الفيروس قبل ان يتبين العلماء أنه موجود . أما في الدول الإسلامية فالبينات جد قليلة حتى الآن على انتقال العدوى محليا ، إلا في عدد قليل من البلدان ، ولقد وقعت معظم الإصابات ضمن فئتين رئيسيتين : أولئك الذين أجريت لهم عمليات نقل دم مستورد من بلدان ينتشر فيها المرض ، ونجمت عن تلك الوسيلة نسبة كبيرة من أخماج فيروس العوز المناعي البشري ، ولا سيما أن بعض البلدان كانت تستورد كل احتياجاتها من الدم ومنتجاته أو تكاد . وأولئك الذين اتصلوا جنسيا بآخرين في مناطق تتفشى فيها العدوى ، وتشمل هذه الفئة ، العاملين المقيمين في أوروبا ، والمواطنين الذين سافروا لتمضية عطلاتهم في الخارج . طرق العدوى : تم استفراد العوز المناعي من الدم والمصل وسائل أجزاء الجسم المختلفة ، بما فيها المني ، وسائل عنق الرحم والمهبل ، ولبن الثدي ، والدموع ، واللعاب ، بيد أن الدراسات الوبائية التفصيلية التي أجريت في شتى أنحاء العالم تعزو العدوى بوجه خاص إلى الدم والمني وإفرازات عنق الرحم والمهبل ، واستفراد الفيروس من أحد سوائل الجسم لا يعني حتما أن لهذا السائل شأنا في العدوى . فقد أوضحت جميع الدراسات الوبائية أن هنالك ثلاثة طرق رئيسية للعدوى هي : 1 -
المقارفة الجنسية . 1 - العدوة عن طريق الجنس : فيروس العوز المناعي فيروس ينتقل عن طريق الجماع بين أفراد الجنس الواحد أو الجنسين على السواء ، وهذا الطراز من العدوى مسئول عن أكثر من 90 % من حالات الخمج . غير أنه ينبغي أن لا يغيب عن الذهن أن لا خطر من العدوى عن طريق الاتصال الجنسي إذا كان طرفاها غير مخموجين ، كأن يكونا زوجين علاقتهما الجنسية مقصورة عليهما ، شريطة أن لا يكون أحدهما قد انعدى قبل الزواج ، أو بطريق آخر من العدوى ، مثل نقل الدم ، وهناك ممارسات وعوامل جنسية معينة تزيد من خطر العدوى ، مثل الجماع في الشرج ، وتعدد القرناء الجنسيين ، ووجود أمراض أخرى منقولة جنسيا ، والمخالطة الجنسية للبغايا ، فالجماع في الشرج أخطر من الجماع في المهبل ، لا سيما بالنسبة للقرين المتلقي ، لأنه كثيرا ما يؤدي إلى حدوث تمزقات طفيفة في الغشاء المخاطي للمستقيم يمكن من خلالها للمفاويات المخموجة ولفيروس العوز المناعي أن تدخل في أنسجة هذا القرين ومجري دمه . أما الجماع في المهبل فيمكن أن يؤدي إلى انتقال الفيروس من رجل مخموج إلى امرأة أو من امرأة مخموجة إلى رجل. 2 - العدوى عن طريق الحقن : أما حالات الإصابة بالإيدز عن طريق نقل الدم ومنتوجاته ، فتمثل نسبة ضئيلة ولكنها هامة من مجموع الحالات ، إذ تبلغ 2 ـ 5 % . ويحدث هذا النمط من العدوى بنقل الدم المخموج أو منتوجاته ، واستعمال الإبر والمحاقن الملوثة وسائر الأدوات الملوثة التي تخترق الجلد . ويتضح من الدراسات التي أجريت على حالات التعرض لحقنة واحدة ، أن خطر العدوى بالفيروس يتعلق باللقاحة ، فالذين ينقلون وحدة واحدة من الدم من شخص مخموج ، معرضون بشدة لخطر العدوى ( بنسبة 90% تقريبا ) . وقد تبين حتى الآن أن ما يؤدي إلى العدوى بالفيروس هو الدم الكامل ومكوناته الخلوية (الكريات) والمصورة (البلازما) وعوامل التجلط ، ولم تثبت العدوى بالمنتوجات الأخرى المستحضرة من الدم (الغلوبلينات المناعية ، والأليومين ، وأجواء بروتين (البلازما) . وقد تصبح العدوى عن طريق الدم ونواتجه مشكلة هامة في البلدان التي لم تقم بعد بتنفيذ برنامج لتحري الدم على النطاق القطري بحثا عن الإصابة بالفيروس . وفي البلدان التي ترتفع فيها معدلات الإصابة يوجد فيما يبود ، علاقة بين الإيدز والحقن لأسباب طبية ولأغراض الطقوس العقائدية ، لا سيما حيث لا تتوافر المحاقن والإبر وحيث إجراءات التعقيم غير الكافية . 3 - العدوى من الأم للجنين : قد تحدث العدوى حوالي الولادة قبل ميلاد الجنين أو أثناءه أو بعده بقليل، وعلى الرغم من توثيق طرق العدوى الثلاثة هذه . فإن الأهمية النسبية لكل منها لم تتحدد بعد . وعموما فإن أخطار انتقال الفيروس من الأم المخموجة إلى رضيعها يتراوح بين 25 % و 50% فقد أبلغ عن تعرض الرضع للإصابة بالعدوى بعد الولادة من أمهات أصابهن الفيروس بعد الوضع . ويظن أن لبن الثدي هو الطريق الممكن للعدوى في هذه الحالات . وتختلف الأهمية النسبية لطريق العدوى المختلفة من قارة إلى أخرى ، ومن بلد لآخر ، بل حتى داخل البلد الواحد من جماعة إلى أخرى ، وهي تتصل أيضا بإدخال طرق تحري الدم ومنتوجاته ، مما يحد من دورها في العدوى . ولا توجد حتى الآن بينات على إمكان انتقال الفيروس عن طريق الجهاز التنفسي أو الأمعاء أو المخالطة الشخصية العارضة أو في محيط الأسرة أو العمل أو المدرسة أو المحيط الاجتماعي . كما لا توجد بينات عن أن المرض ينتقل عن طريق الحشرات أو الطعام أو الماء أو المراحيض أو حمامات السباحة ، أو المقاعد أو أواني الأكل والشرب المشتركة أو غيرها من الأصناف ، مثل الملابس المستعملة أو أجهزة الهاتف . ولدى الجمهور مخاوف من انتقال العدوى عن طريق اللعاب ، كأن يكون ذلك باستعمال أدوات يستخدمها المصابون أو أثناء أعمال طب الأسنان . ويبعث على الاطمئنان ملاحظة أن معدل استفراد الفيروس من اللعاب منخفض جدا (1 - 2 %) من المصابين . وبعد ، فإن فيروس العوز المناعي البشري لا ينتشر بشكل عارض ، وإنما نتيجة لنشاط آدمي يمكن للإنسان التحكم فيه . فالعدوى يمكن الحد منها إلى مدى بعيد بضبط الممارسات الجنسية ، وتحرى الدم قبل نقله ، واجتناب إعادة استعمال الإبر والمحاقن الملوثة أو الاشتراك في استعمالها . الجوانب الاجتماعية للإيدز : سبق أن وصف الإيدز في مناسبات كثيرة بأنه مشكلة اجتماعية أكثر من كونه مشكلة طبية ، وهذا صحيح ، لأن وقوع الإيدز ، شأنه شأن الأمراض الأخرى المنقولة جنسيا ، يرتبط بعدد من العوامل الاجتماعية ، أهمها الجنوسية ( الشذوذ الجنسي ) وتعاطي المخدرات والبغاء وكذلك نرى أن من المهم تناول هذه الجنوسية (الشذوذ الجنسي) وتعاطي المخدرات والبغاء ولذلك نرى أن من المهم تناول هذه الجوانب الثلاثة بإيجاز من منظور هذا الإقليم الذي يشمل العديد من الدول الإسلامية . أ - الجنوسية (الشذوذ الجنسي) في هذا الجزء من العالم ، ليس هناك من شك في أن الشذوذ الجنسي ، رغم وجوده ، سلوك ممجوج اجتماعيا ، ومرفوض قانونيا ، أضف إلى ذلك أن الجنوسيين ليس لهم ذلك الوضع الاجتماعي المرتفع ولا النفوذ الاقتصادي أو السياسي القوي ، ولا المركز المرموق في نظر المجتمع كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية وفي أوروبا حيث تتيح لهم أعدادهم الكبيرة وجود من يندي بتقبلهم ويدافع عما يسمونه حقوقهم المشروعة . ومن المهم أيضا ملاحظة أن نمط الجنوسية في هذه المنطقة من العالم مختلف جدا عنه في المناطق الأخرى ، وبصفة خاصة في بعض جوانبه الهامة ذات الصلة بانتشار الإيدز ، فالجنوسيون في هذا الإقليم لا يفارقون في العادة قرناء متعددين . أما جماعاتهم ـ إن هم تجمعوا ـ فهي لا تعدو أن تكون ضئيلة الحجم . ولا بد لنا أن نذكر ـ من ناحية أخرى ـ أن إنكار وجود الشذوذ الجنسي في مجتمعاتنا ليس من شأنه أن بوقف خطره في نقل الإيدز في هذا الإقليم ، حتى وإن كان ذلك الخطر محدودا . بل إن الأمر على عكس ذلك . فمن الأهمية بمكان أن نعرف المزيد عن هذا السلوك البالغ الخطورة ، حتى يمكن التوصل إلى النهج الأمثل للوصول إلى الأفراد المعنيين وتثقيفهم ، لا سيما وأن برامج الإعلام العامة لا تستطيع في العادة أن تحدث من التغيرات السلوكية بين الشواذ جنسيا ، ما يخفض كثيرا من خطر انتشار العدوى . ب - البغاء : ثمة بينات على انتقال العدوى فيما بين الجنسين يلعب دورا متزايد الأهمية في نقل فيروس العوز المناعي البشري في هذا الجزء من العالم وللبغايا في هذه المشكلة دور لا ينكر فلقد ثبت في بعض الظروف أنهن كن حلقة الوصل التي تتسرب من خلالها العدوى إلى بعض المجتمعات . لقد كان البغاء موجودا على مدى التاريخ البشري كله ، رغم المحاولات التي لا حصر لها للقضاء عليه ، وهي محاولات كانت تتسم بالعنف في بعض الأحيان . ولم يعد وجود البغاء كما كان في الماضي مقتصرا على ظروف الفقر والتعاسة الاجتماعية وحدهما . والبغاء محظور قانونا في معظم بلدان هذا الإقليم ومع ذلك فإن أحدا لا ينكر وجود بعض الأوضاع التي يباع الجنس فيها ويشترى دون رقيب ولا حسيب ، ولا يعرف الحجم الحقيقي لهذه الأنواع من الدعارة في هذا الإقليم وتزعم بعض السلطات الوطنية مثل هيئات الشرطة والأمن أنها تعرف أبعاد هذه المشكلة ، وإن كان واضحا أنها لا تتخذ إزاءها من الإجراءات إلا القليل. إن حجم مشكلة البغاء غير معروف ، ليس فقط في هذا الإقليم وإنما على الصعيد العالمي أيضا . ففي البلدان التي يباح البغاء فيها يبلغ عدد البغايا غير المسجلات ما بين خمسة وعشرة أمثال عدد البغايا المرخصات . وتصطدم جهود مكافحة البغاء بالعديد من الصعوبات . ففي بعض البلدان حاولت السلطات الوطنية أن تخفض عدد البغايا بإتاحة مصدر رزق بديل لأولئك اللآتي كان البغاء وسيلتهن الرئيسية لكسب العيش ، ولكن ثبت بالتجربة أنهن كن يقبلن هذا الدعم ويواصلن في الوقت نفسه عرض بضاعتهن . ج - تعاطي المخدرات بالوريد : إن تعاطي المخدرات عن طريق الوريد سلوك ذو شأن كبير في انتقال الإيدز ، ومن المعروف أنه في الولايات المتحدة وأوروبا يتعاطى المخدرات وريديا بانتظام ما بين 1 و 3 في الألف من السكان ، بالإضافة إلى ما بين 1 ، 3 في الألف يتعاطونها في بعض الأحيان . ومن ناحية أخرى لا يعرف أحد حجم مشكلة تعاطي المخدرات بالوريد في هذا الإقليم ، ومن المرجح أنه أقل بكثير مما هو في الولايات المتحدة وأوروبا . ويشكل متعاطو المخدرات مجموعة منعزلة لا تصل إليها السلطات الصحية بسهولة لأنها تتكون عادة من أشخاص مضطهدين ممن لا يستجيبون للتثقيف الصحي . وعادة ما يضطرهم إدمان المخدرات إلى مزاولة السرقة والعنف والبغاء . إن اقتراح إجراءات لمعالجة مشكلة المخدرات فيما يتعلق بانتشار الإيدز ، سهل الكلام ولكنه صعب التطبيق . وبعض الناس يروجون حلولا ساذجة لمشكلات معقدة ، مثال ذلك الدعوة إلى توزيع المحاقن بالمجان . ولا يمكن لأحد أن يصدق أن هذا هو الحل ، خصوصا إذا أخذنا في الحسبان أن ثمن الحقنة والإبرة لا يمثل إلا نسبة ضئيلة من ثمن المخدر ، ويتحدث بعض الناس أيضا عن مناشدة المدمنين أن يتفهموا عواقب مسلكهم الخطر ويتحملوا مسؤولياتهم الأدبية . ولكن بعض علماء الاجتماع يعتقدون أن ذلك أمر متعذر التحقيق بين فئة يتقمصها بالفعل سلوك غير رشيد كتعاطي المخدرات . وهم يرتابون في إمكانية التوصل على المدى البعيد . إن سبيلا واحد فقط هي التي من شأنها السيطرة على العدوى بفيروس العوز المناعي البشري من خلال تعاطي المخدرات ، ألا وهي برامج معالجة المتعاطين للمخدرات . المعالجة : لا يوجد نظام علاجي معروف لترميم الحالة المناعية لمرض الإيدز . وتشتمل رعاية المريض بالخصوص على معالجة الأخماج الانتهازية . ونظرا لأن المريض يعوزه الدفاع المناعي فإن معالجته بالمستحضرات الكيميائية والمضادات الحيوية تكون أقل فعالية مما تكون في غيره من المرضى الأصحاء المناعة . وتبذل جهود كبرى لابتكار طرق لعلاج مرضى الإيدز والمتلازمة المرتبطة بالإيدز . والبحوث جارية بهذا الشأن في عدة ميادين . وقد تحقق تقدم ملحوظ نحو استعراف العوامل المضادة للفيروسات . فقد أجريت دراسة سريرية مزدوجة التعمية مشهدة بمادة عفل فأظهرت أن بعض فئات مرضى الإيدز الذين يتلقون الأزيدوتيميدين قد زاد وزنهم وانتابهم شعور بالعافية . واستعاد جلدهم فاعليته وزادت الكريات البيضاء المساعفة في دوران دمهم ، مما يعني أن هذا الدواء يبدو أنه يطيل عمر مرضى الإيدز ، على أن لهذا الدواء آثارا جانبية ، بما فيها السمية التي تؤثر في نقي العظم فتؤدي في بعض الحالات إلى فقر الدم وقلة الكريات البيضاء الشديدين . والدواء متوافر الآن في السوق غير أنه ما يزال غاليا جدا . وقد بدأ إجراء تجارب هامة على المخموجين بفيروس العوز المناعي البشري باستخدام الأزيدوتيميدين وأدوية أخرى لاكتشاف إمكان كبح تقدم الإيدز . كما يجرى الإعداد لعدة تجارب سريرية أخرى باستخدام أدوية أخرى ، بما فيها الريبافيرين والديديوكسيتيدين ، والريفاصيسين، والسيكلوسبورين ـ أ ، والانتروفيرون ، وعدة أدوية اخرى قد تبعث على الأمل . وقد أفادت التقارير عموما ، بأن العوامل المضادة للفيروسات تثبط تنسخ الفيروس في المرضى ، غير أنه اكتشف أن الفيروس يعود للظهور عند وقف استعمال الدواء ، ومن ثم فقد تلزم المعالجة الصيانية مددا طويلة بعد توقف تنسخ الفيروس . إيجاد اللقاح : إن البحث عن لقاح فعال أمر يلقى عناية خاصة . وإذا كانت الطرائق الحديثة في مجال البيولوجيا الجزيئية قد مكنت العلماء من اكتشاف كيمياء الفيروس على وجه الدقة . فإن تفاعلاته البيولوجية داخل الثوي ، وهو مفتاح التدخل الفعال في عملية الخمج ، ينطوي على صعوبات خاصة بسبب نمط الأضداد التي يتم إنتاجها . والأضداد الناتجة استجابة للخمج بالفيروس هي من الضروب اللا مستعدلة ، أي أنها غير ذات أثر فعال ، فهي قد تختلف عن الأضداد المحرضة بالخمج الطبيعي . وكون البنية الجينية للفيروس تختلف من ذرية إلى أخرى ، لا سيما داخل الغلاف ، هو أمر يتوقع أن يمثل عقبة أخرى في إعداد اللقاح . وقد اكتشف الباحثون مؤخرا أن جزءا من الغلاف يبقى دون أي تغير في جميع الذراري مما يجعل إنتاج لقاح يحرض الأضداد التي تتعرف على هذا الجزء ، أمرا ممكنا . واستعمال لقاحات الفيروس الكامل الحي أو المعطل أمر لا يلقى التشجيع لما ينطوي عليه من خطر اندماج الحمض النووي في داخلية الثوي . فمعظم المحاولات الجارية لابتكار لقاحات . تستخدم فيها المادة الفيروسية المنقاة الخالية من الحمض النووي . والعمل جار في المعهد الوطني الأمريكي للأرجيات والأمراض الخمجية لإجراء أول تجربة سريرية معتمدة للقاح مرشح للإيدز ، تستهدف اساسا قيام مأمونية هذا للقاح الذي يقوم على بروتين معدل من فيروس الإيدز ، هو 160 جي . بي . الذي يؤلف الغلالة الفيروسية ، ومن جزء غشائي . وينتظر استكمال هذا الطور بنهاية عام 1988 ولو ان المعهد المذكور غير قادر على اجتذاب العدد الكافي من المتطوعين . وبعد أن يتم استنباط اللقاح بالفعل ، فإن اختباره سيمثل مشكلة كبرى إذ يلزمه نموذج حيواني . أما المشكلة الثانية فتتعلق بالتعرض للعدوى . وسوف تكون هنالك مشاكل أخرى ، قانونية وإمدادية ، ومشاكل تتعلق بالتكاليف ، ولكن الأهم هو أن التلقيح به قد يأتي بعد فوات الأوان ، فالعدوى تنتشر في العالم بسرعة بالغة . نظرة إسلامية على الوقاية من مرض الإيدز إن الإنسان يفترض فيه أنه بحكم طبيعته وما جعل الله فيه من عقل ووجدان سوف يبتعد عن كل مواطن الشر . وتقوي الأديان هذه الفطرة وتلك الغريزة في نفس الإنسان فتذكرنا دائما بالحرص على الوقاية في الدنيا والحرص من عذاب الآخرة . فيقول الله تعالى ( ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة ) . لقد نهت هذه الآية أن يلقي الإنسان بنفسه وبرضاه وباختياره إلى مواطن الهلاك . إن مرض الإيدز بقدر ما يمثل مشكلة خطيرة يقف الطب العلاجي عاجزا أمامها فإنه بالمقابل يمثل مرضا يمكن أن يكون الأسلوب الوقائي كفيلا بالقضاء عليه وأساس الوقاية هو الالتزام بالسلوك البشري الذي يعتمد في جوهره على القيم المستمدة من التراث والتقاليد المتأصلة في العقائد الدينية لأبناء الأمة الإسلامية . إن انتشار المرض في المجتمعات التي استباحت الممارسات الجنسية غير المشروعة مثل ممارسة اللواط والدعارة وتعاطي المخدرات لدليل على تأكيد حكمة الأديان السماوية التي تنهي عن هذه العادات والممارسات . قال تعالى ( قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون ) . إن رسول الله r عندما تحدث عن الفاحشة ومضارها وقال " ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا ابتلوا الطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا " . إن ظهور مرض الإيدز إنما هو أبلغ دليل على النبوءة لرسول الله r . لقد ظهرت الفاحشة في المجتمع الغربي وأعلنوا بها خلال العشرين عاما الماضية . لقد أصبح لممارسي الفاحشة نواد وجمعيات رسمية معترف بها وأصبحوا يعلنون أنهم يمارسون الفاحشة وإزاء ذلك تحقق الشرط في حديث الرسول r وأصبح لزاما أن يتحقق الجواب وهو تفشي مرض الإيدز والأمراض الجنسية والتناسلية والتي أطلق عليها المجتمع الأوروبي نفسه كلمة الطاعون التي جاءت في حديث رسول الله r . إن الاتصال الجنسي هو أهم طرق العدوى والتعفف عن العلاقات الجنسية غير المشروعة كما تأمرنا جميع الأديان ، والزواج المستقر الآمن القائم على المودة والألفة والوفاء كفيل بالوقاية من العدوى عن هذا الطريق . إن العلاقة بين الزوجين من أقدس العلاقات وأقواها في المحيط الإنساني ربط الله عليهما وأكدها لتستمر وتزدهر دعما لاستمرار البشر وتقوية لأوامر المجتمع قال تعالى ( ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة ). والأديان كلها تنظر إلى الأسرة التي تتكون من الزوجين والأولاد على أنها البنية الأساسية للمجتمع إذا صلحت صلح المجتمع ومن ثم فإن الواجب الديني المحافظة على الأسرة وتقوية روابطها . إن دخول فيروس الإيدز إلى الأسرة يهدمها تماما ، فالشخص البالغ إذا أصيب بالعدوى فإنه ينقلها إلى زوجه أو زوجته ومنها إلى الأطفال فيقضي بأسرته كلها إلى الموت والهلاك بدلا من أن يوفر لها الأمن والحماية من المخاطر والمحافظة على الحياة ، فإن من يعرض نفسه للعدوى بالإيدز يتسبب في فقد الأسرة لعائلها وفي فقد فلذات الأكباد الذين يولدون مصابين يقاسون من المرض الذي ينتهي بالهلاك . وإذا تذكرنا قول رسول الله r " كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول " فإننا نتبين من أن الوقاية من مرض الإيدز واجب ديني وفرض اجتماعي بل والتزام قومي . إن الوقاية من مرض الإيدز وقاية دنيوية وأخروية فإن ما ينهي عنه الإسلام من التردي في المعاصي عن طريق إطاعة مطالب النفس من شهوات جنسية في غير ما أحل الله تفضي به في الدنيا إلى العلل والأمراض وفي الآخرة إلى الهلاك والنار . أعود
فأكرر إن الذين يتعرضون للعدوى
هم في الأساس من يرتكبون فاحشة
الزنا ومن يدمنون المخدرات ولقد
ألقى الله سبحانه وتعالى في
قلوبهم الرعب والقلق والخوف في
الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم
إن كل هذه المجتمعات ترتعد خوفا .
لقد أصابها الرعب والقلق وهو نوع
من عذاب الله سبحانه وتعالى في
الدنيا قبل أن يلحق بهم عذاب
الآخرة . إن المؤمنين بما هداهم
الله سبحانه وتعالى وأنعم عليهم
بالبعد عن الفاحشة آمنون على
أنفسهم من هذا الخوف ومن المرض .
إن من واجب المسلمين جميعا أن
يثبتوا للعالم أجمع أن اتباع
الدين الإسلامي في البعد عما
ينهي عنه كفيل بأن يقي الإنسان
ليس فقط من عذاب الآخرة ولكن
أيضا من عذاب الدنيا بالعلل
والأمراض وأكثر من ذلك بالخوف .
|